كوابيس اغتصاب العراق

مهداة الى اخي احمد سرور في نيويورك:

الشرف كلمة

شبكة البصرة

صلاح المختار

        رايته ،

        كابوسا انبثق من بؤبؤ عين الفناء ، ذات مساء ، يوم تدفقت سيول الجراد،  ومليارات القراد ، من جنوب البصرة، وزحفت نحو الشمال ، ثم استحالت غيمة سوداء ، قذفت مطرا ماءه قطران ، وعصفه عواء ذئب يرتدي وجه انسان ! وحينما استفقنا صعقنا ، فقد صار العراق مستعمرة جرذان ، يحكمها قوادون وخصيان ، يصفق لهم امعات احترفوا بغاء الضمير ، وعمائم فرخت في ثناياها مهنة بيع الاوطان، للجيران ، وللساكنين خلف بحار لا ترى لها شطان .

        رايته ،

        نسل العاهرات ، يصطاد رؤوس الاطفال بسنارة جرذان ، يعيث فسادا في ازقة قلبي ويفرخ لعنة الخراب ، يعقد قرانه على خنازير معممة ، يقودها جرذ اعور ، اعتمر وجه يانكي اشقر ، حمل علما كل نجمة فيه رمز لمليون انسان ذبيح  ، رماه على وجه  اسد العراق ! شهق التاريخ قبل ان يحط راسه على كتف زمن مخبول ! اتت طوارئ الصمت القتيل والقاتل ، واغلقت (بوابة بابل) ، وخلفها تكوم البرد في زوايا ذاكرة منكوبة ، تختبا تحت رماد مدينة منهوبة .

        رايته ،

        كابوسي المتقافز بين اوهام الشيطان ومد الشطئان ، رايتك بغداد تحترقين ، رايتك بغداد تنهبين ، رايت ملايين القراد تندس في لحم المصلين ! كنت تبكين ، كنت تصرخين ، فتتكسر موجات صوتك على بوابات العدم، ويجن الندم ، وهو يرى رقبتك تجزها السواطير والسكاكين ! وتفتح اقبية مجاري المياه الثقيلة ، ويخرج منها جيش علقمي فرش الارض بوجوه رؤوس مقطوعة ، فتناسل الموت وامتدت المقابر الى البيوت ، وافرد كل بيت سرير لجثة او قبر ، لصق اطفالنا المهروسين ، المنهوشي الوجوه ، وبين المقابر يتقافز غزاة ماسورين، بخوف ارنب من قنص فتى نجا من محرقة ملجأ العامرية ، وفقد ذاكرته التي اغرقتها صور الموت في بحر النسيان ، لكنه اخترع ذاكرة تستحم بطفح بئر تتقلب في دواماته وجوه من اكلتهم نيران يوم بهيم .

        رايته ،

        كابوسي يعوي في طرقات مهجورة، يسرد ملحمة ليلية، تعرض على مسرح نهارات مسحورة ، ترقبها ذاكرتي الموجوعة ، الحائرة وسط جموع مفزوعة ، تتقلب صورها ، وتتناثر حروفها ، فصولها بجمرات جهنم ممهورة . ومن تلك الاقبية النتنة ، حيث تتجمع المياه الثقيلة ، وتتضاجع على حوافها قردة مزكومة بفايروس الايدز ، تدفقت سيول العفونة الى شوارع بغداد ، وطائرات اليانكي تحوم فوقها كالجراد ، تحمي موكب جنائزي اثيم ، وهو يسري دبقا ، يغتسل بفضلات الذباب ، يتراكم كدسا فوق اكداس ، ورجسا فوق ارجاس !

        رايته ،

        كابوسا دموي القسمات ، يوم حل (انقلاب الفصول) ، فاستبيح نسل ادم وجزت رقابهم حفنة نغول ، وصرنا لا نسمع الا اصوات ثقيلة النغمات ، لجرذان اعتمرت عمائم سود ، وافتت بنهب البيوت والوزارات والجامعات ، وحينما اكتمل النصب  والنصاب ، وأحرق الجاحظ والسياب ، وهشمت الفؤوس الرؤوس ، لم يعد لدينا الوركاء ولا مسلة حمورابي ، وصار (مركز صدام للفنون) ملعبا للجراد والقراد وعهر شقر الوجوه ، واصدر بريمر مرسوما بتنصيب حثالة الصراصير وجرذان المجاري حراسا في (ساحة الميدان) ، يقبضون عمولات من نساء يجلسن عند بوابات بيوتهن بانتظار (الرزق) الشيطاني ، ومن الخرقة التي يمسحن بها جيف الرجال صنع الجادرجي علم ( العراق الجديد ) ! ولاسعاد المارينز استورد بريمر جيش عاهرات من لاس فيجاس ، ورصد مليون دولار لاحياء (المجد التليد) لساحة الميدان ، وكرمها ب (بحر من العلوم) البغائية ، ثم هتف بريمر : ليبارك الرب امريكا ، وعلى انغام (البريك دانس) رقص بحر العلوم حتى الفجر فرحا بتعينه ناطورا اقدما في ساحة الميدان !

        رايته ،

        كابوسا انبثق من اكليل (تمثال الحرية) يوم جاءت اسراب الجراد ومعها مواكب الخنازير والقراد ، وحجبت السماء ، ذات مساء ، وتدفقت مياه ثقيلة ، من مجار مطمورة ، في قعر منسي ، يقبع فيه عاهر منفي وجارية منهورة ، وفي مملكة الدبق وبيع الشبق ، تلتصق بثياب خصيان مادب الملوك  وماسحي  اليانكي ، بقع دم اطفال كومتهم لحما مفروما جنازير دبابات تحمل فوق ابراجها تمثال الحرية ! رايت غربانا ناعقة تقود ضباعا فاسقة تحرق بغداد ، رايتها تغزو كرخي ورصافتي ، وتفترس غزالتي وحمامتي ، ثم تطبق على اوتار ربابتي ، وعندها يحل سكون الابدية، ويستعمرني كابوس جحيم القيامة وهو يصل نهايته : العبث برموز هويتي !

    رايته ،

        كابوسا يفترس الحدقات ، ويمتص فرقعات العدم ، من ماض داهمنا ونحن نسكن احلام رضيع لم يعرف بعد الالم ، اصرخ بصوت استعرته من كهوف الندم ، اين انت يابغداد ؟ من برقعك بثوب امبراطور الوهم ؟ وكيف تركت فارس الزمان يترجل عن صهوة جواده وهو يعانقك ساعة تدفق الجراد والقراد على ساحة الفردوس ؟ لا مجيب ، لا صدى على طول المدى ، فقط فحيح افعى، وجبة طعامها فرد غنم ، تأتمر بنظرات صنم ، بيته محفور تحت هيكل اسموه(تمثال  الحرية) ، يحمل في كف سيف جلاد وفي الاخرى حفنة دم ! كنت يا بغداد تبكين ، كنت تصرخين ، فلا اسمع سوى نشيج الندم  ! وصرخات لقطاء مواخير مدن ناسية ومنسية ، وهم يغتصبون نجوم العلم ، وفي منتصف النهار علقت رجلي بفخ مسلسل كوابيس (هولي وودية) ابطاله لصوص مقابراكتضت بجثث احياء، يحملون حقائب (سامسونايت) يقطر منها دم طفل رضيع ، يصطادون احلامهم بصنارة لص لم ير احد وجهه ، ومعهم قوادين تخرجوا من (ساحة الميدان) ، نهبوا (مسلة حمورابي) وتغوطوا على لوحات جواد سليم !

        رايته ،

        كابوسا دموي القسمات ، فيه ما سيأتي وما فات ، عنوانه (ارقص على جثة العراق او دعنا نرقص على جثتك بعد الممات)! اخترت الممات طريقا للحياة ، فمرت فوق جثتي طوائف القراد، وحفرت في عيني مسكنا لكلب مات مسعورا وهو يحاضر في محاسن الطائفية ! اعقبته اثنيات الجرذان وحاشية الخصيان، وحفرت في عيني الاخرى مسكنا لخنزير مات مأبونا وهو يغني لانفصال كردستان ! قلت لجسدي الذي مات: انتظر فغدا سيأتي الفتيان، خلف فارس الزمان ، وبيد طبيب عتيق سترتق جروح قلبك ، وتبعث من جديد ، ويعود العراق ممتطيا صهوة جواد ملائكي القسمات، وستعود عصابات القراد والجراد والصراصير الى اقنية المياه الثقيلة ، وسيضع فارس الزمان قدمه الثقيلة فوق غطاء اقنية الجيف والقاذورات ، لتبقى هناك ، كما كانت قبل ان ياتي خنزير بري يقتل (انكيدو)  ويغتصب متاحف العراق .

        رايته ،

        كابوسا امريكي الهمهمات ، اندست نغمته كالمخرز في اذني ، ومنه مزقت دروع دماغي الرابض كاسد بابل في  راسي ، وبسرعة هاجمته الجرذان والقراد والجراد ، وهي تعوي موجوعة من طاعون السفاد، والكفر برب العباد ، فتناسلت في اقنية هجرها منذ خمسة قرون شرطي الدفن ، فولدت مملكة العفن .

        رايته ،

        رايته، يسري كمخاض الولادة حسيني القسمات ،  اختار الشهادة طريقا للولادة ، وحمل كتاب الله ووزعه في الفلوجة وكربلاء ، وصعد مأذنة (ابو حنيفة) ، وارسل صوتا يندس في قلب الضمير ، يرتل : الى الجهاد ايها العباد ، اغسلوا قلوبكم وتوضؤا قبل صلاة الجهاد ، حملقت في وجهه البهي فوجدت طفلا متورد الوجه يحمل كلاشنكوف ، ولكن يا للعجب!!! كان وراءه جيش من الشهداء يحملون السلاح ، سألت لصيقي : من هم ؟ اجاب انهم جند الله نزلوا ارض العراق ليقاتلوا خلف فارس الزمان. صرخ الطفل بصوت عال : اليوم يقطع راس الحسين الف الف مرة ومرة ، اليوم يذبح ال(البيت) الف الف مرة ، اليوم تستشهد حرائر ال(البيت) عطشا الف الف مرة ، اليوم يحتضر امامنا اطفال اهل (البيت) الف الف مرة ، فهل تريدون للحسين ان يصلي ثم يلتفت خلفه فلا يجد مجاهدا واحدا  خلفه؟ هل تريدون تكرار ماساة كربلاء ؟ ام تريدون انقاذ راية الحسين ؟ ماذا تنتظرون ؟ كل مقدساتنا انتهكت ، وكل( الخطوط الحمر) مسحت !

        رايته ، رايتهم : رايات مختومة ب(الله اكبر)على امتداد الفضاء ، وحينما اردت معرفة اين تبدا ؟ واين تنتهي ، حلق جسدي فجأة وطرت فوق الجموع لاشاهد جيشا لا يعد ، يهدر صوته كالرعد ، يقودهم الطفل المتورد الوجنتين ويمسك بيده فارس الزمان بلحيته المضربة بشيب بهي ، وهو يهتف : عاشت فلسطين حرة عربية من النهر الى البحر ، ساله الطفل : لكننا نقاتل من اجل تحرير العراق ؟ فرد الشهيد الحي : وهل تحرير العراق غير تحرير فلسطين ؟

صلاح المختار : الفلوجة التي تقدست

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 20 جماد الاول 1425 / 8 تموز 2004