هل سقطت بغداد حقا ؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

منذ 9/4/2003 يردد كثيرون ، وبلا تدقيق، عبارة (إن بغداد سقطت) ، واذا تذكرنا ان من يستخدمون هذا الوصف كثيرون ، وان بعض هؤلاء لم يحلل معنى هذا الوصف ، او ردده نتيجة الخلط المتعمد بين حصول الغزو وفكرة (سقوط) بغداد ،  واذا افترضنا حسن النية ، امكننا القول ، وبتاكيد تام ان هذا الاستخدام ينطوي على الوقوع في فخ الدعاية المعادية ، الاميركية الصهيونية . كيف ذلك؟ وما الفرق بين الغزو والسقوط ؟ لنبدا اولا بتحديد معنى الغزو وكيفية واسباب حصوله ، فالغزو يعني قدرة جيش اجنبي على احتلال بلد ما وفرض السيطرة الامنة او شبه الامنة عليه ، فقد يقترن  حصوله باستتباب الامن وعدم حصول مقاومة مسلحة ذات شان ، وقد يحصل العكس فتظهر مقاومة مسلحة قوية او ضعيفة ، والامثلة كثيرة : الغزو الصهيوني لفلسطين والغزو الاميركي لفيتنام ، وقبلهما الغزو النازي لفرنسا وغيرها.

اما سقوط بلد ما او عاصمته بيد الغزاة فانه يعني استتباب الامن للغزاة وعدم وجود مقاومة مسلحة تعرقل تنفيذ خططهم ، الامر الذي يوجب التمييز الدقيق بين السقوط والغزو ، فلئن كان الغزو قد وقع فانه لايعني ، بالضرورة ، سقوط البلد او عاصمته في حالة استمرار المقاومة المسلحة ، لان الذي يحصل ، في هذه الحالة ، هو ان البلد المعرض للهجوم قد لايملك مقومات الاستمرار في الصراع وفق الحرب النظامية ، أي الحرب بين جيشين نظاميين ، نتيجة تفوق العدو المطلق والشامل او النسبي ، لهذا تلجا قيادة البلد الاضعف عسكريا ، او الذي دمرت الته العسكرية التقليدية ، الى اسلوب آخر في الحرب ، وهو حرب عصابات المدن او حرب العصابات بمختلف اشكالها ، وقد تسمى ايضا حرب الغوار او حرب الانصار او حرب التحرير الشعبية ... الخ .

هنا ، وفي حالة استمرار المقاومة المسلحة ، باشكال اخرى غير نظامية، وعدم استسلام قيادة البلد للعدو ، لايمكن القول بان البلد قد سقط ، او ان عاصمته قد سقطت ، لان ذلك يجافي الواقع من جهة ، ويخدم دعاية العدو المحتل القائمة على تدمير معنويات شعب البلد المستهدف او قواه السياسية من جهة ثانية .ان توفر شرط استمرار المقاومة المسلحة ، يجعل استخدام وصف (السقوط) غير صحيح وينطوي على وقوع في فخ الدعاية المعادية ، مادام الامر الحاسم في التمييز بين الاحتلال و السقوط هو استمرار المقاومة وعدم الاستسلام للعدو ، خصوصا وان كلمة السقوط تصف حالة تحقيق العدو النصر الحاسم والقضاء على الشكل الحيوي والاهم في الحرب ، وهو المقاومة المسلحة . دعونا ،اذن ، نطبق هذا التمييز على حالة العراق . نعم لقد دخلت هذه القوات وسيطرت على مدن العراق عسكريا ولكن هل استتب لها الامر ؟

مباشرة وفي يوم 9/4/2003  برزت مقاومة مختلفة عن مقاومة الجيوش النظامية وتعرضت قوات الغزو بعد ايام قليلة الى هجمات كبيرة ومتعددة في مختلف مدن العرق ،لعل اشهرها معارك حي الاعظمية وحي الدورة يومي 9/4 و10/4/2003. ورغم ان قوات الاحتلال اعترفت بذلك رسميا ، الا انها ادعت ان تلك الهجمات تقوم بها (فلول) النظام السابق ‍‍‍‍‍او بقاياه ، وانه (سيتم القضاء عليها قريبا جدا) . لكن مرور الايام والاسابيع والاشهر اثبت العكس تماما ، فما وصف بانه هجمات (فلول) وحاول الاحتلال التقليل من شانه ، ومنع بث  اخباره اصبح ، وباعتراف الجنرال جون ابي زيد قائد القوات الامريكية في الشرق الاوسط ، حرب عصابات منظمة اولا ، ولها قيادة مركزية ثانيا، وتتميز عملياتها بمهنية عالية ثالثا ، اذن ، هذه الاعترافات الثلاثة تكفي لوحدها لتاكيد حقيقة ان بغداد لم تسقط ، وان غزوها ، هي ومدن اخرى ، لم يحسم الحرب ، بل نقلها الى نوع آخر من الحروب ، لان قوات الاحتلال ، وان احكمت قبضتها على مناطق معينة الا انها بقيت عاجزة ليس فقط عن السيطرة على البلد بل ، الاهم من ذلك ، تحولت من حالة الهجوم الساحق وبزخم هائل اثناء الحرب النظامية الى حالة الدفاع الفزع عن النفس ومقاتلة (اشباح) غير معروفة ، اثناء خوض حرب التحرير الشعبية .

ومن ابرز الأدلة واقواها على ان  العراق لم يسقط هو ان الحرب لم تنتهي بانتصار الغزاة ، بل باستمرار القتال وقلب الطاولة على راس الغزاة  ، هو  صدور اعترافين عن مصادر إعلامية وعسكرية امريكية ، اولها الاعتراف بان عدد الهجمات التي تشنها المقاومة العراقية المسلحة يوميا قد وصل 80 عملية ، واذا قبلنا هذا الرقم بدت لنا حقيقة الوضع ، فحصول ذلك يؤكد ، ودون آدني شك ان حرب عصابات المدن في العراق هي من انشط واحد حرب عصابات ظهرت في التاريخ الحديث فكيف سيكون الحال لو آخذنا الرقم الحقيقي لعدد العمليات وحسب مصادر عراقية مستقلة تتابع الأحداث من الداخل والذي يتراوح بين 150_200 عملية يوميا ؟ ان الذي يجري هو حرب تحرير شاملة اجبرت العدو على طلب النجدة من كل من هب ودب بعد ان كان يتصرف بعنجهية واحتقار لحلفاءه وللامم المتحدة !

فهل وصول المقاومة الى مستوى حرب التحرير الشاملة يعني ان العراق وعاصمة البعث قد سقطا ؟ ان من يعيش في بغداد واغلب مدن العراق يسمع كل بضع دقائق انفجارات ضخمة آو إطلاق نار كثيف ، وبطريقة تؤكد ان الذي يجري هو معارك كبيرة وشرسة ومتزامنة . أما الاعتراف الثاني فهو ماصدر عن وكالة رويترز للانباء ، مستندة الى مصادر امريكية رسمية ، والذي يؤكد ان خسائر امريكا في الستة اشهر الاولى بعد الغزو تعادل خسائرها في السنوات الثلاثة الاولى من حرب فيتنام ، أي ان ماحققته المقاومة المسلحة في العراق في 6 شهور يعادل ماحققته المقاومة في فيتنام في 3 سنوات . واستنادا الى هذا الاعتراف برزت قناعة مشتركة في مختلف انحاء العالم بان المقاومة العراقية هي الاسرع والانشط والاوسع انتشارا  والاكثر الحاقا للضرر بالقوات الغازية من أي حرب تحرير اخرى ، اذا عقدنا مقارنة زمنية .

واذا اردنا ان نكون دقيقين اكثر واعتمدنا على معلومات غير امريكية عن خسائر قوات الاحتلال سنرى ان الاحتلال يواجه عملية استنزاف كبيرة ، فحسب مصادر الاحتلال خسرت امريكا في الفترة من بدء الحرب وحتى احتلال بغداد عددا من الجنود اقل من خسائرها بعد ستة اشهر من وقوع الاحتلال ، لكن المصادر العراقية الشعبية ، واستنادا لادلة مادية ، تقول ان الاحتلال يكذب بانتظام عند ذكر الخسائر ، فالاحتلال يدعي ان خسائره حوالي 1000 قتيل رغم ان الواقع يؤكد انها اضعاف هذا الرقم، وقصة المقابر الجماعية الثلاثة المكتشفة للجنود الامريكيين في العراق في مناطق وادي حوران ، في غرب العراق قرب مدينة هيت ، ومنطقة عكركوف الاثرية قرب بغداد ، ومنطقة ديالى في شرق العراق ، حيث تلقى من الجو جثث الجنود الامريكيين ، او تدفن او تلقى في نهر ديالى، بعد تجريدها من الملابس .

إن هذه المقابر الجماعية معروفة من قبل العراقيين رغم الاحتياطات الامريكية . ان من قتلوا من جنود امريكا يعد بالالاف  ، واخر رقم هو ما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست مؤخرا وهو ان عدد القتلى 15 الف قتيل امريكي الجنسية ، اضافة لذلك يجب ان نحسب الاف القتلى من الجنود الامريكيين  من الذين طلبوا الجنسية الامريكية فوعدوا بمنحها لهم اذا خدموا عسكريا في العراق ، معنى هذا ان الاف المرتزقة دفعوا للحرب ، بعد ان خدعوا باقناعهم بان الحرب ستكون مجرد نزهة ، وحينما يقتل احد هؤلاء يرمى في تلك المقابر الجماعية ولا يحسب ضمن قتلى امريكا. ولذلك اصبحت اغلب جثث هؤلاء طعاما للكلاب البرية والذئاب والاسماك ، يضاف الى ذلك ان عددا كبيرا من القتلى الذين يحملون الجنسية الامريكية يعدون مفقودين او قتلوا حوادث غير قتالية .

واخيرا وليس آخرا يمكن بسهولة ملاحظة ان الحرب في العراق تشتد وتتوسع ، كما ونوعا ، بسبب تجذر المقاومة وقوتها ، اننا نشهد ، وعبر شاشات التلفاز ، ورغم قساوة قوات الاحتلال مع الاعلاميين ، معارك تستخدم فيها مقاتلات ف16 وطائرات هليوكوبتر ومدفعية ثقيلة وصواريخ توجه بالاقمار الصناعية من اجل مواجهة هجمات المقاومة الشرسة ، مقابل ذلك تستخدم المقاومة الان اسلحة ثقيلة مثل صواريخ جراد التي يبلغ طولها ستة امتار ووقوع معارك تستمر اياما واسابيع ، كما حصل ويحصل في الفلوجة وسامراء وبعقوبة والرمادي وكربلاء وعشرات المدن التي حررت واصبح دخول الاحتلال فيها مخاطرة مميتة ! ولادراك اهمية هذا التحول يجب ان نذكر بان هذه الاسلحة تستعمل عند وقوع حرب بين جيشين وهذه المعارك تدور فقط اثناء حرب نظامية ، ولهذا نستطيع ان نؤكد ان هذه العودة للحرب النظامية  ، في اطار دمجها بحرب التحرير الشعبية ، سببها الاساس هو خوف قوات الاحتلال من دخول مناطق شبه محررة .

ما الذي يعنيه هذا التطور ؟ بكل وضوح انه يؤكد حقيقة ان اغلب مدن العراق قد اصبحت في قبضة المقاومة ، وان المنطقة الوحيدة التي بقت تجت سيطرة الاحتلال هي ما يسمى المنطقة الخضراء  وسط بغداد والتي تتعرض كل ساعة لقصف ثقيل .

اذا سالنا أي خبير عسكري عما يعنيه ذلك فسيقول ، بلا لف او دوران ، ان الاحتلال يهزم ويتراجع وان المقاومة العراقية التي تتشكل  اساسا من نخب الجيش العراقي وفدائيي صدام  ومقاتلوا البعث  تتقدم محققة ماعجزت عنه نفس هذه القوى اثناء الحرب النظامية ، وذلك لتفوق العدو عسكريا وتكنولوجيا وماديا ، ويترتب على ذلك امر لايمكن انكاره وهو ان بغداد لم تسقط وان العراق يخوض حرب تحرير ناجحة بكل المقاييس ضد الغزو ، لذلك اضطر الاحتلال لتغيير خططه والغاء او تاجيل اهداف سبق واعلن عنها. قولوا ان بغداد محتلة وتقاوم بشراسة وبطولة ، ولا تقولوا انها سقطت، فالسقوط يعني الاستسلام وعدم المقاومة. وهنا يكون من حق اي انسان ان يميز العملاء عن الوطنيين من خلال مراقبة لغتهم وليس فقط معاني افكارهم الظاهرة .

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 19 جماد الثاني 1425 / 5 آب 2004