نواقض الديمقراطية

شبكة البصرة

صلاح المختار

في غمرة الجدل حول الديمقراطية والذي تصاعد منذ أن اعلنت الولايات المتحدة الامريكية انها قررت (اقامة) الديمقراطية في الوطن العربي والعالم الاسلامي ، غابت او غيبت حقائق بسيطة ، لكنها بالغة الاهمية، تتعلق بالديمقراطية ,مفهوماً وتعريفاً وتطبيقاً وطبيعة ,ولكي نتجنب الوقوع في فخاخ الآخرين، فيصبح همنا الاول الخروج من الفخ بعد ان كان التوجه نحو هدف آخر جوهري، من الضروري اعادة التذكير ببعض الحقائق المتصلة بالديمقراطية ونواقضها.
ولعل أول وأهم تلك الحقائق ، والتي يجمع عليها كل من حاول تعريف الديمقراطية، هي حقيقة ان الديمقراطية تعني قيام المواطنين بتحديد شكل حكومتهم ومراقبتها ووضع قواعد تضمن عملها وفقاً لإرادة الشعب ومصلحته،وطبقاً لهذه الحقيقة فإن الحكومة يجب ان يقرر تعيينها البرلمان المنتخب ، وبخلاف ذلك تفتقر الشرعية وتصبح غريبة على الديمقراطية.
وينطبق ذلك الشرط على أي حكومة ينصبها الاحتلال الاجنبي، فهي غير شرعية لأن الاحتلال بذاته وضع غير شرعي ولهذا (
ففاقد الشيء لا يعطيه)، وحتى لو اجرى الاحتلال انتخابات في ظل وجوده فإن الانتخابات تكون غير حرة، لأن وجود الاحتلال ومهما كانت طبيعته يؤثر بصورة فعالة مباشرة او غير مباشرة على مجرى الانتخابات ويضع ثقلاً وبدرجات مختلفة على الارادة الحرة للناخب.
بل تتسع شروط الديمقراطية الحقة لتشمل شرط ان لا تجرى الانتخابات في ظل تهديدات امنية فردية أو جماعية سواء صدرت من الداخل او أتت من الخارج، لأن التهديد لا يسمح للمواطن بممارسة حريته أثناء الانتخابات ويجبره على الرضوخ لمصادر التهديد، وضمن حدود يقررها مستوى التهديد وطبيعته، ولهذا لا تعد نتائج أي انتخابات تجري في ظل التهديد او الخوف شرعية، الأمر الذي يفرض التمسك بالحقيقة الثانية وهي ان الديمقراطية اساسا تعني الارادة الحرة في الاختيار وعدم التعرض لأي مؤثر لا يرغب فيه الناخب يجبره على اتخاذ قرار يناقض او يخالف ما كان يريده اصلاً. اما الحقيقة الثالثة فهي ضرورة توافر حد معين لا يمكن التخلي عنه من الوعي والادراك لدى الناخب، فالانتخابات وطبقاً للديمقراطية الحقة تجرى كي يختار المواطن الشخص الذي يحمل برنامجاً افضل من غيره، او يناضل من اجل اهداف يدعمها الناخب، ولذلك فثمة ارتباط عضوي لا ينفصل بين الوعي وصواب الاختيار فإذا انعدم الوعي انعدم الاختيار الصائب، وحلت محله في التقرير عوامل سلبية تنقض الديمقراطية كالصلات الفردية او القبلية او الدينية او العرقية او المؤثرات المادية ، واخيراً وهو الأهم قوة التضليل الاعلامي.
من هنا فإن الناخب يجب ان يحصل على حد من التعليم يسمح له بإدراك برامج الافراد والاحزاب والتمييز بينها وتحديد الافضل منها، وبهذا المعنى فإن الأمية تعد احدى اهم عوائق الديمقراطية لأنها تسمح بتضليل الناخب او التأثير على خياراته، فتصبح الديمقراطية في وجود امية غالبة في المجتمع، مجرد غطاء لسيطرة اقلية تملك الوعي وتستطيع ممارسة الخداع.
وكما تفرض هذه الحقيقة الربط الحتمي بين الديمقراطية وتوفر فرص التعليم ومحو الأمية، فإن الحقيقة الأخرى الرابعة، تربط وبشكل حتمي ايضاً بين وجود الفقر واستحالة وجود نظام ديمقراطي حقيقي لأن الفقير الغارق في هم توفير الرزق الشحيح له ولعائلته يضطر لوضع كافة الامور الاخرى في مراتب ادنى من همه الاول, ومن المؤكد ان ذلك يشمل التقليل من قيمة الصدق والنزاهة والاستقامة والتمسك بأهداب الفضيلة والدين والوطنية، فلكي يحصل على مورد رزقٍ فإن الانسان الذي لايملك ثمن عشائه مستعد لانتخاب حتى من لا يعرفه ولم يسمع ببرامجه واهدافه اذا وفر له العشاء او دفع له مبلغاً من المال.
ان الفقر والفقر المدقع بالذات هو اشد اعداء الديمقراطية واكثرها منعاً لتطبيقها، ولهذا لا مهرب من اشتراط توفير العدالة الاجتماعية للمواطن كي يضمن الحصول على مورد رزق حلال يحرره من الاضطرار لبيع صوته.
واذا اردنا تحديد الحقيقة الخامسة المتعلقة بالديمقراطية فسنجد انها تلك التي تشترط تساوي فرص المتسابقين في عرض برامجهم واهدافهم وفي استخدام الاعلام او التجمعات الانتخابية، وتوفير الحماية والمساواة امام القانون للجميع.
فما قيمة ان يرشح انسان نفسه اذا كان منافسه ينفرد (بحق) استخدام كافة وسائل التعريف بنفسه كالاعلام والنشر والتجمع، فيما هو محروم من كل ذلك، او انه يمنح فرصة محدودة جداً مقابل فرصة منافسه المفتوحة! في هذه الحالة سيفوز حتماً من يملك فرصاً اكبر للتعريف بنفسه وببرامجه حتى لو كان سيئاً، وسيخسر من لا يحظى إلاّ بفرصة محدودة حتى ولو كان جيداً.
وتساوي الفرص يشمل القانون، فالقانون يجب ان يحمي جميع المرشحين وبلا محاباة او تمييز على أي اساس، ولهذا فغياب او ضعف مطلب تساوي الفرص يلوث الديمقراطية ويمنع تحققها.
نأتي الآن الى أم الحقائق المتعلقة بالديمقراطية وهي ان الديمقراطية لا تقوم إلاّ في مجتمع له خصائص مميزة ومتميزة وهي تختلف عن خصائص المجتمعات الاخرى خصوصاً اذا اختلفت درجات التطور والانتماءات الثقافية والحضارية والدينية والقومية.. الخ
من هنا فإن الديمقراطية هي بنت مجتمع محدد ونتاج تراثه الثقافي والحضاري وخاضعة لدرجة تطوره والقوى التي تحركه وتؤثر فيه، ولا تظهر أهمية هذه الحقيقة مثلما تظهر اليوم، فإذا قارنا نقاشاً في برلمان سويسرا او بريطانيا اوامريكا حول السماح بالزواج المثلي اي زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، بإفتراض حصوله في برلمان عربي واسلامي مثلاً، فكيف سيكون رد الفعل لدى ممثلي الشعب؟ في البرلمانات الغربية سيناقش بهدوء وستتقارب احتمالاً نسبة الأصوات أما في البرلمانات العربية والاسلامية ، فإن اصوات الادانة المطلقة وسحب عضوية البرلمان والعزل الاجتماعي ستعقب الدعوة لقانون كهذا! وينطبق ذلك على مناقشة موضوع الزنا والحمل غير الشرعي وغيرها.
ان هذا الاختلاف بل التناقض الحاد بين تقاليد وقيم الشرق العربي - الاسلامي والغرب تجعل مفهوم الديمقراطية مختلفاً تماماً، فالزواج المثلي والزنا والحمل غير الشرعي والشذوذ الجنسي تعد (حقوقاً) في الغرب، اما في الشرق فهي رموز للعار الاجتماعي، من هنا فإن الديمقراطية ليست مفهوماً واحداً ولا ممارسة واحدة بل هي ضروب متعددة ومختلفة تبعاً لاختلاف القاعدة الحضارية والثقافية للمجتمعات، واذا فرضت ديمقراطية غربية على مجتمع عربي فإنها ستموت حتماً ومهما دعمت بالقوة او بالخداع او بالاغراء ولكنها وقبل وفاتها ستنشر اخطر واسوأ اشكال الانقسام والتشرذم وستنتج ضرباً من الانحرافات والجرائم التي سيعاني منها المجتمع لعدة اجيال حتى يتم التخلص منها.
وتشتق الحقيقة السابعة من ام الحقائق فما دامت الديمقراطية المراد لها النجاح والازدهار هي بنت مجتمع ما وليس غيره، فإن فرض الديمقراطية من الخارج ينسف جوهر الديمقرطية ,اي ديمقراطية , ويلغيه تماماً، ثم يحل محله شكلاً للديمقراطية يدرك زيفه حتى الأمي الجاهل، لأن فرض الديمقراطية من الخارج يسحق الارادة الحرة للانسان، وهي جوهر الديمقراطية، ويصطدم بتراكم تاريخي راسخ وقوي لتقاليد وقيم ومحركات فكرية ونفسية ودينية وقومية تعد هي الاقوى والارسخ في ذات الفرد، كما ان فرض الديمقراطية سيواجه قوة رفض غريزية وتلقائية وهي قوة الاحساس بأن (الآخر) المختلف، وحتى لو لم يكن معادياً ومناقضاً، يريد فرض ارادته وتصوره والغاء الحق الطبيعي في احترام الذات وتركها تقرر وتختار.
نأتي الآن الى الحقيقة الثامنة وهي ان الديمقراطية في جوهرها ثقافة وليست مجرد هيكل او اطار مفهومي ، ولكونها ثقافة تتحكم بسلوك الفرد والمجتمع فإنها غير قابلة للتجزئة سواء في الداخل او الخارج، فالديمقراطي في بلده لا يمكن ان يكون ديكتاتورياً في الخارج يفرض على غير مواطنيه كل شيء ابتداء من قناعاتهم السياسية ونظامهم الاقتصادي، وانتهاءً بنمط حياتهم، ولعل اسوأ تعبير عن هذا التناقض هو ذلك الشعار من لم يكن معنا فهو ضدنا وشعار سنضرب العدو قبل ان ينشأ ويتكون اللذان رفعهما الرئيس الامريكي !
ان هذه الممارسة هي ردة (ديمقراطية) الى عهد اليونان حيث كان (الاحرار) هم السادة الذين يحق لهم وحدهم ممارسة (ديمقراطية اثينا) اما العبيد فلا يحق لهم ذلك لأنهم عبيد ويجب ان يطيعوا (السادة)! الآن يريد الغرب تصدير الديمقراطية الى العرب والمسلمين وبالقوة! ولا يكمن التناقض هنا فقط في انه ينطلق من ثقافة السادة والعبيد، بل ايضاً في ان السلعة التي يريد تصديرها هي من السلع النادرة التي لا يمكن ان تصدر، وهي الديمقراطية لأنها التعبير السياسي - الاجتماعي عن الارادة الحرة، فكيف يمكن ان تكون الارادة حرة اذا اهينت وكسرت بصواريخ كروز التي تقتل آلاف المدنيين؟
هذه الحقيقة تعبر بدقة عن ثقافة عنصرية ترى ان (الأسياد) يمارسون الديمقراطية فيما بينهم، اما (العبيد) فإن (بربريتهم) تجعل (سوقهم) بالقوة والخداع امراً حتمياً ومشروعاً!
من هنا فإن الديمقراطية ليست مجرد اسلوب نظام حكم بل هي اساس ثقافة عامة تسير السلوك العام للفرد والمجتمع وتتحكم فيهما دون انتقائية تميز على اساس طبقي او عنصري او حضاري، ويقود ذلك الى تأكيد ان الثقافة الديمقراطية تمنع الازدواجية التي تسمح للديمقراطي ان يكون ديمقراطياً في بلده لكنه ديكتاتوري مع البلدان الاخرى.
لماذا نذكّر ببدهيات الديمقراطية هذه ونواقضها؟ ببساطة لأننا بحاجة ماسة لتذكر ثوابت التفكير وقواعد البداهة التي تحكمه، والتي يحاول الاعلام نسفها وتسفيهها، بقلب كل شيء رأساً على عقب، ومشروع الشرق الاوسط الكبير المعروض للتصدير للعرب بقوة التهديد بما يحصل في العراق، هو ربما اكبر مشروع لتذويب الهوية القومية والدينية للعرب كمقدمة لجعل القطر الواحد مجزءاً على أسس عرقية او طائفية او مصلحية ,في اطار تجمع يقوم على جثة الجامعة العربية وتكون اسرائيل  فيه هي احد سادة الوضع الاقليمي، والذي تصبح فيه ايديولوجيا (المحافظون الجدد) الاجتثاثية مزروعة حتى في مناهجنا الدراسية وقواعد سلوكنا اليومية.
واذا انتبهنا الى حقيقة ان فرض نظم شمولية  من الخارج , والديمقراطية المفروضة من الخارج لن تكون الا نظاما توتاليتاريا قسريا اما ان يقبل بكل ملاحقه الامنية والاخلاقية او يرفض , سيؤدي حتماً الى صدامها العدائي مع القاعدة الفكرية والسلوكية للمجتمع، فيجب ان نتوقع حتمية بروز (ثقب اسود) يمتص ويسحق ويدمر كل ما يقترب منه .
ان العرب اذا لم يتحدوا ويتضامنوا سيحشدون ليساقوا الى مقابر جماعية كتلك التي اختفى فيها عشرات الملايين من سكان امريكا الاصليين : الهنود الحمر.

شبكة البصرة

الجمعة 20 جماد الثاني 1425 / 6 آب 2004