نـواقــض الســيادة

شبكة البصرة

صلاح المختار

قد يبدو النقاش حول ما ينقض السيادة ترفاً فكرياً بالنسبة للبعض، لان مفهوم وتطبيقات السيادة معروفة حتى لمثقف بسيط، لكن ما يجري من حولنا يخلق حاجة حيوية للتذكير، وللتأكيد، لتجنيب من لم يدرك ابعاد ما يجري الوقوع في فخاخ التضليل. ومن بين أغرب ما يجري الآن هو الحديث عن وجود سيادة في ظل الاحتلال، والمثال العراقي هو الأكثر فضائحية، حيث تصر الادارة الامريكية، ومعها الحكومة التي عينها الاحتلال، على الادعاء بان (السيادة قد نقلت من الاحتلال الى الحكومة العراقية المؤقتة)! دعونا نرجع الى الخلف لندرس الوضع من زاوية القانون الدولي وعلم السياسة، فهما سيوفران لنا فرصة التعامل الناجح مع الاصول الغربية لمفهوم السيادة وتطبيقاتها الحديثة.
حينما قامت الثورة الصناعية (الأولى) كان واضحا ان اوروبا الغربية أخذت تشهد بناء الاساس المتين للدولة القومية، أو كما تسمى (الدولة -الأمة). فعلى انقاض الاقطاع شيدت البورجوازية المنتصرة نظامها (الرأسمالية)، ووحدت الوطن المجزء ، ولضمان سيطرة الدولة القومية على كافة اراضيها ومواطنيها، واخضاع من كان له نفوذ اجتماعي -اقتصادي، أي الاقطاع وبقاياه، او ديني (الكنيسة)، في الداخل، او كان يتدخل من الخارج في شؤون الدولة، بلور مفهوم السيادة، وهو في جوهره يؤكد على ان الدولة - الامة كيان واحد ومستقل لا يحق لاحد ان يحكمه الا اذا كان يمثل شعب الدولة بصورة شرعية، او بحكم الامر الواقع، اي انه نظام تاسس وقام وترسخ عبر سنين طويلة وتم الاعتراف به دوليا واقليميا ، ولديه سلطات تشمل اقاليم الدولة، ولا يشاركه في هذه السلطة أي طرف داخلي غير شرعي، او خارجي، هكذا برزت في أوروبا الدولة القومية ونتاجها الطبيعي، وحاميها من التحديات الخارجية : مفهوم السيادة.
لكن تطبيق مبدأ السيادة شهد تناقضاً بين الامم حول المصالح ومناطق النفوذ فأدى ذلك الى اندلاع حروب مدمرة استمر عقوداً بين دول اوروبا الرئيسية آنذاك مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا واسبانيا، وفي اوروبا الشرقية برزت روسيا كعملاق قومي خاض هو الآخر سلسلة حروب باسم السيادة. لذلك، وبعد انهاك الجميع توصلوا الى امر واقع، وهو ضرورة الاعتراف المتبادل بسيادة كل طرف على دولته ضمن حدود معروفة وترجم ذلك بسلسلة اتفاقيات ومعاهدات ثنائية جماعية شكلت بمجموعها ما نسميه الآن (القانون الدولي). بعد ذلك برزت الحاجة لادارة تنسيق وتنظيم تساعد على تجنب اندلاع حروب جديدة ، فشكلت (عصبة الأمم)، وورثتها (الأمم المتحدة)، والتي قامت اساساً، وكما يوضح ميثاقها بجلاء تام، على مبدأ السيادة المتساوية لجميع الاعضاء صغاراً وكباراً.
إذن المجتمع الدولي هو مجتمع سيادات من حيث اساس علاقاته، وهو لذلك اتفق على معايير عامة للسيادة وهي أن تمتلك الحكومة الممثلة للشعب السلطة وتمارسها على اقليمها الارضي وفضائها ومياهها وسكانها، باستخدام كافة الوسائل، دون وجود منازع لها يتقاسم السيادة معها.
هل تنطبق هذه القاعدة العامة المتفق عليها على بلد يقع تحت الاحتلال وتمارس فيه السلطة الحقيقية ادارته كما هو الحال في العراق الآن؟ ان الاجابة على هذا السؤال تتطلب الاشارة بدقة الى نواقض السيادة الاساسية :
-1 ان لاتستطيع رموز السيادة (الرئيس، رئيس الوزراء، الجيش، الخارجية البرلمان) ممارسة سلطتها، كلياً او جزئياً، على اقليمها ببشره وارضه ومياهه وفضائه لوجود قوة اخرى منعتها من ذلك.
-2 ان لاتستطيع رموز السيادة الاستفادة من ثروات البلد والتصرف الحر فيها بسبب وضع اليد عليها من قبل قوة اخرى.
-3 ان لاتستطيع رموز السيادة تحريك القوات المسلحة والامنية لحفظ الامن، داخلياً وخارجياً، لوجود قوات اخرى.
-4 ان لاتستطيع رموز السيادة الانفراد باتخاذ القرارات الوطنية الكبرى مثل تقرير نوع النظام الاقتصادي -الاجتماعي، او اختيار اصدقاء وحلفاء في الخارج، وذلك لوجود تحديدات وضعها الاحتلال.

من يمنح الشرعية؟

ان نظرة سريعة للوضع في العراق تؤكد ، وبالملموس ، أن هذه النواقض موجودة فيه، ووجودها يجعل البلد فاقداً للسيادة عملياً، وبغض النظر عن أي ادعاءات او قرارات، ولا تغير هذه الحقيقة أية قرارات تصدر عن الامم المتحدة، او غيرها، لان الاصل في ميثاقها هو (مبدأ السيادة)، بل وتساوي كل الدول الاعضاء بغض النظر عن حجمها او قوتها كما تقول ديباجة الميثاق، الامر الذي يجعل صدور قرار من مجلس الأمن يشرّع الاحتلال في دولة ذات سيادة ولها حكومة تمارس السيادة فعلاً ، عملاً باطلاً ، لأنه ينقض جوهر وضابط ميثاق الامم المتحدة والمقرر لما هو شرعي وغير شرعي .
وإذا اريد تغيير الميثاق للتخلص مما نص عليه حول اسبقية السيادة وجوهريتها في عمل الامم المتحدة وميثاقها، فإن ذلك يتطلب، قبل كل شيئ، تغيير القانون الدولي، لان المصدر القانوني للميثاق هو قواعد القانون الدولي ، وهذه الحقيقة تقود الى حتمية تكييفه او تغييره من اجل منح دولة، او مجموعة دول، حق غزو دولة اخرى والغاء سيادتها وممارسة سيادة عليها رغم أنف شعبها والعالم.
إذن، مرة اخرى، المسألة غاية في التعقيد، وهي حقيقة عرفتها امريكا وبريطانيا قبل غزو العراق، لذلك لم تواصلا محاولة اصدار قرار من مجلس الأمن يجيز الاحتلال، بل انهما لم تستخدما حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار صدر بعد وقوع الاحتلال، يصف بدقة ما حدث للعراق بانه احتلال وليس (تحرير).
هذه الحقيقة بالذات والتي تقول ان السيادة مازالت، من الناحية القانونية، هي قاعدة العلاقات الدولية والقانون الدولي، خلقت شرخاً عميقاً في العالم بين القوى الكبرى (امريكا وروسيا واوروبا واليابان والصين) والعالم الثالث، فالكبار، ومهمااختلفوا، يريدون اعادة تعريف السيادة لاجل جعلها ناقصة قانونياً، كي يسمح ذلك باضفاء الشرعية على غزواتهم (للصغار)! ولعل اوضح مثالين هما قمة الناتو (1999) وعدم جدية اعتراض روسيا على غزو العراق، ففي عام 1999 وبعد شن الحرب على يوغسلافيا، عقدت قمة الناتو في واشنطن وفيها اتخذت امريكا، وايدتها اوروبا، ممثلة بفرنسا والمانيا، قرارين خطيرين شكلا نقضاً للقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة، وهما قرار حق الحلف في التدخل العسكري في أي بلد دون الحاجة لقرار من مجلس الامن يسمح بذلك ، اما القرار الثاني، فكان توسيع نطاق مسؤوليات حلف الناتو لتشمل كل العالم بدل الاقتصار على حماية اوروبا الغربية، كما كان الحال اصلاً.
وبالوصول الى هذا الحد من التخلي عن قواعد القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة برز تناقض حاد بين (سياسات الكبار) وما وضعوه هم بانفسهم قبل بضعة قرون. لقد اصبح القانون الدولي (رداءً) ضيقاً لايتسع للجسد المتضخم (للكبار)، لكنهم لم يستيطعوا نزعه او توسيعه! وهنا تكمن مشكلة الكبار.
لماذا لم تحل هذه الاشكالية بتغيير القانون الدولي كي يصبح قابلاً لاستيعاب الاتجاه الجديد للكبار؟ ثمة سببان رئيسيان يمنعان الان تغيير القانون الدولي، ومن ثم ميثاق الامم المتحدة ، الاول هو النزعة الاحادية للولايات المتحدة، فهي لاتريد للكبار الاخرين ان يتمتعوا بمبدأ المساواة معها، بل تريد الانفراد بثروات العالم وقيادته واستخدام الكبار الاخرين لخدمة اغراضها، مع اعطائهم (فتات المائدة) فقط، وهو ما يرفضه الكبار الذين يوافقون امريكا على ضرورة تحجيم السيادة ، ولكن في العالم الثالث فقط. اما السبب الثاني فهو انتقالية الوضع الدولي، إذ بالرغم من هيمنة امريكا على المسرح الدولي الرسمي، الا انها واجهت في العراق، الذي اريد له (ان يكون ساحة اختبار عالمية ترى فيه الدول والشعوب -أمثولة- لبلد تمرد فدمر، لذلك على الجميع طاعة امريكا لتجنب مواجهة مصير العراق)،
نقول واجهت امريكا في العراق وضعاً لم تكن تتخيله حتى في الكوابيس، حيث تفجرت مقاومة شاملة وفعالة للغزو دفعت امريكا للوقوع في فخ مميت، وهو وضع اسعد الكبار الآخرين، لانه سيجبر امريكا على (عقد مساومة) معهم تمنحهم بموجبها دوراً مهماً في نهب العالم. لكن هذه المساومة لن تحدث لأن الوضع في العراق يتطور بقوة وبحسم، وكما تشير الاحداث، نحو اجبار امريكا على الخروج منه حتى لو دعمها الكبار الاخرون عسكرياً.
نحن الآن في ذورة تناقض حاد بين سلوك استعماري غربي تقوده امريكا، يصطدم بقواعد القانون الدولي وبمقاومة شرسة تتصاعد يوماً بعد يوم تبديها الشعوب الحرة المتمسكة بالسيادة والحرية والاستقلال بصفتها شروط الحياة الكريمة المناسبة للانسان، وبؤرة اشعاع هذه المقاومة هي العراق.
ان من غير الممكن الافتراض بأن (السيادة) التي تمنح بقرار من المحتل لحكومة شكلها هو بالذات ولم ينتخبها الشعب، هي سيادة حقيقية. فما دامت القرارات الامنية، مثل  تحريك الجيوش واعتقال وقتل الناس ونهب الثروات وتقرير سلوك الوزراء ومع من يجب ان تتعاقد الحكومة في تجارتها الخارجية، وغيرها هي من اختصاص سلطة الاحتلال حصراً فمن المستحيل القول بأن السيادة موجودة في ظل الاحتلال.
لقد نقضت السيادة الوطنية بوجود (سيادة) اقوى مادياً هي سلطة الاحتلال، ولا يحل هذا التناقض، ولا يكف هذا النقض الا بالانسحاب الكامل لقوات الاحتلال، دون قيد او شرط، واستعادة الشعب لسيادته عبر رموزه الوطنية.

صلاح المختار : نواقض الديمقراطية

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 26 جماد الثاني 1425 / 12 آب 2004