نواقض المجتمع المدني

شبكة البصرة

صلاح المختار

اذا استبعدنا اولئك الاجراء الذين يروجون لفكرة اقامة (مجتمع مدني) في الوطن العربي، فان المرء يشعر بالحزن وهو يرى اشخاصاً لاغبارعلى وطنيتهم يرفعون عقيرتهم بالصراخ ، مطالبين باقامة (مجتمع مدني) بمؤسساته المختلفة على انقاض النظم العربية الحالية ، كحل لمشاكل الامة العربية وتحدياتها! وقبل الولوج في هذا الموضوع لابد من التأكيد على ان كاتب هذه السطور لا أمل له في النظم العربية التي سلم زعماؤها، بغالبيتهم، مقدرات أمور اقطارهم للولايات المتحدة الامريكية ، لذلك فان نقدنا لمن يرى ان الحل لمشاكلنا هو في اقامة مجتمع مدني ينطلق، اساسا، من رفض مطلق لهذا الحل المشبوه، كما سنرى.
ماالمقصود (بالمجتمع المدني) ؟ الفكرة الاساسية في هذا المفهوم هي تفكيك اغلب ، او على الاقل، قسم كبير من سلطة الدولة وتحويلها لتنظيمات شعبية في مقدمتها لجان (حقوق الانسان) والنقابات وكافة ممثليات شرائح المجتمع ، وجعلها قادرة على مراقبة اجهزة الدولة ومنعها من التجاوز على اعضاء المجتمع . فهي اذن اجهزة رقابية حمائية تمنع ، او على الاقل ، تحد من (جموح) الدولة وتجاوزات اجهزتها وممثليها.
هذه الفكرة جميلة وصحيحة ، ولكن اذا تركنا الظاهر وتعاملنا مع (الغاطس) ، اي المخفي والمستبطن من اهداف ووقائع ، بدت لنا الدعوة للسماح بنشوء مجتمع مدني مع منظماته عبارة عن خطة تخريب منظم للمجتمع العربي ، اذا حصل، يسمح بالقضاء على وحدة المجتمع ويحرم الدولة من وظيفة ، لاصلة مباشرة لها بالسياسة، وهي ادارة المجتمع وحمايته من المخاطر، وبغض النظر عمّن يمسك بآلة الدولة. كيف ذلك؟ اذا سلمنا جدلاً بضرورة تجريد الدولة من صلاحيات اساسية ومنحها لمنظمات المجتمع المدني، علينا ان نطرح سؤالين حيويين الاول هو: ضمن اي شروط اجتماعية يمكن اقامة مجتمع مدني؟ والثاني هو: هل تتوفر في مجتمعنا العربي، بمختلف الوانه، هذه الشروط؟ ولأجل الدقة وتجريد الموضوع من غموضه وكشف الغامه الخطيرة ينبغي طرح سؤال ثالث وهو: هل يوجد مجتمع مدني في العالم حقاً ؟ وأين؟ وهل هومجتمع مدني حقاً بالصورة التي يطالبون العرب باعتمادها؟

شروط اقامة المجتمع المدني

من البديهيات المنطقية والواقعية ان قيام مجتمع مدني في اي بلد يفترض، بل ويفرض، زوال كافة الانتماءات السابقة للدولة القومية الحديثة، او على الاقل تضاؤل نفوذها الى درجة لاتسمح لها بالضغط على الدولة وارباك عمل آلتها، أي الحكومة ، اضافة الى توفير حد ادنى الزامي من التعليم للاغلبية ، إن لم يكن للكل، يؤهلها للتمييز المطلوب بين الخطأ والصواب ويمنع وقوعها في قبضة من يملك المال والاعلام، واخيراً وليس آخرا  تحرير الفقراء من مثالب فقرهم كالاضطرار لبيع انفسهم أو اصواتهم للآخرين، حتى لو كان ذلك ضد قناعاتهم ومصالحهم.
اما بخصوص زوال، أو ضعف ، الانتماءات السابقة للدولة القومية ، اوالوطنية الحديثة ، فان المقصود هو الانتماءآت العشائرية والقبلية والدينية والطائفية والاثنية، مع مايرتبط بها من تقاليد وطقوس والتزامات متوارثة لمئات أو لآلاف السنين، وصار بعضها او اغلبها احياناً مكوناً جوهرياً للسلوك الاجتماعي، كتعاليم الدين وتقاليد القبيلة وغير ذلك. في المجتمع المدني يجب ازالة تأثير هذه القوى والروابط ، او على الاقل تحييدها كما حصل للكنيسة المسيحية في اوروبا وامريكا بفضل نظام العلمنة، فاصبحت الدولة والمجتمع في آن واحد قادرين على ضمان حرية تحركهما المطلقة او شبه المطلقة ، بعيداً عن تأثير الدين اوالقبيلة اوالطائفة، فالسيادة للدولة وليس لاية صلة او قوة اخرى.
وبعد تحقيق هذا الانفصال الحتمي مع الانتماءات السابقة للدولة الوطنية الحديثة يبدأ المجتمع بتجريد الدولة من الكثير من وظائفها وسلطاتها الاستبدادية ، وتأخذ المؤسسات المدنية بممارسة سلطة رقابية وتشريعية فعالة ، لان الفرد اصبح ولاؤه للوطن والدولة وليس لأية رابطة اخرى، ومن ثم فهومؤهل للتصرف بشكل يخدم الدولة والمجتمع ومهما كان الرأي بالحكومة. بتعبير اخر ان الشعور بالمسؤولية والقدرة عن تجنب كل مايسييء للمجتمع، نتيجة دوافع فردية او انتماءات قديمة ، تصبح هي السائدة ، وهكذا يبرز المجتمع (السعيد) و(المثالي) الذي يتحول فيه الفرد الى (سوبر مان)! لايخدم الامصلحة المجتمع ويقف ضد عائلته او أبناء قبيلته ، وبحزم، اذا كانوا يشكلون خطراً على الدولة والمجتمع.
اما في الدول الاسكندنافية وسويسرا، فان هناك عدداً ضخماً من المواطنين اخذوا يرفضون حتى سلطة الدولة المتبقية والزامات المجتمع التقليدية، ويتصرفون بصفتهم افراداً لايحق لأية جهة، حتى منظمات المجتمع المدني تقييدهم بشروط تؤذي فرديتهم ، وبذلك تدخل مجتمعات كهذه مرحلة تحلل الروابط الاجتماعية والقيم السائدة وتحولها الى كتل بشرية مايربط بينها هو الصدفة والمصلحة الفردية ، وهذا الوضع هو، في الواقع ، مؤشر على شيخوخة واحتضار الرابطة القومية نتيجة ضعف التحديات ومحدودية الحوافز لتذكر الانتماءات العرقية أو الدينية أو الحضارية ، مما يؤدي الى تفكك كل الروابط الجماعية من الامة والوطنية الى الدين، ويشمل هذا التفكك حتى منظمات المجتمع المدني ، التي تصبح لا ضرورة لها لعدم وجود مايفرض وجودها.

المجتمع المدني: الواقع والاسطورة

هل حقاً توجد مجتمعات مدنية في الغرب؟ اذا نظرنا الى سويسرا والدول الاسكندنافية فأننا نجد انها شهدت قيام ووفاة اغلب هذه المنظمات، وتحول هذه المجتمعات الى مجرد كتل بشرية هلامية الهوية ، تجمع بين افرادها المصلحة و الصدفة وتسودها قيم عبثية ، والسبب، كما قلنا،هو انها مجتمعات امم تحتضر قومياتها، أو انها ماتت وبقيت آثارها اللغوية وتقاليد معينة فحسب، فلا أهمية هناك لكونك احمر أو اخضر، وتسود حالة عدمية تجعل أي تنظيم ، سواء كان اجتماعياً او مؤسسياً، قيداً على فردية الانسان ، وبذلك تكون فكرة (المجتمع المدني) متأخرة ورجعية في زمانها حينما يتعلق الامر باسكندنافيا وسويسرا.
اما في امريكا واوروبا فان المجتمع المدني شبه موجود لان التنظيمات المنبثقة عنه انشأت قبل زمانها المناسب ، فسيطرت الاحتكارات الكبرى على المجتمع والدولة ، عبرالمال والاعلام ، تجعل تلك المنظمات مصطنعة غالباً وتخدم اغراض القوى المسيطرة ، لذلك فهي غير حرة تماماًَ وتخضع لمؤثرات تلك القوى، وفي حالات عديدة تخدمها مباشرة. فبدلاً من الولاء القبلي والديني والقومي نجد المجتمع يتحرك، بصفة عامة، بدافع المصلحة الانانية الفردية أولاً وقبل كل شيء، وقد طبع ذلك بميسمة اي عمل غير حكومي، وليس (القيم العليا) الاخلاقية، كما تدعي بعض المنظمات العاملة في مجال حقوق الانسان مثلاً، والتي تعد من أهم وأوضح الأمثلة التي تؤكد ان اغلب منظمات المجتمع المدني هي ، في الواقع ، ادوات تنفيذ السياسات الخارجية لدولها، وهي لذلك تنشط ضد اعداء او ضحايا حكومات بلدانها وبالتنسيق معها.
ان مثالي العراق وفلسطين يقدمان أدلة حاسمة على خضوع هذه المنظمات (للمصلحةالقومية) لبلدانها ومتطلباتها، فاذا قارنا الحملات العدائية المتصلة والضخمة التي شنتها هذه المنظمات ضد فلسطين وشعبها تحت شعارها المعروف (محاربة الارهاب) ، وضد العراق وشعبه ، تحت شعار (التخلص من اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان) ، نجد ان ثمة تناقض هائل وفاضح ، يتمثل في تحول الحملات ضد العراق وفلسطين الى اداة فعالة جداً استخدمتها حكومات الغرب ، خصوصاً امريكا وبريطانيا، اضافة الى إسرائيل ، الى ادوات لتسويغ غزو العراق وابادة شعب فلسطين دون اعتراض الكتلة الأكبر من الرأي العام في تلك البلدان، والتي صنعت ردود فعله منظمات المجتمع المدني والاعلام. مقابل ذلك ، فان هذه المنظمات لم تتعد، بعضها، حدود النقد الخجول واللطيف جداً لجرائم الاحتلال الامريكي في العراق والاسرائيلي في فلسطين، فالغزو وقتل آلاف المدنيين ونهب ثروات البلد وتدمير تاريخه وتفكيك دولته وممارسة اسوأ انواع التعذيب ضد الاسرى، وبالآلاف، واغتصابهم وطعن عقائدهم الدينية... الخ، ان هذه الجرائم التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً ابداً، لم تستحق شن حملات مستمرة وضخمة وفي كل اوروبا وامريكا لادانة الخرق الفاضح والاجرامي لحق الحياة ولحقوق الانسان الاخرى، خصوصاً في سجن ابو غريب!
 هل اجريتم مقارنة؟.. اذن اجروها وستجدون ان منظمات المجتمع المدني الغربية تواطأت مع حكوماتها ضد العرب والمسلمين. لكن ذلك الخلل لايتوقف عند هذا الحد، فحتى داخل اوروبا وامريكا، لم تستطع هذه المنظمات الدفاع عن الانسان، اي انسان، بل اهملت الاقليات والسكان الاصليين وهم يتعرضون للابادة ، كما حصل في امريكا واستراليا وفلسطين، او للاضطهاد والاستغلال البشع، كما يحصل في امريكا وباقي الغرب.
اذن يمكن الاستنتاج بسهولة بأن الواقع يثبت ان اغلب منظمات المجتمع المدني في الغرب تقع في خانة القوى الاحتياطية التي تستخدمها النخب المسيطرة لتحقيق اغراض خارجية وداخلية، وانها ليست مستقلة في الواقع. وهنا يطرح سؤآل منطقي وهو: اذا كانت اكثر دول العالم تطوراً وتقدماً قد شهدت فشل قيام منظمات مجتمع مدني حرة وموضوعية، فكيف سيكون مستوى الفشل في الوطن العربي؟

هل تتوفر في الوطن العربي الشروط؟

ان تذكر الشروط الخاصة بقيام مجتمع مدني ، والتي حددها الغرب ، يجعلنا ندرك انها غير متوفرة في الوطن العربي، فالعرب لم يتحرروا بعد من الاستعمار الغربي المباشر وغير المباشر، وتوجد اقطار محتلة مثل فلسطين ثم لحق بها العراق، وهناك اجزاء مغتصبة من الوطن العربي، وفيه تسود الأمية والفقر والجهل، كما انه يتشكل من تنظيمات اجتماعية قوية، هي القبائل والعشائر، والتي لها تقاليد قوية وعريقة، واخيراً وليس آخراً يوجد للدين الاسلامي تأثيرحاسم وايجابي بعكس الدور السلبي للكنيسة المسيحية في اوروبا، ومن ثم فان جوهرالدين متغلغل ليس في المجتمع فحسب، بل ايضاً في الدولة. في مجتمع كهذا من المستحيل فصل المواطن عن المؤثرات المذكورة، وفي حالات كثيرة يصبح الولاء السابق للقومية قوي الى درجة التغلب على الولاء الوطني، كما هو حال الاحزاب الطائفية في العراق الموالية لايران وليس للعراق والتي خدمت الاحتلال مباشرة ، كما ان الامية والفقر والمرض تفرض على المواطن ان ينشغل بهمومه العائلية وليس الوطنية أو الحقوقية الديمقراطية.
واذا اقيمت منظمات مجتمع مدني في شروط مجافية كهذه فانها ستكون محض تجمعات شكلية تخضع إما للدولة او الحزب الحاكم او لطائفة او لدين أو قبيلة.. الخ ، انها لن تكون منظمات  مجتمع مدني، كماحددها الغرب. الأخطر من ذلك ان منظمات كهذه ليست جزراً مستقلة عن محيط عظيم بل هي جزء من نسيج منسجم وحالة تنبثق عن تطور طبيعي، فاذا كانت اعظم المجتمعات تقدماً في الغرب قد عجزت عن انتاج منظمات مجتمع مدني حقيقية فكيف يمكن في بلدان يسودها التخلف وتعدد المؤثرات ان تنتج منظمات مجتمع مدني حقيقية وحرة؟
واذا كانت فكرة المجتمع المدني قد طرحت قبل اوانها في امريكا واوروبا الغربية، وبعد أوانها في اسكندنافيا وسويسرا.. كيف ، اذن، يمكن زرعها في زمان عربي غريب كلياً عنها؟
واذا وضعنا جانباً الجري وراء الموضة والتيارالسائد، يبقى امامنا سؤال كبير: اذا كان كل ماتقدم صحيحاً فكيف نفسر وجود دعوة لانشاء منظمات مجتمع مدني؟ الجواب هو ان القوى الغربية واسرائيل معها، وجدت فرصتها الذهبية في إعادة استعمار الاقطار العربية التي تحررت، وفرض الزعامة الاسرائيلية اقليمياً، وتزوير الوقائع بتلفيق منظمات تستخدمها كغطاء للتغلغل الاستعماري والصهيوني.
كما ان صعود هذه المنظمات يساعد على تجريد القوى السياسية والثقافية والدينية العربية من نفوذها، ممايؤدي الى اشعال صراعات من نمط جديد مدمر للعرب ووحدتهم، لانهاتقوم- اي منظمات المجتمع المدني- على فكرة نفي وجود امة عربية واحدة وتشجيع انفصال الاقليات واعادة تعريف الدين والاخلاق والروابط الاجتماعية بطريقة تؤدي الى تفسيخ المجتمع العربي والقضاء على هويته الخاصة.. الخ.
واخيراً فان العولمة تفرض تفتيت قوة المجتمعات التقليدية والدول وتعويم الدولة تسهيلاً لتغلغل العولمة بنجاح اقتصادي واجتماعي، في اجواء الفوضى، لان العولمة هي عملية تفكيك منظم لحصانات الدول العالمثالثية لضمان سيطرة الاحتكارات الكبرى بلا عوائق ،  ما الذي نتوصل اليه عبر هذا التحليل؟ هل نرفض ممارسة الشعب دور فعال في التأثير على السلطة وضمان حقوقه؟ بالتأكيد كلا ،  فلئن رفضنا فكرة غير طبيعية اسمها المجتمع المدني، فاننا ندعو للبديل الطبيعي المناسب لدرجة تطورنا ولثقافتنا، فلدينا احزاب وطنية واسلامية نظيفة واهدافها صحيحة، ولدينا اشكال من التمثيل الشعبي، أغلبها شكلية لوجود انظمة فاسدة او تابعة للاجنبي، لكن ذلك لم يمنع في السابق من تغيير تلك الانظمة بإرادة شعبية عبرت عنها القوى الحية في المجتمع ، ومن ثم فان النضال الشعبي كفيل بضمان مستقبل مشرق للأمة.
اما الدولة ، فانها ، وسواء كانت سليمة الاتجاه او منحرفة ، فانها اداة خدمية ، في احدى وظائفها ، لأن مجتمعنا العربي ، منذ نشأ، كان مجتمع سيطرة مركزية نتيجة للجفاف والتصحر ومايرافقهما من شحة موارد الحياة ، فبرزت ضرورة وجود سلطة مركزية قوية تؤمن الخدمات الاساسية كالري وغيره ، بعكس اوروبا الغنية بالمياه والتي كان بمقدور كتلها الاجتماعية العيش السهل نسبياً، اينما شاءت وبدون الحاجة لسلطة مركزية.
من هنا فان تغييب الدولة في مجتمعنا يفضي حتماً لتفكك المجتمع وزيادة مشاكله تعقيداً، والحل العملي هو السعي الجاد، وبالنضال والتضحيات ،  لجعل الدولة مركزية وقوية لكنها تخضع لارادة الشعب عبرنظام ديمقراطي شعبي شوروي وليس ليبرالياً يسمح بتغلغل النفوذ الاجنبي ، وهو الهدف المركزي الكامن خلف الدعوة لاقامة مجتمع مدني.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 3 رجب 1425 / 19 آب 2004