السياسي والباحث العراقي صلاح المختار (الجزء الثاني)

يشرح تفاصيل استراتيجية المقاومة العراقية ضد الاحتلال :

لماذا فشل الجيش الأمريكي في القبض علي عناصر المقاومة ؟

شبكة البصرة 

أجرى الحوار الصحفي المصري الأستاذ عبدالستار حتيتة*

قتلت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مليوني عراقي خلال السنوات الـ12الماضية وفقاً لإحصاءات متفرقة، وأعملت في ذلك البلد العربي الكبير التخريب والتدمير، وعلي الرغم من ذلك لم تتمكن من كسر إرادة الشعب.

وبعد مضي نحو عام ونصف العام علي الاحتلال الأمريكي للعراق نجحت المقاومة العراقية في تلقين العدو أكثر من درس، وكبدته الخسائر تلو الخسائر، مما اضطر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للاعتراف الأسبوع الماضي بأن حسابات واشنطن حول مرحلة ما بعد احتلال العراق لم تكن صحيحة!

ما هو السر في قوة المقاومة وإصرارها علي إلحاق الهزيمة بأكثر الجيوش امتلاكاً للأسلحة الفتاكة في العالم؟ ولماذا فشلت قوات الاحتلال في القبض علي أي من عناصر المقاومة أو أحد قادتها حتي الآن؟!

وما هو دور هيئة التصنيع العسكرية العراقية في حرب الشوارع والمدن الجارية الآن، ولماذا لا تصح المقارنة بين المقاومة الفيتنامية والمقاومة العراقية؟

إن الكثير من المعلومات ما زالت بعيدة عن الرأي العام، وفي هذا الحوار الذي تستكمله "الأهالي" مع السياسي والباحث العراقي صلاح المختار نتعرف علي المزيد من التفاصيل لما "حدث وما يحدث" في العراق..

* لقد بدأت المقاومة العراقية علي غير المعتاد بالرد سريعاً علي الاحتلال؟ كيف حدث ذلك، ومن هم هؤلاء المقاومون؟

*/ دعني أحدد أولا الجهات التي ينتمي إليها هؤلاء، فمنذ عام 1980 وهو عام اندلاع الحرب بين العراق وإيران، أخذ ينشأ جيل مدني مقاتل يتألف من أعضاء وأنصار حزب البعث ومتطوعين غير بعثيين، وتواصلت تدريبات مثل تلك الفرق عقب دخول الكويت ومحاولة الولايات المتحدة الأمريكية غزو العراق عام1991 كما ذكرنا في الحوار السابق، لكن الحقيقة التي أريد أن أشير إليها هنا هي أن العديد من المنظمات الحكومية ظلت طوال أكثر من عقدين مجهزة لـ"حرب الشوارع"، و"العصابات" إلي جانب القوي الشعبية المسلحة، ومن تلك المنظمات "الأمن الداخلي"، و"المخابرات"، و"الأمن العام"، و"الاستخبارات العسكرية"، و"الأمن الخاص".

* لكن نحن نريد أن نتحدث عن الوضع الراهن أيضاً. يعني من يقود المقاومة اليوم؟

*/ يجب ألا تتجاهل أن معظم القوي التي تعمل اليوم ضد الاحتلال تم إعدادها قبل العدوان بعامين لتواجه مخاطر الغزو وتقضي عليه. لكن يمكن أن أقول لك أن المقاومة - في الواقع - تضم أساساً بعثيين، ويقودها بعثيون، رغم وجود عدد ضخم من المستقلين فيها.

* وماذا عن العسكريين. ما دورهم؟

*/ نعم.. علي صعيد الخبرات العسكرية والفنية.. لقد احتل ضباط الأركان مراكز القيادة والتوجيه والتدريب. إنهم من ضباط الجيش والحرس الجمهوري والمخابرات من المتخصصين في قتال الشوارع والتفخيخ..

*ومتي بالضبط تم اللجوء إلي خيار المقاومة؟

*/ حينما بدأت الحرب يوم 20/3/2003 وأخذ الغزاة يتدفقون، بدأ تنفيذ الخطة بالرد بأسلوبين عسكريين. الأول: حرب نظامية، والثاني حرب عصابات. لكن حين تم الغزو حدث تغيير جوهري علي مستوي القيادة، إذ اضطر الرئيس صدام حسين لتشكيل قيادة بديلة (طوارئ) لحزب البعث، وتم ربط كل تنظيمات المقاومة المسلحة به مباشرة.

* لكن هناك أسماء لقيادات لم نسمع عنها من قبل. من أين أتوا؟

*/ نعم.. أقول لك أنه منذ وقوع الغزو أصبح هرم المقاومة كالآتي: في القمة قيادة مصغرة جداً من كوادر البعث الجديدة وغير المعروفة علي نطاق واسع، تتلقي الأوامر مباشرة من الرئيس(صدام قبل الأسر)، وتتولي قيادة الحزب والمقاومة. كما تم تشكيل وحدة قيادية تتولي تنظيم وقيادة جهاد العشائر، وعلماء الدين لضمان مشاركتهم الفعالة في المقاومة المسلحة للغزو، ولذلك لم يكن صعبا بعد وقوع الغزو انخراط أبناء العشائر وعلماء الدين وتلاميذهم من الإسلاميين في الجهاد المسلح تحت قيادة بعثية أو بالتنسيق معها، بالإضافة إلي انخراط اليساريين والناصريين والمسيحيين والصابئة (أبناء ديانة عراقية قديمة) في المقاومة، ومعهم أيضا شيوخ عشائر وعلماء دين ، وتيارات إسلامية غير حزبية، لأن "الإخوان المسلمون" يتعاونون مع الاحتلال.

* وما دور ضباط أركان الجيش العراقي في المقاومة؟

*/ الغالبية العظمي من رجال المقاومة يعملون تحت قيادة كوادر بعثية، خصوصا ضباط الأركان . ولابد من التأكيد علي أن هناك قيادة مركزية للمقاومة تقود العمل المسلح في كل انحاء العراق، معتمدة علي تنظيم لا مركزي يمنح الوحدات الدنيا حرية واسعة في التخطيط وتنفيذ العمليات.. ولعلك استمعت لريتشارد أرميتاج، نائب وزير الخارجية الأمريكية، عندما وصف قيادة المقاومة قائلا في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ يوم 26/6/2004 إن المقاومة العراقية لها تنظيم متطور ومعقد يشبه الجهاز العصبي المركزي لدي الإنسان.

* هناك سؤال محير آخر، وهو كيف استطاعت المقاومة أن تنتشر وتستمر بطريقة قلبت خطط أمريكا رأساً علي عقب، كما اعترف الرئيس جورج بوش الابن الأسبوع الماضي، وذلك علي الرغم من أن الشروط المعروفة لحرب العصابات، كالجبال والغابات والمساندة الخارجية كالتمويل بالمال والسلاح، التي كانت سبباً في انتصار المقاومة الفيتنامية علي الجيش الأمريكي، غير متوفرة اليوم للمقاومة العراقية؟

*/ المقاومة العراقية تتميز عن غيرها من مقاومات العالم بسمات فريدة، فهي أولاً لا تحصل علي دعم خارجي سواء كان عسكرياً أو مادياً أو معنوياً من بقية الدول بما فيها دول الجوار لأن الجميع يخشون الإدارة الأمريكية. كما أنه لا توجد في مناطق القتال العراقية جبال أو غابات كي يحتمي بها الثوار، كما حصل في فيتنام و كوبا مثلاً؛ فالعراق أرض منبسطة باستثناء مناطق الشمال، لذلك فإن المقاوم يواجه احتمال القتل السهل علي يد العدو كلما خرج لتنفيذ عملية.

* وما العوائق الأخري التي تواجه عمل المقاومة العراقية برأيك؟

*/ توجد تنظيمات من أصول غير عراقية كحزب الدعوة، والمجلس الأعلي المشكلين من قيادات إيرانية، ومن قواعد أغلبها من أصول إيرانية، بالإضافة إلي الحزبين الكرديين. وهذا الواقع يخلق مخاطر شديدة علي المقاومين أثناء تنفيذ عملياتهم، لأن هؤلاء منتشرون في الكثير من المدن، و مسلحون، ومدعومون من قبل قوات الاحتلال، و هذا الوضع لم يكن موجوداً، أو كان موجوداً لكنه كان محدود الخطورة علي ثوار حرب العصابات في التجارب الأخري.

* إذن كيف نجحت المقاومة العراقية في التغلب علي هذه التحديات الكثيرة؟ كيف حصلت وتحصل علي السلاح والمال؟ كيف وفرت الحماية لمقاتليها؟

*/ بالنسبة للسلاح وزع حزب البعث منذ عام 1990 وحتي وقوع الغزو حوالي خمسين مليون قطعة سلاح خفيف و متوسط و ثقيل مع عتادها، و حفظ قسماً كبيراً من هذا العدد في مخازن سرية في مختلف أنحاء العراق يكفي لقتال ضار لمدة عشر سنوات قادمة. و لذلك لا تحتاج المقاومة للسلاح و العتاد بشكل عام، أما المال فإن الحزب وفر من ميزانيته قبل الغزو أموالاً مهمة لتمويل المقاومة، و بالفعل.. ما إن نزلت المقاومة تحت الأرض حتي أخذ قسم الحسابات المصغر في الحزب يتولي شئون مالية المقاومة من حيث توثيق الصرف أو استلام الأموال لكن هذه الموارد نضبت أو كادت فتحولت المقاومة والحزب إلي قبول التبرعات من المواطنين العراقيين، حيث يقوم من لا يملك مالأً سائلا ببيع بيته أو سيارته أو ذهب زوجته لأجل التبرع بها للمقاومة، و تعتقد الغالبية الساحقة من العراقيين بأن تقديم المال للمقاومة هو "فرض عين" لأنها جهاد في سبيل الله والوطن.

* لكن كيف تتم حماية رجال المقاومة من العناصر المسلحة الموالية للاحتلال؟

*/ تقصد حمايتهم من الطابور الخامس المسلح. إن هذه الحماية تأتي من الشعب، فلولا دعم الشعب لما نجحت المقاومة في التغلب علي هذه العقبة.

* نحن نسمع عن سيطرة المقاومة علي بعض المدن العراقية، فكيف يتم التعامل مع المتعاونين مع الاحتلال في تلك المدن؟

*/ منذ شهر(نيسان) أبريل الماضي تحولت المقاومة إلي مرحلة تنظيف مدن العراق من الطابور الخامس بإلقاء القبض علي الأفراد المتورطين، و محاكمتهم علناً أمام الناس، وإعدام من يثبت أنه عميل لأحد التنظيمات الداعمة للاحتلال أو من المتعاونين معه، وبذلك خفت مخاطر "الطابور الخامس" علي نحو ملموس الآن.

* وكيف تم التغلب علي الطبيعة الجغرافية المكشوفة؟

*/ تغلبت المقاومة علي مشكلة التشكيل الجغرافي غير المناسب لعملها عبر تعزيز الصلات بالناس، و توفير ملاذ آمن للمقاتلين في بيوت المواطنين قبل وبعد تنفيذ عملياتهم، وهكذا تثبت مرة أخري صحة المقولة المعروفة:"إن الشعب هو ماء المحيط الذي تسبح فيه أسماك المقاومة".

* المقاومة العراقية متهمة بغياب الاستراتيجية وبغياب البرنامج السياسي وبغياب التمثيل الإعلامي، أي لا يوجد متحدث باسم المقاومة علي سبيل المثال؟

* بالنسبة للاتهامين الأول والثاني هذا غير صحيح بل مضلل، أما الاتهام الثالث فهو صحيح. دعني أوضح هذه المسألة المهمة، فيما يتعلق باستراتيجية المقاومة فإنها واضحة منذ البداية، فالهدف الجوهري فيها هو تحرير العراق من الغزو الصهيوأمريكي عبر الكفاح المسلح، وهذا الهدف الواضح يستند علي قاعدة تنفيذية واضحة أيضاً، وهي تقوم علي ما يلي:

1- ما دام أحد أهم هدفين استراتيجيين للاحتلال هو الاستيلاء علي ينابيع النفط العراقية، واستغلالها، فإن هدف المقاومة في هذا المجال هو قلب الهدف الأمريكي رأسا علي عقب.. أي بتعبير آخر يجب حرمان المحتل من استغلال النفط العراقي لتمويل الغزو ومنعه من تحقيق انتعاش اقتصادي أمريكي ومنعه من حل أزمة الطاقة في أمريكا التي تتضخم فيها هذه الأزمات الآن، وعلي سبيل المثال أزمة الطاقة التي ستصل ذروتها خلال فترة تتراوح بين 10 - 12 سنة قادمة، و"قلب الهدف الأمريكي" يعني تحديدا منع تصدير النفط العراقي و بأي شكل وطريقة.

* وإلي أي مدي تحقق هذا الهدف؟

*/ تحقق تماماً خلال الخمسة عشر شهراً الماضية، الأمر الذي خلق أزمتين خطيرتين لأمريكا: الأولي هي أزمة تمويل الحرب علي العراق و غزوه.. إذ أن الرئيس الأمريكي قد وعد الكونجرس بأن غزو العراق لن يكلف الخزينة الأمريكية مالاً، لأنه سيمَول بموارد النفط، و بما أنه قد عجز عن الحصول علي موارد رسمية من النفط، أي تدخل الحسابات(في الخزينة الأمريكية)، اضطر للحصول علي أموال أمريكية بلغت حتي الآن أكثر من 160 مليار دولار أمريكي، وهذا يعني أن غزو العراق أصبح عامل إرهاق و استنزاف مالي لأمريكا، ومن الواضح أن الرقم سيتضاعف إذا بقيت أمريكا في العراق، و بالتأكيد فإن هذا العامل لوحده يشكل عامل ضغط شديد القوة يدفع أمريكا إلي ترك العراق إذا استمر و تعمق.

* وما هي الأزمة الثانية برأيك؟

*/* الأزمة الثانية التي تواجهها أمريكا هي عجزها عن استثمار نفط العراق من خلال شركاتها الكبري، فعدم الاستقرار الأمني الناجم أساساً عن عمليات المقاومة و استهداف رجال الأعمال الأجانب والمتعاونين معهم، أدي إلي استحالة استثمار النفط العراقي، إضافة لذلك فإن الاستثمار يتطلب إعادة بناء البنية التحتية و الصناعة النفطية التي خربها الحصار والحرب، وهو شرط يتطلب رأس مال ضخم كانت أمريكا تريد توفيره من موارد النفط العراقي، لكن المقاومة منعت ذلك فأصبح الواقع النفطي في العراق مجافياً تماماً لرغبة أمريكا و خططها الاستراتيجية.

* وهل لم تجد أمريكا مخرجاً لهذا. يعني أنها هل تحصل علي النفط العراقي بطريقة ما؟

*/ نعم.. أخذت تركز علي نهب النفط العراقي الخام حيث تقوم قوات الاحتلال بنهب ملايين البراميل من النفط يومياً. أما تحسين الاقتصاد الأمريكي وحل أزمة الطاقة القادمة و استخدام النفط كسلاح ابتزاز سياسي للقوي الصاعدة(من دول العالم كأوربا والصين والهند) فلم يتحقق و لن يتحقق بفضل المقاومة العراقية.

* يركز جانب من المقاومين إن لم يكن جميعهم علي محاولة إيقاظ عقدة فيتنام في أوساط جيش الاحتلال. إلي أي مدي نجحت هذه المحاولة؟

*/ المقاومة أتعبت الجيش الأمريكي ونجحت في هذا إلي حد كبير، وذلك من خلال تعريض جنوده للموت اليومي والإرهاق المدمر نفسيا وجسدياً، فانطلاقا من حقيقة أن إلحاق الهزيمة العسكرية بأمريكا غير ممكن باستراتيجية الحرب النظامية، فإن المقاومة تري أنه يجب دحرها عبر استنزاف بطئ ولكن مستمر، وبتعبير رياضة الملاكمة فإن المقاومة تعمل علي دحر أمريكا بـ"جمع النقاط" و ليس بـ"الضربة القاضية"، وجمع النقاط يعني إيصال الاستنزاف البشري، والمادي طبعاً، إلي مرحلة تعجز فيها أمريكا عن تحمله، فتضطر لترك العراق دون الإصرار علي تحقيق أي هدف كبير. والمقاومة تعمل علي تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، تحقق في الستة شهور الأولي لانطلاقتها، ومن حيث الخسائر البشرية الأمريكية فقط، تحقق في الشهور الستة الأولي للمقاومة ما حققته الثورة الفيتنامية في ثلاث سنوات.

* ولماذا تستهدف المقاومة بعض الوزارات والمؤسسات الجديدة؟

*/ هذه تعتبر واحدة من الاستراتيجيات المهمة، حيث أنه من أهداف المقاومة منع الاحتلال من بناء أو استكمال مؤسسات دولة عميلة تحل محله تدريجيا، خالقة درعا بشرياً ومؤسساتياً عراقياً يمنع المقاومة من استهداف جيش الاحتلال، فرغم مرور خمسة عشر شهراً علي الغزو، عجز الاحتلال حتي الآن عن تحويل ما أسماه "الجيش الجديد" و "الحرس الوطني" و"الشرطة" إلي قوات قادرة علي إلحاق الهزيمة بالمقاومة، بل بالعكس فإن هذه القوات إما تهرب بسرعة عند حدوث اشتباك مع المقاومة، أو ترفض الاشتباك أصلاً، ولذلك "طرد" الاحتلال 30 ألفاً من المجندين من أصل 60 ألف عراقي انضموا إلي التشكيلات المذكورة، أي أن 50 بالمئة ممن جُندوا حتي الآن انحازوا لوطنيتهم. ومن استراتيجية المقاومة أيضاً حرمان العدو من مصادر استمراريته مثل الطعام و الشراب و العتاد و السلاح و بقية الاحتياجات العسكرية و المدنية، وحققت نجاحات في ذلك. لقد تم تحريم المطارات و الطيران المدني علي الاحتلال، أما الآن فقد تم تحريم أهم الواردات البرية سواء من الأردن أو تركيا أو البصرة (من البحر) باعتماد المقاومة سياسة إعدام أو اعتقال السائقين الذين ينقلون السلع للاحتلال، وقد نجح هذا الأسلوب بشكل ممتاز جعل الاحتلال يشعر بمأزق خطير يحيط به، لأن استمرار ذلك سيؤدي إلي خنقه دون قتال.

* وماذا عن البرنامج السياسي للمقاومة؟

*/ البرنامج السياسي للمقاومة يعالج مرحلة ما بعد التحرير، وهو معروف لدي الأوساط العراقية منذ إعلانه في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، ويعتمد علي إدارة الدولة بأيدي العراقيين المقاومين للاحتلال من جميع التيارات والعرقيات.

* ومن المسئول عن التمثيل الإعلامي للمقاومة.. لماذا لا نري أي متحدث باسمها؟

*/ المقاومة تواجه أقسي أشكال العنف والاجتثاث الجسدي سواء من قبل قوات الاحتلال أو المخابرات الخارجية، كالأمريكية والإسرائيلية والإيرانية.. يمكن الاستنتاج بأن فتح مكاتب للمقاومة في الخارج يعد انتحاراً لها، لأنه يقدم علي طبق من ذهب رأس المقاومة للاحتلال. إلا أن هناك بعض البيانات المهمة التي تقوم المقاومة ببثها علي الانترنت. بالإضافة إلي أن تنفيذ العمليات يتم الإعلان عنه بأسماء مختلفة تتغير باستمرار لأجل تشتيت التركيز الاستخباري والأمني لقوات الاحتلال وإرباكها ومنعها من تتبع أي خيط قد يقود لكشفها.

* ما المراحل التي اجتازتها المقاومة نحو طريق التحرير، وما المرحلة الحالية؟

*/ مرت المقاومة العراقية بعدة مراحل منها مرحلة "اضرب واهرب". و بعد حوالي الشهور الثلاثة علي الغزو بدأت المرحلة الثانية، والتي تحكمها قاعدة "اضرب واصمد لساعات"، وساعد في تنفيذ عمليات المقاومة ما تطوره نخبة "نزلت تحت الأرض" من علماء هيئة التصنيع العسكرية العراقية تحت الأرض. أما المرحلة الثالثة من الثورة العراقية المسلحة فإنها تعتمد علي قاعدة "حرر مدناً واصمد فيها عدة أيام أو أسابيع، ثم انسحب وبعد ذلك عُد لتحريرها"، والهدف في هذه المرحلة تنظيف المدن من الجواسيس وتحريم دخولها علي قوات الاحتلال، وإن دخلت فتكبدها المقاومة خسائر هائلة لا تحتملها. وابتدأ العمل بهذه القاعدة في الوقت الحالي، حيث أصبحت هناك مدن رئيسية محررة أو شبه محررة لا تستطيع قوات الاحتلال دخولها، وإن دخلتها ففي النهار، وبعجلة، لأنها ستواجه نيران المقاومة.

* لا بد نسأل هنا إن كانت هناك مرحلة رابعة ستخوضها المقاومة في سبيل التحرير؟

*/ نعم.. نعم..المرحلة الرابعة تقوم علي قاعدة إكمال تحرير المدن الرئيسية، وحرمان العدو التام من دخولها وإعادة تنظيم هذه المدن لتصبح قواعد تدعم المقاومة تمهيداً لاضطرار الاحتلال إلي الانسحاب من العراق. وهذه المرحلة يمكن أن أقول لك إنها تنفذ الآن في بعض المناطق، وذلك باستخدام جانب من الصواريخ الاستراتيجية مثل صاروخ "جراد" الذي يبلغ طوله ستة أمتار لتدمير القواعد الأمريكية، وقطع طرق الإمداد علي العدو حتي يشعر بالاختناق فيضطر إلي الانسحاب، و ربما بشكل مفاجئ.

* ماذا تتوقعون من العرب؟

*/ هناك اعتراف أمريكي يقول بأن غزو العراق ليس سوي خطوة علي طريق "إصلاح" الأقطار العربية (بالمفهوم الأمريكي)، أي أنه بعد أن تفرغ أمريكا من العراق سيأتي دور سوريا ولبنان ومصر والسعودية وغيرها، وهنا يجب أن نذكر بحقيقة أصبحت معروفة، وهي أنه لولا المقاومة العراقية لكانت الدبابات الأمريكية الآن تجوب شوارع عواصم عربية عديدة، ولوجد أكثر من زعيم عربي نفسه في فيلم "الحفرة" الذي تخرجه هوليوود!

* هل تستطيع المقاومة العراقية الصمود عاماً آخر في ظل عدم وجود دعم عربي وعالمي مادي وإعلامي، مقارنة بقوات الاحتلال والعملاء؟

* / المقاومة استعدت قبل وقوع الغزو فأقامت تنظيم سري شديد التعقيد لا يسمح بكشف أكثر من اسم واحد من مجموعة واحدة، وهذا يعني قطع صلته فوراً بالتنظيم واستحالة كشف البقية، و يطلق علي هذا التنظيم اسم "التنظيم الخيطي" لأنه ينساب مستقيما كالخيط، فإذا قطع فمن مكان واحد، بعدها لا تبقي هناك علاقة بين جزئيه، إضافة لذلك تتمتع تنظيمات المقاومة باستقلالية ذاتية في تخطيط وتنفيذ العمليات، وهي لا تتقيد إلا بالخط العام لاستراتيجية المقاومة، وهذا النمط من التنظيم يمنحها قدرة لا نهائية علي التكيف مع الظروف، مهما بلغت درجة صعوبتها.

* كم عدد شهداء العراق منذ الغزو الأمريكي حتي الآن؟

*/ هناك دراسة ميدانية حول الخسائر المباشرة المحسوبة فقط في أوساط العراقيين تقول إن عدد الشهداء هو أكثر من 37 ألف شخص، إلا أن العدد أكبر من ذلك بكثير، وأصبح اليوم هناك استحالة في تقديم رقم مضبوط نتيجة لتدمير "جهاز الإحصاء المركزي" المختص بهذه الأمور. ومع ذلك أقول إن هناك مصادر أخري حكومية وغير حكومية قدمت تقديرات أولية قبل سقوط الحكومة الشرعية، تقول بأن عدد الشهداء من المدنيين فقط يتجاوز التسعين ألفاً في مختلف أنحاء العراق، وإذا أضيف رقم شهداء الجيش والمنظمات شبه العسكرية، والذي يقدر بحوالي150 ألف شهيد، وأخيراً إذا حسبنا ضحايا ما بعد الاحتلال سيصل العدد إلي حوالي ربع مليون عراقي ذهبوا ضحية الغزو فقط.

* يعني في تقديركم كم يصل عدد ضحايا السياسات الأمريكية علي العراق منذ بداية العقد الماضي حتي اليوم؟

*/ عندك عدد ضحايا الحصار الشامل الذي استمر من عام 1990 حتي عام 2003 بلغ حسب إحصاءات مشتركة لوزارة الصحة العراقية ومنظمات الأمم المتحدة - مثل اليونسيف و الفاو- حوالي مليون و800 ألف حالة وفاة، نتيجة سوء التغذية ونقص الدواء والتلوث الناجم عن تدمير البنية التحتية واستخدام اليورانيوم المنضب. نحن بإزاء رقم كارثي لضحايا أمريكا في العراق يصل إلي أكثر من مليوني إنسان ماتوا بسبب خطط "صهيوأمريكية".

* هل لديكم تقديرات عن حجم النفط الذي صدرته قوات الاحتلال إلي أمريكا أو غيرها؟ وهل أشرفت علي ذلك جهة عراقية؟

*/ لا توجد إحصاءات لسبب بسيط هو أن قوات الغزو قامت أول ما قامت، بعد دخول أراضي العراق في الجنوب، بالاستيلاء علي حقول النفط وشرعت فوراً بإعدادها للتصدير قبل أن تتقدم لغزو بغداد!

* لكن ماذا عن الوضع الآن؟

*/ نعم.. حينما اكتمل غزو العراق، وضعت جميع الحقول تحت يد الاحتلال مباشرة، ورفضت الولايات المتحدة السماح لأي جهة بمعرفة ما يجري هناك.. وبدأت علي الفور عملية ضخ وتصدير النفط إلي أمريكا بأدوات بشرية أمريكية، ولذلك فإن ما يمكننا الجزم به هو أن التصدير اليومي لأمريكا منذ بدء الغزو لا يقل عن مليوني برميل يومياً، وربما وصل إلي أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وبالطبع هذه العملية تعد نهباً وسرقة لثروة عراقية لأنها تمت دون توثيق أو حساب أو إشراف عراقي، ولذلك فإن من حق العراق المطالبة بالحصول علي ثمن هذه الثروة المنهوبة.

* سؤال أخير.. هل أنت أحد الناطقين باسم المقاومة؟

*/ لا.. هذا شرف لم أنله، أنا أتحدث بصفتي خبيراً ومحللاً استراتيجياً، وكما حللت تطورات الثورة الفلسطينية في كتبي ومقالاتي في السابق، أحلل اليوم ما يجري في العراق بعين الوطني والخبير بنفس الوقت.

*صحيفة الاهالي المصرية

صلاح المختار : المقاومة مستمرة و أكثر تنظيما وإصراراً علي كسب المعركة الجزء الاول

شبكة البصرة

الاربعاء 16 رجب 1425 / 1 أيلول 2004