نواقض الوطنية:  النزعة الطائفية

شبكة البصرة

صلاح المختار

حينما نتحدث عن الوطنية فانما نريد الاشارة الى ظاهرة طبيعية ربما نجدها في اغلب -ان لم يكن كل- مخلوقات الله من حيوانات وبشر وحشرات الخ.. فكل مخلوق لديه (وطن) يحتاج اليه ويرتبط به بروابط قوية تصل حد الموت دفاعاً عنه ، ادرسوا حياة النمل والحيوانات العليا والدنيا ستجدون ان لكل منها وطناً، بعضها يولد ويموت فيه ، وبعضها الاخر يستقر فيه فترة ، فيصبح (وطناً) ثم يتركه للبحث عن آخر بعد ان فقد احد مقومات صلاحيته .
ومن بين مخلوقات الله كلها تميز مفهوم الوطن لدى الانسان بضرب من الديمومة والتفلسف
،  فهذا المخلوق ما ان يستقر لزمن معين حتى تبدأ انماط حياته ، ومن ثم سلوكه ، تتبدل وتتجه نحو الرقي والتحسن المضطرد على اساس تغييرات نوعية تقع بين فترة واخرى نسميها (القفزات الحضارية) ، وعلى النقيض من ذلك نجد ان المخلوقات الاخرى لاتحدث لديها تلك القفزات لان تطورها ميكانيكي صرف ، لذلك يتكرر بصورة شبه آلية عبر آلاف السنين ، واقصى اشكال التقدم الحيواني هو التدجين .
وبفضل هذه الميزة الانسانية الفريدة ،اي ان التراكم الكمي للخبرات والعلوم يؤدي الى تحول نوعي في حياة الانسان، نجح الانسان في السيطرة على الكرة الارضية، رغم انه طارئ عليها قياساً بزمن اغلب المخلوقات ، وطور منظومات قيم وافكار صار قسم كبير منها يتحكم في حياته وتطوره ومن هذه الافكار فكرة الوطن، والتي ظهرت بذورها مع اكتشاف الزراعة واستقرار الانسان وانهاء فترة الصيد والتنقل قبل حوالى (15) الف سنة ، مما ادى الى ثراء فكري ولغوي واجتماعي ، اضافة للثراء المادي الناتج عن الزراعة وتدجين وتربية الحيوانات ، مثل الابقار والغنم والدجاج والكلاب وغيرها.
وكان اول مانما وتعزز من ثمرات بذور الوطنية هو اللغة ، فقد ادى  استقراروتعقد حياة جماعات تنحدر من اصل واحد الى نمو اللغة (اداة التخاطب) او توسع مفرداتها، وتعزز روابط الجماعة بفضل قدرتها على التعبير عن المشاعر والافكار بصورة اعمق واوضح من فترة الصيد ، حيث كانت لغتها محدودة جداً بحكم ضرورات الطبيعة البدائية تلك. ولذلك اقترن الوطن، اول مااقترن، بثنائية المكان واللغة ، فالوطن هو حب حيز ارضى محدد والارتباط باداة تفاهم بين ساكنيه ، وهي اللغة ، وبتفاعل المكان واللغة تبلورت تمايزات ثقافية عبر آلاف السنين وصلت في مرحلة نشوء المدن الى حد تكون أهم عناصر الامة : اللغة المشتركة، الدين المشترك، التكوين النفسي المشترك، والارض المشتركة، المصلحة المشتركة.
ولقد وضعنا (المصلحة المشتركة) في نهاية عملية التكون القومي لانها حصيلة تفاعل كل العوامل الاخرى في ظل تزايد السكان وبروز القبيلة ، بما تضمه من عشائر وافخاذ مختلفة ، اضافة لتفاعل واندماج عدة قبائل ربما اختلفت أصول بعضها، لكن العيش المشترك وتداخل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية كالزواج والتجارة، انتج مصلحة مشتركة للجميع ، وهنا بدأت الامة تتشكل بصفتها النتاج الأرقى لتفاعلات آلاف السنين والتي بلورت سمات ثقافية ولغوية وروحية ومادية مشتركة جعلت افراد جماعة قومية ما يختلفون عن غيرهم ويشعرون بالغربة تجاههم ومعهم.

أمم الالفيات وامم القرنيات

اذن فكرة الوطن أقدم من فكرة القومية وأعمق في جذورها، لأنه هو البوتقة التي صهرت المكونات المختلفة للأمة وجعلتها كتلة تاريخية منسجمة ومترابطة ، لذلك نجد أن الأمم العريقة والقديمة في تكوينها كالامة العربية والامة الصينية ، مازالت محافظة على أصولها القبلية والعرقية ، رغم ان جذورها تمتد لآلاف السنين، في حين ان الامم الاوروبية الحديثة التكوين فقدت أصولها القبلية في مناخ الثورة الصناعية وما فرضته من قواعد الزامية في العمل أدت الى تذويب سريع وقسري للراوابط السابقة للأمة في حين أنها نشأت منذ مئات السنين فقط  ! وهكذا تكون لدينا امم تقاس اعمارها بالالفيات وأمم تقاس اعمارها بالقرنيات (من قرن) . وقد يقول قائل ان الأمة العربية لم تمر بمرحلة ثورة صناعية أصلية تدخل الكتل القبلية في فرن الثورة الصناعية وتعيد تشكيلها اجتماعياً بحيث تفقد أصولها كما حصل في اوروبا، وهذا القول صحيح الى حد كبير لكنه ليس عالمي الانطباق، فالصين واليابان مرتا وتمران بثورة صناعية كبرى، غيرت الكثير من تقاليدهما لكن، ومع ذلك ، مازالت بعض القيم الاقطاعية في اليابان قوية جداً، ومن ابرز مظاهرها (البوشيدو) ، أي اخلاق الفرسان ، أما الصين فمازالت الرابطة القبلية قوية ، وبالاشارة الى العرب والصينيين واليابانيين ، نصل الى تأكيد ان الامم العريقة ذات الحضارات الألفية تتميز برسوخ مياسمها القومية، ليس فقط على مستوى الامة، كما هو حال اوروبا، بل على مستوى الجذور التي نمت الامة منها كالقبيلة والعشيرة.
ويترتب على هذه الحقيقة التاريخية المهمة جداً وضع خاص، وهو ان الرابطة الوطنية التي تشد ابناء الامم القديمة تمتلك قوة شد مزدوجة : الشد التاريخي السابق للامة، مثل الانتماء القبلي ، والشد الحديث المتمثل بالرابطة الوطنية المتكونة في أمة حديثة. وبفضل هذه الحقيقة تفوقت اليابان والصين على الدول الاوروبية في وتيرة تطورها العلمي والتكنولوجي، وبفضلها ايضاً تفوق العرب في الانتماء الوطني على الاوروبيين من حيث الاستعداد للتضحية دفاعاً عن الوطني، بل يمكن الاشارة الى ان فكرة الوطن قد اخذت تضمحل وتضعف في اوروبا بسبب طغيان علاقة المصلحة المادية ، اما في امريكا الشمالية ، والتي لم تصل في تطورها بعد الى مرحلة (الأمة) ، فان الرابطة الاساسية لسكانها هي (رابطة العمل) ، وعلى اساسها تتشكل بقية الروابط وهي لذلك روابط مصلحة مادية بالدرجة الاولى وليس رابطة وطنية.  ان الدين اتى بعد القومية وليس قبلها في الامم الشرقية العريقة كالعرب ، ونقصد الاسلام ، فالعرب وجدوا قبل الاسلام ولكنه اصبح عامل بلورة ، ثم فولذة للهوية والعلاقات العربية ، وتعاقب الوجود هذا (القومية ثم الاسلام ) انتج ظاهرة تعددية الدين والطائفة في الأمة وتمتع اتباع الديانات والطوائف بصفة الوطنية دون تمييز، ولذلك شهدت حركة القومية العربية بروز دور فاعل للمسيحيين العرب فيها، وبنسب تفوق احياناً عددهم ، كما ان اليهود تمتعوا بحق المواطنة كالمسلمين حتى غزو فلسطين، وكان اليهود في العراق مثلا ، يحتلون مواقع قيادية وباعداد اكبر من نسبتهم السكانية في الدولة والمجتمع والاقتصاد ، وفي الحالتين، المسيحين واليهود، كانت وطنيتهم ليست موضع شك خصوصاً المسيحيين، لأن الاخيرين لم يلعبوا دوراً ايجابياً قومياً في نهضة العرب الحديثة فقط ، بل انهم ايضاً رسخوا وكرسوا فكرة الوطنية القائمة على تعددية الدين اثناء الحروب الصليبية، والتي قاتل فيها المسيحي العربي المسيحي الاوروبي ، دفاعاً عن وطنه العربي ذي الأغلبية الاسلامية. في ضوء ماتقدم يتضح لنا ان الوطن اوسع من الرابطة الدينية، التي قد تمثل عدة اديان وطوائف ، والوطن لذلك يتمتع بقدسية ليس مصدرها الاسلام فقط ، لانها سابقة عليه، بل ايضاً التراث الايجابي الثقافي والحضاري لعرب ماقبل الاسلام وانسابهم ومفاخرهم ، ولعل اعظم  واخطر ماتجب الاشارة اليه هو ان عزة الدين تصبح موضع شك حينما يفقد الوطن استقلاله ويتعرض للاحتلال ، وامامنا المشهد العراقي بكل مآسيه التي خلقها الاحتلال ووصل بعضها حد اهانه الغزاة للمراقد الاسلامية المقدسة في سامراء والنجف وكربلاء ، والقصف المتعمد لمرقد الامام علي -كرم الله وجهه- او المساجد التي قصفت او دخلها جنود الاحتلال باحذيتهم مثل جامع (ام المعارك) وجامع الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان في بغداد  وغيرهما فعزة الدين اذن غير ممكنة الا في وطن عزيز وحينما تنتهك عزة الوطن ، ممثلة بسيادته لايبقى للدين والعرض درع قوي يحميهما ويصبح بإمكان عدو الدين والوطن تدنيس كل شيء.
ولذلك تكون تقليد اسلامي معروف وهو ان (حب الوطن من الايمان) فالمسلم الذي لايحب وطنه ليس مسلماً حقيقيا، مهما ادعى ، والدفاع عن الوطن عند المحن واجب ديني مقدس، لعدة اسباب، اهمها اطلاقاً هو ان لاحرمة ولا قدسية للدين الا بوجود درع واق، هو الرابطة الوطنية ومن يمثلها، أي الدولة الوطنية ، واستناداً لذلك لايوجد اي مسوغ مقبول وطنياً على الاطلاق لترك الوطن يقع في قبضة الاحتلال دون ان يهب جميع ابنائه للدفاع عنه، فاذا وجدت حكومة لايدعمها البعض لاي سبب، فان ذلك عذر غير مقبول للوقوف على الحياد عند غزو الوطن، او مساعدة المحتل على انجاح احتلاله بحجة اسقاط حكومة غير مرغوب فيها!
هذا المنطق يفضي ليس للخيانة الوطنية فحسب بل والى نقض قاعدة اسلامية اساسية (حب الوطن من الايمان) بل انه منطق يسوغ كل شيئ فيما بعد، فاذا سقط رادع الرابطة الوطنية تحت تأثير أي عامل، فسوف يجد هذا المنطق سابقة تعتمد للقيام بتجاوزات اخرى على القيم الوطنية والدينية والاجتماعية. إن الوطن فوق الخلافات السياسية، وهو الحاضنة الايجابية للاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية ولضمان تفاعل ايجابي يخدم الوطن بين المختلفين والمخالفين ، ولابد من احترام حرمة الوطن والدفاع عنها ورفض عقد أي مساومة على حسابها وهذا التأكيد ليس جديداً، فكل الشعوب التي واجهت الاحتلال الاجنبي توحدت احزابها المتناقضة ودياناتها المختلفة وايديولوجياتها المتعددة واطيافها العرقية العديدة الالوان ووقفت ضد العدو الخارجي ، ومازالت تجربة الثورة الفيتنامية ضد الاستعمار الامريكي حية في اذهاننا، اذ توحد البوذي المؤمن والمتصوف مع الشيوعي الملحد، والذي كان يضطهد البوذي بشدة ، بل رأينا البوذي المضطهد من قبل النظام الشيوعي يجلس امام الصحفيين ويحرق نفسه حتى الموت لفضح جرائم الاستعمار الامريكي دون ان تخطر بباله فكرة انه يجب ان يدعم الاستعمار الامريكي نكاية بالحكم الشيوعي.
ومع الأسف الشديد رأينا صورة بشعة للخيانة الوطنية قدمها اولئك الذين قدموا لامريكا وبريطانيا قبل احتلال العراق معلومات اغلبها كاذبة لتحريضهما على غزو العراق، ثم قاموا بالمشاركة في الغزو وفي تدمير الدولة العراقية ونهبها وحرق جامعاتها ومؤسساتها ومحاولة محو ذاكرتها القومية عبر تدمير المتحف الوطني، بعض هؤلاء قالوا انهم ايدوا الغزو دفاعاً عن طائفة معينة، وادعو انها تعرضت للاضطهاد في العراق، والبعض الاخر قال انه ايد الغزو لأن ( قوميته) اضطهدت، وفي الحالتين، وحتى اذا قبلنا هذا الادعاء (وهو غير صحيح بالتأكيد) لاغراض المحاججة المنطقية ، فإن وجود الاضطهاد لايسوغ تدمير وطن وقتل مليوني عراقي منذ عام 1991م وحتى الآن، ولا انتهاك حرماته ، فالغزو الاجنبي هو اسوء الخيارات واكثرها دموية وضرراً، ولم يلجأ عاقل واحد يحب وطنه الى طلب الدمار الشامل لوطنه من اجل اسقاط حكومة يعتقد انها ظالمة.
ان المشهد العراقي يقدم لنا نموذجاً بالغ الوضوح لخطورة نقض الرابطة الوطنية باسم الطائفة ، فالطائفة جزء من دين والدين جزء من وطن، واذا جرى تغليب الرابطة الطائفية على الرابطة الوطنية سقطت قاعدة الوحدة الوطنية وفتحت ابواب تقسيم الوطن على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية ، ولعل من بين اخطر ماتنطوي عليه النزعة الطائفية هو منح الولاء لدولة اخرى لانها من نفس طائفته ، وتغليب مصالح تلك الدولة على مصلحة وطن الاجداد، لذلك فان من المستحيل ان يكون الانسان وطنياً وطائفياً بنفس الوقت ، ومن حسن حظ العراق والعراقيين ان المقاومة الوطنية العراقية تضم كافة مكونات العراق، فتلك هي الضمانة الاساسية لحماية وحدة العراق ومنع نقض الوطنية بالطائفية.

صلاح المختار : نواقض الديمقراطية

صلاح المختار : نـواقــض الســيادة

صلاح المختار : نواقض المجتمع المدني

صلاح المختار : نواقض الأنـسنة

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 17 رجب 1425 / 2 أيلول 2004