هل أكملت أميركا استعدادات الهروب من العراق؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

        من ينظر الى ما يجري في العراق الان ، ويكون متحررا من خداع الفضائيات العربية  لن يستطيع التحرر من انطباع طاغ سيستولي عليه فورا : ان الثورة العراقية المسلحة تقترب من لحظة الانتصار الحاسم وان قوات الاحتلال تنهار وتتداعى بسرعة مذهلة . ففي اليوم الذي اضطر  فيه الرئيس الامريكي جورج بوش لجلب اياد علاوي الى واشنطن (24/9/2004 ) لاستخدامه في استعراض هزلي واضح  ، يقدم في شارع المسارح ذو الرقم 42 في نيويورك ، قال فيه :(اننا نتقدم) ، كان وكيل وزارة الدفاع  الامريكية  يطلب من نظرائه الاتراك ، وعلى وجه السرعة ، اعادة نشر حوالي 50 طائرة مقاتلة من طراز f 16 في قاعدة انجرليك التركية الواقعة في الجنوب  التركي ، اي في شمال العراق ! ولفهم مايكمن خلف هذا الطلب لابد من التذكير بان بوش كان قد طلب من تركيا اثناء حضوره قمة حلف الاطلسي مؤخرا السماح بجلب قوات امريكية اضافية الى نفس القاعدة ، وقلنا وقتها  في مقال منشور في البصرة ودورية العراق وغيرها،تحت عنوان (هل ستدخل حرب تحرير العراق مرحلتها الرابعة ؟) بتاريخ 26/6/2004  ان ذلك الطلب هو تمهيد طبيعي للانسحاب الامريكي من العراق والتمركز في قاعدة انجرليك والاردن والكويت  في محاولة للتاثير في تطور الاحداث في العراق المحرر ، وبنفس الوقت (24/9/2004) كان دونالد رامز فيلد وزير الدفاع يقول ،وبالفم المليان، ان بلاده ستسحب قواتها تدريجيا من العراق وتسلم الامن فيه الى الجيش الجديد واعترف بان الامن لن يحل بالعراق وان عدم الاستقرار سيستمر  ، اي المقاومة لن تتوقف ، رغم ان مسؤول امريكي اخر قال ، وايضا في نفس اليوم ، ان اعداد الكمية المطلوبة من الجيش الجديد لن تتم قبل نهاية العام 2005 القادم ! ما الحكاية ؟ ولم هذا الاستعجال والتناقض في المواقف والتصريحات الامريكية ؟ الا يعني الانسحاب الامريكي قبل اكمال اعداد الجيش العميل (والذي لن ينشا ابدا لوجود الجيش الشرعي الوطني الذي يشكل القوة الضاربة في المقاومة) ان امريكا ستهرب من العراق قريبا ، بل قريبا جدا ؟

للتذكير فقط

        ان حل هذه الألغاز (الهولي وودية) يتطلب تذكر وملاحظة عدة أحداث خطيرة تقع في العراق منذ نيسان الماضي لكنها وصلت ألان مرحلة لم تعد امريكا فيها قادرة على اخفاء تألمها الشديد في لعبة (عض الاصابع) مع المقاومة العراقية المسلحة واقترابها من لحظة اطلاق  الصراخ تألما ، في حين أن المقاومة ما زالت تشوي سمكة (الجري) اللعينة على حرارة عملياتها الساخنة والهادئة التي وصلت كل شبر في العراق ! في توقيت مأزوم صدر تقرير من المخابرات الامريكية يقول ان هناك احتمال لانتشار الفوضى في العراق وتقسيمه ، واخذ رجالات امريكا  و(احتياطيها المضموم) من العرب  يصرحون ويحللون منطلقين من فكرة ان تقسيم العراق اصبح ممكنا ، وكان ابرز ما لفت الانتباه هو ما قاله اقدم المتعاملين الاحياء (منذ الحرب الكورية) مع المخابرات الامريكية محمد حسنين هيكل عبر قناة الجزيرة ، من ان  تقسيم العراق اصبح احتمالا  قائما بعد انتشار (الفوضى) فيه ! لقد اخرج هذا الديناصور الامريكي ، الذي تخفى لزمن برداء عبدالناصر العظيم ، ليدس السم بالعسل وهو يتحدث عن الثورة والمقاومة في العراق ، فيصدر (فتوى) بضرورة التعاون مع الاحتلال  ويقدم للنهج السيستاني المتعاون مع الاحتلال غطاء عربيا يذكر البعض بقومية ووطنية عبدالناصر ليكون بطاقة مرور وامرار مزورة !! الم نقل انتبهوا للنواجذ (جمع خلد) النائمة ؟

      الثورة ، بالنسبة لهيكل ، اصبحت (فوضى) والتعاون مع الاحتلال اصبح اجتهادا يفتح الباب لضرورته ! ولا يريد رامزفيلد تركنا فيزعق: الانتخابات في العراق ستكون محدودة ، يرد عليه المصارع  ارميتاج نائب وزير الخارجية الامريكية محشرجا :كلا ستجري الانتخابات على نطاق واسع ! ويكمل غموض الالغاز الرئيس بوش حينما يعترف مضطرا ان امريكا تواجه مشاكل جدية وخطيرة في العراق ، بعد ان كان يصر على القول ان فرعا لهولي وود سيفتح في العراق لاجل انتاج افلام اثارة تطرد الافلام الهندية من سوقه لان (الديمقراطية) في العراق ازدهرت واصبح ضروريا امتاع العراقيين !

        هل حلت الالغاز ؟ كلا لقد ازدادت تعقيدا ! مرة اخرى: ما الحكاية ؟ لماذا هذا الاضطراب والتخبط الامريكي ؟  ولماذا جاءت امريكا بالديناصور المسمى هيكل لينضم الى اولاده من مارينز الاعلام العرب الذين تخصصوا ب (شيطنة البعث) والقيادة العراقية ؟ ومما زاد اذى هذا التخبط الاعلانات المتناقضة حول اطلاق سراح اسرى عراقيين مثل المجاهدة الدكتورة هدى صالح مهدي عماش والعالمة رحاب ، ففي حين يصرح وزير عدل الحكومة العميلة  في بغداد انها ستطلق سراح بعض الاسيرات العراقيات وترحب اوساط بريطانية وامريكية بذلك يتعالى صوت وزير خارجية بريطانيا امرا محذرا  :كلا لن نساوم مع (المخربين) ، ويردد صداه  الصوت (الجميل) لاياد علاوي وهو يقول : لن نطلق سراح احد ! وهنا طرح سؤال مهم : لماذا الحديث لاول مرة عن تبادل اسرى بين المقاومة وقوات الاحتلال ؟ هل هو لجس النبض ؟ ام للتمهيد لخطوات كبرى ؟ واقترن ذلك باعلان ليس ثمة اغرب منه بالنسبة لمن لم يلاحظ حقيقة ما يجري ، اذ ان كولن باول اصبح ناطقا رسميا وليس وزير خارجية من كثرة ما اخذ يطلقه من تصريحات ، ومن اهم ما قاله اعلانه فجاة ان من حق الرئيس صدام حسين (فك الله اسره) ان يرشح نفسه في الانتخابات القادمة في العراق ، هذا التصريح ، الذي يصرخ ويصيح ، غريب جدا لان امريكا سبق واعلنت ان حزب البعث لن يسمح له بالمشاركة في اي انتخابات الا بعد عشر سنوات من العزل الاجباري ، وبعد ان يغير هويته (الارهابية والاشتراكية) ويصبح قطا وديعا ليس له صلة بمضمون اسمه الشهير والمشرف : البعث العربي الاشتراكي ! لماذا هذا التغيير  الامريكي بنسبة 180 درجة رغم ان البعث قد اكد مرة اخرى ، واخرى ، انه سيتمسك بهويته القومية الاشتراكية وسينتزع تحرير العراق بفوهات بنادق المجاهدين ؟  ! وفي نفس اليوم رد مسؤول امريكي، بغضب واضح ، على ما اكده اياد علاوي من ان (محاكمة) الرئيس صدام حسين ستجري في تشرين الاول /اكتوبر القادم ، قائلا ان من غير الممكن اجراء المحاكمة في هذا الوقت المبكر  ! ويزداد الامر غموضا حينما تسرب المخابرات الامريكية معلومة تكمل ما قاله باول وتتضمن فكرة ان من المحتمل ان ينفى الرئيس صدام حسين الى سويسرا او النمسا اذا اراد ذلك ! ما هذا الكرم والتسامح بعد ان سلم قائد الثورة المسلحة الاسير الى ايدي الجلادين لاعدامه  ؟

        انتوقف عند هذا الحد من غرائب (هولي وود) ونعود للسؤال المهم : ما الحكاية ؟ ماذا يجري في العراق ولا يعلمه العالم ويجبر امريكا على لحس اقوالها وتعهداتها بتغيير هوية العراق عن طريق اجتثاث البعث منه وزرع العبرية بدل العربية ؟ من اراد الجواب الصحيح والواضح عليه ان يعرف ماذا حدث في الكرخ وتحديدا في شارع حيفا منه ؟ فما حدث هناك هو انموذج معبر عما يحدث في كل العراق .ففي الكرخ نجح المقاومون ليس فقط في دحر الاحتلال ومنعه من دخول ازقة الكرخ ، مثل بقايا محلة سوق حمادة  (التي ازيلت في السبعينيات لانشاء شارع حيفا وهناك اكتسبت هويتي البعثية) ومحلات الشيخ علي وست نفيسة وخضر الياس (حيث كان القائد الاسير صدام حسين يعيش في بيت خاله المرحوم خير الله طلفاح) والتكارتة والدوريين والفحامة والرحمانية وسوق الجديد وغيرها ، بل ان المقاومين طاردوا القوات الامريكية ودفعوها الى الخلف واخرجوها من شارع حيفا ، وتقدموا نحوا المنطقة الخضراء والدروع الامريكية تحترق وتدمر ، وعشرات الشهداء من منتسبي الجيش الوطني والحرس الجمهوري  وفدائيوا صدام ومقاتلي البعث والمجاهدون الابطال من الاسلاميين  يتساقطون شهداء وهم يتقدمون ومدفعيتهم الثقيلة تقصف القصر الجمهوري المحتل بلا هوادة . وحينما لجأ الاحتلال الى استخدام القناصة الامريكيين ، الذين انزلوا بطائرات الهليوكوبتر فوق اسطح العمارات ، لايقاف زحف قوات المقاومة تصدى لهم قناصة الحرس الجمهوري وقوى الامن الداخلي الوطنية (البعثية) وصفوا قناصة امريكا في ملحمة خالدة سيسطرها التاريخ بمداد من نور . لقد هرب الامريكيون من شارع حيفا وهم لا يعلمون كيف استطاع شباب العراق الحاق هذه الهزيمة الشنعاء بهم ؟ وبقيت قوات المقاومة والتحرير مسيطرة على الكرخ كما اخبرني سكنة من شارع حيفا بانفسهم .

         هذه الملحمة التاريخية اقترنت بملاحم بالعشرات من الموصل حتى البصرة ، وكانت وحدة الاوامر ووحدة التوجيه والتنسيق العسكري والاداري على مستوى العراق اكثر ما بث الذعر في نفوس قادة الجيش الامريكي في العراق الذين عجزوا عن تفسير ما يحدث  ردا على تساؤلات الادارة الامريكية . وكانت اللطمة الاخرى  القاسية جدا لقوات الاحتلال هي اكتشافها ان المقاومة قد رسخت بناء تنظيماتها في البصرة (وكانت هي المدينة الوحيدة التي تاخر بناء  التنظيم فيها) وامسكت بزمام المبادرة بقوة هناك وشرعت بتصفية الخونة والغرباء وقصف القوات البريطانية وغيرها بكثافة اعادت البصرة الى ايام الغزو الاولى ولكن هذه المرة من يقصف هو جيش الشعب العراقي وليس قوات الغزو ، وكانت البصرة هي الملاذ الاخير للاحزاب العميلة للاحتلال ، لذلك فان عودة المقاومة للظهور الكامل والمنظم والمهاجم في البصرة كانت الخطوة الاخيرة في عملية استكمال بناء قاعدة الثورة المسلحة في كل العراق تمهيدا للنصر الحاسم ، وهكذا اصبحت المقاومة الوطنية جاهزة لاستلام السلطة في اللحظة التي ينهار فيها الاحتلال ويهرب من العراق دون وجود عوائق كبيرة .

اهم التحولات العظمى

        لنلخص اهم ما تبلور وتحقق على ارض الواقع كي ندرك حقيقة ما يجري . ان من اهم ما يجري هو تكريس وتعميم استخدام الصواريخ الستراتيجية في المعارك الاخير واهمها صواريخ غراد وطارق (عزيز فك الله اسره) ورعد  ، والتي يبلغ  طول كل منها حوالي الستة امتار، و (ارغن ستالين) ، الذي يطلق بضغطة واحدة عشرات الصواريخ .ان مجرد دخول هذه الصواريخ المعركة يقدم صورة واضحة للمستوى الذي وصلته حرب تحرير العراق ، فهذه الصواريخ لا يمكن استخدامها الا اذا كانت المقاومة قد حررت مدن ومناطق واصبحت امنة كي تستطيع تحريك واستخدام هكذا صواريخ ضخمة فيها انظمة رادار ولا يمكن اخفائها , كما ان هذا التحول يعني ان الثورة المسلحة قد دخلت مرحلة متقدمة جدا تمنع فيها قوات الاحتلال من الامساك بالارض والتحكم الحر فيها كما يحصل في المراحل الاولى للاحتلال . اما التحول الثاني المهم فهو تطوير وتحسين عملية شن هجمات كبيرة (بين 80 -150هجوم يوميا) يشارك في كل منها من 50-80 جندي وضابط ومجاهد وتتصف بانها منسقة  جدا على مستوى القطر بطريقة تجعل الاحتلال عاجزا عن الرد في كل المناطق المشتعلة ، فلقد اصبحت الهجمات تشن باعداد كبيرة وبشكل متزامن يشمل عشرات المدن والاحياء مما يجعل مستحيلا على الاحتلال الرد المتزامن على كل الهجمات ، ومن ثم تتعزز قبضة الثورة على المناطق المحررة ويصفى الخونة المتعاملون مع الاحتلال ، ويتسع جيش التحرير . يضاف الى ذلك شن هجمات اصغر يقوم بها فرد واحد او اثنين او ثلاثة وهذه العمليات لا يمكن احصاءها لكثرتها .

        والتحول الثالث هو تحييد اكثر من 80% من قوات الشرطة والجيش العميلين والتحاق عناصر كثيرة منها بصفوف الثورة فتحولت الى مجرد اجهزة تضم من تبقى من فلول حزب الدعوة والمجلس الاعلى والبيش مركة ، وبذلك قلصت مخاطر وجود امكانية لسيطرة هؤلاء على جزء مهم من العراق عند هروب الاحتلال واصبحت مسالة تحييد من تبقى منهم مسالة وقت لا غير ،   وهذا التطور خطير ومهم لان الصهيونية الامريكية اعتمدت في خطتها لتقسيم العراق على دور هؤلاء ، ولذلك فان تحييد قوتهم الرئيسية يعد انجازا عظيما على طريق حرمان الاحتلال من فرص تقسيم العراق  . وياتي التحول الرابع كتحصيل حاصل لما سبقه ، فلقد انتشرت الفوضى شبه التامة في صفوف قوات الاحتلال والرسميين الامريكيين وليس ادل على ذلك من تناقض التصريحات والمواقف ، ومن المعروف ان زرع الفوضى في صفوف قوات الاحتلال هي من مقدمات الانهيار النهائي للاحتلال وهروبه من البلد المحتل، ولكن نشر الفوضى هذا لا يعني افلات الوضع من يد المقاومة فالعكس هو الصحيح لانها عززت قبضتها على العراق كله  ، وكانت صرخات الاستنجاد التي اطلقها علاوي في لندن وواشنطن  (اذا انتصر الارهاب في العراق فسيلحق الضرر بكل العالم) ، تعبيرا عن ازمة وصول  امريكا وبريطانيا الى مرحلة الخطر الذي لا يحتمل ، فبدلا من ان (يبشر) الكونغرس الامريكي بقرب النصر اقتصرت لهجته المبحوحة على طلب النجدة والا فان الخراب سيعم العالم اذا انتصرت المقاومة !

        اما التحول الخامس المهم فهو تبلور حصانة كاملة لدى الشعب العراقي ضد الخوف من الاسلحة المتطورة التي تستخدم ضده والرد عليها  بالعمليات المسلحة وبالصلوات والتكبير باسم العلي القدير من مأذن المساجد فتحل السكينة في النفوس ، فاسقط اهم ما في الاسلحة المتطورة وهو القدرة على بث الرعب في بعض النفوس . ان اطفال العراق في ، الفلوجة ومدينة صدام مثلا ، وليس رجاله ونساءه فقط ، اصبحوا يتفرجون على سقوط القنابل العنقودية وكانهم يتفرجون على العاب نارية !  وهذا يعني ان الثورة المسلحة قد اسقطت المفعول النفسي لواحد من اهم اسلحة الدمار الكامل . والتحول السادس هو ان الطرقات الرئيسية التي كان الاحتلال يستخدمها  بامن نسبي لمهاجمة الثوار قد اصبحت كلها بالغة الخطورة ، الامر الذي دفعه لزيادة عدد الدروع والارتال التي تمر في تلك الطرقات ، وهكذا قدم الاحتلال للمقاومة فرصا اكبر وافضل لاصطياد الدروع والدبابات ومضاعفة الخسائر البشرية في صفوفه .

        والتحول السابع والمهم جدا هو انهيار وتفكك الاحزاب العميلة وهروب اغلب كوادرها الى خارج العراق او تخفيها عن اعين مخابرات المقاومة والشعب العراقي الذي يبحث عنها لمعاقبتها على جرائمها ضده ، واذا ربطنا ذلك بالانجاز الاخر وهو ان جيش المرتزقة المؤلف من اكثر من مائة الف مرتزق قد اخذ يتبخر نتيجة عمليات المقاومة ضده ، اصبح من السهل ملاحظة ان الاحتلال اخذ يفتقر الى الدرع البشري الذي كان يحميه ويقوم بالكثير من المهام القذرة نيابة عنه ، ولذلك كثرت واجباته القتالية وتشعبت ، ودخل جنوب العراق ضمن واجباته القتالية رغم انه كان مسؤولية القوات الحليفة واصبح الجيش الامريكي يتعرض للموت في كل خطوة يخطوها على ارض القداسة من الموصل حتى البصرة بدل تقلص هذه الواجبات كما وعدت ادارة بوش  . والتحول الثامن هو احكام القبضة على اغلب طرق مواصلات العراق الرئيسية وما ترتب على ذلك من حرمان الاحتلال من القسم الاكبر من امداداته العسكرية والمدنية ، والاستفادة التامة من هذه الامدادات لتمويل المقاومة الوطنية الامر الذي وفر لها مصدر تمويل غني جدا لن ينتهي الا بانتهاء الغزو  وبذلك حلت واحدة من اهم مشاكل المقاومة.

        ورغم الاهمية العظمى لهذه التحولات ، التي تبلورت الان وكان بعضها قد اخذ في الظهور منذ شهور ، فان التحول الاعظم  والانجاز الاكبر للمقاومة هو النجاح التام في احباط كافة مخططات الاحتلال واعوانه لشقها واحتوائها عبروسائل متعددة مثل استغلال بعض الاشخاص الذين كانت لهم صلة بالبعث في زمن ما ورجال العشائر والدين  وتشكيل احزاب او مؤتمرات تدعي مناهضة الاحتلال ودعم المقاومة لكنها تشكك بالقوة الاساسية التي تقودها (البعث) وتحاول تشويه صورتها  بلصق صفة الديكتاتورية والقتل بها...الخ من مفردات الة الدعاية الصهيوامريكية  المخزونة في الخطة المسماة :(شيطنة البعث) ، التي اعتقد الاحتلال انها  ستساعد على خداع بعض الناس وتجعلهم يبتعدون عن المقاومة ويدعمون العناصر المشبوهة ، او ان ذلك سيدفع بعناصر من المقاومة الى الانشقاق ، وبذلك تسهل عملية اختراقها ، هذا المخطط سقط نهائيا ، والى الابد ، بتعزيز وحدة المقاومة وتاكيد الانضباط العالي لكافة فصائلها واعتراف الجميع بان القوة الاساسية القائدة والضاربة في المقاومة هي البعث والتشكيلات القتالية التي يعتمد عليها كالحرس الجمهوري والجيش وفدائيي صدام وقوات الامن القومي وكتائب المجاهدين من خريجي الدورات الايمانية التي اقامها الرئيس الاسير واشرف عليها المجاهد عزت الدوري . اما التنظيمات الاخرى داخل المقاومة فهي تنظيمات شقيقة وحليفة للبعث وتربط بينها علائق مبدأية وستراتيجية ستكون قاعدة بناء (جمهورية العراق الثانية ) بعد التحرير ، والتي ستكون متحررة من ارث الصراعات السابقة التي طغت اثناء الجمهورية الاولى (1958-2003).

        وعلى الصعيد العالمي نجحت المقاومة في كسر الطوق الذي فرض عليها واصبح صوتها عاليا بما يكفي كي يسمعه العالم ، وقد تجلى ذلك في بروز تيار مناهض للحرب حتى داخل الحزب الجمهوري الحاكم في امريكا واصبحت الحرب على العراق احدى اهم القضايا الداخلية الامريكية والبريطانية ، اضافة لتعاطف الراي العام العالمي مع المقاومة ورفض الاغلبية الساحقة من حكومات العالم ارسال قوات الى العراق وتقلص عدد الدول التي لها قوات في العراق . ويمكن القول ان اوضح تعبير عن الرفض العالمي لسياسة بوش هو ما قاله واحد من اكثر داعميه في الحرب ضد الشعوب الحرة وهو برويز مشرف الرئيس الباكستاني الذي قال امام الجمعية العامة للامم المتحدة : ان الحرب على الارهاب قد جعلت العالم اكثر خطورة  !

        واخيرا وليس اخرا لابد من الاشارة الى ان الولايات المتحدة الامريكية قد تيقنت ان الشهور القادمة ستشهد تصعيدا هائلا للمقاومة لم يسبق له مثيل وسيكون هدفه اجبار قوات الاحتلال على الاشتباك مع جيش المقاومة في معارك ضخمة ومتعددة ، وذلك وضع خطير لا تستطيع امريكا تحمله،لانه يقود الى انهيار شامل وفوري تصعب السيطرة عليه ، لذلك قررت ان تقدم موعد الانسحاب التقريبي الاول من العراق والذي قام على اساس ان تنتظر ادارة بوش تطور الاوضاع لتحديد الموعد المضبوط . الان والثورة العراقية المسلحة تقترب من دخول المرحلة الخامسة ، وهي مرحلة طرد الاحتلال ، نجد ان رامزفيلد وباول وبوش يتبادلون ادوار الاضطراب والعجز عن ادراك ماذا يجب ان يفعل ازاء ما يحدث  . هل عرفنا الان لم اصبحنا نشاهد فيلما من (هولي وود) لكنه سيئ التاليف والاخراج و لا يختلف كثيرا عن اي فيلم هندي ؟!

تمهيدات الهروب النهائي

        ما شرحناه كان القصد منه ان نضع القارئ الكريم امام الصورة الشاملة لما يحدث في العراق لكي يستطيع ان يصل بنفسه الى الاستنتاجات الصحيحة ، من خلال دراسة الظواهر التي طفت على السطح في الايام الماضية .فلقد تكرر الحديث عن عدم وجود اسلحة دمار شامل في العراق وكان تقرير لجنة دولفير الى الكونغرس الامريكي بهذا الصدد هو الاكثر اهمية لان دولفير هذا كان يمثل المخابرات الامريكية في اللجنة التي شكلتها الامم المتحدة للبحث عن اسلحة الدمار الشامل في العراق وكان نائب رئيسها  ريتشارد بتلر  ، وعرف عنه انه كان من اشد الضاغطين على اللجنة لادعاء ان العراق يملك اسلحة محرمة قبل الغزو ، فما الذي جعل دولفير يغير موقفه ويعلن الان ان العراق لا يملك اسلحة دمار شامل ؟  وتكتمل قيمة السؤال اذا تذكرنا ان كولن باول ايضا فجر قنبلة هزت امريكا ومعها اليابان حينما قال ان العراق لا يملك اسلحة دمار شامل وان ما قاله امام الامم المتحدة حول العراق قبل الغزو كان خاطئا !

        وهناك سؤال مهم اخر وهو لماذا تراجعت القيادة العسكرية الامريكية عن قرار سابق بعدم الاعتراف بالعدد الحقيقي لعمليات المقاومة العراقية وتخفيضه الى اقصى حد ممكن ؟ كانت القيادة تقول ان العدد لا يزيد عن بضعة عمليات متفرقة تقوم بها فلول النظام السابق ،ثم تراجعت وقالت الان ان العدد اليومي يزيد على مائة عملية يوميا ، هذا التراجع ليس سببه ان ا نكار العمليات غير مجد ، بل انه امر اخر قدم جون ابي زيد قائد القوات الامريكية في الشرق الاوسط ايضاحا ضمنيا له يوم 27/9/2004 حينما قال ان عدد الارهابيين الغرباء من غير العراقيين لا يتجاوز الالف ، وان الاخرين الذين يقومون باعمال المقاومة هم من انصار النظام السابق . ان ما قاله ابو زيد هو اعتراف شبه مباشر بتضخيم دور (الاصوليين) الاتين من الخارج كان يقصد به اخفاء دور المقاومين الحقيقيين ونسب عدم السيطرة على الوضع الى اجانب ، اما الان وقد اتخذ قرار الانسحاب فلابد من التمهيد للاعتراف بكل الحقيقة تدريجيا .

        ولا يستطيع المرء القفز من فوق اعتراف مهم وهو اضطرار كبار المسؤولين الامريكيين بان مدنا عراقية كثيرة اصبحت خارج سيطرة الاحتلال وبيد المقاومة ،ولا يقلل من اهمية هذا الاعتراف الاعلان المتردد عن ان القوات الامريكية قد تشن هجوما على تلك المدن لاستعادة السيطرة عليها لان هذا الاعلان ليس اكثر من محاولة حفظ ماء وجه الاحتلال ، لان امريكا لو كانت تملك هذه الامكانية لاستخدمتها اثناء المعارك السابقة ، والتي شهدت وتشهد استخدام كل الاسلحة الجديدة والفتاكة باستثناء السلاح الذري . ان المشكلة التي تواجه امريكا في العراق ليست مشكلة سلاح بل معنويات لان الجندي والضابط الامريكيين غير مستعدان للموت لذلك فان الحل الوحيد المتبقي بيد الاحتلال هو القصف من بعد ، وذلك هو المقتل الذي سيدفن كل امال  امريكا في العراق حتما ، لان الغزو الناجح يحتم وجود من يمسك بالارض المحتلة بعد القصف ، والارض كانت وستبقى بيد المقاومة وليس ثمة امل للاحتلال في القضاء على المقاومة وهذا هو جوهر ما قاله رامزفيلد .

        ولا يستطيع المتابع ان يغفل الدعوة الامريكية لعقد مؤتمر دولي حول العراق في منتصف الشهر القادم ، فمهما منح هذا المؤتمر من اسماء او تغطيات فان الهدف الاساسي له هو العثور على صيغة انسحاب امريكي تحفظ ماء وجه امبراطورية الشر ولا تؤدي الى انهيار كل الاحلام الامبراطورية الامريكية التقليدية ، وهنا تاتي الدوافع الحقيقية لتصريحات كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة حول لاشرعية الحرب على العراق ، فهذه التصريحات ليست تعبير عن صحوة ضمير لان هذا الرجل لا يملكه اصلا بل هي جزء من ممهدات الهروب المنظم ، حتى وان رفضتها امريكا رسميا ، . اذا ريطنا كل ما قلناه في هذا التحليل سنرى الصورة الكاملة لما سيجري في الاسابيع القادمة ، فكل التصريحات والاعترافات والتراجعات  والخطوات التي بدت غير مفهومة ومتناقضة في الموقف الامريكي هي في الواقع تمهيدات مدروسة للهروب الامريكي القريب  من العراق وتصويره كانه انهاء للمهمة وترك الامر للعراقيين وبموافقة واشراف الامم المتحدة .

        بقي سؤال مهم : ماذا وراء الحديث عن تقسيم العراق ونشوب حرب اهلية فيه ؟ يجب ان نكرر القول بان هذا الحديث مصمم لارهاب العراقيين وابتزازهم واجبار المقاومةعلى التفاوض معه وفق شروط الاحتلال وليس شروطها ،او اقناعها  بالتراجع  عن رفض دعوة امريكا واوربا(وزير خارجية فرنسا مثلا) للمقاومة للانخراط في الخوار (وليس الحوار) السياسي تحت ظل الاحتلال ، ولئن انزلق مقتدى الصدر في هذا الفخ القاتل ، نتيجة فقر تجربته ووقوعه في قبضة الحوزة ، فان البعث والمقاومة بخبرتهما الطويلة ووضوح الرؤية لديهما لن يقعا في الفخ لانهما ،اضافة لما تقدم، يعرفان التوازن الدقيق للقوى على ارض العراق ، فهما يمسكان بالارض المحررة ويقرران اتجاهات الاحداث على امتداد العراق ، (باستثناء الشمال الكردي ) ولذلك يعرفان على وجه الدقة الى اين تتجه احداث العراق ، فمن يتحكم بالارض ويكسب دعم الجماهير يقرر مسار التطور . ان تقسيم العراق امر مستحيل بوجود (شيعة علي) في قواعد  وقيادة المقاومة والبعث ، وهؤلاء هم سادة جنوب العراق وليس الخونة المستوردين من الخارج ، ولذلك يجب على كل عراقي ان يتطلع بامل كبير وتفاؤل اكبر بقرب التحرير وطرد الاحتلال وعودة الامور الى نصابها الطبيعي .

        هل توضحت الالغاز وفكت ؟ اذا كان هناك من لم يقتنع بعد بان امريكا والغرب كله يعيش اسوأ مراحل تطوره بسبب لعنة العراق انا مضطر للتذكير بما قاله احد اهم حلفاء بوش وهو الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزير خارجيته ، فشيراك ، الممسوس بنصيب من كعكة العراق ، نسي واحدا من  اهم دروس الحياة وهو (يا كذوب كن ذكور) ، اي لا تنسى ما قلت كي لا تقع في تناقض ، فلقد اعترف بامرين ، الاول هو ( ان ابواب جهنم قد فتحت في العراق) نتيجة غزوه ، والثاني هو ان الغرب كله  (وبمساعدة الصين وروسيا ) ، وليس امريكا وبريطانيا فقط ، قد شارك في وليمة ذبح والتهام العراق حينما قال (اننا فتحنا ابواب جهنم) ولم يقل امريكا فتحتها، اذ كان بامكان اي دولة تملك مقعدا دائما في مجلس الامن  ولها درع نووي ان تمنع الذبح البطيئ والمدمر للعراق والذي ابتدأ في عام 1991 . اما وزير خارجية فرنسا فقد اتحفنا بلوحة هي الاشد كارثية في الوجود حينما وصف الوضع في العراق بصفته (ثقبا اسودا) يدمر ويبتلع ويسحق ويمحي من الوجود كل ما يقترب منه . هل هناك من لا يعرف ماهو الثقب الاسود ؟ اذا كان الجواب نعم ، فانا انصح من يريد ان يعرف ان يسال انشتاين ، لكن المشكلة هنا هو انه  مات ! فما العمل ؟ الجواب اذهبوا الى العراق لتعرفوا كم كان الوزير الفرنسي دقيقا في وصفه لما يجري في العراق ، وهناك زوروا الفلوجة او تلعفر او بعقوبة او البصرة ستشاهدون ثقب المقاومة الاسود يبتلع ويدمر ويبيد كل شيئ يتصل بالاحتلال ، بلا توقف او تعب او ملل او تراجع . وكما يعجز العلماء عن العثور على انقاذ من ثقب الفضاء الاسود فان قوات الاحتلال عجزت تماما عن العثور على وسيلة انقاذ من الثقب الاسود العراقي غير الابتعاد الفوري عنه ، اي الهروب بسرعة الضوء ! هل عرفتم الان لم لم يعد بوش وبلير يضحكان الا تمثيلا منذ نيسان /ابريل الماضي ؟

        نصيحة اخيرة : اقراوا ما كتبت مرارا ستجدون معلومات دقيقة بين السطور لم اقلها لكنها هي ام الحقائق التي الهبت دماغ البيت الابيض وجعلته يدخن بافراط  احال لونه الى نقيضه !ما هو نقيض الابيض ؟ انظروا في وجه كريم شهبوري  (الملقب ب موفق الربيعي) ستجدون الجواب ، ولكن من يستطيع العثور عليه الان ؟ ساقدم مكافئة قدرها 10 ملايين دولار مستقطعة من المكافئة المخصصة للزرقاوي وشقيقيه الحمراوي والسوداوي ، واعطيها لمن يعثر على كريم شهبوري!

للاطلاع على مقال : نعم انها المرحلة الرابعة من حرب تحرير العراق

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاربعاء 15 شعبان 1425 / 29 أيلول 2004