نواقض العقلانية: العقلنة

شبكة البصرة

صلاح المختار

             يقصد بالعقلانية القدرة على استخدام العقل بصورة صحيحة في فهم المجتمع وحل مشاكله بمختلف اشكالها، فالعقل الذي يعد قائد الانسان  ، ومقرر نجاحه وفشله وارتقائه وتراجعه ، وهوعبارة عن قدرة انتجها الدماغ اثناء تطوره الى الامام في مناخ التحديات والازمات الوجودية التعرض للموت ، فاضطر الانسان البدائي الى تحريك دماغه شبه النائم وايقاظ خلايا منه واستخدامها ، وبذلك اخذ يخترع الاشياء ويصوغ الافكار الى ان توصل الى بلورة (قيم) وقواعد سلوك اجتماعية وفكرية وقانونية ، وهذه الحصيلة التقدمية التي ميزت الانسان عن بقية الحيوان هي ثمرة ولادة العقل من الدماغ .
            إذن العقلانية استناداً الى ذلك هي استخدام العقل وثمراته القيم والقواعد اثناء السعي لتحسين شروط حياة الانسان وبالاخص ايجاد حلول مفيدة وبناءة للمشاكل التي تواجهه  والحكمة هي من اهم  نتاجات العقل ، فهي ثمرة تجارب طويلة ربما تعود لآلاف السنين ، تعلم الانسان خلالها الخطأ والصواب واكتشف بواعث الشرور والصراعات وتوصل من خلال كل ذلك الى طرق واساليب وقواعد تساعده على حل مشاكله بطريقة ايجابية تقلل الضرر وتزيد الفائدة ، لكنها ، اي الحكمة تتضمن عماداً لثباتها يعرفه الجميع وهو انه ليس من الحكمة تجاهل حق الآخر وايذائه  اذ لابد من الاعتراف بحقه وضمان حصوله عليه اذا اردنا للمجتمع ان يستقر وتقل فيه المشاكل.
           كما ان الحكمة تقوم على عماد آخر وهو تجنب الحماقة وتكرار ارتكاب الاخطاء التي قد تكون مميتة ، والتي ارتكبها اخرون ، عن طريق تذكر ما حصل لمن سبقنا اومازال يعيش معنا وتجنب اخطائه ، من جهة ، واستخدام الخيارات التي ساعدته على النجاح ، من جهة ثانية ، بفضل حكمة العقل انفصل حيوان اسميناه بـ(الانسان) عن عالم الحيوان ، وصار سيداً عليه وعلى الكرة الارضية رغم بقاء قواسم مشتركة بين كل المخلوقات اهمها الحفاظ على النوع .
          لكن الحفاظ على النوع بعد بروز العقل ونتاجه العقلانية ، اصبحت وسائله مختلفة بين الانسان والحيوان فلئن بقي الحيوان يعتمد على دماغ يفكر بصورة ميكانيكية وانعكاسية ، اي ينشط فقط لضمان الغذاء والبقاء ، فإن الانسان تأنسن، اي صار انساناً بعد ان تطور دماغه وانتج العقل الذي ينطوي في جوهر بنائه على الخير مثلما ينطوي على الشر، وذلك بفضل اخطر خصائصه : القدرة على عقلنة الشيء ونقيضه ! ما المقصود من ذلك؟

خبائث العقلنة

            العقلنة هي عملية جعل الشيء مقبولاً بعد عملية تفكير وتحليل ، بالاعتماد على ملكة العقلانية ، فأنت حين تفكر بعمل تقول بعد تأمل انه (عمل شرير) ، لأنك لاحظت آثاره السلبية عليك او على غيرك لكنك ربما تكتشف ان هذا العمل الشرير ليس كذلك على وجه الاطلاق ، فربما هو عمل خير اذا اخذته من زوايا اخرى جديدة ، او اذا اردت معرفة رأي طرف آخر فيه ، والمثال على ذلك هو قطع اشجار الغابة للاستفادة من اشجارها في التدفئة او البناء او صنع الاثاث ، فمن يقوم بذلك يحصل   على فائدة وهي الدفء في جو بارد او بناء بيت او صنع أثاث ، لكن شخصاً آخريفكر في مستقبل الكرة الارضية يرى ان قطع الاشجار بصورة عشوائية يؤدي الى الاضرار بالبيئة وتغييرها مما يؤدي الى بروز آثارسلبية ومدمرة ، والنقاش حول قطع اخشاب غابات الامازون مثال واضح على مخاطر هذا العمل بل ان نفس الشخص حينما يستمع للرأي المضاد يصل الى نفس الاستنتاج : ان قطع الاشجار الفوضوي سيؤدي الى الخراب.
           هنا نلاحظ ان العقلانية قد استخدمت لاكتشاف قانون طبيعي واجتماعي وهو قانون النسبية ، فكل شيء نسبي تبعاً لمن ينظر اليه ، وهذا الاكتشاف صحيح ومهم جداً على الصعيدين العلمي والاجتماعي ، لكنه مهد الطريق لتكييف الاشياء والاوضاع لخدمة هدف معين وليس لتقرير حقيقة والاعتراف بها فقط ، فالعقل الجبار بطاقاته التي صنعت العقلانية هو ذاته من انجب العقلنة ، والعقلنة تعني جعل الشيء معقولاً ومقبولاً بعد اجراء محاكمة منطقية تعتمد على قواعد العقلانية ، وحتى لو كان خاطئاً اومضراً  لذات الشخص او لغيره ، واهم قانون ساعد على اطلاق عقال العقلنة وجعلها أداة تكييف مشروع او غير مشروع هو قانون النسبية ، فما دام كل شيء نسبي فبالإمكان ايجاد تفسيرات وتسويغات متناقضة لحالة واحدة ، وهنا تبرز ام الخبائث في الانسان .
ان اعظم واسوأ ما يميز الانسان بنفس الوقت هو العقل ، فهو الذي جعله سيداً على المخلوقات الاخرى ، لكنه ايضاً هو الذي اطلق موجات الشر والشرور والتي تُغلف بقناع عقلاني زائف. بعد هذه المقدمة النظرية والفلسفية نحتاج الى تطبيق ما قلناه في واقعنا الحي  ما معنى كل ذلك ؟ لنأخذ مثالي فلسطين والعراق لانهما يشكلان صدمة للضمير الحي انسانياً وقومياً ودينياً.

خبيثة فلسطين

             حينما برز التهديد الصهيوني بغزو فلسطين كان رد الفعل الطبيعي عقلانياً واخلاقياً ، وهو ان ذلك غزو ويجب مقاومته ، وحينما حصل الغزو صرخ العرب: (حي على الجهاد) ، وصارت اسرائيل وعن حق هي الشيطان الرجيم الذي يغزو ويقتل ويدمر ويذوّب الهوية ، لذلك كان منطقياً ان يكون الرد العربي مقلوباً : اي تدميرياً ورافضاً لاسرائيل وجوداً وعلاقات ، ولكن هذا العقل الذي انتج الرفض المشروع للظلم هو ذاته الذي انقلب على منطقه الاول السليم وتبنى منطقاً آخر يقول : يجب ان نكون واقعيين ونعترف باسرائيل!
في هذه المعادلة الطرف الذي غير منطقه وتبنى النقيض هوالعرب ، اما الاسرائيليون فلم يغيروا منطقهم ابداً ، فمازال هدفهم هو اقامة اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل ، حتى لو كان بصيغة هيمنة اقليمية بالتكنولوجيا والقوة وليس بصيغة امتداد سكاني كما كان المشروع الصهيوني اصلا ، وما يجري في العراق دليل حاسم على صحة ذلك ، فلقد ثبت بالأدلة الحاسمة ، ومن بينها اقوال الجنرال الامريكي انطوني زيني وبول بريمر الحاكم الاستعماري الامريكي السابق للعراق ، والكثير من اعضاء الكونغرس الامريكي الذين اكدوا ان تدمير العراق كان لخدمة اهداف اسرائيل.
          ما الذي جعل العرب يغيرون رأيهم رغم ان الحقائق على الارض تؤكد صحة ما قالوه منذ بدأ التهديد الصهيوني ؟ انها عقلنة ما هو غير عقلاني ، فالعقل مثلما هو عظيم وجبار وقائد هو ايضاً عبد للجسد الذي
يتربع على قمته! فحاجات الجسد، واهمها البقاء ، وفرعها ، وهو تحقيق منفعة تستيقظ فجأة وتقوم بانقلاب على العقل وتسجنه وتطلب منه تبرير وتسويغ مايحتاج اليه الجسد ، سواء كان استجابة لغريزة البقاء او خضوعا لحقارة الانانية والجشع ، فيستجيب العقل ويبدأ بعقلنة ما هو غير عقلاني وقبول ما كان نفس الشخص يرفضه! انظروا الى حكامنا ومثقفينا ستجدون ان الكثير منهم قاموا بانقلاب على انفسهم القديمة ! ومع ذلك نراهم يتصرفون وكأنهم لم ينقلبوا ولا ارتدوا ! انها لعنة العقل الانساني الانتهازي والضعيف امام شهوات الجسد ونزوات الحسد!

خبيثة العراق

             اما في المثال العراقي فالقصة ذاتها تتكرر، واذا عرفنا صيغة الانقلاب على التزامات الماضي في حالة فلسطين فدعونا نأخذ صيغة تغييب العقلانية واحلال اللاعقلانية محلها ! فالعرب الذين اشتركوا في العدوان الثلاثيني على العراق في عام 1991م قالوا : نحن نريد تحرير الكويت فقط وليس تدمير العراق، ولو تعرض العراق للغزو لحاربنا الى جانبه ضد غازيه ، وتضامن الحكام ، وحاربوا العراق وفتحوا ابواب جهنم التي لم تغلق حتى الآن ، حسب وصف الرئيس الفرنسي جاك شيراك ، ومع ذلك لم يقف هؤلاء الى جانب العراق بل سهل اغلب الحكام غزوه وتدميره ونهبه وابادة الآلاف من شعبه ، ومع ذلك يتحدثون وكأن الجلاد كان العراق وانه يستحق العقاب!
            لقد دمر التضامن العربي تماماً واصبح صوت الصهيونية الامريكية يقول علناً : بعد العراق سيأتي دور سوريا ولبنان والسعودية ومصر وغيرها! وكان مفروضاً ان تكون صراحة هذا الصوت محرضاً للتضامن العربي مع العراق قبل الغزو، ومع مقاومته الوطنية بعده ، لكن هذا المنطق العقلاني غاب تماماً ، ووصل خدر اللاعقلانية حد قيام الجامعة العربية بالدعوة رسمياً الى دعم (حكومة العراق) التي عينها الاحتلال وبصورة غير شرعية ! ويصل عهر ضمير من فرض القرار من العرب الى حد انه يتجاهل ان الاجانب لم يعترفوا بالحكومة العميلة في بغداد ! والادهى في هذه اللاعقلانية ان غير العربي كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة يقف ليقول: ان غزو العراق لم يكن شرعياً وكأنه يرد على السيد عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية الذي دعا باسم الحكومات الى دعم حكومة عينها الاحتلال غير الشرعي !
             واذا تركنا لا عقلانية حكومات ونظرنا في لا عقلانية قوى سياسية تقول انها تناهض الاحتلال وتدعم المقاومة العراقية وجدنا العجب العجاب لشدة لمعان لاعقلانية هذه القوى! فهي اذ تثرثر حول دعم المقاومة ومناهضة الاحتلال الامريكي نراها تقوم بنفس الوقت بشتم المقاومة وقياداتها وعناصرها، وتحاول شقها وتعقد مؤتمرات وتخترع منظمات وهمية لا توجد على ارض العراق! ربما يسأل البعض لماذا هذا التناقض اللاعقلاني؟ الجواب : ان هذه القوى اسيرة (عقدة صراع) الماضي بين القوى الوطنية وحينما ترى ان الطرف الذي (ادانته) و (هاجمته) يقوم اليوم بقيادة المقاومة الاعظم والاهم في التاريخ العربي والاسلامي ضد اعداء العرب والاسلام ، ترفض الاعتراف بهذه الواقعة انسياقاً مع عواطف عدائية تجاهه ، حتى لو كان ذلك يلحق ضرراً فادحاً بالامة العربية والاسلام ! والسبب هوانها اذا قبلت الاعتراف بأن (خصمها السابق) يحتل مركز الصدارة والقيادة في معركة الوجود ، فإن ذلك تخطئة لمواقفها السابقة وهي لا تريد ذلك . ان مواقف بعض اعضاء المؤتمر القومي هي انموذج مثير للتساؤل حول الهوية الحقيقية لهذا البعض لانه وهو يمتدح المقاومة لا يجد افضل من شتم مهندسها ومفجرها وقائدها ، وبعد اسره ملهمها الرئيس صدام حسين !!! اذا كان هذا هو حال من يصف نفسه بانه ( مفكر ) فكيف هو حال من هو مستحمر (بفتح الميم ) ؟ وهل يوجد فرق حقيقي بين مستحمر خارج المؤتمر القومي و( مفكر ) داخله لا يتقن الا فن استحمار الفكر عبر عقلنة الامعقول ؟
          وهنا يفرض السؤال نفسه : كيف يستطيع وطني او مسلم ان لا يصالح وطنياً او مسلماً آخر وهو يخوض معركة الأمة العربية والاسلامية ؟ بل يوجد سؤال اكثر  كارثية وهو : كيف يمكن لعربي وطني معاد للاستعمار ان يحاور ويتعايش مع  ، ويصالح الاستعمار والصهيونية لكنه يرفض بشدة مصالحة وطني ومسلم مجاهد ؟ الجواب : انها لعنة العقل حينما يستعمل سلاح العقلنة الجبار لإ قناع نفسه بصواب ما هو خاطئ في جوهره ، وبإيهام صاحبه انه قادر على الحلول محل من يتولى الدفاع عن الامة والاسلام رغم انه لا يملك حتى ساقين ليقف عليهما ! ما هي النتيجة ؟ خراب الامة وتهديد الهوية ولولا وجود من يحترم العقلانية ويضبط نزوات العقلنة لما رأينا مقاوماً يستشهد في فلسطين والعراق، وهذا هو الامل الوحيد لاستئصال لعنة خبث العقل حينما يصبح مطية لقوانين الجسد.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

 الخميس 16 شعبان 1425 / 30 أيلول 2004