رد على مواقف الحزب الشيوعي اللبناني من المقاومة العراقية

شبكة البصرة

حسن خليل غريب - لبنان

لم تثبت عند الحزب الشيوعي اللبناني رؤية هلال البعث في المقاومة العراقية، لذا فهو يماطل باتخاذ موقف مبدئي ويهدر الكثير من الوقت الثمين -الذي على على الحركة العربية الثورية أن تستفيد منه- سعياً وراء رؤية هلال للمقاومة هلامي:

بداية، وقبل أن ندلي برأينا حول موقف الحزب الشيوعي اللبناني من المقاومة العراقية سننقل النص الحرفي لمقررات مؤتمره الوطني الذي عقده في شهر نيسان من العام 2004م:

أولاً: نص موقف الحزب الشيوعي اللبناني حول مستجدات الوضع العراقي كما أقرَّه المجلس الوطني للحزب في نيسان من العام 2004م:

1-التطورات في المنطقة:

لم يؤد اعتقال صدام حسين إلى إنهاء، أو إضعاف المقاومة لقوات الاحتلال الأميركية والحليفة، في العراق، كما كانت تأمل الإدارة الأميركية. لا بل إن هذا الاعتقال وعلى النحو المهين الذي برز فيه الديكتاتور العراق السابق- قد كشف ضعف علاقته بهذه المقاومة من الناحية المادية على الأقل. ودون إنكار الانتصار المعنوي الذي حققته قوات الاحتلال من خلال هذا الاعتقال، إلاَّ أن استمرار المقاومة، وبالوتيرة نفسها، قد أكد بأن المقاومة هي عملية طبيعية موجَّهة ضد الاحتلال وبسبب ما ولَّده من تناقضات، وليست مجرد محاولة من قبل أنصار وقوى النظام السابق، لاستعادة مواقع وسلطة مفقودة.

ومن ناحية واقعية أخرى، فإن اعتقال صدام، قد فتح الطريق واسعاً أمام احتمالات أخرى أمام الشعب العراقي، ومنها شعار إيجابي مكمل لنشاط المقاومة في ضرب مواقع الاحتلال وعملائه على طريق هزيمته وإخراجه. وهذا الشعار الإيجابي هو النضال من أجل بديل ديموقراطي في عراق محرر وموحَّد. ذلك يعني طرح خيار جديد ثالث أمام المقاومة العراقية لرفد وتوسيع صفوفها، بديلاً من ثنائية بوش صدام، أي ثنائية الاحتلال والديكتاتورية التي عمل الأميركيون، خصوصاً، لتكريسها معادلة وحيدة، بهدف كسب دعم كل الذين عانوا من الديكتاتورية ولا زالوا يخشون عودتها في حال خرج الاحتلال طائعاً أو مكرهاً.

وتفيد معطيات كثيرة، بأنه تنشط في صفوف المقاومة العراقية، بالفعل، قوى من النظام السابق. إلاَّ أنه يمكن إدراج أكثريتها في عداد المتضررين من المحتل وتدابيره. فإدارة الاحتلال قد سرَّحت مئات الآلاف من عناصر القوى الأمنية المختلفة (حل الجيش وأجهزة الأمن) وسرَّحت العاملين والموظفين في الإعلام و كذلك أصدرت قانون »اجتثاث« حزب البعث هذا فضلاَ عن تردي الأمن وانهيار الإدارة، وتباطؤ عودة الخدمات العامة والبطالة، وتدني الأجور، ونهب البلاد وتدمير جزء من حضارتها، وانتهاك سيادتها ومقدساتها

إلى ذلك، فلا شك بأمرين آخرين أيضاَ بالنسبة للمقاومة العراقية:

الأول، هو وجود قوى سلفية أصولية متطرفة بين الناشطين في صفوف المقاومة (من جماعة »القاعدة« و»أنصار الإسلام« وسواهما). وبذريعة هؤلاء ينشط جواسيس وعملاء استخبارات إسرائيلية وأميركية لتشويه صورة المقاومة وإضفاء طابع مذهبي أو تخريبي عبثي عليها، خصوصاً على غرار ما حصل في ذكرى عاشوراء.

والثاني، هو وجود قوى وطنية وديموقراطية بين المساهمين في المقاومة. وبعض هؤلاء من أصول ماركسية وقومية ومستقلة. وقد دلَّت التحقيقات، مثلاً، بأن شهيد أحد العمليات ضد قوات الاحتلال كان حتى الغزو الأميركي، معتقلاً في سجون النظام السابق.

لا شك بأن شروط عمل مناسبة للمقاومة باتت تتوفر أكثر، في البيئات الناقمة. ويدل توسع العمليات واستهدافها لقوات الاحتلال وللأطراف الأنشط في التعاون معه وللأجهزة الأمنية المنشأة تحت رعايته، كل ذلك يدل على اشتداد ساعدها وزيادة قدرات التحكم والسيطرة النسبية لديها، وإلى تحولها قوة كبيرة التأثير والضغط على المحتل وإجراءاته، ومن ذلك بعض التنازلات التي قدَّمها مؤخراً فيما يتعلق بمواعيد الانتخابات ونقل السلطة

أ-النجف بعد الفلوجة معادلة جديدة:

لقد كان الأمر على هذا النحو حتى اندلاع الصراع في صيغته الأخيرة، بين »جيش المهدي« بقيادة مقتدى الصدر، و»قوات التحالف« المحتلة، بقيادة الجيش الأميركي. ولقد أضفى دخول الصدر على الصراع طابعاً مهماً ن الناحية العسكرية والسياسية في آن معاً.

فمن الناحية السياسية، يشكل هذا الدخول عامل إخلال مهماً، بالمعادلة التي حاول الغازي الأميركي تكريسها منذ غزوه للعراق وحتى اللحظة الراهنة. وقد قامت تلك المعادلة على تصوير الكتلة الشيعية السياسية متعاونة مع الاحتلال وشريكة في تدابيره وإجراءاته، مستفيدة من التحولات والتوازنات الطائفية والمذهبية التي يسعى لتكريسها، على حساب الطائفة السنية المتضررة والمنتفضة.

ومن الناحية العسكرية تحرك »جيش المهدي« بقدرة احتراف جيدة، وبتسليح لافت، وبدعم شعبي واسع جداً في معظم المناطق ذات الأكثرية الشيعية. وقد تكبَّد الأميركيون في المواجهة مع جيش الصدر خسائر بشرية ومادية كبيرة جداً. وجرى إخراجهم من عدة مدن أساسية: النجف وكربلاء والكوفة

وشكل اضطرار الجيش المحتل للقتال على محوريْ الفلوجة النجف تحولاً سياسياً وعسكرياً كبيراً، على الرغم من ما رافقه من بعض السلبيات المذهبية في الاحتشاد والخطاب. فلقد تحولت المقاومة من العمليات السرية إلى المواجهة المكشوفة، ومن الإغارة إلى السيطرة على مواقع ومدن ومناطق إنها حالة نوعية مهمة بكل المقاييس، وعلى الأرجح، غير محسوبة بالنسبة للمحتل وللمتعاونين معه.

ولقد دفع ذلك الأميركيين إلى ارتكاب المجازر المروعة، دون أن يتمكنوا مع ذلك، من حصد إلاَّ المزيد من الصعوبات والمآزق لهم ولكل المشاركين في »مجلس الحكم«.

ومن نتائج ذلك، السلبية على الأميركيين، أيضاً، الإرباكات السياسية الإضافية في واشنطن حول دوافع الحرب ونتائجها، وتدني شعبية بوش واتباك فريقه، وانسحاب القوة الإسبانية والهندوراسية وأخيراً اضطرار واشنطن إلى طلب (ولو خجول) للتدل والوساطة من قبل إيران وسوريا!

إننا نرى بأن التحول الإيجابي في وضع المقاومة العراقية يجب أن يتصاعد لجهة توسيع القوى (لزيادة مساهمة ممثلي الاتجاه الوطني التقدمي)، ولجهة البرنامج (بما يرجح فيه العامل الديموقراطي التوحيدي)، ولجهة الأساليب (بما يستبعد الأشكال العبثية والتدميرية الموجهة ضد أهداف مدنية أو إنسانية غير ذات صلة بالاحتلال وأدواته وسلطته).

ويطرح ذلك مسألة ضرورة إعادة النظر بتوجهات وعلاقات ومواقف أطراف داخل مجلس الحكم، بمن فيهم الشيوعيون وقوى معارضة سابقة أخرى للنظام الديكتاتوري الصدامي.

ب-الاحتلال والديموقراطية!

والواقع أن الاحتلال الأميركي للعراق ليس شأناً عراقياً داخلياً لجهة التأثير والأهداف.  ويحاول المحتلون الأميركيون إشتقاق معادلة ثابتة بالارتباط مع الاحتلال، ولخدمة استتباب الأمر له وتحقيق استهدافاته، على صعيد المنطقة وعلى الصعيد العالمي. وتجمع هذه المعادلة ما بين حتمية الاحتلال، والتخلص من الاستبداد والديكتاتورية. * للشعوب بوسائل القوة إذا لزم الأمر، وبوسائل الضغوط والتدخلات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية على غرار ما يرمي إليه مشروع »« الذي طرحته إدارة بوش ونشر في 12 شباط الماضي.

إن هذا المشروع، كما كل التدابير الأميركية في العراق، هو في خدمة مشروع السيطرة الأميركية على هذه المنطقة بموقعها الاستراتيجي وثرواتها الهائلة وخصوصاً النفط، وهو ما جرى تناوله، بشكل مركز، في موضوعات المؤتمر التاسع أواخر العام الماضي.

ولقد تحدث القادة الأميركيون، مراراً، عن إعادة النظر بخريطة المنطقة ودولها، بما يخدم استراتيجية السيطرة الأميركية. ويدل »قانون الدولة العراقية المؤقت« الذي أقرَّ في الثامن من آذار الماضي، على بداية توجه بشأن العراق، يتجاوز الفيدرالية إلى ما يؤسس للتقسيم الذي يرتبط في واقعه الراهن والمستقبلي بالدور وبالقرار الأميركي! هذا فضلاً عن السعي لزرع الفتن الطائفية والمذهبية ولا يقتصر تأثير ذلك على العراق، بل يتناول الدول المجاورة. وبشكل أو بآخر، تشير أحداث مدينة القامشلي السورية، إلى انعكاسات هذا الأمر، دون إهمال أسبابها الداخلية المتراكمة. (إلى هنا انتهى نص تقرير المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني حول المسألة العراقية).

***

ثانياً: رد على تقرير المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني الصادر في نيسان من العام 2004م

يقتصر ردنا فقط على ما جاء في التقرير حول رؤية الحزب الشيوعي اللبناني للوضع في العراق في مرحلة الاحتلال الأميركي الصهيوني، وما قبله، وما بعده.

من دون مقدمات، اختزل التقرير المذكور القضية العراقية بواقعة أسر الرئيس العراقي صدام حسين. كما اختزل واقعة الأسر بالمشهد الذي أظهره الإعلام الأميركي. وقد جاء الوصف بصيغة لا تخلو من قصور النظرة واجتزائها، قائلاً: »وعلى النحو المهين (تأمَّل بهذا التعبير الذي كان الإعلام الأميركي لا يريد أن يوحي للمواطن العادي بأكثر منه) الذي برز فيه (ولم يقل التقرير أن علماء النفس في الإعلام الأميركي أبرزه فيه) الديكتاتور العراقي (وهل كان غطاء احتلال العراق إلاَّ لإيهام الرأي العام العالمي وتضليله بمثل تلك الصيغة) السابق«.

ومن غريب النتائج التي توصَّل إليها التقرير، مستنداً إلى قواعد غريبة عن القياس المنطقي لكي يصل إلى نتيجة مفادها أن واقعة الأسر كشفت »ضعف علاقته (أي علاقة الرئيس) بهذه المقاومة (أي المقاومة العراقية) من الناحية المادية على الأقل (وهذا تساهل من التقرير لأن سلبيات الرئيس كانت أكثر من هذا إنما التقرير بدافع من إنسانيته قد تساهل في حقه ولم يذكر سلبيات أكثر!!)«.

فإذا كانت علاقة المقاومة مع صدام حسين ضعيفة، فهي -كما يؤكد التقرير جازماً- قد استمرت لأنها »عملية طبيعية موجَّهة ضد الاحتلال« (أي هي غريزية، ونسبتها إلى الغريزة بالعين الإيديولوجية المتعصبة- أفضل من نسبتها إلى عامل مادي لأن مادية العامل يقضي بنسبتها إلى جهة، ولأن تقرير الحزب الشيوعي يعلم أن حزب البعث بقيادة صدام حسين- هو الجهة التي بنى المقاومة قبل الاحتلال بسنوات، ولأنه لا يريد نسبتها إلى الحزب انحرف بنسبة ولادتها إلى الغريزة تارة، وإلى »التناقضات« التي ولَّدها الاحتلال تارة أخرى. أما موضوع التناقضات –التي يشير إليها التقرير- فلسنا ندري إذا كانت غريزية أم لا؟

أو لا يدري الحزب الشيوعي اللبناني أن التناقضات تأخذ أشهراً على أقل تقدير لكي تظهر أمام العراقيين؟ وبمثل تلك الحالة لم يأخذ التقرير بعين الحسابات الدقيقة كيف تواصلت حرب المقاومين العراقيين وانتقلت فوراً من مرحلة الحرب النظامية التي انتهت في 9/ 4/ 2004م، إلى حرب التحرير الشعبية في 10/ 4/ 2004م؟

إذا كانت مداركنا قد التقطت معانى ومغازي البدايات تلك لكنها لم تستطع أن تلتقط ما يريده التقرير من الجملة التالية: »وليست (أي المقاومة العراقية) مجرد محاولة من قبل أنصار وقوى النظام السابق، لاستعادة مواقع وسلطة مفقودة«؟

ولكننا سنحاول جاهدين أن نفسِّر الأمور كما نقيسها على القواعد الإيديولوجية المتعصبة، التي تتحكَّم بمسار صياغة التقرير، والتي أخذت تميز مواقف بعض قطاعات الأكثرية في الحزب الشيوعي اللبناني، ونجزم بأنها ليست إجماعاً، فنقول ما يلي:

1-تعفَّف التقرير عن الإشارة إلى حزب البعث وكأنه ليس حزباً فاعلاً في جسم الحركة العربية الثورية أولاً، وكأن الذين كانوا يقودون النظام السياسي السابق في العراق لم يكونوا بعثيين ثانياً، بل كانوا مجرد أنصار وقوى لنظام مجهول الهوية، أو كما يريد التقرير أن يجهِّله.

2-تقزيم دور المقاومة العراقية، وحصر مهمة حزب البعث في »استعادة مواقع وسلطة مفقودة«، وهنا يتناسى التقرير بأن البعثيين لا يعتبرون السلطة هدفاً وإنما وسيلة من وسائل الثورة، ومن أهم أهداف ثورة البعث هو محاربة الاستعمار أينما كان، ويأتي على رأس وسائله، ومن أهمها، الكفاح الشعبي المسلح. فلو كانت السلطة هي الغاية والهدف لكان النظام السابق قد فاوض الأميركيين واستجاب لأهدافهم في تقاسم الثروة النفطية في مقابل أن يبقى في السلطة.

3-يبدي التقرير ارتياحه التام، وتأتي جمله كمن يتنفس الصعداء حينما يعلن أن أسر الرئيس صدام حسين قد أزاح عبئاً عن صدر التقرير المغرق بعصبية الإيديولوجيا، فيتكهَّن بأن أسر الرئيس »قد فتح الطريق واسعاً (أنظر الارتياح النفسي) أمام احتمالات أخرى أمام الشعب العراقي (وأنا أقرأ هنا ليس الشعب العراقي لأن الشعب يحب رئيسه، وإنما أمام الحركات الإيديولوجية التي تنقم على صدام حسين لأنه منعها من تحقيق أهداف سابقة لم تكن تصب في مصلحة العراق)، ومنها شعار إيجابي مكمل لنشاط المقاومة (والحمد لله هذا أول اعتراف بأهميتها) في ضرب مواقع الاحتلال وعملائه (الحمد لله أن المؤتمر قد اعترف بأن هناك عملاء بعد طول مخاض وقفت فيه أكثرية من الشيوعيين اللبنانيين لتنتصر لهذه الحقيقة وتفرضها في المؤتمر)«.

4-ويصل التقرير إلى نتيجة وهمية طالما تذكرنا بتجربة مريرة خاضتها الأحزاب الشيوعية العربية عندما كانت تتوهم أن النضال من أجل تثبيت اليهود في فلسطين سيجلب الجنة الديموقراطية إلى الأرض العربية.

كان الحزب الشيوعي اللبناني من أكثر الأحزاب الشيوعية العربية سبقاً لاكتشاف خلل العلاقة بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين والديموقراطية. وكان جريئاً في نقده لتلك التجربة وأعلن فشلها، ومن بعد مؤتمره الوطني الثاني في العام 1968م أعلن انحيازه لأسلوب الكفاح الشعبي المسلح، بعد طلاق سابق بينهما، وسطَّر على أساس نقد المرحلة السابقة- صفحات بيضاء من العمل المقاوم إلى جانب الفصائل والأحزاب اللبنانية والعربية التي كانت تؤمن بالكفاح الشعبي المسلَّح نظرياً وتطبيقياً.

وهنا نخشى أن يكون المجلس الوطني للحزب الشيوعي في تقريره الذي بين أيدينا- أن يكون قد ارتدَّ على مقررات المؤتمر الوطني الثاني، عندما يعيد ربط النضال ضد الاحتلال مع النضال من أجل الديموقراطية. وكأنه يتوهَّم أن الاحتلال سوف يسمح بنضال ديموقراطي في ظل هيمنته على العراق.

ويأتي الاكتشاف -الذكي جداً- للتقريرعندما يعلن  عن »خيار جديد ثالث« للمقاومة العراقية، تحتل مكان »ثنائية صدام - بوش«، ويعزز تفسيرها بشعار »ثنائية الاحتلال والديكتاتورية«.

أولاً:من الأخطاء الكبرى أن يختزل الشيوعيون المعركة الدائرة في العراق بثنائية شخصية: »بوش صدام«، فهذا تسطيح واضح لعقولنا، وتجهيل واضح إن لم يكن مقصوداً لحقيقة معركة تدور بين آخر أوهام الإمبراطوريات الرأسمالية وحركة التحرر العربية التي يقودها حزب البعث، تحت قيادة صدام حسين.

ثانياً: إن شعار »ثنائية الاحتلال والديكتاتورية« ليس شعاراً واقعياً على الإطلاق، فهي ثنائية لطرف واحد: الاحتلال موجود وواقع، أما ما يفترون بتسميته »ديكتاتورية« وبافتراض أن التسمية صحيحية، فهو ما لم يفسر لنا التقرير أين هي الديكتاتورية الآن؟

وإذا كان التقرير لا يدري –استناداً إلى مقاصد التقرير الإيديولوجية- أين هي فنحن نعفيه من المهمة، وندلَّه على أنها –الآن- مأسورة في معتقلات الاحتلال الأميركي، ليس لديكتاتوريتها بل بتهمة مقاومتها الاحتلال وقيادتها لتلك المقاومة. وبمثل هذا الدليل على التقرير أن يعي أنه يقاتل »طواحين الهواء« مثله مثل »دون كيشوت«.

إن مقاتلة »دون كيشوت« هو مضيعة لوقت ثمين على شتى أطراف الحركة العربية الثورية أن يوفِّروه لمقاتلة الاحتلال الذي هو –الآن- الحقيقة الواقعية الوحيدة، مع عملائه، التي على تلك الأطراف أن تقاتلها.

إن هذا الشعار المصطنع لا يخدم على الإطلاق نضالات حركة التحرر العربية فحسب، وإنما يزرع عوائق في طريقها أيضاً. فبدلاً من اصطناع وجود أخصام نضيِّع وقت الحركة الثورية العربية بالتلهي بها، على أطراف تلك الحركة أن يوجِّهوا كل سهامهم ضد الاحتلال لأنه الوحيد الموجود على الساحة.

لذا نعمل، ومن منطلق الحرص على توحيد جهود الحركة الثورية العربية، برفع شعار وحيد وواحد وهو ثنائية  »المقاومة والاحتلال«. فمن يتوهم التقرير أنهم يمثلون الديكتاتورية هم الآن إما في أسر الاحتلال، أو في خندق المقاومة، أو في جنات الخلد بعد أن استشهدوا في سبيل وطنهم. ولن نختزل ظلماً- أدوراهم بما ذكرنا فقط، وإنما نقول بكل ثقة واطمئنان ضمير أن هؤلاء هم من استفادوا من خلال وجودهم في السلطة للاعداد لموجبات الثورة. ومن يقل غير ذلك ليس أكثر من ظالم يصر على ممارسة الظلم، لأن عين الكره عن كل إيجابية كليلة. ومن يريد الاستزادة حول الحقائق الموثَّقة سيصل إليها إذا أراد أن ينظر إلى الحقائق بموضوعية وحياد.

ثالثاً: ليس الأميركيون هم الذين كرَّسوا »ثنائية بوش - صدام« كما جاء في التقرير. ولكن ذكاء بعض المتلاعبين بالألفاظ من الذين صاغوا التقرير هم الذين ابتكروا تلك الثنائية. بل إن الأميركيين وضعوا ثنائية »الديموقراطية والديكتاتورية« أي أن الأميركيين احتلوا العراق –كما ادَّعوا- من أجل إحلال الديموقراطية مكان الديكتاتورية. لكن التقرير لم يبتهج أبداً بقدوم الديموقراطية على الدبابات الأميركية على الرغم من أنه ابتهج بسقوط الديكتاتورية!! وراح يوزِّع التهاني لكل من حسبهم قد »عانوا من الديكتاتورية، ولا زالوا يخشون عودتها في حال خرج الاحتلال طائعاً (تأتي عبارة طائعاً هنا ليس بالصدفة بقدر ما هي مقصودة لذاتها. وهو دليل على أن الحزب الشيوعي اللبناني عندما استنكف عن توجيه تهمة الخيانة للشيوعيين الذين عادوا إلى العراق على الدبابات الأميركية وشاركوا في مجلس الحكم الانتقالي الذي عيَّنه الاحتلال، هذا إذا لم نتطرق إلى أنهم أسهموا بتقديم معلومات عن أسرار الدولة العراقية لمخابرات السي آي إيه،بأنه كان يراهن كما هو رأي الشيوعيين العراقيين المشاركين للاحتلال الأميركي- على أن الاحتلال سيترك العراق بعد أن يُسقط لهم صدام حسين ليتركهم يبنون نظاماً ديموقراطياً!!) أو مكرهاً«.

شكراً للتقرير اعترافه بأن »قوى من النظام السابق« تنشط في صفوف المقاومة. ولكننا نتساءل: لماذا يتجاهل التقرير أن تلك القوى هي من البعثيين؟ ولماذا يصر كما يفعل الإعلام الأميركي- على تجهيل حزب البعث وقيادته للمقاومة؟ لماذا يستخدم مصطلح النظام السابق ولا يستخدم أعضاء حزب البعث وقياداته؟ ونرجو أن لا يكون هذا الاستخدام مقصوداً لذاته، وأن يكون خالٍ من الغرض والوطر الإيديولوجي.

وبمتابعة القراءة، وبعد أن لا نهنأ بسطر واحد بسعادة الاعتراف المبتور بفضل (ولو قليل للبعث) بالمقاومة، لنعود إلى التأكد من أن الغرض والوطر الإيديولوجي هو الذي حدا بالتقرير إلى تجهيل متعمَّد لدور حزب البعث، عندما يسرق من البعثيين ويجردهم من فضيلة النضال ضد الاستعمار، قائلاً: »إلاَّ أنه يمكن إدراج أكثريتها (أي أكثرية تلك القوى من النظام السابق) في عداد المتضررين من المحتل وتدابيره«.

لم يرأف التقرير بالبعثيين كما لو أنه يريد كما يتبادر إلى الذهن فوراً- أنه قد أصدر قراراً شبيهاً بقرار بريمر »باجتثاث حزب البعث« من ذاكرة القارئ بإغفاله اسم الحزب في كل المقاطع ذات العلاقة بالمقاومة وبالقضية العراقية، ومن غريب الصدف، أو لا غريبها، أنه لا يذكر مصطلح »البعث« إلاَّ عندما يأتي على ذكره في معرض كلامه عن قرار بريمر المشهور.

وفي المقابل يعمل التقرير على إبراز دور تقوم به »قوى وطنية وديموقراطية« في المقاومة من أصول ماركسية وقومية ومستقلة. ونأسف أن يقدِّم تقرير لحزب عريق برهاناً حول مثل هذا الوجود مستنداً إلى حالة محدودة جداً. ويحاول التقرير أن يمنِّن القارئ بالعناء الكبير الذي بذله (الحزب الشيوعي اللبناني) عندما بذل جهداً  »من التحقيقات« ليجد الدليل فلم يره إلاَّ في أن »التحقيقات دلَّت، مثلاً، بأن شهيد أحد العمليات ضد قوات الاحتلال كان حتى الغزو الأميركي، مُعتقلاً في سجون النظام السابق«.!!

لو بذل الحريصون على صياغة التقرير القليل من الجهد، والقليل من الجهد لا يجعلهم يقومون بتحقيقات مضنية، لوصلوا إلى تحديد دور واضح ومشرَّف لتلك القوى (الماركسية والقومية والمستقلة)، ونضيف إليها القوى الوطنية الإسلامية. ولكان على التقرير أن يعطيها حيزاً واهتماماً أكبر نابعاً من كبر دورها بتحليل واضح وموضوعي وغير ذي غرض. أما الغرض من وراء التفضل بذكر تلك القوى بأقل من سطرين فهو الوصول إلى الإشارة للمثل اليتيم الذي أعطاه التقرير ثلاثة أسطر- هو أن الذين سجنهم نظام حزب البعث يقاتلون المحتل. وهل لأحد من المقاومة العراقية أن يعترض على تقرير المجلس الوطني للحزب الشيوعي الذي أعطى كل هذا الاهتمام لتلك القوى؟

لم يعط التقرير اهتماماً بدور القوى المقاومة في العراق من غير البعثيين لسبب آخر غير الردح بديكتاتورية النظام السابق، ولو أنه أعطى لذلك الدور حجمه الحقيقي، بأكثر من إثبات شهادة واحد من المسجونين سابقاً، لهان الأمر. أو ليست الحركة النقدية الإيديولوجية التقليدية للأحزاب العربية، التي كرهت نفسها وكرهتها الجماهير، تقوم إلاَّ على »اجتثاث بعضها البعض«؟

بعد أن يرى المقاومة العراقية بمنظار الانحراف عن حقيقتها وواقعها، يوغل التقرير في أخطائه من خلال تحليله المذكور تحت عنوان »أ-النجف بعد الفلوجة معادلة جديدة«، ويبدأها بتعبير غير سياسي بوصف قوات الاحتلال بقوات التž