نواقض الأنسنة : انانية ما قبل الحيوانية

شبكة البصرة

صلاح المختار

          حينما قلنا في (نواقض الانسنة) ان القردنة تؤدي الى تهميش او الغاء كرامة الانسان، وهي اهم ميزة فرقته عن الحيوان،  فاننا اردنا ان نوضح كيف ان القردنة لا يقتصرتدميرها لانسانية الانسان على انتاج الانتهازية والتقلب حسب المصالح الحيوانية للانسان، بل هي تبلور ملامح شخصية غريبة يكون هو اول ضحاياها. كيف ذلك؟ القردنة، كما وضحنا معناها في موضوع نواقض الانسنة، هي التصرف بمنطق وسلوك القرد في السيرك، حيث تلعب الموزة، اي مصدر الاغراء، دور المحرك لسلوك قرد السيرك فيما يلعب توجيه المدرب، الذي يحمل السوط والموزة معا ً، دور طالب اداء حركات مضحكة تكسبه المال. وحينما يقوم القرد بهذا الدور المفروض عليه لا تترتب على ذلك تحولات تدميرية في تفكيره، لانه ببساطة لم يصل في تطوره الى احداث (منظومة قيم عليا) تتربع على قمتها الكرامة الانسانية، بل هو يخضع لقوانين دماغه الميكانيكية وفي مقدمتها حب البقاء. لكن الانسان المتقردن يختلف تماماً، فهو حينما يلعب دور القرد في السيرك ، اي حينما يغير اراءه ومواقفه خضوعاً لطلبات من يملك المال او السلطة،  يدرك ابعاد هذه العملية ، خصوصاً بعدها القيمي، لأنه مخلوق له عقل يفكر وفق المنطق الجدلي، ومن ثم فأنه يعرف تماماً انه يقوم بهذا الدور ليس عن قناعة وانما عن مصلحة ، وان هذه المصلحة غالباً هي ليست (الموزة) فحسب، بل ما هو اهم منها بالنسبة لتطلعاته ، والتي يفتقر اليها القرد، مثل تحسين وضعه المادي، او رغبته في تجميع المال بصورة وطريقة تجعل منه يملك اكثر من حاجته بكثير، وهنا تبدأ انانية ما قبل الحيوانية بالظهور والتحكم في سلوكه وتفكيره.

            ما المقصود بانانية ما قبل الحيوانية؟ يقسم علماء الاجتماع والفلاسفة مراحل تطور الانسان الى ثلاثة، مرحلة الحيوانية ومرحلة البربرية ومرحلة الحضارة . والمرحلة الحيوانية يقصد بها حالة الانسان حينما كان حيواناً من الدرجة العليا ، فهو حيوان مثل باقي الحيوانات لكنه يملك خصائص بايولوجية ، (دماغ متطور نسبياً) جعله ارقى من الحيوانات الاخرى ، ومع ذلك بقي حيواناً لانه كان يعتمد على الد ماغ ولم يكن قد طور العقل. وفي هذه المرحلة كان القانون الاساسي السائد لدى الانسان ، كما لدى كل حيوان ، هو (قانون حفظ البقاء) ، فالإنسان كان يقتل ويقتل (بضم الياء)  من اجل الغذاء والماء ، ولم تكن لديه (مشاريع رفاهية) على الاطلاق، بل كان يهدأ ويسكن حينما يشبع ويشعر بالإمان. في مرحلة الحيوانية تلك كانت النزعات الحيوانية عبارة عن ضرورة بايولوجية ، وهي ، لذلك كانت حقاً طبيعياً يخلو من (الانانية) ، التي تعد مفهوماً حديثاً اقترن بتكون العقل وانجابه لشرور الرفاهية ، ولهذا تميزت حياة الانسان حينها بعدم وجود حافز اناني ، اذا عرفنا الانانية بانها الرغبة في الاستيلاء على حق الغير الذي لا صلة بحفظ البقاء . اما في مرحلة البربرية فإن العقل اخذ يظهر ومعه ظهرت الرغبة في التملك ، وبرزت الأنانية بصفتها السعي وراء حيازات مادية تتجاوز حدود حق البقاء وتقوم اساساً على الاستيلاء عليها من آخرين . في مرحلة ما قبل الحيوانية لم يكن قانون حفظ البقاء فقط يعمل ويقرر مسار المخلوقات الدنيا، وقبلها خلايا المخلوقات حينما كان شكل الحياة السائد هو المخلوقات الخلوية الآحادية أو البسيطة ، بل كان ايضاً قانون ابادة الآخر الأضعف ، فالجينات الوراثية القوية تزيح وتدمر الجينات الضعيفة ، والمخلوق الأدنى او الاضعف يقتله الاقوى ، لان الاخير لم يكن يكتفي بالحصول على طعامه بل يسعى (لتنظيف) المحيط من الآخر . وجاءت نظرية دارون المسماة (صراع البقاء) لتوضح هذا الجانب من الحياة الحيوانية الدنيا، وعلى اساس نظريته تلك جاء عالم بايولوجي امريكي في الستينات من القرن الماضي ليطرح نظرية اخطر واعمق وهي (صراع الجينات الوراثية لاجل بقاء الاقوى) وقد يكون من الصعب جداً الفصل بين (قانون حفظ البقاء) المجرد، و(قانون صراع البقاء) تبعاً لمرحلتي الوحشية الدنيا والوحشية العليا ، لكن هذا التصنيف هو الاقرب للواقع المشاهد ، واستناداً الى ذلك فأن انانية ما قبل الحيوانية ، واحياناً في مرحلة الحيوانية الدنيا ، هي اقرب الى قانون دارون وقانون تلميذه المختص بالجينات.

           بتعبير آخر انها تلك النزعة التي لا تكتفي بالحصول على ما يحفظ بقاءها بل هي تسعى ايضاً الى ازاحة وطرد الآخر من نفس الجنس او من غيره ، او ابادته لضمان السيطرة على الحيز الذي يعيش فيه ذلك المخلوق.الانسان المتقردن يدخل (عالم دارون) وعالم ومفاهيم  صراع الجينات ، بوعي او بدونه ، فيصبح همه ليس حفظ البقاء ، لانه اساساً يضمنه ، بل الاستيلاء على ما لدى الآخر من ثروة او موقع ، وغالباً ما يقترن ذلك بقتله او تحويله الى مخلوق مستعبد، او انه اذا افتقد القدرة على ابادة الآخر يلجأ لابادة اهم ما يميز الانسان عن الحيوان في داخله وهو الاحساس بالكرامة ، عن طريق بيع نفسه للاخر الاقوى ،  تماماً كما تفعل حشرة القراد حينما تتعلق بجسد مخلوق اخر لتعيش اعتماداً على امتصاص جزء من دمه .
           في الحالة الأولى ، حينما يتمكن ، يصبح جلاداً لاحدود لقسوته ، وفي الحالة الثانية ، حينما يتمسكن ، يصبح قرد سيرك وظيفته خدمة مدربه كي يعيش ويحصل على اعلى درجة ممكنة من الرفاهية ، وفي كلتا الحالتين يفقد انسانيته ويرتد إلى أنانية ما قبل الحيوانية . اذا اردنا امثلة على الحالة الاولى نجد ان  الحروب الصليبية القديمة والحرب الصليبية الحالية ، تمثل انموذجاً صارخاً لتمكن من يظن ان من حقه ليس العيش الرغيد فقط  بل ايضا ان يبيد الآخر من اجل الاستيلاء على ثرواته ، ففي الحروب الصليبية القديمة استخدم ملوك وامراء واقطاعيو اوروبا الدين غطاء لجشعهم الذي دفعهم لمحاولة الاستيلاء على ثروات الشرق فكانت الحروب الصليبية ، وفي الحرب الصليبية الحالية يشكل الاستيلاء على النفط اهم محفز (للمحافظين الجدد) ، اضافة لضمان سيطرة اسرائيل المطلقة على العرب وطنا وثروة ، رغم ان هذه الغزوات تقوم على ابادة ملايين الناس من (الطرف الاخر) !
         ويلاحظ ان انانية ما قبل الحيوانية هي براغماتية طبيعية صرفة ، لانها حينما تملك عناصر التفوق تتنمر، اي تصبح شرسة كالنمر، اما حينما تفتقر الى القوة فتتمسكن، اي تتظاهر بانها مسكينة، في حالة التنمر تركل كل قواعد السلوك والقوانين التي وضعتها هي، وفي حالة التمسكن تصرخ مطالبة بوضع قواعد سلوك ملزمة او احترام ما هو موجود منها. انظروا الى الغرب(امريكا واوروبا) كيف كان يتصرف اثناء وجود الاتحاد السوفيتي ، فلقد كان هو المطالب والضاغط من اجل احترام (حق الشعوب في تقرير المصير) وضمان احترام السيادة الوطنية والتقيد بميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي واحترام حقوق الانسان ، لان تلك المطالب كانت تضعف الخصم من جهة ولأن الغرب كان يخشى الردع النووي للإتحاد السوفيتي من جهة ثانية ، اما الآن وبعد ان زال الردع السوفيتي نجد الغرب كله ، وليس اميركا فقط ، قد ارتد الى مرحلة ما قبل الحيوانية ، فهو الآن لا يقبل بالقانون الدولي والامم المتحدة الا اذا خدماه ، وهو يريد فرض مفهوم (السيادة الناقصة) أو اللاسيادة ، ويسقط (حق تقرير المصير) ، وهو يجعل الآن احترام حقوق الانسان حكراً على الغرب أما العالم الثالث فمخلوقاته يمكن ان تقصف وتقتل بالالاف وبالملايين لمنع (الارهاب) المفترض او المتوقع ، طبقاً لنظرية (الضربة الاستباقية)!
           ربما يقول البعض : اوروبا لا صلة لها بذلك ، وانا أقول كلا فالإستعماريون الاوروبيون الفرنسيون والبريطانيون والالمان لا يقلون انانية ووحشية عن استعمارييي اميركا ، فقط تذكروا ان (قمة حلف الاطلسي) التي عقدت في واشنطن في عام 1999م بعد شن الحرب على يوغسلافيا قد اتخذت قرارين : الاول هو ان من حق دول الحلف (اميركا واوروبا) التدخل في شؤون الدول الاخرى بدون اي قرار من الامم المتحدة ، والثاني توسيع (مسوؤليات) الحلف لتشمل (حق) التدخل عسكرياً في اي مكان من العالم في اطار محاولة منع الخطر الآتي منه ! علما ًان الحلف تأسس اصلاً لحماية اوروبا فقط وكانت مسوؤليته هي أمن اوروبا فقط . اليست تلك ممارسات انانية ما قبل الحيوانية؟ استغلال ضعف الآخر من اجل الاستيلاء على ثرواته وابادته والتعامل معه كأنه لا يستحق الحياة ! الى اي مرحلة ونظرية تنتمي هذه (الثقافة)؟ انها بالتأكيد  تنتمي الى الداروينة الاجتماعية والطبيعية والبايولوجية وهي ثقافة تقوم على ابادة الاخر واستعباده .
           اما اولئك الاضعف من المتقردنين فإن تحولهم الى قراد طفيلي يفقدهم الاحساس بالكرامة ، لانهم يعرفون انهم يتزلفون وينافقون ويبيعون الضمير ويتقلبون في مواقفهم من اجل ليس العيش بل من اجل الرفاهية والمال ، وهكذا تتقوض في داخلهم القيم العليا التي تبلورت عبر آلاف السنين ، يتربع على قمتها مفهوم الكرامة الانسانية ، اذ كيف يكون الانسان كريماً ومتمتعاً بالكرامة اذا كان يرقص على انغام الدف ويتقافز من اجل (موزة) ؟ ان اولئك الذين باعوا ضميرهم، من مارينز الاعلام العرب والساسة والمثقفين وغيرهم ممن اصبحوا ادوات في يد الصهيونية والاستعمار الجديد الذي يقتل ويبيد ويدمر في فلسطين والعراق ، ليسوا سوى مخلوقات متقردنة ارتدت الى انانية ما قبل الحيوانية واصبحت الحيوانات بغالبتها افضل منها واكثر تطوراً وارقى في سلوكها لانها لا تقتل الا اذا جاعت او شعرت بالخطر، اما هؤلاء فانهم يقتلون من اجل المزيد من المال ، وقتل مارينز الاعلام هو الاشد ايذاء لانه يشيطن الملائكة والقديسين والشرفاء، وهكذا يصبح القتل مسوغا بل ومطلوبا. انظروا في وجوه المتأمركين والمتصهينين العرب، وهم يطلون علينا من الفضائيات العربية، ستجدون انهم احط واقذر من اي مخلوق او حيوان استخدمناه رمزا للوضاعة، فالمرتد يفقد انسانيته وينزل الى ما دون الحيوانية ، وما قبلها ، ويصبح كاسراً لا يضاهيه في القسوة والانانية مخلوق اخر. هل عرفتم الآن الى أين تقود القردنة

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 23 شعبان 1425 / 7 تشرين الاول 2004