اصمتوا : سامراء لم تسقط ، انها تنتصر

شبكة البصرة

صلاح المختار

        اصوات غريبة تنعق : لقد سقطت سامراء !!! والذي فبرك بعض  اسماء اصوات الناعقين هو الاحتلال ومن يرتديهم الاحتلال احذية في قدميه من اجل بث اليأس في الداخل ودعم مارينز الاعلام في الفضائيات العربية ، المخبولين بالترويج لفكرة سقوط سامراء ، المقدسة  بدماء شهداءها وفدائييها ، اما البعض الاخر فهو اما جاهل بما يجري او انه لايفهم معنى الحرب بصفة عامة وحرب الشعب بصفة خاصة. سامراء عادت (سر- من - رأى) بحق فهي مازالت تقاتل بعزم الصحابة ، رضوان الله عليهم ، ولم ولن تسقط ابدا . وبسبب هذا النعيق وصلتني رسائل الكترونية عديدة يعرب مرسلوها عن قلقهم على سامراء  وما يجري فيها ، فالى الاخوة الاعزاء من مصر وتونس والمغرب والكويت وفلسطين والدنمارك وكندا وغيرها الذين اتصلوا بي اقول : استمعوا الى الغربان الناعقة ولكن تعاملوا مع الواقع الذي يصنعه الثوار في سر من - راى وكل مدن القداسة الاخرى .

ماذا في سامراء

        في جو التعتيم والقمع  الاعلامي الذي تمارسه ديكتاتورية الشر  امريكا جرت وتجري معارك كبيرة ليس في سامراء وحدها بل في مدن ومناطق عديدة على امتداد العراق ، لكن التركيز انصب على سامراء لان خطة الاحتلال تمحورت حول ضرورة  تسجيل  (نصر) اعلامي وليس عسكري . ما هي القصة الحقيقية ؟ في الايام  القليلة الماضية شنت قوات الغزو الاستعماري الامريكي حملة عسكرية ضخمة على سامراء ، بعد قصف جوي وصاروخي ومدفعي شديد ابتدأ منذ اسابيع بهدف انهاك المقاومة وايجاد ثغرات تستغل لدخول اجزاء من المدينة ، باقل مقاومة ممكنة . ورغم القسوة المتطرفة في قصف المدنيين وتدمير الكثير من البيوت واستشهاد اكثر من مائة وخمسين مدنيا وتهجير الالاف من سكان سامراء الى خارجها ، فان  الالاف من الجنود ومئات الدبابات والمدرعات وعشرات الطائرات ، قاصفة ومقاتلة وسمتيات ، التي استخدمها الغزو  لم تستطع احتلال المدينة كلها  بل احتلت اجزاء منها تتميز بكونها مكشوفة لانها شوارع عريضة وساحات عامة لا يمكن الاحتفاظ بها تحت قصف جوي ومدفعي شديدين ، فدفع ذلك المقاومة الى الانسحاب منها والتمركز في مناطق امنة نسبيا وابقاء سيطرتها على المناطق الاخرى قوية ، وكان ابرز مظاهر النصر الذي حققته المقاومة، اضافة لاحتفاظها بما تقدم ذكره ، هو قتل اكثر من مائة علج ، من بينهم اربعة جنرالات من المحتمل ان يكون بينهم الجنرال كيميت قائد القوات الامريكية ، وجرح مئات العلوج وتدمير عشرات الدروع والطائرات الحربية اضافة لسيارات المخابرات الامريكية .

        وبسبب هذه الحقيقة تناقضت ادعاءات الغزو وعملاءه ، فتارة يدعون انهم احتلوا سامراء كلها ، وتارة يدعون انهم احتلوا 70% منها وتارة ثالثة يقولون انهم يحتلون 50% منها ! وهذا التناقض يعود الى حقيقة ان الغزو لم ينجح الا في احتلال اجزاء من سامراء تعد من الناحية العسكرية التقليدية ساقطة لانها لا تصلح لحرب الشعب بسبب مكشوفيتها، وبقيت المناطق الداخلية وقسم كبير من المناطق الخارجية بيد المقاومة وهي الاهم من ناحية عملياتها . ان المقاومة ، في ظل التفوق العسكري المطلق للعدو لايجوز ان تقاتل في ظروف مجافية كليا لها ، بل يجب الانسحاب بشكل منظم بعد تكبيد العدو خسائر فادحة ، والعودة الى اساليب وقواعد المراحل الثلاث  الاولى لحرب التحرير ، واهمها (اضرب واهرب) في المرحلة الاولى  و(اضرب واصمد لساعات) في المرحلة الثانية و ( اضرب واصمد لايام) في المرحلة الثالثة و(اشتبك في معارك شبه نظامية) في المرحلة الرابعة من حرب التحرير ، واستخدام اساليب كل هذه المراحل طبقا لمتطلبات الحرب وتغيرات موازين القوى العسكرية فيها . والذي حدث في سامراء هو هذا بالضبط  وليس اي شيئا اخر ، لان الاستمرار في القتال على وفق قواعد الحرب النظامية سيخدم الاحتلال لانه يساعده على قتل اكبر عدد ممكن من المقاتلين بفضل التفوق العسكري ، فاتخذت المقاومة قرار الانسحاب الى الداخل من بعض المناطق ومواصلة القتال باشكال اخرى تؤمن انزال اكبر الخسائر الممكنة بالعدو وتقليل خسائرها الى اقصى حد ممكن .وهذا هو ما حصل اذ تكبدت قوات الاحتلال خسائر ضخمة في المعارك التي ما زالت مستمرة ، والتي بداتها المقاومة بشن هجمات على المحتلين وحصرتهم في مناطق محددة وصغيرة .

         وحتى لو افترضنا ان الاحتلال قد نجح في احتلال كل سامراء فان ذلك لن يخرج الصراع عن القواعد التي ذكرناها حول حرب الشعب ، ولن يدفع بالثورة المسلحة الى الخلف لان ذلك من طبائع الامور في هكذا حرب،  اذ لا يجوز ابدا ان يختار الاحتلال اساليب الحرب بل يجب ان تفرضها المقاومة ، وحينما يهاجم العدو بقوات متفوقة يجب المناورة معه ، والانسحاب وتغيير اشكال الهجوم والدفاع وحرمانه من التقاط المبادرة . ويجب ان نضيف هنا ان الهدف الاساسي المباشر في معارك التحرير هو الاحتفاظ بالكادر المقاوم وعدم التضحية به الا  بقدر محسوب بدقة، لان بقاء واستمرارية الثورة يساوي بقاء واستمرارية الكادر القيادي المدرب والخبير وصاحب المبادئ . وبفضل تقيد قيادة الثورة المركزية بهذه القاعدة الذهبية ضمنت تحقيق هدفين حاسمين ، الاول هو تطوير ونشر الثورة في كل العراق ، والثاني هو حرمان الاحتلال من اسر اي قائد من قادة المقاومة باستثناء قائدها العام الرئيس صدام حسين (فك الله اسره). يضاف الى ذلك ان قيادة المقاومة ارادت منع تدمير سامراء بالكامل عن طريق الانسحاب من مناطق محددة  وترك قوات الاحتلال تدخلها بعد ان نجحت في الحاق خسائر فادحة في صفوف العدو ، وذلك هو الهدف الاولي لهذه المعركة في الساعات الاولى لدخول الاحتلال المدينة .

        وهنا يجب ان نذكر بقواعد حرب الشعب التي تختلف عن قواعد الحرب النظامية ، ففي الاخيرة يعد الانسحاب امام العدو هزيمة في معركة لان هناك جيشان يتقاتلان وبينهما نوع من تقارب القوى ، اما في حرب الشعب فان الانسحاب في لحظة محددة هو جزء من عملية الاعداد للنصر الحاسم ، ومن لا يعرف هذه القاعدة جاهل باصول هذه الحرب . ولذلك قلنا في اكثر من مقال ان تحرير المدن لا يعني عجز الاحتلال عن دخولها مجددا بل عجزه عن البقاء فيها لوقت طويل ، فهو متفوق في كل المجالات عدا المعنويات ، فيما المقاومة متفوقة في مجال المعنويات وذلك هو الشرط المسبق والحاسم للانتصار على العدو ، ودخول سامراء ان كان يعني للاحتلال تحقيق نصر اعلامي كما سنوضح فانه بالنسبة للمقاومة نصر عسكري وسياسي ومعنوي كبير كما سنوضح .

من استدرج للفخ ؟

        الان وبعد دخول قوات الاحتلال سامراء علينا ان نتذكر احد اهم تكتيكات حرب الشعب وهو العمل بكل الطرق لاستدراج القوات الغازية الى ما يسمى في العلوم العسكرية منطقة قتل وفي الانكليزية (KILLING ZONE) اذ بعد ان انتقلت الثورة العراقية المسلحة الى مرحلتها الرابعة ، وهي تحرير  مدن وتحويلها الى قواعد اسناد محررة ، برزت ضرورة مواصلة قضم قوات العدو ولكن  بوتائر اسرع واكثف واخطر عبر استدراجه الى معارك شبه نظامية مقترنة بتكتيكات حرب الشعب، تشترك فيها دروع العدو وعدد كبير من جنوده مقابل قوات جيش التحرير الوطني العراقي . وتقدم معارك الفلوجة وسامراء وبعقوبة وغيرها نماذج من هذا النمط من القضم التدريجي للقوزي ( الخروف ) الامريكي ، فحينما يختبأ الجرذ في جحره لا تستطيع اصطياده لذلك تضع له طعما لاجل دفعه للخروج وعندها تستطيع اصطياده، وهذا هو ما حصل لقوات الاحتلال  فبعد ان استدرجت لاخراجها من مخبأها الحصين الذي حماها من القتل بالتعرض لنيران المقاومة ، هاهي تأتي بارجلها الى حتفها وتبدأ عملية تدميرها . ويمكننا القول  ان من اشد مشاكل المقاومة تعقيدا هي مشكلة ندرة تجمع قوات العدو باعداد كبيرة في منطقة قتل ، لذلك كانت المقاومة منذ دخلت مرحلتها الرابعة تريد الحصول على فرصة وجود هدف كبير وثابت امامها للعدو كي تهاجمه وتقضي على اعداد كبيرة من جنوده ومعداته ، وعلى العكس من ذلك كان الاحتلال يتجنب عرض تجمعاته امام نيران المقاومة ويلجأ للقصف بالريموت كونترول ! اي من بعد لحرمان المقاومة من فرصة العثور على افراده متجمعين .

        ان ما حصل في سامراء هو عملية استدراج للعدو مخططة بعناية، كما اكدت عناصر من سامراء وكما تثبت مجريات المعارك ، رغم تمويه الاستدراج بعملية تفاوض قامت بها شخصيات من سامراء ، وهكذا اعتقد المحتل ان المقاومة تخشى الاشتباك معه وانها مستعدة لعقد مساومة تنهي الكفاح المسلح ضده  فقرر القضاء عليها والحاق خراب بالمدينة انتقاما منها على ثورتها ضده ، ولارهاب مدن ومناطق محررة اخرى ودفعها للاستسلام دون قتال .اضافة لذلك فان المقاومة قد لجأت  الى استفزاز العدو ، الذي طوق سامراء ولم يدخلها ، بشدة عن طريق الاستمرار في قصفه من داخل المدينة وخارجها ، ووصل الاستفزاز حد استخدام المقاومة  صواريخ موجهة بالليزر ضده وضد دروعه اضافة لاستخدام صواريخ ميدان ضخمة كالرعد وطارق وغراد وارغن ستالين ( الانبوبية )، لذلك لم يعد امام العدو سوى خيار الهجوم  .

             وحالما  دخل المدينة شرع بقصف البيوت والمستشفيات وقتل الناس في الشوارع ، وراحت الشرطة والجيش العميلين بمهاجمة الدور ، في مناطق محددة ، بحجة البحث عن سلاح المقاومة . والسبب في لجوء المقاومة الى استدراج الاحتلال الى المدينة هو قرارها افشال خطته القائمة على  تجنب الاشتباك الجبهي مع المقاومة منذ احداث نيسان /ابريل الماضي في الفلوجة ، والتي ادى دخول قوات الاحتلال اليها الى قتل واسر عشرات الجنود والضباط الامريكيين  وهروب البقية فزعين من شدة وضراوة المقاومة . لذلك اتخذ الاحتلال قرارا بالاكتفاء بالقصف الجوي والصاروخي لتجنب خسارة الافراد والمعدات نتيجة دخول المدن ، وذلك خيار ادى الى تقليل خسائر الاحتلال وزاد من خسائر الشعب العراقي ، الامر الذي استوجب استدراج جيش الاحتلال الى دخول معارك رئيسية للتعجيل باتخاذه قرار الانسحاب من العراق  نتيجة عجزه عن تحمل الاستنزاف الشديد بشريا وماديا .

        ان دخول سامراء بحد ذاته فخ كبير نصبته المقاومة للاحتلال لانه عرضه لتقديم خسائر كبيرة ، كما انه بعث برسالة لكافة مدن العراق الاخرى ، مناقضة وناقضة لرسالة الاحتلال ، تقول ان قوات الاحتلال ، ومهما امتلكت من قوات عاجزة عن تحقيق نصر حقيقي على المقاومة ، حتى وان قتلت المئات ودمرت البيوت فالعراق المحتل هو عبارة عن مسرح تخريب وقتل مستمرين للعراقيين لذلك فان استدراج قوات الاحتلال الى معارك جبهية لن يزيد من ضحايا الاحتلال في الواقع بل سيجبره على تقديم خسائر بشرية اكبر مما يحتمل  . وبهذه الخطوة تقلب المقاومة المعادلة التي وضعها الاحتلال ، فبدلا من وقوع اغلب القتل في صفوف العراقيين وتجنب قتل جنود وضباط الاحتلال  فان الغزاة اصبحوا يقتلون ايضا بكثافة تكفي لدفع الاحتلال للشعور بتعمق كارثته واستحالة تحقيق النصر على العراق  . والاهم من ذلك هو ان اضطرار الاحتلال للانسحاب المؤكد بعد فترة من سامراء سيعمق الاحساس لدى الشعب العراقي بان العدو المتفوق عسكريا يفتقر الى الاستعداد النفسي لتحمل خسائر كبيرة لوقت طويل وانه مهما فعل وغير خططه لن ينجح في قهر العراقيين .

        واخيرا فان الانسحاب وتسليم المواقع الى الشرطة والجيش العميلين سوف يوفر فرصة ثمينة للمقاومة للقيام بتحييد تام للعملاء من صهاينة العراق مثل البيش مركة الكردية وحزب الدعوة والمجلس العميلين ، الذين يشكلون اغلب هذه التشكيلات ، وبذلك توجه ضربة مدمرة اخرى للبديل الذي يعده الاستعمار لاستخدامه مطية بعد الانسحاب .

لماذا لبس الاحتلال الكلاو ؟

        ربما يتساءل البعض : لماذا قامت قوات الاحتلال ب (التبرع) بوضع الكلاو على راسها ؟ وقبل الاجابة لابد من ايضاح معنى كلمة (كلاو)  في اللهجة العراقية ، والكلاو تعني حرفيا القبعة الطويلة كالمخروط والتي يشكل لبسها مادة للاضحاك ، فهي تعني الخدعة التي تمرر على الاخرين ، ولذلك يقال انه بارع في الباس الاخرين (كلاواته) ، اي انه ذكي في صنع المقالب ، وطبقا لذلك فان اشد انواع السذاجة والغباء هو ان يقوم شخص بوضع الكلاو على راسه بيديه ! وفي حالتنا قامت قوات الاحتلال بوضع الكلاو على راسها لانها كانت تعرف تماما ان المقاومة تريد استدراجها الى معارك بين بشر وليس بين الات واسلحة متفاوتة القدرة . والسؤال هنا هو : لماذا لبست امربكا الكلاو ؟ الجواب هو ان الادارة الامريكية ، وهي تواجه تزايد احتمالات فشل جورج بوش في الانتخابات القادمة ، ارادت وباي ثمن الحصول على نصر ، ولو شكلي ، تستطيع استخدامه لتعزيز فرص فوز بوش ، ودخول سامراء في هذه الاجواء الانتخابية المتازمة والتعتيم الاعلامي التام الذي يخفي الحقيقة او يزورها ، سيقدم للناخب الامريكي ، عبر لقطات ممنتجة ومنتقاة بعناية ، فكرة  تقول ان امريكا تنتصر في العراق على الزرقاوي والبهلاوي والحمراوي  وان ستراتيجية مهاجمة (الارهابيين) في عقر دارهم وليس داخل امريكا ناجحة !

        وازدادت الحاجة الامريكية لنصر اعلامي بعد الكشف رسميا عن ان المسوغ الاساسي لشن الحرب على العراق ، وهو اسلحة الدمار الشامل والعلاقة بالقاعدة ، كان عبارة عن اكاذيب لا اساس  لها مما ادى الى اضعاف بوش وتعزيز فرص منافسه كيري ، لذلك تضاعف احساس بوش ورهطه بخطر الفشل وربط ذلك بامكانية استبعاد الفشل عبر نصر ولو اعلامي وبثمن باهض تدفعه امريكا وشعب العراق . ولهذا فان ما سيحصل بعد دخول سامراء غير مهم بالنسبة لبوش وسيتم التعتيم عليه مجددا ليبدو الدخول كانه الحدث الوحيد الذي وقع ! لكن شعب العراق يعرف ان ما حدث ويحدث في سامراء هو جزء من العملية الاكبر لاعداد القوزي الامريكي للطبخة الاخيرة في التنور العراقي اللاهب والمغلق باحكام من فوهته ، وكما يعرف العراقي ان القوزي المخبوء في التنور سيصبح من الذ الاطعمة واندرها فينسيه ذلك اتعاب الطهي وثمنه. ان شهداء سامراء المقدسة وهم يقدمون ارواحهم من اجل تحرير العراق ، يمهدون الطريق لتسجيل انتصار العراق الحاسم والعظيم قريبا انشاء الله .

        وثمة دافع امريكي اخر يجب تسليط الضوء عليه وذلك لاهميته القصوى ، اذ ان قرار الانسحاب الذي اتخذ  مازال تنفيذه بحاجة لشرط اخر تفرضه ضرورة حفظ ماء الوجه ، وهو اجراء انتخابات ولو شكلية في العراق لن يشارك فيها الا بضعة الاف ، لكي تستطيع ادارة بوش ، اذا بقي رئيسا ، او ادارة كيري اذا فاز ، ان تقول ان مهمة امريكا في العراق قد انتهت باقامة (الديمقراطية) على اشلاء اكثر من مليوني عراقي استشهدوا منذ عام 1991، وبما ان عمليات المقاومة الضخمة والقاصمة لظهر الاحتلال لا تسمح لامريكا بالادعاء انها تستطيع اجراء انتخابات حقيقية في ظل عدم (استقرار) الوضع ، كما اكد الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان، فان اعطاء انطباع بان القوات الامريكية قد نجحت في انهاء (التمرد) في المدن المحررة يجعل بالامكان اجراء انتخابات ، حتى لو كانت داخل (المنطقة الخضراء) فقط  ، ومن ثم تسليم (السلطة) لحكومة عراقية (منتخبة) ، على طريقة انتخابات العالم الثالث التي يرعاها (تمثال الحرية) الامريكي ، وتنسحب امريكا من العراق ! واذا اردتم التاكد من صحة هذه الحقيقة اعيدوا قراءة اعترافات  (المعتقل)  بوش الذي قال اثناء (التحقيق) معه  لاول مرة في المناظرة مع كيري ، ان الجيش العراقي والبعثيين انسحبوا فجأة عند دخولنا بغداد لكنهم ظهروا مجددا وبسرعة ، وهم يقاتلون بشراسة ، وهذا الاعتراف هو نفس ما قاله ريتشارد ارميتاج ، نائب وزير الخارجية الامريكي وبول ولفووتز نائب وزير الدفاع الامريكي اثناء شهادتهما امام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الامريكي في نهاية شهر حزيران /يونيو الماضي ، وهو نفس ما قلناه منذ وقع الغزو .

هل هذه دعاية ؟

        ربما يتساءل البعض : هل ما ورد في هذا التحليل محاولة دعائية لتعزيز المعنويات ؟ الجواب القاطع هو كلا ، اذ لم يقل احد ان قوات الاحتلال لن تنجح في دخول المدن المحررة من جديد ، لان ذلك غير واقعي ، بل قلنا وسنقول ، ان التفوق المطلق للعدو كان العامل الحاسم في النجاح في غزو العراق وليس التقصير او الخيانة ، وهذا الامر يتكرر الان في سامراء ، وربما سيحصل في مدن اخرى ، لكن النهاية في كل دخول هي الحاق خسائر فادحة بالعدو واجباره على الانسحاب مجددا ولاثبات ذلك اسمحوا لي بتذكيركم ببعض ما قلناه حول هذا الامر قبل وقوع ما جرى في سامراء ففي مقالتي المعنونة (الثورة العراقية تسقط اوهام المخمورين) المنشور في عدة مواقع منها البصرة ودورية العراق في 16/9/2004 قلت حرفيا ما يلي :( اقتباس )

 

وهم التقدم النمطي للثورة المسلحة

        يخطئ من يظن ان التاكيدعلى ان الثورة المسلحة تتقدم ولا تتراجع يعني انها عند تحرير المدن تمنع العدو كليا من دخولها وان كل شيئ قد استتب للمقاومة ! ان هذا التصور هو تصور ينمط تطور الثورة المسلحة بصورة الية لا خلق فيها، اي يدخلها في قناة مستقيمة ضيقة وخانقة بنفس الوقت ، فما دام العدو يمتلك وسائل التفوق المطلق عسكريا وماديا فمن المستحيل الامساك التام والنهائي بالمدن المحررة وعدم السماح له بدخولها مجددا . اذن ما المقصود بتحرير المدن ؟  ان تحرير مدينة في ظل اختلال موازين القوى لصالح العدو يعني تحديدا منعه من التمتع بامتياز البقاء في المدينة بلا خسائر فادحة لا يستطيع تحملها ، لذلك يضطر للانسحاب منها وقصفها من المحيط او الجو ، ثم يحاول العودة اليها لجس النبض ، فيواجه برد مكلف يجبره على الانسحاب مجددا ، وبتكرار هذه العمليات يقتنع العدو بانه يجب البقاء خارج المدينة ، وعندها تتم شروط اعتبارها مدينة محررة ويعاد تنظيمها بطريقة تخدم عمل المقاومة خصوصا من الناحية الامنية ، دون ان يعني ذلك عدم دخول العدو اليها مجددا ، لانه يستطيع ذلك بفضل تفوقه التام ماديا ، لكنه في هذه الحالة يتعرض لهجمات مكلفة جدا .

        في ضوء ما تقدم يتضح ان معنى تحرير المدن في حروب الشعب لا يعني المنع التام للعدو من دخولها بل هو يعني ان المدينة لم تعد مكانا امنا للعدو وان بقاءه فيها سيعرضه لخسائر بشرية ومادية لا يستطيع تحملها لزمن طويل ، ومن ثم اقتناعه بانها اصبحت (منطقة قتل) له ، لذلك يضطر لتركها والخروج منها وتطويقها من الخارج (في الحالة العراقية) ، وقصفها على امل اضعافها ومعاودة محاولة احتلالها . وتنطوي هذه البديهية في حرب الشعب على معنى محدد :  ان دخول قوات الاحتلال اللى مدينة محررة بارتال دبابات كثيرة وغطاء جوي لا يعني استعادتها لان تلك القوات ستواجه مقاومة استنزافية مكلفة تعيد قيادة الاحتلال الى المربع الاول ! اي انها ومهما عملت ستضطر للانسحاب مجددا .

        ويترتب على هذه الحقيقة ادراك ضروري وهو ان الاحتلال ،ومهما حشد من قوات ، لن يستطيع تغيير الموازنة القتالية على الارض ، لان الارض المحررة صارت زئبقا ساخنا ، وذلك يعني انها كالزئبق في افلاته من اليد وعدم امكانية الامساك به من مكان محدد لانه سيتحول باتجاه اخر غير متوقع ، ويفلت من اليد ، وهي كذلك ، اي الارض المحررة ، ساخنة كالزئبق ، ومن ثم فانها تلتهم وتحرق فجاة من يقف عليها جاهلا طبيعتها . واذا اخذنا بنظر الاعتبار حقيقة اصبحت ثابتة ومعترف بها من قبل الاحتلال  وهي ان المقاومة تتقدم باستمرار وتتعاظم وتنتشر افقيا وعموديا ، رغم محاولاته المستميتة لخنقها ،  ولم تتراجع منذ الانتقال من الحرب النظامية الى حرب الشعب يوم 9/4/2003 ندرك ان ما يخطط له الاحتلال لن يكون سوى عبث مقرون بالياس ، بل ان اللجوء لخيار القسوة المفرطة سيحول المزيد من العراقيين الى صف المقاومة المسلحة .

        ان الثورة تتقدم بلا اي تراجع ، وهي تكتسح اي عقبة يضعها الاحتلال  معتمدة على انماط من العمل بالغة المرونة وقادرة على استيعاب كل المفاجات الممكنة التصور او غير المتصورة ، فهي تتقدم حينما ترى ان ذلك يقرب يوم النصر لكنها تتراجع حينما تدرك ان العدو قد حشد قوات قادرة على الحاق اذى خطير بالمقاومة . وهذا التراجع مصمم للحفاظ على كادر وطاقات الثورة وعدم السماح للعدو بفتح جبهة لا تريدها المقاومة .(انتهى الاقتباس)

        هل حصل شيئ في سامراء  يناقض ما قلنا ؟ بالتاكيد كلا ، ان ما حصل في سامراء  ، وهو ما قد يحصل في الفلوجة واللطيفية والمحمودية وبعقوبة وعشرات المدن المحررة ، هو امر متوقع وطبيعي لكنه يكشف عن ازمة الاحتلال وتخبطه واستعداده للهروب المنظم من العراق وليس اقتداره . والسؤال المهم هنا هو التالي : هل ستسمح المقاومة بحصول انسحاب امريكي منظم ام انها ستنفذ وعدها  المعلن في بيان البعث  بتمريغ انف امريكا في اوحال هزيمة منكرة  تقبر الى الابد الاحلام الامبراطورية الكونية الامريكية؟ راقبوا صعود وهبوط الكلاوات وانظروا الى تلك الرؤوس التي تترنح وهي تنتظر القطاف! الم يصل الحجاج  بن يوسف الثقفي بعد؟

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الجمعة 24 شعبان 1425 / 8 تشرين الاول 2004