نواقض الليبرالية : وثنية ابادة الاخر

شبكة البصرة

صلاح المختار

            كانت الليبرالية الغربية تعتاش بشكل طفيلي على توتاليتارية (النزعة الشمولية) الشيوعية الأوروبية الشرقية وديكتاتوريتها، لذلك كانت لها جاذبية وسحر خاصين في العالم الثالث حتى في أوساط معينة من الثوريين، سواءً كانوا قوميين أو اسلاميين أو ماركسيين، لانها، وعبر النماذج الامريكية والبريطانية والاسكندنافية، قدمت صورة مبهرة لنظام لا حصانة فيه لأحد في البرلمان أو الاعلام إلا (الحقيقة)، رغم ان قوى ثورية عربية (البعث) قد حذرت مبكراً من زيف الليبرالية الغربية واكدت انها مجرد ثوب جميل يخفي تحته وحشاً كاسراً لا حدود ولاقاع لقسوته ودمويته. والآن وبعد ان زالت شيوعية الدولة  التوتاليتارية وصارت الليبرالية هي التي تحكم العالم، كيف بدت؟ وهل بقيت حاضنة (دعهُ يمر دعهُ يعمل) و(أنا اختلف معك ولكنني مستعد ان اضحي بحياتي من اجل ان تقول كلمتك) كما قال فيلسوف فرنسي لا اتذكر اسمه؟

ثوب تمزق

          لدينا مثل عراقي يقول: ( الرجل يعرف بثلاث: المرأة والسجن والمال) ، وحينما جاء دور (المال) ليحكم العالم، بعد انهيار ايديولوجيا السحق التوتاليتاري، اخذت الليبرالية الغربية تزيح النقاب عن وجهها وجسدها ليظهرا على حقيقتهما المجردة من التزويق القائم على تقنيات (هولي وود) في تحويل القبيح إلى جميل، فالليبرالية التي نتعامل معها الآن في العراق وفلسطين وافغانستان والامم المتحدة وغيرها طلقت (بضم الطاء) وحل محلها شعاررفعه رجل ربته الابقار في تكساس ، ومع ذلك لم يصبح هندوسيا لانه لا يتعب دماغه بالفلسفة الهندوسية ، اسمه جورج  يقول بصوت رنينه صدى حديد ساخن : ( من ليس معنا فهو ضدنا) ، وهكذا سحق جوهر اللبرالية وهو احترام التعددية في الراي ، ووقف اخرآخريحمل فوق كتفيه وجه جامد ليس فيه صورة انسان اسمه رامزفيلد  يقول: (اقتلوهم بالرصاص اذا قالوا لا) ، وهكذا راينا مشهد القيامة ، ولدعم الشعارين رأينا كولن باول يقف في الامم المتحدة ليقول، وهو يضع قدرا (بكسر القاف ) فوق راسه اسمه الكذب يسيل منه قذى عين موبوءة دبقاً على  وجهه : (نحن لدينا معلومات مؤكدة أن العراق لديه اسلحة دمار شامل)! وبعد ايام اخذت دبابات (الليبراليين) تتدحرج فوق اجساد اطفال العراق وترسم بها لوحات على اسفلت الطرق لا حدود (للرعب والصدمة) اللتان تتركها في النفوس. ولان الليبرالية لا ترضى باقل من جعل صوت الخصم يرتفع عالياً حد الاختناق واخماد قدرته على انتاج صدى هدمت البيوت فوق رؤوس مئات الالآف من العراقيين لان صوتا لم يقل لها ان هناك بشر !
         وهكذا رأى العالم كيف تصبح الليبرالية بعد ان تتحرر من خوفها العميق من شيوعية كان لها انياب ذرية!
هل بدت لنا الليبرالية اقل ديكتاتورية وقسوة من نظم الشيوعية البائدة ؟ كلا العكس هو الصحيح ، فالذي نشهده الآن على مسارح العالم كلها هو ديكتاتورية قاعها وجوهرها ودافعها وعقلها هو الافتراس الوحشي والدموي للآخر اياً كانت هويته، فالمهم هو ان تجد الليبرالية قوزياً (خروفاً) تلتهمه، واذا لم تجده في الخارج ستبحث عنه في الداخل بين السود والهسبانك (الامريكيين من اصل اسباني) وحتى الانكلوسكون البيض!
        ان الفرق بين شيوعية انظمة اوروبا الشرقية وليبرالية امريكا وبريطانيا وفرنسا، هو ان الاولى كانت نظاما توحش لقتل وحش آخر (الرأسمالية)، لكنه كان يقدم اشياء مهمة (لعبيده)، مثل الأكل والطب والتعليم المجانيين والامن والخدمات الرخيصة جداً، أما ليبرالية الغرب فهي لا تقدم للعالم سوى الخراب والقتل وابادة الآخر من اجل نهب ثرواته أو محو هويته، اذ لا مجال للآخر كي يعيش الا كعبد تام العبودية يقص لسانه وتترك عيناه واذنيه ليسمع ويرى ما تريد الليبرالية قوله، وحينما يسمح له بالكلام يأتي كلامه لغواً فارغاً مشوهاً لا يفهم ابداً لسبب بسيط هو ان لسانه قد قص وركب محله لسان الكتروني يصدر صوتاً كرنين التنك لذلك لا يفهمه الا (شعب) من تنك!

لماذا هذه الوحشية؟

          سببان رئيسيان  يقفان وراء وحشية الليبرالية الغربية ودمويتها: الاول هو غياب الرادع الخارجي ، والثاني هو انعدام الرادع الداخلي ، فحينما كانت الصواريخ النووية الشيوعية جاهزة لابادة امريكا واوروبا اربعين مرة كانت الليبرالية الغربية  قطة سيامية ناعمة الشعر، مواءها شعر بدر شاكر السياب الرقيق، ونظراتها اغراء مارلين مونرو، ولذلك استفزت في الانسان (شهوات) العقل و(حكمة) الجسد، واجبرته على استبدال جواهر الاشياء لنجد عالماً يحكمه التناقض واسراب الاكاذيب المزوقة والمنمقة والتي يصفق لها الناخبون في حفلات انتخاب تنتهي رقصة التانغو فيها بالتلذذ بالتهام مخلوقات اخرى اسمها الشعوب الملونة !

         كانت ليبرالية الغرب تتمسكن امام انغام الابادة النووية الشيوعية فراحت تقدم وعوداً وعهوداً لمن يضع الزر النووي على حضنه وهو يحتسي الفودكا، ثم رسمت (نقطة رابعة) لمساعدة العالم الثالث، وفبركت لجان (حقوق انسان) واخرى للحيوان، وقدمتها هدية مع العلكة والكوكا كولا والجينز ورقصة الروك اند رول، لمن يحتضر مرضاً وجوعاً، وصرخت في وجهه : اصطف معنا ضد الدب الروسي وسنحول بلدك إلى (دزني لاند) اخرى فيها كل احلامك المحبطة . ولكن حينما قضم الدب الروسي لسانه واضاع انيابه الذرية ونفي الى سايبيريا
استيقظ الضبع الكامن في طبع القط السيامي، فخلع رادء القط وقفز ضبعاً ضخماً لا حدود لدمار اسلحته، ووقف تحت (تمثال الحرية) في نيويورك ليصرخ في وجه العالم : اكتموا اصواتكم وانطقوا فقط بما اريد والا سأرسلكم الى جحيم ابدي! لقد تحررت الليبرالية من رعب الابادة النووية فشرعت تمارس ابادة ا لآخر، ولكن بالتقسيط ، وعلى مسارح علنية تقوم الفضائيات بالنقل الحي منها لمشاهد تدمير منازل فوق رؤوس اصحابها في الفلوجة واقتلاع حارات كاملة في غزة مع اطفالها المهروسين! ومع ذلك يأتينا باول ليقول: انها الديمقراطية الموعودة التي تفرض دفع ثمن (بخس) كهذا!
         السبب الآخر لانفلات الليبرالية من عقالها هو افتقارها للرادع الذاتي سواء كان قيمياً او اجتماعياً ، فالانسان الغربي خرج من الغابة قبل بضعة مئات من السنين وانتقل من الوحشية الى المدنية دون المرور بمرحلة الحضارة ، لذلك صار وحشاً لكنه غطى وجهه المرعب بمكياج ثقيل ومبهر، هو حسن التصرف والاتيكيت واتقان مايجب ومالايجب ، دون ان تكون في اعماق ذاته مملكة قيم تحكم الوحش فيه وتمنعه من الاستيقاظ في اي لحظة وتمزيق ثياب ومكياج التمدن. وهذه حقيقة تجسد نفسها في مجتمعات غربية تمدنت وارتدت زي التقدم لكنها حصيلة جمع ذوات افرادها المتوحشين والذين اشتروا قناع التمدن من اقرب (سوبر ماركت) وانغمسوا في صراع البقاء للاقوى ، فكان طبيعياً ان تصبح المشاعر الانسانية محض صدفة ضائعة وسط غابة ظلماء وظالمة لاتسمع فيها سوى عواءات ضبع افترس ملكها الاسد وفرض قانونه المطلق
: اللا قانون في حفلات افتراس بني آدم .

            ان الديمقراطية الليبرالية تسمح بقتل وإبادة الآخر دون تردد، وحينما تبث اغنية تأسف للقتل يقوم مطربها فور الانتهاء من وصلته امام منبر الامم المتحدة بدخول غرفة خاصة اعدت له فيها وليمة دسمة هي باجة (الباجة هي اكله عراقية تصنع من رؤوس واقدام الخراف) صنعت من   رؤوس صبيان الفلوجة ورام الله  وكابول. اليس هذا مايفعله مطربو لجان حقوق الانسان تجاه المحرقة في العراق وفلسطين وافغانستان؟ لقد شبعت هذه اللجان حد التخمة  من فرط اكل رؤوس اطفالنا فنامت ضمائر افرادها والنائم لايرى كيف ان الضبع الامريكي يقتل لا لكي يأكل ويشبع فقط ، بل ليقيم اهرامات عالية من جماجم اطفال وشباب العرب والمسلمين، ثم يجلس امامها ليتأملها ورعدة فرح طفولي تجتاحه تماماً مثلما كان نيرون يفعل وهو يحرق روما!

ليبرالية ؟ ام وثنية سفك الدماء ؟

           ان ماتراه البشرية منذ انتحار الدب الروسي هو صعوداً سريعاً لاكثر وحوش البشرية والتاريخ وحشية وعبادة لسفك الدماء ، فلم تشهد البشرية في كل تاريخها هكذا نزعات قتل (توتاليتارية) على الاطلاق، والسبب الرئيسي هو ان الضبع المسمى الغرب الليبرالي لم يعرف بعد معنى الانسانية، فالذي يخرج من غابة ظلماء وظالمة قد يدرب على الكلام وحسن التصرف كطرزان، لكنه في لحظة واحدة يقفز فوق المائدة الفخمة، المعدة لضيوف يأكلون بالشوكة والسكين ويضعون الفوطة على  صدروهم ، ويشرع في رمي قطع الدجاج ولحم الخروف في وجوه علية القوم، ثم يجبرهم على شم رائحته العفنة التي يطلقها امام انوفهم الكلبية من مؤخرته المأبونة  وهو يقول : هل من متحد لي يرفض ما افعل؟  والسؤال هنا هو : كيف يمكن التحكم بضبع منفلت لارادع له؟
         انها المحرقة الاكبر(الهولوكوست) في التاريخ البشري كله ، ومن قتل فيها حتى الآن من ابرياء العالم يتجاوز عددهم 300 مليون انسان دفعهم الغرب، الليبرالي حتى نخاع العظم ، للموت، منذ اخذ يخرج من غابته الى العالم ليستعمر، ومازالت محرقته مستمرة وبكارثية اكبر بعد ان امتلك سلاح الإبادة الشاملة واستعمله في اليابان والعراق ليبتز العالم ويقول له : اما ان تستسلم لغرائزي الوحشية واما ان تعاني من هيروشيما اخرى ومطار صدام حسين الدولي اخر ومن ابوغريب اخر، اليست تلك هي اللبرالية ؟
          والاغرب من القتل الذي صار هواية مفضلة للغرب الاستعماري هو انه مازال يتحدث عن الديمقراطية والليبرالية والاصلاح! ووصلت الغرابة الى حد تعهير فكرهم ونظمهم رغم انها صارت المرحلة الاعلى والاقسى من الوحشية في التاريخ ! ولامتصاص دفقات الاستغراب من هذا النقض للمعنى وجدناهم يصيغون مصطلحاً هو الآخر يجسد قفزهم من الوحشية للمدنية دون المرور بمرحلة الحضارة هو الليبرالية الوحشية ، او المنفلتة ! بربكم قولوا لي كيف يمكن لليبرالية ان تبقى كذلك بعد ان تصبح متوحشة ؟ الا ترون معي ان الضبع الذي يتلذذ بمحارق الشعوب يريد ان يطبق خيالات (هولي وود) في الواقع فيصرخ: انا  ليبرالي لكنني متوحش واذا لم تقبل ذلك سأفترس طفلك امامك! اليست تلك هي القيامة ؟

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 7 رمضان 1425 / 21 تشرين الاول 2004