نواقض قوة الإنسان

شبكة البصرة

صلاح المختار

            ثمة سؤال مهم قديم - جديد وهو: ما الذي يجعل انساناً ما قوياً ومؤثراً وآخر ضعيفاً مهزوماً؟ اذا استبعدنا الفوارق البنيوية، أي الناشئة عن التكوين الطبيعي للانسان، وتعاملنا مع بشر متقاربين في هبة الله لهم عقلياً وجسدياً تبقى أمامنا مسألة اساسية تفسر الفرق بين قوي وضعيف، وهي بنية الوعي في ذات الانسان. فالانسان القوي يمتلك بنية وعي متماسكة لا ثغرات فيها تجعله قادراً على التصرف مستنداً على قناعته بأنه نظيف الضمير وايثاري (عكس اناني) ولم يعتدي أو ينافق أو يمارس لعبة التضاد بين القول والفعل، وبفضل هذه الخصائص تتعزز بنية وعيه ويصبح (هذا الوعي) مصدر قوة ارادة تصل صلابتها الى حد قهر أهم غرائز الانسان: حب البقاء. مقابل هذه البنية نجد أمامنا انسان آخر يمتلك نفس ذكاء الأول وخصائص جسده، لكنه عاجز
عن قهر أنانية ونوازع وغرائز جسده، فتنحط بنية الوعي لديه ويصبح أسير صراع مرير بين جسد وحشي الرغبات والميول ووعي هش يردع ويرجع، أي لا يستقر على حال، وهكذا يفقد القدرة على التماسك الشخصي ويصبح عبداً لمكامن الهزال والضعف.
          هذا الكلام النظري لا قيمة له ما لم نقدم نماذج مفهومة وواقعية تجسده، وأمامنا ثلاثة نماذج رئيسية: أنموذج المطبع مع اسرائيل، وأنموذج الشيوعي وأنموذج حزب متبرقع بالدين.

المطبع مع اسرائيل

           في حالة المطبع مع اسرائيل نجد أمامنا بنيتان للوعي: الأولى بنية أصلية قديمة تشكلت في مناخ مفعم بشواهد عملية أنتجت وعياً قاطعاً وصحيحاً يقوم على أساس أن اسرائيل بلد عدواني وتوسعي قام على حساب الشعب الفلسطيني الذي طرد من أرضه بالقوة، في اطار مخطط دولي عام. فالكل علم أو شاهد، او أحتاز كلاهما، ولم يظهر لديه أي عامل نقض مقنع لما علم به او شاهده، ومن ثم أمتلك وعياً بنيته من فولاذ يكفي لبلورة دوافع ذات زخم لا حدود له تصل حد تحدي العالم بارادة فرد أو بلد صغير اذا قورن بقوة حلف التآمر الصهيوعالمي.
هذه الارادة تنقل الانسان الى مرتبة التفوق على قوانين الجسد وأهمها غريزة البقاء، حينما يصل الى قناعة مطلقة بأن مفهوم الوطنية او الايمان الديني يسندان ماتوصل اليه من وعي، ولذلك تتغير قيمة الحياة ويصبح بالامكان التضحية بها من اجل القضية العادلة. بل يصل الوعي، المسنود بقوة البيئة الطبيعية، الى حد ان الموت يصبح استشهاداً مشرفاً له ولاسرته ومجتمعه، كل ذلك لان بنية وعيه تشكلت في بيئة سليمة وموضوعية من زاوية رؤية ظلم يحدث فيخلق رد فعله الطبيعي: النضال ضد الظلم.
           ولكن ماذا يحدث لبنية الوعي الفولاذية والواضحة بلا تناقض او اهتزاز حينما تتعرض لمؤثرات مفبركة، اي اصطنعت بطرق مختلفة، تتناقض جذرياً مع العناصر المكونة لبنية وعيه؟ ان عملية التطبيع التي فرضت (من فوق) بالقوة وبعمليات غسل الدماغ الجماعي، عبر الحروب والازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المدمرة والخانقة لقنوات راحة الجسد والمبعثرة لعناصر الوعي، شكلت ضغطاً هائلاً على عقل ووعي وجسد الانسان، وبمرور سنوات كانت مشحونة بالاقلاق النفسي وبالتشويش الفكري المبرمج اخذت حصون الوعي لدى البعض تتشقق وتتهاوى، وشرع المطبعون ببناء عناصر وعي مناقض تتمحور حول إيقاظ غرائز الجسد وجعلها تتحدث وتتحكم في (مملكة العقل)، خصوصاً غريزة (حب البقاء) بطرح المحاججة التالية: لقد فشلنا في الحاق الهزيمة باسرآئيل وتخربت مجتمعاتنا وبيوتنا لذلك يجب ان نكون (واقعيين) اذا اردنا المحافظة على حياتنا! (المحافظة على حياتنا): تلك هي كلمة السر في اجتياح اخر قلاع بنية الوعي الاصلي وتفكيكها فلقد دغدغ المخطط غرائزنا وحركها وشجعها على الافلات من قبضة الضمير والوعي المساند له، والتغلب عليه بعد التعرض لمنطق المحاججة المذكورة لزمن كاف.

             وباسم الواقعية اقيمت بنية وعي جديدة تتناقض عناصرها مع البنية الاصلية التي هدمت، لكن البنية الجديدة لايمكن ان تقام على سطح املس جديد وطري ابداً، فلقد فضت بكارة الوعي بالادراك الاول الصحيح ولم يعد ممكناً ازالته حتى لو فكك وهدم، لان اكوام بقاياه تبقى موجودة في ذاكرة الضمير ولاتزول، تماماً مثلما يبنى بيت جديد على ارض تتكوم فوقها جدران بيت هدم ولم ترفع انقاضه، لان الانقاض مدمجة بالارض واساسات البناء، وهكذا يصبح امامنا منظر غريب: انسان عاش عقوداً من الزمن وهو سعيد ومقتنع بما ادركه وحوله الى موقف مبدأي، ثم وجد نفسه مضطراً الى الانقلاب على ادراكه المبدأي وزرع ادراك آخرلم يختاره هو ولم
يتسرب الى بنية وعيه بصورة طبيعية وفي مناخ طبيعي، كما حصل حينما فض بكارة وعيه لأول مرة. ماذا يحصل لهذا الانسان المطبع والخازن للوعي الأول في بنية وعيه؟ اهم نتاج لهذا التناقض هو تفتيت ارادته
وتحويله الى مخلوق هش متردد واناني يختار الحلول التي تنفع جسده حتى لو اهانت عقله و اضرت به، وتلك هي بداية مسيرة الضعف حتى وان ارتدى زي ممثل يصرخ بصوت عال ويتقافز كالقرد على مسرح يحتشد فيه متفرجون كي يثبت لهم انه مازال قويا، بل واقوى من السابق، لكنه ينسى ان زعيقه وتقردنه هما محض تمثيل لايثير الا الضحك والسخرية والدهشة من القدرة على التقلب!

أنموذج الشيوعي

           ولكي لا اظلم احداً فالمقصود بالشيوعي هو الشيوعي العراقي اساساً، فهذا الشيوعي هو الذي دشن استخدام اسلحة القتل والاجتثاث والاقصاء في السياسة العراقية الحديثة ليس لاعدائه بل لحلفائه! ففي اعقاب ثورة 14 تموز- يوليو عام 1958م في العراق كانت (جبهة الاتحاد الوطني) تضم البعث والحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال. وكانت تمثل القوى الوطنية التي ناضلت ضد النظام الملكي وشاركت (حركة الضباط الاحرار) في اسقاطه. ولكن بعد الثورة قرر الحزب الشيوعي الانفراد بالسلطة وتصفية (رفاق الامس) معتمداً على نزعة رئيس الوزراء الزعيم الركن (العميد) عبدالكريم قاسم الفردية والاستئثارية، فحول الخلافات بين احزاب الجبهة حول الوحدة مع (الجمهورية العربية المتحدة) الى (حرب اهلية). وابتدأت حربهم
هذه باتهام القوميين العرب (حزبي البعث والاستقلال) بانهم (عملاء للمخابرات الامريكية والبريطانية وعبيد الاقطاع) لانهم يريدون دمج العراق مع ( الجمهورية العربية المتحدة) تحت زعامة جمال عبدالناصر لضمان ابعاد العراق عن الاتحاد السوفيتي)! واقترنت هذه الاتهامات بعمليات قتل واعتداء وسجن للقوميين العرب نفذتها حكومة قاسم بناء على طلب وتحريض الحزب الشيوعي.
         وتمضي السنين والعقود وتنقلب الاحوال في الثمانينات بانضمام الحزب الشيوعي العراقي الى ايران خميني في حربها ضد العراق ويتحول قادته الى ادلاء، هم والحزب الديمقراطي الكردستاني (البارزاني) وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني)، يساعدون القوات الايرانية على معرفة مسالك شمال العراق لاجل احتلال مناطقه الاستراتيجية، كجبل كردمند، رغم ان الشيوعية كانت آنذاك ترفع شعار وفلسفة تقول (ان الدين افيون الشعوب) ! واكمل الحزب الشيوعي عملية طلاقه الكامل مع بنية وعيه الاصلية كحزب كان مبرر وجوده هو تدمير الغرب الراسمالي في عام 1991م حينما انضم الى امريكا وبريطانيا في حملتهما ضد العراق، فدعا هذا الحزب الي شن حرب على العراق بحجة اسقاط النظام فيه! ومنذ ذلك الوقت اصبح احد الادوات الامريكية في العراق، وعاد الى القطرمختبأ باحذية جنود  القوات الامريكية التي غزته في العام الماضي، وشارك في مجلس الحكم واصبح رسميا وعملياً جزءاً من الحكومة التي شكلها الاحتلال، والذي يسميه (تحريراً) رغم ان الامم المتحدة   تسميه احتلالاً غير مشرعي ، ورغم ان احد اكبر منظري ومخططي الاحتلال وهو ريتشارد بيرل قد اعترف بانه غزو وليس تحرير !
         لقد انقلب الحزب على ذاته 180 درجة بعد حوالى 46 عاماً حينما صارت الصورة كالآتي: القوميون العر ب هم حماة العراق وسيادته من حروب امريكا وبريطانيا فيما الشيوعيون هم ادوات الحروب والغزو الانغلوامريكي! والسؤال المنطقي هنا هو التالي : ترى هل ينسى الشيوعيون هذه الواقعة التاريخية؟ الجواب هو كلا فمن المستحيل ازالة انقاض (بيت) وعيهم القديم لانه متشابك مع اعوجاج لسانهم، وقبل هذا وذاك منغرس في بنية وعيهم، لكنه اصبح تحت الوعي الجديد المناقض والناقض للقديم! اول تجل سلوكي لهذه البنية المزدوجة هو الاضطراب والتهالك والتهافت وفقدان روح الاقتحام والصلابة!

التبرقع بالدين

           ومثل المطبع والشيوعي يأتي من تستر بالدين عقوداً واتهم القوميين العرب في العراق بالكفر وخدمة (الشيطان الاكبر) ، اي امريكا، وثقف اعضاءه على هذه الشعارات حتى صار البعثي والقومي في وعي هؤلاء هو (عميل امريكا)، ولذلك كانوا قساة في اغتيال القوميين وعمليات التخريب ضد المنشآت العراقية الى ان اقترب موعد غزو العراق في عام 2003م فأخذ هذا المتستر بالدين (الثوري) يخلع قناعه ويرتدي العلم الامريكي قميصاً! لقد صار هؤلاء اشد عملاء الاحتلال تخريباً وخدمة له! ماذا حصل لهم؟ لقد انهارت في داخلهم الثقة
بالنفس وادركوا انهم كانوا هم العملاء وليس القوميين العرب وان هتافهم (الموت لامريكا) كان مجرد غطاء زائف لغزو وتدمير العراق.

هرم أجوف

          اذن الضعف يبدأ من الداخل، من ضمير الانسان المتشكل من بذور وعي متناقض ومتلبس يشوش الرؤية ويفقد الانسان الشجاعة بصفتها نتاج نقاء الضميرالحي وصواب الموقف وخلوه من الدوافع الانانية اوالتمويهية. انظروا الى حرب تحرير العراق التي تجري الان  ستجدون ان من مرغوا ويمرغون انف امريكا وعملائها في الوحل هم من لم يتقلبوا أو يطلقوا ضميرهم وبقوا قوميون عرب يستهدون باسلام ثوري لكنه مسنود بعقل حكيم لايساوم على المبادىء ولا على الوطن ولا يعتمد (التقية) سلاحآً في خوض حروب الوطن والدين

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 14 رمضان 1425 / 28 تشرين الاول 2004