ما هي التغيرات الاجتماعية التي احدثها الغزو في العراق ؟

وما هو راي الشعب العراقي بالموقف الياباني ؟ (الجزء الثاني)

شبكة البصرة

عبر موقع (البصرة) وبالبريد الإلكتروني وجه السيد ريكيجيرو سايتو من الصحافة اليابانية إلى الاستاذ صلاح المختار أسئلة نوردها أدناه مع اجاباته.

 

سؤال9 : ما معنى (البراءة) في هذه الحالة؟ هل أن عائلة المتعاون لم يكن لها علم بأنه كان يتعاون مع الاحتلال؟

قد تعلم العائلة وقد لا تعلم  وفي كلا الحالتين عليها اما ان تعلن براءتها منه ، اي ان تقاطعه  اوتعلن انها تدين اعماله ولا تؤيده ابدا . وافضل مثال هو تبرء عشيرة من عينه الاحتلال رئيسا غير شرعي للعراق  غازي عجيل الياور فلقد اصدر شيوخ عشيرة  شمر التي ينتمي اليها بيانا نشر في عدة مواقع انترنيت اعلنوا فيه انهم يتبرأون منه واهدروا دمه اي قرروا قتله ، طبقا للتقاليد العشائرية . ان ما فعلته عشيرة الياور تفعله عشرات العشائر والعوائل التي تريد المحافظة على شرفها وسمعتها وتجنب مقاطعة واحتقار بقية الناس لها .

 

سؤال10 : تقول حكومة اليابان ان القوات اليابانية الإنسانية المتمركزة في السماوة تقوم بإصلاح مستشفى وبناء الجسر و تنقية المياه إلخ من الاعمال الإنسانية التي لا تساعد على الاحتلال. أليس هذا صحيحاً؟ أنا لا أحاول تبرير وجود الجيش الياباني في العراق لأن اليابان هي التي تقوم بتمويل جزءا كبيرا من نفقات الغزو والاحتلال و هي التي أيدت شن الحرب الأمركية وأرسلت جنودها إلى خارج اليابان رغم أن الدستور يمنع ذلك.

 قبل كل شيئ ا ود التذكير بحقيقة جوهرية وهي ان الاحتلال الامريكي يحتاج اولا وقبل كل شيئ للشرعية الدولية ولو شكليا  , وبما انها لم تمنح له من قبل الامم المتحدة فانه استعاض عنها بجمع اكبر عدد ممكن من الدول طلب منها اعلان تاييدها للغزو وارسال قوات الى العراق ، وهذه الشرعية الزائفة يستخدمها لخداع الراي العام الامريكي واقناعه بان الغزو ليس عملا امريكيا منفردا بل هو عمل يقوم به المجتمع الدولي وبذلك لا يضغط الراي العام الامريكي بشدة من اجل سحب قواته من العراق . فاذا اخذنا هذه الحقيقة فقط فان اليابان تساهم بقوة في تعطيل عملية اكتشاف الراي العام الامريكي انه خدع لان الاحتلال غير شرعي ، وهذا التعطيل ينتج عنه استمرار قتل العراقيين . كما ان وجود قوات يابانية بحد ذاته هو عمل قتالي ، وانا اسأل ماذا ستفعل القوات اليابانية حينما يحاول مواطنون عراقيون تحرير المدينة التي توجد فيها القوات ؟ هل سيقولون لهم : اهلا ومرحبا تفضلوا وخذوا المدينة ؟ ام انهم سيطلقون النار عليهم ؟ لقد حصل ذلك بالفعل واطلقت القوات اليابانية النار على عراقيين وقامت باعمال حربية كنقل العتاد للجنود الامريكيين . واعود لموضوع تقديم خدمات ، هل تعتقد ان القوات اليابانية تستطيع التجول في المدينة لكي تقوم بالاصلاح ؟ بالتاكيد كلا فهم الان مستهدفون من قبل المقاومة والمقاومة لديها تعليمات بقتل الجنود اليابانيين اينما وجدوا   وهم يعرفون ذلك لهذا يختبئون في معسكرهم ويتجنبون الخروج ، فكيف يقومون بالخدمات ؟

يضاف الى ذلك ان اليابان تعرف ان هناك حرب في العراق وان في هذه الحرب طرف اخر هو الشعب العراقي الذي تمثله المقاومة المسلحة ، ولكي لا يقول احد انها ضعيفة يجب ان اذكرك بان المسؤولين الامريكيين قد اعترفوا بانها مقاومة قوية ومن الصعب القضاء عليها وان امريكا لم تواجه مقاومة شرسة مثلها حتى في فيتنام وبعض من قالوا ذلك جنرالات في الجيش الامريكي مثل انتوني زيني واساتذة جامعيون ومسؤولون سابقون في رسالة وجهها 650 منهم الى الرئيس الامريكي بوش اهم ما قالوه فيها ان امريكا في حفرة ويجب ان لاتزيد الحفر فيها بل ان نخرج منها باسرع وقت ، وهذا يعني ان على اليابان ان تحترم ارادة الشعب العراقي وان تنسحب لانه لا يريدها ابدا . الا يكفي ذلك لقيام اليابان بسحب قواتها لو كانت تحترم ارادة الشعب العراقي ؟ 

سؤال11 : الدستور الياباني يمنع الأعمال القتالية التي يمكن القيام بالحلول محل القوات الأمركية القتالية.

ان حلول القوات اليابانية محل القوات الامريكية يعني ان العمليات  التي يشنها الشعب العراقي ضد قوات الاحتلال واسعة وتشمل كل العراق ، الامر الذي يفرض على امريكا ان تنشر قواتها في كل مكان فيه مقاومة او يتوقع ان تحدث فيه مقاومة ، وهذه الضرورة لا تستطيع امريكا الاستجابة لها ، لانها لا تملك العدد الكافي من القوات لنشرها في كل مناطق العراق ، وهذه حقيقة اعترفت بها الحكومة الامريكية ، فما هو الحل ؟ هل يترك الاحتلال الامريكي مناطق فيها  قتال وتوتر اقل من غيرها  خالية من جنوده وهو وضع يسمح للمقاومة بالتقدم لتحريرها  ؟ ام يرسل اليها قوات ويترك مناطق القتال الرئيسية ؟ الحل كان تسليم المناطق الاقل توترا لقوات بلدان اخرى اقنعت بان الحرب لن تطول وستنتهي بسرعة ويستتب الامن ، وكانت اليابان من بين هذه الدول التي سلمت مناطق التوتر الاقل . هذه الخدمة القائمة على قيام القوات اليابانية بملا فراغ كان يجب ان تملاه القوات الامريكية يسمح للقوات الامريكية بالتخلص من ازمة نقص القوات او على الاقل يخفف منها ولا تصبح سببا للانسحاب من العراق بسبب عدم كفاية القوات ، ويشجعها على مواصلة قتل عشرات العراقيين يوميا واستمرار الاحتلال . واستطيع القول بلا تردد ان حكومتكم تخدعكم بالقول ان العمل انساني لانه عمل عسكري وعدواني حتى لو افترضنا ان القوات اليابانية لا تقوم باعمال قتالية ، ومرة اخرى الشعب العراقي يقول لكم اخرجوا ويحاول العثور على جنودكم لقتلهم ولا تستبعد ابدا ان تسمع في يوم ما ان جنودا يابانيين قد اختطفوا وظهروا في التلفزيون ، وعند ذاك ستواجه حكومتكم مازقا كبيرا .

 

سؤال12 : ولكن وجود القوات اليابانية ليس له معنى فعلي إلا معنى رمزي وهو أنها سمعت أمر بوش بإرسال الجيش الياباني واشتركت في الحرب و لو أن اشتراكها رمزي.

هذا الوجود الرمزي كما تسميه يسمح لبوش ان يقف في الكونغرس الامريكي وفي حملات الانتخابات والمقابلات التلفازية ليقول ان امريكا ليست وحدها بل معها عدد كبير من الدول تمثل الارادة الدولية ومنها اليابان ، وهو في حاجة ماسة لهذا الادعاء كي يستمر دعم الكونغرس والراي العام الامريكي لحرب غير شرعية تقوم على ابادة عشرات العراقيين يوميا وتدمير البلد الذي كان مركز اول حضارة في العالم ظهرت قبل حوالي 8 الاف عام ، كما ان الوجود الرمزي هذا يعني وجود معسكرات للجيش الياباني تقع على ارض عراقية بصورة غير شرعية ويدخل اسم اليابان بقيمته المعنوية وحجمه الدولي كطرف في الاحتلال ، وارجو ان لاتنسى ان القوة لا تقاس بعدد الجنود بل بسمعة وقوة البلد الذي تنتمي اليه ، وحينما يقال ان لليابان قوات في العراق ليس كمثل القول بان هندوراس لديها قوات حتى لو كانت قوات هندوراس  اكبر ، ولذلك يقترن رد الفعل العام على اي حدث ليس على وجود عدد كبير او صغير من القوات بل على حجم وسمعة الدولة التي ينتمي اليها، واليابان بلد مهم دوليا ووجوده ضمن قوى الاحتلال بحد ذاته مؤثر حتى لو كان عدد قواتها قليلا .

 ان من اهم دروس التاريخ الذي يهمل كثيرا هو ان التفكير نيابة عن الاخر كان مصدر وسبب حروب مدمرة فلو انصتنا للاخر وعرفنا رايه الحقيقي لتجنبنا الكثير من الكوارث والحروب، لكن البعض يصر على الغاء الاخر والتصرف وكانه يعرف ما يريد ، فيرد الاخر المقموع والمضطهد بمحاولة اثبات وجوده ورفع صوته كي يسمع فيحصل حوار طرشان تكون نتيجته الكراهية والحروب والشكوك ونزعات الثار . ولهذا اتساءل : لماذا لاتريد اليابان الاستماع الى ممثلي الشعب العراقي الذن نجحوا في تمريغ انف امريكا في الوحل رغم عظمتها ؟ لو كان هؤلاء قلة لتم القضاء عليهم ، لكنهم هم الممثلين الحقيقيين لشعب العراق، وكنا نتمنى ان تصغوا اليهم وتتركوا العراق لاهله ، فهل اصيبت اليابان بلعنة تكرار الاخطاء القاتلة ؟ لقد حققتم انجازات تكنولوجية واقتصادية واجتماعية عظيمة فلماذا تورطون انفسكم في مشاكل من المؤكد انها ستلحق الضرر بما حققتموه ؟

 

سؤال13 : ما هي المجالات التي تساهم الحكومة اليابانية في إطالة أمد الاحتلال؟ وما تقصد ببعض مشاكله المعقدة؟

ان اليابان تساعد هي ودول اخري بحل جزء مهم من ازمة قلة عدد القوات الامرييكية ، فبالاضافة لما قلته اريد تذكيركم بحقيقة ان العدد القليل للقوات اليابانية يصبح كبيرا وغير رمزي اذا جمع مع الاعداد القليلة لقوات دول اخرى مشاركة في الحرب ضد الشعب العراقي ، وثانيا تقدم اليابان دعمها المطلق لاحتلال امريكا غير الشرعي للعراق وبما انها دولة مهمة فان ذلك يشجع دول اخرى على دعم الحرب او على الاقل عدم معارضتها ، وبذلك تساعد اليابان امريكا على حل معضلة الرفض الدولي للغزو ، وثالثا تبعثون برسالة الى عناصر عراقية واجنبية استخدمها الاحتلال داخل العراق لتكريس احتلاله مفادها ابقوا مع امريكا لان الكثير من دول العالم المهمة مثل اليابان تؤيده وبذلك يضطر الشعب العراقي لتقديم المزيد من الضحايا ، ورابعا تساعدون امريكا على احلال تكتل دول يتحدث باسم الشرعية الدولية محل الامم المتحدة وتلك سياسة تشجع الدول والمنظمات والاحزاب على رفض الامم المتحدة واللجوء لتكتل اخر مضاد لتكتل امريكا يلجأ الى ما تسمونه الارهاب وبذلك يحل العنف محل الحوار ويتحول العالم الى ساحة حروب دموية لا بداية لها ولا نهاية ! هل تريدون ذلك ؟ ام انكم تجهلون ما سيترتب على مساهمتكم في غزو العراق ؟

سؤال14 : هل تعتقد ان سياسة اجتثاث حزب البعث التي اتبعها الاحتلال كانت ناجحة ؟

جواب : بالطبع كلا ، والسبب هوان المخابرات الامريكية لم تفهم المجتمع العراقي بشكل صحيح عموما  وعجزت عن معرفة حزب البعث خصوصا ، والذي لم تفهمه امريكا هو الطبيعة الثقافية القومية للعراق ، والتي تقوم على ايمان الشعب  بانه جزء لا يتجزء من الامة العربية ، وهي امة جزءها الاستعار الغربي عقب انهيا ر الامبراطورية العثمانية طبقا لاتفاقية ( سايكس-بيكو ) التي وقعتها فرنسا وبريطانيا في مطلع القرن العشرين ووضعت حدودا زائفة بين الاقطار العربية ادت الى تجزئة الوطن العربي رغم ان كل الاقطار العربية تنتمي الى امة واحدة ومواطنيها كلهم عرب . لذلك كان رد الفعل الطبيعي لدى الشعب العربي هو العمل من اجل الوحدة العربية والتحرر من الاستعمار الغربي . ولتاكيد هذه الحقيقة التاريخية  يجب التذكير بان  العرب  المنتمين لقومية واحدة رفضوا الحكم العثماني رغم انه حكم اقامه شعب مسلم ، والسبب هو ان العثمانيين حاولوا تتريك العرب  اي جعلهم اتراك عبر تذويب هويتهم القومية العربية ، فثاروا عليهم .

اذن الايمان لدى العربي من موريتانيا في المحيط الاطلسي غربا   الى عمان في بحر العرب شرقا بانه ينتمي لقومية واحدة وشعب واحد هو ثقافة متجذرة وليس هدفا سياسيا فقط او ايديولوجيا تريد نخبة فرضها على المجتمع . نعم نشأت حركات سياسية تطالب بالوحدة العربية ، ولكن ذلك لم يكن سوى تعبير عن وجود ثقافة شعبية عامة متجذرة في نفوس العرب عمرها اكثر من اربعة الف عام . وبفضل هذه الحقيقة التاريخية والواقعية نشأت احزاب قومية كان هدفها الاساسي اعادة توحيد العرب في دولة واحدة ، وزالت وظهرت احزاب اخرى قومية ايضا لكنها عبرت عن نفس الثقافة : النضال من اجل الوحدة العربية .

والسبب في اعادة انتاج احزاب وحدوية كلما تلاشى القائم منها هو ان حاجة العرب للوحدة العربية ليست ترفا ايديولوجيا او فورة عاطفية طارئة كما انها ليست نزعة قائد معين بل هي حاجة وجودية لا غنى عنها ، فكل الامم توحدت ما عدا العرب ، وبدون الوحدة لا مستقبل للعرب في عالم شديد الانانية والتوحش ، والاهم من هذا كله هو ان العربي يدرك ان الوطن العربي جزء وقسم تلبية لحاجات دول استعمارية ومخططات الصهيونية وان استمرار ذلك هو الرغبة الاستعمارية في مواصلة نهب العرب ومنعهم من التقدم ولعب دور ينسجم مع قدراتهم . لذلك يتسائل العربي : لماذا توحدت كل الامم الاحدث منا مثل الايطاليين والفرنسيين وغيرهم  وبقينا مجزئين ؟

هذه المقدمة ضرورية لفهم السبب الجوهري لفشل سياسة (اجتثاث البعث ) الحتمي وعدم وجود اي احتمال لنجاحها مهما كانت وسائل القهر شديدة ومهما استخدمت اساليب التشويه وتزويرالحقائق وفق خطة شيطنة البعث  demonizing Baath))، والتي تعني تشويه صورته وجعله كالشيطان . لقد قام الاحتلال بقتل واعدام الاف البعثيين ببنادقه او بنادق العصابات التي شكلها للقيام بذلك ، واعتقل الاف البعثيين ومارس كافة واقسى اشكال التعذيب النفسي والجسدي معهم وبالاخص الاغتصاب الجنسي ، فعل كل ذلك من اجل القضاء على البعث لكنه فشل بصورة تامة ، واصبح البعث اقوى الان مما كان قبل الاحتلال ، واخذ هو يجتث قوات الاحتلال وعملاءه . ان اسبب في هذه الظاهرة هو ان وجود البعث يشكل جزء اساسيا من تكوين الشخصية العربية وثقافتها ، فما دامت الوحدة العربية لم تتحقق فان البعث سيبقى مهما اضطهد او جرت محاولات تشويهه . وبهذا المعنى فان البعث ليس حزبا فقط بل هو قبل هذا ثقافة متجذرة في النفس العربية وضرورة عملية تفرضها متطلبات العصر وما جرى للعراق اكد هذه القناعات فلو كان العرب موحدون لما تجرات امريكا او غيرها على مهاجتهم ابدا .

شبكة البصرة

الثلاثاء 12 رمضان 1425 / 26 تشرين الاول 2004