الفنانون المصريون ويحيى الفخراني.. ومسألة ذبح العراق

شبكة البصرة

الدكتور سهيل حسين الفتلاوي

        مما لا شك فيه أن شعب مصر كله وقف موقف المؤيد والمناصر لقضايا الأمة العربية بصورة عامة وللشعب العراقي بصورة خاصة. فمن شعب مصر ومن قائده الراحل جمال عبد الناصر عرفنا العروبة ومعنى القومية والوحدة العربية. وكان الفنانون المصريون في مقدمة المناصرين لقضايا العراق الذين وقفوا مع العراق وناصروه وفرحوا لفرح شعبه وتألموا لما يقع عليه. ولم ننسى صوت الفنانة الراحلة السيدة أم كلثوم يوم صدع صوتها (بغداد يا طلعت الأسودي) التي كانت تطنب أسماعنا إلى اليوم الذي دخل فيه الأوغاد بغداد فحرقوا الصوت الشادي والكلمات المؤثرة وحولوها إلى رماد.

        وكانت بغداد وعاء لشعب مصر. فعاش ثلاثة ملايين مصري في العراق كانوا في كل زاوية من زواياه. ففي كل دار وشارع ومدرسة وجامعة ومستشفى وملعب أطفال بصمة أصبع مصري تحكي حب المصريين لشعب العراق وحب شعب العراق لشعب مصر. مزجت دماء المصريين بدماء شعب العراق دفاعا عنه. استشهد المئات دفاعا عن حدود العراق.

        وعندما شد شذاذ الآفاق الحصار على شعب العراق وأرادوه أن يموت جوعا هاج شعب الكنانة ورفض ومد يده لشعب العراق. وكان للفنانين المصريين الدور الفاعل لنصرة شعب العراق. ورغم الحصار ورغم الظلم تحدى الفنانون المصريون كل العوائق فكانوا أول من يتحدى الحصار الجوي فدخلوا بغداد كالأبطال منتصرون متحدون رافعي رؤوسهم وكان من بينهم الفنان القدير الأستاذ يحيى الفخراني الذي احبه العراقيون وأحبهم وسعدنا في مسلسلاته الشيقة وشخصيته الفذة. وكانت دموع الحزن واضحة عليه لمأساة ملجأ العامرية. فهو عربي أصيل لا يختلف في مشاعره عن مشاعر كل مصري شريف عندما يرى أهله في العراق يشوون في فرن جهنمي.

        وما يؤلمنا ان نشاهد هذا الفنان الكبير يقحم في مسلسل جميل (عباس الأسود لليوم الأبيض) للمخرج نادر جلال، وفي مشهد أدخل على قضية لا علاقة لها بموضع المسلسل ليعلم للناس انه كان سجينا في العراق وان الأمريكان حرروه من السجن ... ولكنه تألم أكثر عندما رفع العلم الأمريكي.. وكان هذا المشهد هو الغاية من المسلسل.

        هذا المشهد لم يكتبه الفنان القدير يحيى الفخراني بل انه كتب ليكون مقبولا لدى الممول الخليجي.. ونحن ندرك هذا فالمسألة مسألة رزق..وهذا الشعار أصبح سائدا.. لماذا تقتل أبن العراق.. يقول لك مسألة رزق..وعندما شاهد العراقيون هذا المشهد قالوا.. ان المشهد كاذب..فالكل يعرف لا يوجد سجناء في العراق فقد تم أطلاق سراحهم قبل ان يدخل الأمريكان لئلا يستعملوهم في التدمير.. فمن أين جاءوا بهذا المشهد..واين الفخراني كان سجينا..بعد ان قفل سجن أبو غريب..وأغلقت أبوابه.. واعتقد ان الفخراني يعرف ذلك... أما تألم الفخراني لرفع العلم الأمريكي فنقول ان الذي شاهدته يرفع العلم الأمريكي هو الممول لهذا المسلسل..فلا تعجب من ذلك ياسيدي.

        والفخراني في هذا المشهد أراد ان يعبر رسالة.. ولنتكلم عنها بصراحة.. أراد ان يقول ان النظام الدكتاتوري وعبادة القائد هو الذي قادنا لهذه المأساة.. ونقول هل يوجد حاكم عربي واحد ليس دكتاتورا.. وهل توجد دولة مجاور للأمة العربية لم يكن حاكمها دكتاتورا. إذن لماذا العراق يجب ان يكون ديمقراطيا بينما كل الحكام العرب غيروا قبلة صلاتهم من بيت الله الحرام للبيت الأبيض.. فلم يتطرق حولهم الكلام والشك بل انهم رعاة الأمة وحماتها..لماذا العراق المحاصر المظلوم المحارب يجب ان يكون ديمقراطيا بينما في كل أرجاء الأمة العربية التخلف والظلم وفي كل محلة سجنا ومعذبون وفي يد كل شرطي سوطا وسيف..

        لا جدال في أن الديمقراطية هي أفضل وسيلة للحكم.. ولا جدال أن الحرية أمنية كل إنسان.. ولكن الديمقراطية مسؤولية ومحبة وتسامح وثقافة وحضارة وقبول الرأي الآخر .. وكل هذا غير متوفر فينا.. وشهدنا الديمقراطية والحرية الجاهزة من الغرب جاءت على ظهر دبابة.. فكانت النتائج قتل الوليد.. وشرد الأب واغتصبت الأخت ومات الشباب في أحلامهم.. وقتل العريس والعروس ليلة زفافهم.. وقتل الرضيع في حضن أمه وقطعت أوصاله من أجل ان تعترف أمه اين زوجها يختبأ.. وقتل الابن أمام أبيه ليقول ويعترف..وهتك الأعراض وخلعت الأستار عن الرجال والنساء.. وهدمت الدور على ساكنيها... ودمرت المساجد على المصلين.. وضرب ضريح علي والحسين والعباس عليهم السلام..وانتهك قبر النعمان أبو حنيفة.. وتحولت الملاعب في الفلوجة إلى مقابر .. وتحولت المقابر في النجف إلى ملاعب..فلم يسلم الموتي من شذاذ الافاق .. واستشهد الشهيد أكثر من مرة .. ففي كل يوم يقتل في قبره وتكسر عظامه التي لم تكسر..واغتيل العالم والأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس على المشهد والمسمع.

        نعم يا سيدي الفخراني أن رسالتك تقول وتبرر للأمريكان... نعم اقتلوا شعب العراق لأنه لم يكن شعبا ديمقراطيا..أقتلوه لأنه لم ينعم بالحرية..أقتلوه لأن الممول يريد ذلك..

        ومن حقنا أن نفتخر ويفتخر شعب الكنانة ومعنا الفخراني.. ان شعب العراق الشعب الوحيد في العالم الذي يعرف معنى الحرية.. فهو الشعب الوحيد الذي حمل السلاح ضد الأمريكان.. نعم فيتنام ولكن كم الذين كانوا أنصار فيتنام وأين أنصار العراق اليوم.. تخلى عنا الأخ والشقيق والصديق.. بل جاء معهم وفي يده خنجر.. فهذه الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة تغرس في أجسادنا.. دخلوا أرضنا يوم دخل عباس الأسمر البيت الأبيض..فنسى اسمه وصار عباس الأبيض..ليشد على يد الجلاد وهو يذبح شعبا كاملا .. فلا يوم أسود من هذا الأسود..يوم ان غرس العربي خنجره في ظهر العربي ليقتل العراق وفلسطين من الوريد للوريد .. والبقية تنتظر دورها على مذبح الرب في أورشليم!. فلا تفرحوا فأن دوركم سيأتي. فلم يقنعهم دوركم وتزلفكم.. فهم يريدون ما لا تعرفون..

        نريد من الفنانين المصريين والفخراني أن يأخذوا دورهم .. ويتغنوا بنضال شعب العراق كما فعلوا سابقا.. نريد من الفنانين المصريين أن يشيدوا بانتصار شعب العراق على أقوى قوة في العالم.. نريد من الفنانين المصريين ان يفرحوا بأنفسهم لان أشقائهم رفعوا رؤوسهم عالية..وستتحررون من الممول.. ويقولون تبا للأقلام المأجورة التي باعت الوطن والوطنية.. وعند ذلك يكون شعبكم العربي كله الممول لكم..

نريد من الفنانين المصريين والفخراني ان يكون العراق في عيونهم كما هم في عيون العراقيين.. لا نريد عباس الأبيض ..فلا نعرف هذا .. وعرفناه يوم جاء على دبابة فدخل بغداد فقتل وغصب وانتهك.. صحيح انه دخل سجن أبي غريب ولكنه ليس سجينا بل سجانا.. عذب وقتل وأغتصب.. ولا يزال عباس الأبيض يتجول في بغداد ويعاني من القتل والتدمير .. يلاحقه عباس الأسمر الشهم البطل ..ولا نتمنى ان يسافر عباس الأبيض إلى مصر.. لا سامح الله..

نريد عباس الأسمر..وان يبقى عباس الأسمر أسمرا ..وسيكون أسودا عندما يدخل البيت الأبيض.. ففي هذا البيت تسود الوجوه.. ولم تبيض.. ولا تبيض وجوهنا إلا عندما نقترب من الحجر الأسود.. عندما نقترب إلى الله ولأمتنا العربية الإسلامية.

تحية محبة لكل شعب مصر ولكل الفنانين ولك يافخراني الأسمر.

شبكة البصرة

الاربعاء 6 رمضان 1425 / 20 تشرين الاول 2004