الحرب النفسية والانقلابات الاستراتيجية الأميركية

شبكة البصرة

د. محمد احمد النابلسي / اللواء  في 13 و14 آب 2003

تعتمد الولايات المتحدة على السيكولوجيا في سياساتها وتوظفها لخدمتها بشكل غير مسبوق. فالمخابرات الأميركية تعتمد عليها في انتقاء عملائها وتجنيد جواسيسها وتحليل معلوماتها وإعداد تقاريرها و إستشاراتها المسؤولين الأميركيين. ويزداد الإعتماد الأميركي على السيكولوجيا في الحالات المأزمية مثل التحولات الإستراتيجية الهامة ومثل الحروب. حيث تصبح للحرب النفسية وظيفة صراعية منافسة للحرب العسكرية. لذلك فإن التعرف على التحولات الإستراتيجية العميقة لإدارة بوش يصبح ضرورياً لفهم سيكولوجية السياسة الأميركية الراهنة.

كما لفهم ظواهر الحرب النفسية الأميركية في صراع الإدارة الراهنة العالمي. التي تمكنت من إستعداء العالم بمن فيهم الأصدقاء المزمنين للولايات المتحدة. وهذا يستدعي رصد الإنقلابات الاستراتيجية لإدارة بوش وتحليلها مع ربطها بتصور شمولي جامع يوضح صورة الهياج العسكري الأميركي الراهن ويكشف عن دوافعه وخلفياته. يدخل في ذلك التحليل النفسي لشخصية بوش وأعضاء فريقه وبخاصة البارزين من بينهم.

قراءة إسترجاعية لسلوك إدارة ووكر بوش

      كانت إنتقادات الجمهوريين لكلينتون و إتهامهم له بالتسبب في فوضى استراتيجية كافيين كي يتوقع المتابعون عزم الجمهوريين على إحداث تغييرات عديدة في التوجهات العامة للسياسة الأميركية. بل أن المراقب لمح معالم هذه التغييرات. إذ قدم الجمهوريون مشروعهم للخفض الضريبي أيام كلينتون. ثم سحبوه رغم تمتعهم بالأكثرية خشية أن يضع كلينتون الفيتو عليه. كما بدا توجه الجمهوريين نحو زيادة الإنفاق العسكري واضحاً حتى بانت علائم رغبتهم بإكمال حرب النجوم التي بدأها ريغان. لكن العلامة الأوضح كانت في إنتقادهم لمرونة كلينتون ووصفها بالميوعة التي تشجع الآخرين كي يتطاولوا على أميركا!؟. أضف الى ذلك التوجهات الجمهورية التقليدية ومن مظاهرها: 1- إعطاء دور أكبر للمخابرات ودعمهم لها. و2- العمل على الإستغناء عن موارد إقتصادية خارجية إضافية تلافياً لتقديم أية تنازلات. و3- العمل على التحرر من قيود الشراكة وتحويلها الى تفرد أميركي مقابل إغراءات متنوعة. و4- الميل للمحافظة السياسية و الإجتماعية بما فيها موقف أقل مرونة من الأقليات. و إزدادت توقعات التطرف اليميني لبوش مع إتضاح الجهات الممولة لحملته الإنتخابية إذ كانت تضم شركات السلاح والطاقة (وهي على أي حال ممولة حملة والده). وتحولت التوقعات الى التأكيد مع إعلان ووكر بوش عن إعجابه بريغان. والذي تكرس باختياره لفريق المحافظين الجدد الذين ترعرعوا أيام ريغان (الذين ركبوا موجة 11 أيلول ليحدثوا انقلابات استراتيجية اميركية حقيقية تقتضي تحليلاً دقيقاً ومتعمقاً لفهم المنطلقات الاستراتيجية الأميركية الجديدة. ذلك أن القياس على المنطلقات السابقة يفضي الى أخطاء أساسية في فهم السياسة الأميركية الراهنة. خاصة بعد دخولها في مرحلة فقدان التوجه بسبب المفاجآت المتتالية).

من جهته لم يخيب بوش أياً من هذه التوقعات. فما أن دخل الى البيت الأبيض حتى بدأ يعلن عن مشروع متطرف بل ربما في غاية التطرف. حتى ان البعض يذهب للقول بأن المعارضة العالمية المتفاوتة الحدة لإدارة بوش لم تكن سوى ردود فعل على جملة إستفزازات بدأها مع تسلمه للرئاسة. ولعله من المفيد أن نذكر ببعضها ونبدأ ب:

-    الإعلان عن الرغبة في تكريس التحكم الاميركي العسكري عبر إكمال مشروع ريغان لحرب النجوم عبر ما اسماه بوش ب: "الدرع الصاروخي". مما يشكل مخالفة لامبالية وصريحة للالتزامات والمعاهدات الأميركية الموقعة مع روسيا والاتحاد الأوروبي.

-    الإنسحاب من التزامات إدارة كلينتون في المناطق الساخنة والشرق الأوسط خصوصاً. حيث أعلنت الإدارة على لسان باول /نهاية شباط 2001 عن عدم رغبتها بمناقشة موضوع الانتفاضة مقابل تأكيدها النية على حل المسألة العراقية بصورة حاسمة تخدم الإرادة الأميركية.

-    الإصرار على سياسة الكاوبوي بإعلان النية لتصفية الأزمات المزمنة بالقوة العسكرية. وتبيان إستعداد الإدارة الجديدة على استخدام القوة وعدم الاكتفاء بالتلويح بها كما الإدارات السابقة.

-    تكثيف الحضور العسكري و المخابراتي الأميركي في مناطق المصالح الأميركية. بما ترجم بزيادة طلعات الطائرات التجسسية فوق الصين فولد ما عرف بأزمة الطائرة الصينية. مع تكثيف تحركات الأسطول الاميركي في الشرق الأقصى فكانت أزمة سفينة الصيد اليابانية. حتى بدا واضحاً أن بوش يريد إستعادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة بعد أن قلصه كلينتون.

-    إكمال المشاريع الجمهورية التي عارضها كلينتون وأهمها: قانون الخفض الضريبي. والوقاية من الخطر الديموغرافي للمهاجرين الملونين (فكانت حوادث سينسيناتي في 1 /4 /2001). وزيادة الإنفاق العسكري. و تفعيل دور المخابرات الأميركية ورفع القيود عنها مع إعادتها الى الواجهة الدبلوماسية (تعيين سفراء من المخابرات وتوكيل تينيت بالوساطة في الانتفاضة).

-    رفض توقيع الإتفاقيات العولمية من كيوتو للبيئة ولغاية المحكمة الجنائية الدولية و بينهما ثلاثون إتفاقاً غير موقعة أيضاً. لقد بدأت الإدارة الجديدة إعلان كونها فوق القوانين الدولية و العولمية. وهو إعلان أجابت عليه الدول المؤثرة بعدم إعادة انتخاب الولايات المتحدة في اللجنة العالمية لحقوق الإنسان. وكان جواباً خجولاً لكنه شكل رسالة واضحة أهملها بوش.

        وسط هذا الإصرار الأميركي على التخلي عن سياسة الطلب والحصول على ما تريده بالقوة وقعت حوادث 11 أيلول. ولم تتردد الإدارة بإتهام القاعدة بهذه الحوادث بسبب جملة عوامل حيوية لمتابعة توجهات الإدارة. وأهم هذه العوامل: 1- أن ضربة أفغانستان كانت وشيكة وتهديد بن لادن بضرب الداخل الاميركي إذا ما تعرضت قاعدته للتهديد يعود الى العام 1998. 2- أن الجمهور الأميركي يتهم الشرق أوسطيين بكل الحوادث الشبيهة. وهو يقبل اتهامهم بسهولة تزيل هلع تورط جهات أكثر خطورة في هذه الحوادث. 3- أن شل القاعدة ضروري لوقاية الولايات المتحدة من مفاجآتها خلال الحروب الأميركية المقررة مسبقاً. و4- إحراج أصدقاء أميركا العرب ودفعهم نحو تسهيل حسم الملف العراقي. و5- وجود سوابق شبيهة أهمها تفجير المركز التجاري الدولي و6- ضرورة تحديد عدو يستجلب نقمة الجمهور الأميركي ويجعل عدوانيته قابلة للتقنين والتوجيه تحت السيطرة الرسمية. و7- إدراك المسؤولين الأميركيين لمستوى التنظيم والتخطيط لهذه الحوادث بما يقطع الآمال بالحصول على أدلة قاطعة حول الفاعل الحقيقي لهذه الحوادث.

مهما يكن فإن هذه الحوادث قدمت خدمة جليلة لمشاريع المحافظين الجدد ومموليهم من الصقور الأميركيين. حتى ساد الإعتقاد بتورطهم في هذه الحوادث بسبب المكاسب التي حققوها من خلالها. وهو إعتقاد غالباً ما يرتكز الى تضارب المعلومات الرسمية الصادرة عقب الحوادث مباشرة. لكن هذا لا يعني أن هذه الحوادث لم تتسبب بأذيات كارثية على الصعيد الأميركي العام. ومن مظاهر الأذى المتفاقمة نذكر:

-    فقدان الشعور بالحصانة الداخلية الأميركية. وهو المتسبب بهلع الجمهور وبخوف المستثمرين المحليين والأجانب. وهو خوف إنعكس بتنامي المشاعر الأميركية المتطرفة والعنصرية. كما انعكس بأزمة في البورصات الأميركية لا تزال ضاغطة حتى اليوم.

-    إضطرار الإدارة الأميركية لرفع الغطاء عن الشركات الكبرى المتعثرة وتركها تواجه قدرها (تم لاحقاً إنقاذ الشركات التابعة لصقور الإدارة عبر صفقات مشبوهة في العراق وغيره).

-    إفتقاد الإدارة الأميركية لحكمة المعتدلين من أعضائها تحت ضغط هذه الحوادث التي فتحت أبواب التطرف أمام الصقور. فكانت جملة قرارات استراتيجية متهورة ومغتصبة لإرادة المعتدلين.

-    فتح ملف أسود جديد هو ملف التحقيق في حوادث 11 أيلول. الذي تغلقه إدارة بوش بإحكام لأن قذارته كفيلة بالإطاحة ببوش وتفجير سلسلة فضائحه.

 

الإنقلابات الإستراتيجية الأميركية

       لعل أهم الإنقلابات الاستراتيجية لإدارة بوش هو خروجها التام على مبدأ الإحتواء و إستبداله بمبدأ إستخدام القوة العسكرية بالصورة المباشرة. وهو ما بينته الحرب العراقية المتناقضة تماماً مع السلوك الإستراتيجي العسكري لكل الإدارات السابقة. فقد تخلت هذه الحرب عن معظم الثوابت الاستراتيجية الأميركية في الحروب. ومن هذه الثوابت المتخطاة نذكر التالية:

-        إعلان الحرب بدون الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي.

-        إعلان الحرب بالرغم من معارضة الحلف الأطلسي.

-        التخلي عن مبدأ إشراك الأصدقاء وتوريطهم في الحرب.

-        عدم خوض حربين متزامنتين ( الحرب الأفغانية غير منتهية إضافة الى الأزمة الكورية المهددة والمحرجة).

-        إغتصاب موافقة الكونغرس بصورة مساومة على الأمن القومي.

-        إستخدام أسلحة محرمة دولياً وأخرى جديدة ( الحرب القذرة).

-        إحراج أصدقاء أميركا وتهديدهم ( السعودية وتركيا وفرنسا وألمانيا...).

-        قبول أصدقاء جدد من الدول المارقة السابقة ( باكستان مثالاً).

-        الدخول في حرب مفتوحة وغير محددة زمنياً ( تبدو قابلة للتحول الى حرب عصابات جديدة تحيي الكابوس الفيتنامي).

-        الإضطرار لتقديم ضحايا بشرية أميركية (بعد إحتلال العراق).

-        الصدام الحضاري الذي طالما تجنبته الإدارات السابقة.

هذه النقطة الأخيرة تشكل برأينا نقطة الضعف الأهم في الوضع الأميركي داخل العراق. حيث الجهل الأميركي بجهاز القيم العراقي مثاراً لتصعيد المقاومة العراقية. وهنا نذكر حكاية كانت مسؤولة الأمم المتحدة لبرامج التنمية ترويها لكل موظفيها الجدد. وتقول الحكاية: "كان هناك قرد شجاع وذو حمية. ورأى سمكة تسبح بعكس التيار فأثارت شفقته ودبت فيه الحمية. فما كان منه إلا أن تعلق بغصن شجرة و إحتال كي يطال الماء ويخرج السمكة من الماء وهو يظن أنه ينقذها!.

وحول العبر ممكنة الإستنتاج من هذه الحكاية تقول المسؤولة: " إن الحماس والنية الحسنة والرغبة الصادقة كلها لا تكفي إذا نحن لم نأخذ في الحسبان البيئة الملائمة والمناسبة للتنمية. وهذا يعني أنه ليس بمقدورنا تعميم الحلول. فهذه قد تنجح في مجتمع وتفشل في آخر. فالحل الذب بلائم القرد لا يلائم السمكة. وما يعتبره القرد بطولة هو في الواقع جريمة بحق السمكة".

المؤسف أن نفوذ هذه المسؤولة وأمثالها محدود بحيث يعجز عن وقاية الدول النامية والفقيرة والمتعرضة للإفقار من تصرفات القرود. حيث حق المرأة في ممارسة أمومتها وتأمين فرصة الزواج لها ومن ثم في علاج طفلها وتغذيته وتلقيحه تتقدم على المطالبة بحقها في الانتخاب والترشيح مثلاً. وحيث حق الإنسان في العيش على أرضه وفي صون كرامته وحماية عائلته وتأمين حياتها ومستقبلها تتقدم على حقه في إصدار مطبوعة سياسية. وحيث حق الموت وفق المعتقد يتقدم على حق الحياة وفق النمط الأميركي...الخ من الحقوق التي تسوق لها الأمركة مهملة الحاجات الإنسانية الأساسية على طريقة الملكة ماري أنطوانيت التي نصحت الفقراء بأكل البسكويت إذا لم يكن لديهم خبزاً. وحسبنا التأكيد على تطابق نصائح ووعود الأمركة مع نصائح ماري أنطوانيت!. وذلك بشهادة نادي الدول المتضررة من العولمة وفي طليعتها النمور الآسيوية.

حكاية القرد والسمكة واجبة التعميم على الجهات التي تحاكم الشخصية العربية إنطلاقاً من معاييرها الخاصة. وعلى تلك العقول الأسيرة التي تتجاهل الخصوصيات العربية فتنقل النظريات والحلول دون إدراك خلفياتها وغاياتها. ويصل الأسر بهذه العقول لغاية قبول طرح مواضيع إختصاصية ذات أهداف مخابراتية بحتة. وبعضهم يقبل هذه المواضيع مع التسليم بنتائج موضوعة مسبقاً لها. فهذه العقول الأسيرة لا تدرك كنه حكاية القرد والسمكة. حيث تحتاج السمكة الى تحسين مواصفات المياه التي تعيش فيها (كي تصبح أكثر تلاؤماً مع طبيعتها) وليس لإخراجها من الماء!؟.

بناء على ما تقدم يصبح واجب الأكاديميين والمثقفين العرب البحث في مواصفات المياه الملائمة للسمكة. ولا ضير في اختلافهم حول هذه المواصفات. شرط ألا يتحول خلافهم الى المكان الذي نضع فيه السمكة بعد إخراجها من الماء!؟. أقله أن يحترم الجميع رغبة السمكة في العودة الى الماء وأن يدركوا أن هذه الرغبة هي حقها في الحياة. فعودة السمكة الى الماء هي علامة حياة (لأنها تموت خارجه) وليست دليلاً على الجنون والرغبة في الإنتحار. فهل تملك القرود الرقي الكافي لإحترام هذه الرغبة والتعامل معها ؟.

ولو نحن أردنا تلخيص الحرب النفسية الأميركية بصورتها التالية لحوادث 11 أيلول لقلنا أنها تسعى لتوظيف العقول العربية الأسيرة لخدمة مشروعها في إخراج السمكات العربيات من مياهها عن سابق تصميم على حرمان السمكة من حقوقها في هذه الحياة. وما النموذج العراقي إلا إشارة على رغبة القرد الأميركي المختلف عن بقية القرود بوعيه للأذى اللاحق بالسمكة إن هي أخرجت من الماء. فالقرد الأميركي يريد إغتيال السمكة وهو يكاد يعلن موتها مسبقاً.

الطب النفسي والحرب النفسية

       تدخل الحرب النفسية في إطار الطب النفسي العسكري الذي يسخر كل تقنيات الاختصاص  للخدمة العسكرية سواء في زمن الحرب او السلم. حيث تتوزع مسؤوليات الاختصاص وتتنوع باختلاف الحاجات. وتشكل ظروف الحرب ميداناً مميزاً للإختصاص إذ تتحول مسؤوليته الى الإشراف على الحرب النفسية. التي تتمحور حول وقاية الداخل من الإرباك وتحصينه في وجه التجسس. كما المساعدة في عمليات التجسس المضاد وعمليات إرباك الخصم. وهي تتضمن كل وجوه النشاط الإنساني و المعلوماتي. ومنها الشائعات و الأنباء و الإعلام وتصنيع المعلومات وإعادة تصنيعها. وبالعودة الى حرب العراق يمكن الحديث عن تطويرات كبيرة في مجال الحرب النفسية. حيث عمدت المختبرات الإعلامية الأميركية والعراقية الى مراجعة وتنقيح وتطوير أدوات الحرب النفسية المستخدمة في حرب العراق الأولى ( 1991 ). حيث كان الترويع والتخويف أحد أهم الإضافات الى تلك الحرب. وهي ما يسميه المسئولون الأميركيون بمصطلح " الصدمة والترويع". في إعتراف ضمني بقذارة هذه الحرب على المدنيين وعدم مراعاتها لقدرتهم الإنسانية على الإحتمال. وهذا التجاوز المعلن لمبدأ الحرب النظيفة (تتجنب إيذاء المدنيين وتعريضهم لضغوط التهديد العسكري بطرق غير تقليدية وبأسلحة جديدة وأخرى محرمة دولياً) ينبيء بإستعداد الولايات المتحدة لتكرار هذه القذارة وهذه المخالفات لقوانين حمايية المدنيين في حروبها المقبلة.

      هذا وينظر الإختصاص الى  أحداث الحرب ومخاطرها على أنها تهديدات مباشرة للحياة. وهي بالتالي صدمات نفسية تحتاج للعلاج. وهنا يجب التفريق بين صدمات المقاتلين والمدنيين. حيث يهدف علاج المقاتلين الى إعادة تأهيلهم لإعادتهم الى الجبهات. في حين يهدف علاج المدنيين الى معالجة القلق المرافق للصدمة وإعادة الإطمئنان للمصدوم. مع الإشارة الى أن الحروب القذرة لا تفرق بين المدنيين والعسكريين بحيث تكون تهديداتها متساوية للفئتين بما يناقض اتفاقيات جينيف.

الحرب النفسية في العراق نموذجاً

 يستمد تحليل الحرب النفسية العراقية أهميته من جملة وقائع أهمها التالية:

-        أنها مرشحة لأن تكون نموذجاً للحروب الأميركية القادمة.

-        أنها أحدث الحروب وأكثرها خروجاً على مألوفات وقواعد الحروب الحديثة.

-        أنها أولى الحروب المعلوماتية / الافتراضية.

-        أنها عكست فوضى غياب العدو الأميركي و إستبداله بشخص فرد.

-        أنها كانت مناسبة لإعلان مبدأ بوش/ وولفويتز حول الحرب الإستباقية.

-        أنها وعدت بسلسلة من الحروب الأميركية القادمة.

-        أنها استخدمت أسلحة وتقنيات غير معروفة سابقاً.

-        أنها تميزت بأثمان استراتيجية باهظة لدرجة العجب وطرح الأسئلة.

-        أنها قامت بدون موافقة الأمم المتحدة أو حلف الأطلسي وهي إغتصبت الكونغرس.

-        أنها إتصبت حلفاءها وفي مقدمتهم بريطانيا.

-        أنها راكمت أعداء جدد وتحدت أصدقاء وحلفاء.

-        أنها لقيت معارضة عارمة من قبل الرأي العام العالمي بإعتبارها خطوة نحو الأمركة.

-        أنها لا تزال تخفي أعداد ضحاياها وحجم تدميرها بما يؤكد جسامتها.

-        أنها تحولت الى إحتلال يسجل نكوصاً الى مرحلة تاريخية تجاوزها الزمن.

-        أنها بالغت في إعادة تصنيع المعلومات وتحويرها للصالح الأميركي.

-        أنها وظفت التفوق المعلوماتي لكسب الحرب.

-        أنها حاولت إعادة الإعتبار للمخابرات ودورها بعد الفشل الكارثي في 11 أيلول.

-        أنها أسست لمنهج جديد للحرب النفسية. وهي النقطة التي سنركز عليها في هذه الورقة.

البداية النفسية للحرب العراقية

في عودة الى بداية الهجوم العسكري الأميركي صبيحة 20 / 3 / 2003 لوجدنا أنها بدأت بداية نفسية خالصة. إذ إرتبطت بمعلومة مخابراتية كاذبة حول مكان تواجد القيادة العراقية. فكان إعلان الحرب مرتبطاً بمحاولة قطع الرأس (اغتيال الرئيس العراقي). وهي معلومة بررت الإستعجال الأميركي للحرب بالرغم من تردد الحلفاء ومحاولاتهم لتأجيلها. ولقد نفت المخابرات البريطانية هذه المعلومة نفياً قاطعاً ( يعتقد أنه يبرر موقف الإذاعة البريطانية من الحرب العراقية). وبغض النظر عن حقيقة هذه المعلومة ودقتها فقد نجحت المخابرات في توظيفها نجاحاً باهراً. إذ حقق هذا التوظيف خدمات هامة ممهدة للحرب و داعمة للتعجل فيها. ومن هذه الخدمات:

-        التظاهر الأميركي بمحاولة تجنب الحرب عن طريق قطع الرأس.

-    إعلان تركيز العداء الاميركي على الرأس وليس على أية أهداف أخرى. وفي ذلك كسب أميركي لقطاعات واسعة من الشعب العراقي وطمأنة الشعب العراقي ككل.

-    قطع الطريق على تردد بريطانيا وبقية الحلفاء (نذكر هنا بمحاولات التملص البريطانية من هذه الحرب. ومنها مشروع النقاط الست ومن ثم الدعوة لتأجيل الحرب لغاية الخريف).

-    إطلاق شائعة موت الرئيس العراقي والإصرار عليها لعدة أيام. وهدفها إرباك العدو وتشجيع الفوضى الداخلية. كما امتحنت هذه الشائعة ردة فعل القيادة العراقية لدحض الشائعة ( ظهر صدام على التلفزيون).

-    التمهيد لمعاودة إطلاق شائعة قطع الرأس قبل الهجوم على بغداد. لكنهم هذه المرة حرموا صدام من فرصة الظهور التلفزيوني (تدمير التلفزيون العراقي وحصار مكاتب الفضائيات العربية في بغداد).

-        تشجيع المتمردين العراقيين على التحرك. أو أقله الإستعداد للتحرك.

-        إظهار قدرة المخابرات الأميركية وملكيتها لمصادر معلومات شديدة القرب من القيادة العراقية ( بداية نشر شائعات الخيانة المألوفة في كل الحروب).

-        الإيحاء بأن الخطة الأميركية للحرب هي غير تقليدية. وهي تنطوي على مفاجآت يمكنها أن تحسم الحرب بصور غير منتظرة.

-        تشجيع ظهور بوش بمظهر راعي البقر الأميركي ( الكاوبوي ) أمام الجمهور الأميركي. فقد بدأت الحرب مع إنتهاء مهلة التهديد.

-    تعويم المخابرات الأميركية و إستعادة ثقة الاميركيين فيها مع بداية هذه الحرب. وهذا التعويم يخدم هدف إغلاق ملف التحقيق في حوادث أيلول (يصر بعض الديمقراطيين على أن حرب العراق كانت في جزء منها تهرباً جمهورياً من المسؤولية في حوادث أيلول).

-        طمأنة مؤيدي الحرب بإيحاء القدرة الأميركية على حسمها بصورة غير منتظرة. وبأن هذه الحرب لن تطول.

-    تفشيل خطط الحرب النفسية العراقية. حيث ركز العراقيون على " معركة بغداد " في محاولة لتسخيف بداية الحرب ومراحلها الأولى. وشائعة قطع الرأس جعلت الكل يتساءل: " هل ستكون هنالك معركة ما في بغداد؟ ".

-        إعطاء بعضاً من عنصر المفاجأة لحرب معلنة سلفاً عبر مهلة التهديد.

-        تكريس التفوق والعظمة الأميركيين في ذهن المواطن الاميركي. حيث يملك بوش إمكانية التفكير بقطع رأس المارقين مع إستحالة العكس.

-        إظهار إبتكارات وخطط وفنون حربية أميركية جديدة للحرب النظيفة.

-        حشد المعارضين العراقيين الذين قاطعوا مؤتمر لندن ودفعهم للإستعجال في ركوب القطار الأميركي.

-        إجبار المقاتلين العرب على التريث قبل الذهاب الى العراق. ودفع المتواجدين منهم للهرب من العراق.

-        تحذير الدول المعارضة للحرب من إحتمال نهاية درامية سريعة لها.

-        تشجيع معارضة الخارج على العودة للعراق لتكون سباقة لجني حصتها من النصر الأميركي المنتظر.

-        دفع الأكراد للإسراع في ملء الفراغ التكتيكي المتخلف عن الخطة العسكرية العراقية في الشمال العراقي.

-        إرباك الجهات التي تقدم الدعم للعراق ودفعها للتريث في دعمها له.

-    تمهيد الطريق أمام شائعات الخيانة العراقية. أعلن رامسفيلد لاحقاً عن وجود خيانات داخل الصف العراقي. لغاية التصريح بمفاوضات أميركية مع ضباط كبار.

-        نشر حالة الصدمة بين المدنيين العراقيين عبر الإيحاء بنهاية الحرب قبل بدئها.

-        رفع معنويات الجنود الأميركيين والحلفاء.

-    الإحتياط لإدانة بوش لشنه حرباً بهذا الحجم للقضاء على شخص كان يمكن الخلاص منه بدون إيقاع أعداد هائلة من الضحايا المدنيين وبدون شن حرب أصلاً. حيث وظفت هذه لبيان محاولة أميركا تجنب الحرب بإغتيال صدام.

-        التأثير على معنويات القيادة العراقية وإثارة هواجس الشك عندها.

-        إستيعاب المعارضة الأميركية الداخلية للحرب عبر التلميح الى الطابع المخابراتي للحرب وبالتالي الإحتياط لوقوع خسائر بشرية أميركية.

-        تكذيب وإبطال المعلومات المخابراتية الروسية التي تمكنت من كشف خطة الهجوم الأساسية المتفق عليها مع بريطانيا.

      وهكذا بدأت الحرب الأميركية على العراق بداية نفسية تجسدت بشائعة إغتيال القيادة العراقية. وهي حققت مجموعة الأهداف المشار لها أعلاه منذ الساعات الأولى للحرب.

شائعات الحرب العراقية

        قلنا أن الحرب بدأت بشائعة مقتل صدام حسين. وهي شائعة استمرت لبضعة أيام تمكن الإعلام الأميركي خلالها من ا