نواقض التعايش بين مختلفين

شبكة البصرة

صلاح المختار

          في فيلم امريكي بطله جون فوت شاهدته فجر 30/10/2004م  يدور حول هروب سجينين وركوبهما قطار تعطلت فرامله، ينشب جدل بين البطل وعاملة في القطار، تلاحظ قسوته الشديدة على رفيقه في الهروب، فتصرخ في وجهه باكية ومستنكرة : انت قاس مثل الحيوان ! فيرد عليها بغضب هو الآخر مستنكراً : كلا أنا لست حيواناً أنا أسوأ، أنا بشر. وهذا الجدل نقلني الى ظاهرة كتب على البشر جميعاً أن يعانوا منها بصيغة وضع كل منهم في (قائمة انتظار الموت) الحتمي ، لأن المخلوق الذي أطلق عليه اسم (امريكي) لا يتفاهم ولا يفهم إلاّ بلغته ومصلحته ورغبته حتى لو كان الامريكي الآخر، او غير الامريكي ، لا يفهم تلك اللغة والمصلحة والرغبة ، فيضعه في قائمة (انتظار الموت) التي أعدها كي يحقق حلمه القديم : نشر القيم الامريكية في العالم!

كارثة تكرار الأخطاء

         ان من يدرس التاريخ الاجتماعي أو السياسي للبشر يلاحظ ، بذهول مقلق، ان احد اهم اسباب الكوارث الانسانية التي وقعت وتقع، وهي الحروب والعداوات، هو غياب الاستعداد لاستيعاب رأي الآخر واحترامه عبر الاعتراف به وجعله قاعدة للوصول الى تفاهم مشترك. فالتاريخ يخبرنا ويعلمنا، (ومع ذلك فإن الامريكي بشكل خاص والاوروبي بشكل عام، لا يتعلم) ، ان آلية تفكير هذين المخلوقين تقوم على اقفال دماغهما وتفكيرهما العقلي على منطق احادي الجانب يتقبل ويسوغ ما يريد دون ان يحاول معرفة ما يريده الآخر وما يضره ويزعجه. فما دام الآخر ضعيفاً، او أضعف منه، فلا احترام له ولا لمصالحه ورأيه، ومن ثم لا ضرورة للاصغاء إليه ولمظالمه واحتجاجاته، وإن أراد إسماع رأيه بصوت عال قمع ومنع دون رحمة! وتزداد غرابة هذا الاقصاء التام للآخر حينما نجد هذين المخلوقين (الامريكي والاوروبي) ، القابضين على آلة السلطة المدمرة ، لا يكتفيان باقصاء الآخر، بل يسعيان لشيطنته (Demonize him) عن طريق اخفاء دفاعه الحقيقي عن نفسه، واتهامه بأنه (يغار) من تقدمهما ورفاهيتهما لذلك يريد تخريب مجتمعاتهما عبر (الارهاب)! ولكي نتجاوز الكلام النظري دعونا نتناول أمثلة واقعية.

تكميم فم الآخر

           حينما وقعت هجمات 11/9/2001م على نيويورك وواشنطن وتفجرت ظواهر العنف والوحشية طغت محاججة غريبة في امريكا تقول بتساؤل متساذج، أي يدعي السذاجة:  لماذا يكرهنا العرب والمسلمون الى هذا الحد ؟ ولا ينتظر المتسائل والمتساذج رد (الآخر) بل يجيب هو، مانعاً وقامعاً رد الآخر: انهم يكرهوننا لانهم يغارون من رفاهيتنا وتقدمنا وديمقراطيتنا ! ومنع الآخر من الرد الحر وقمعه اتخذ شكل السحق الدموي الشامل: قبل التحقيق ومعرفة الفاعل الحقيقي ، كما تستوجب قوانين امريكا واوروبا، بدأ الجلاد ينفذ احكام إعدام جماعية بعد أن حدد ( العدو) دون تردد : انه العراق، ولكن يجب أن نبدأ من افغانستان! هذا ما قالته وفعلته ادارة بوش. ورغم صراخ العرب والمسلمين العالي وتأكيدهم انهم ابرياء وانهم لا يغارون من امريكا ولا يحسدونها، بل هم ضحاياها ابتداءً من فلسطين وانتهاء بحصار العراق الذي قتل حوالى مليوني عراقي، وان الضحية من حقه ان يشكو ويصرخ متألماً. واذا لم يصغ الجلاد اليه وواصل جلده وقتله فإنه سيضطر، في لحظة من تفاعلات ظلمه، ان يرد، ولانه يتلقي ضربات سيف الجلاد فإن رده لا يمكن أن يكون منضبطاً، وقد يصدر رد فعل ( وحشي) وغير مدروس من أناس يأسوا من تفهم الجلاد واستعداده للتفاهم وايقاف الظلم الفادح الذي لحق بهم ، لان نزف دمهم قد يعطل عقلهم! وقد يستعير الضحية ثقافة الابادة المطلقة التي طورها الجلاد ويستخدمها ضده. لقد انقطع الخيط الرفيع الذي يربط بين البشر، وهو لسان المنطق، وصرنا كمن لديه تلفون ويخاطب الآخر عن بعد وسلكه مقطوع ، فيصبح الحديث التلفوني (حوار طرشان) ، يتحدث كل واحد بما يشاء دون ان يسمعه الآخر، وإن اعيد ربط السلك ووصل الصوت سيصل مرمزاً بلغة كمبيوتر لم تنزل بعد الى السوق، ومن ثم يصبح الصوت مجرد رنين امواج لم تكتشف معانيها بعد!  مرة اخرى مصيبتنا في (حوار الطرشان) هذا ان الجلاد، وهو امريكا واوروبا الشوفينية ، هو من وضع رموز هذه اللغة المبهمة ولذلك فانه يفهمها، أي يدرك ان سبب كراهية الضحية هو كونه ضحية ليس غير، ومع ذلك يتظاهر (الجلاد) بأنه لا يفهم لم يكرهه الضحية ! بالله عليكم قولوا لي كيف لا يعرف الجلاد انه كذلك وسيفه يتلذذ بقطع رقاب خلق الله والدماء تغطي وجهه ويديه؟ حتى الخروف حينما يذبح يصرخ تألماً ويرفس بقدميه وهو يحتضر برد فعل غريزي، فكيف يريد الامريكي منا ان لا نصرخ وهو يذبحنا من الوريد إلى الوريد وبنفس الوقت يغتصبنا جنسياً؟
         وحينما نقول له : لم يكن احد ينتقد امريكا من العرب والمسلمين بل ان من بينهم من تفاءل وتوقع خيراً من امريكا بعد الحرب العالمية الثانية ، لانها لم تكن بعد قد كشفت اوراقها الاستعمارية ، وكانت بريطانيا وفرنسا والمانيا تقيم ولائم فاخرة من رؤوس اطفال العالم وتشوي اجساد الرجال والنساء في حفلات باربكيو مترفة ومزدحمة بالدبابات والمدافع والقنابل الحارقة ، وكلنا نذكر كيف رحب العرب بموقف الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور اثناء العدوان الثلاثي الاسرائيلي- البريطاني- الفرنسي على مصر 1956م ، والذي رفض العدوان الاستعماري ذاك. لكن هذا الظن الحسن بامريكا تلاشى مع تحولها إلى الداعم الرئيسي لعدوانات اسرائيل وغزوها بعد انحسار نفوذ قطبي الاستعمار التقليديين بريطانيا وفرنسا، وحلول امريكا محلهما. ومع ذلك نسمع ونرى يومياً عشرات الاصوات، وليس (المحافظون الجدد) وحدهم ، وهي تصرخ بشدة تطغى على الصوت الآخر وتقصيه من مجال السمع، قائلة : انهم ارهابيون بالطبع ويكرهوننا لاننا مجتمع ديمقراطي ومتقدم ومرفه وهم نتاج مجتمعات متخلفة وجائعة وعدوانية! والسؤال الذي استحوذ على تفكير ملايين العرب والمسلمين هو: لماذا تكميم افواه الضحايا ولصق تهم كاذبة بهم اذا كان الغرب (متحضراً) و(متقدماً) ويحترم الانسان وحقوقه حقاً؟

ثقافة الجيتو

          والجيتو (المعزل) هنا له معنيان : المعنى التوراتي والمعنى الاجتماعي ، واذا ابتدأنا بالثاني، لاسباب عملية، نلاحظ ان الانسان الفاجر والآثم ، سواء كان لصاً أو قاتلاً أو مغتصباً، على مستوى فردي أو كتلوي، يطور منطقاً خاصاً ينسجم مع فجوره واثمه ويسندهما ، عبر تسويغ ما قام به ويقوم به وزرع ذلك المنطق في قاعدة بنية الوعي، الأمر الذي يجعله وعياً ملتبساً، لانه وان كان ضامن ديمومة الفجور والاثم إلا أنه ينطوي على (شفافية) كاملة تسمح باندلاق جثث الضحايا امام ناظريه كل لحظة فيضطر، وهو مضطرب التفكير ومشوش الرؤية ، إلى العمل الفوري على إخفاء الجثث كي لا يراها الناس ناسياً ان المشهد يدور في ضميره وليس على مسرح يغص بالمشاهدين! إن الجيتو الاجتماعي وثقافته يبدآن وينموان في (زنزانة) ضمير مغيب لكنه موجود، فالله خلقنا بذاكرة ضمير لا تموت حتى حينما يموت الضمير أو يسجن أو يخدر، لذلك ، ومهما حاولنا التمويه ، نتذكر اننا خطاءون وآثمون، فتسيل صور اضطرابنا وانحرافنا واضحة وقوية، ولمنع الآخرين من رؤيتها نركن إلى اقصاء الآخرين باسقاط رأيهم وقمعه ومنعه، وهكذا تبدأ جدران المعزل (الجيتو) تعلو فاصلة البشر عن بعضهم مخلفة الاحقاد والثارات ومشاعر الغضب والظلم، بعد سيادة ثقافة الجيتو.
          أما الجيتو التوراتي فهو ثقافة مختلفة تماماً، فلئن كان الفاجر متسرطن الاحساس، أي أنه اسير مشاعر بالذنب ولو أنها مدفونة ، فإن التوراتي متحرر من كل اشكال سرطان الضمير، لان ثقافته قامت، وقومت، على مفهوم (الجوييم غير اليهودي) ، أي وجود الاخر الغريب وهذا الاخر الغريب وان كان يملك شكل انسان الا انه في الواقع (حيوان) يرتدي وجه انسان، وبما ان من حق (الانسان المختار)، أي التوراتي، أن يذبح الثور والخروف، فإن الحيوان المقنع بشكل انسان هو الاخر يمكن ان يذبح ويسرق ماله وارضه ويزني بزوجته واطفاله ويستعبدهم دون أي شعور بتأنيب الضمير! هل يستحق (الحيوان) مشاعر الندم والألم عند ذبحه؟ وهل يأثم التوراتي حينما يزني بحمار؟ ثقافة الجيتو هذه هي مصدر الوحشية المتطرفة التي جسدها عدم شعورالاسرائيلي والليكودي الامريكي  بتأنيب الضمير لقتله آلاف العرب والاستيلاء على وطنهم وطرد الملايين منهم، ثم غزو العراق
وإبادة أكثر من مليوني عراقي، ألا يستحق (ابناء بابل وكنعان) اللعنة والقتل وبلبلة هويتهم والاغتصاب الجنسي؟

ثقافتان متزاوجتان

         ان الكارثة التي حلت بالعرب والمسلمين نجمت عن تزاوج هاتين الثقافتين : الجيتو الاجتماعي لذوي السوابق الجرمية الذين قذفتهم سجون بريطانيا إلى العالم الجديد، أي أمريكا، فصاروا سادته، والجيتو التوراتي الذي تسلق على جدران وعي مؤسسي امريكا  وربطهم بمفهوم (الجوييم) ، لذلك للامريكي حافزان   للقتل وابادة الآخر دون ان يرف له جفن او يتردد ، ما دام يخضع لثقافة آثم خبر السجون وعذابها وحرمانها فتمكن، أي امتلك وسائل التأثير، فراح يعوض وينتقم عبر اجتثاث الآخر والاستيلاء على ثرواته وأرضه، ولثقافة أثم  أخر يعتقد موهوما انه ينتمي لشعب اختاره الله ليحكم (حيوان) الجوييم الذي هو محض  حيوان يرتدي وجه انسان فراح ينهبه ويغتصبه ويستعبد اطفاله ونساءه ! إننا الآن نقف في ساحة رمي مجردين من القدرة على الردع المباشر لذلك وقف الامريكي والاوروبي يتسلون باطلاق النار علينا ورؤية دمائنا تسيل، وحينما يصل صوت تألمنا إلى أذانهم فهو ليس أكثر من صوت بطة تحتضر بعد اصابتها بطلقة صياد، لذلك يستمر الضحك ولا يتوقف الخدم (المحليون) عن اعداد حفلة شوائنا، وتغيب من الذاكرة تماماً مشاهد التاريخ المحشوة بحقد الضحايا وصرخات الثأر، وهذه الحقيقة هي التي جعلت بطل الفيلم المسلح بثقافة الجيتو الاجتماعي يصرخ وهو يدرك انه وحش بنوعية اسوأ من أي حيوان لانه بشر أسرته ثقافة اجتثاث الاخر وتدميره ليس فقط للاستحواذ على ثروته وزوجته واستعباد اطفاله، بل ايضاً للشعور بالسعادة الطفولية التي تجتاح الصياد حينما يصيب البطة وينتف ريشها ويعلقها فوق نار الباربكيو في مغرب يوم بارد تتعالى فيه عواءات (محافظون جدد) واخرون قدامى، ينتمون كلهم إلى ديانة وثنية اعظم طقوسها عبادة سفك الدماء.
هل كان جون فوت مخطئاً حينما صرخ : كلا أنا لست حيواناً، أنا أسوأ أنا بشر؟

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس21 رمضان 1425 / 4 تشرين الثاني 2004