ملاحظات سريعة حول معركة الفلوجة واعلان الطوارئ

شبكة البصرة

صلاح المختار

        تتزايد الاحاديث والتكهنات  حول معركة الفلوجة  وكلها تحذر من قرب وقوعها وان امريكا قد اعدت قوى ضخمة لاقتحامها !وازدادت التكهنات باقدام الاحتلال الامريكي على اعلان حالة الطوارئ لمدة ستين يوما بواسطة الحكومة العميلة ! اين الحقيقة ؟ فيما يلي ملاحظات اساسية سريعة :

1- اول ما يجب الانتباه اليه هو الخطأ المتكرر القائل بان معركة الفلوجة ستقع خلال ساعات او يوم او يومين ، هذا خطأ فادح سياسيا وعسكريا وسايكولوجيا لان المعركة قد ابتدات بالفعل منذ شهرين تقريبا ، ولذلك فان هذا الخطأ يقدم فرص حفظ ماء الوجه للاستعمار الامريكي  من خلال المشاركة في اخفاء  اخفاقاته المتكررة في دخول الفلوجة عبر دعم فرضية ان الهجوم لم يقع بعد ! نعم الذين ينتظرون وقوع المعركة عليهم ان يكفوا عن ذلك لانها ابتدأت بالفعل حينما بدأ القصف الجوي عليها ، وكان هدفه الاساسي تحطيم دفاعات الفلوجة ومعنويات المقاتلين فيها تمهيدا لاقتحام الدروع لها ، لان المحتل يريد تجنب تعرضه لهزيمة اخرى كتلك التي مني بها في نيسان الماضي ، عن طريق اتباع ما يسمى عمليات (التمشيط الجوي)، من جهة، وتقليص خسائره البشرية والمادية الى اقصى حد ممكن  من جهة ثانية . لكن هذا التمشيط الجوي المرفق بالقصف المدفعي الشديد لم يغيرا الوضع العسكري داخل الفلوجة بصورة ملموسة تساعد على بدء الهجوم البري، لهذا طرح ادعاء ان الهجوم لم يبدأ بعد .

2- اضافة لذلك فان السيطرة على مقتربات الفلوجة ، شرط حاسم لضمان منع وصول امدادات لها من جهة ولمنع احتمال تطويق القوات الامريكية وحرمانها من الامدادات من جهة ثانية ، كما حصل في نيسان الماضي ، ولذلك لوحظ انه مع بدأ القصف الجوي ابتدأت عمليات كبيرة ضد اللطيفية والمحمودية واليوسفية وابو غريب وسامراء وغيرها من مقتربات الفلوجة ، ورغم الحشد العسكري الامريكي الضخم فان قوات الاحتلال فشلت في السيطرة على المقتربات ، لذلك لم يعد بالامكان شن الهجوم في عدة اوقات اشير اليها من قبل  الاحتلال نفسه .

3- وكان للانتخابات الامريكية اثر رئيس في الاعلان المضلل عن تاجيل المعركة ، حيث ان تعرض القوات الامريكية الى الفشل في غزو الفلوجة او سقوط اعداد كبير من الجنود الامريكيين قتلى سيساعد على اضعاف فرص جورج بوش بالفوز ، لذلك اتبع تكتيك مواصلة العمليات مع الاعلان عن توقفها او تأجيلها او خفض حدتها طوال فترة الانتخابات .

4- لقد وجهت المقاومة ضربة قاسية لقوات الاحتلال حينما نجحت في تشتيت ما يسمى ب(الحرس الوطني) الذي اخذ يهرب من المعارك جماعيا مما اسقط احد اهم عناصر خطة الاحتلال وهي بدء المعارك بدفع (الحرس الوطني) الى مهاجمة الفلوجة لتقليل الخسائر الامريكية ، ولذلك لم يحاول اقتحام المدينة بقوات امريكية وانتظر لحين تجميع عدد كاف من المرتزقة العراقيين ، واستمر في القصف الجوي .

5- ما ان بدء الاحتلال بقصف الفلوجة ومهاجمة مقترباتها حتى شرعت المقاومة بفتح معارك ضارية في عدة جبهات مثل الموصل وديالى والرمادي  وايقاع قوات الاحتلال في فخ سامراء الذي اصبح جرحا نازفا للاحتلال ، اضافة لمعارك بغداد في شارع حيفا والعامرية والدورة والاعظمبة ومطار صدام الدولي وغيرها ، ومعارك اللطيفية والمحمودية واليوسفية وتكثيف العمليات العسكرية للمقاومة في الجنوب خصوصا في البصرة وغيرها ، فادرك الاحتلال انه غير قادر على مواصلة التعتيم الاعلامي التام عليها ، بعد ان تسربت معلومات بحكم شدة المعارك ،ففسر الامر على انه تجري عمليات قصف جوي لبطل (هولي وود) وتوأم رامبو  الجديد المسمى الزرقاوي!

 

في ضوء ما تقدم يتضح ان معركة الفلوجة مستمرة منذ حوالي الشهرين في اجواء من التعتيم الاعلامي، بل ان القصف الجوي كان ومازال من الشدة بحيث اعاد الوضع الى الايام الاولى لغزو العراق حينما اصيبت القوات الامريكية بهستيريا بعد فشلها في تحقيق تقدم سريع نحو بغداد وتكبدها خسائر كبيرة ، فتلقت تعليمات من بول ولفووتز ، نائب وزير الدفاع الامريكي باستخدام اقصى اشكال القصف الجوي وبث الرعب في نفوس المدنيين ، والان تتعرض الفلوجة لقصف لم تتعرض له اي مدينة عراقية منذ الانتقال الى حرب الشعب.

احتمالات الموقف

        من المرجح ان تقدم القوات الامريكية على محاولة اقتحام الفلوجة اعتمادا على قوات عميلة وعدد ضخم من القوات (عشرة الاف جندي امريكي) مقارنة بعدد المقاتلين فيها ، في اطار خطة اصبحت واضحة وهي استغلال المأزق الستراتيجي الامريكي وشن هجوم عسكري ضخم وباعداد كبيرة واغراق المقاومين بقصف اشد مما جرى ، وربما القيام بانزال جوي في جزء من المدينة والتمركز فيه والتوسع التدريجي . والهدف الرئيسي غير المعلن هو نفسي ، لان هزيمة العسكرية الامريكية في نيسان الماضي خلقت عقدة جديدة لامريكا اسمها (عقدة الفلوجة)، والتي تعني تحييد السلاح المتفوق بشكل مطلق بقوة الارادة البشرية ، اذ بالرغم من تفوق امريكا بكل شيئ ، حتى بعدد المقاتلين ، الا انها هزمت في الفلوجة وعرف العالم اجمع بذلك ، فاصبح ضروريا الثأر لتلك الهزيمة عبر تحقيق اي نوع من دخول الفلوجة ، ومهما كان الثمن ، خصوصا وان الانتخابات قد انتهت ولم يعد بوش يخشى الهزيمة من جراء تعرض القوات الامريكية الى خسائر كبيرة.

        اما الهدف الاخر فهو ستراتيجي يتعلق بالاحتلال الامريكي للعراق ومستقبله ، فكما قلنا في مقالات سابقة فان الادارة الامريكية قد اتخذت قرار الانسحاب من العراق بعد تيقنها من انها تغرق في مستنقع عراقي اخطر بعشرات المرات من المستنقع الفيتنامي ، وهذا ما عبر عنه فريق من الخبراء والاساتذة الجامعيين والمسؤولين الامريكيين السابقين في رسالة بعثوا بها الى الرئيس الامريكي مؤخرا وصفوا حال امريكا في العراق مستخدمين مثل امريكي يقول (اذا وقعت في حفرة عميقة فلا تحفر فيها) ، اي ان على امريكا الانسحاب السريع من العراق لتجنب تعمق الحفرة العراقية التي وقعت امريكا فيها ، والغوص اكثر فاكثر . لكن الانسحاب يجب ان يقترن بشرطين جوهريين : الاول هو فشل الخيارات المتبقية ، واهمها تنصيب حكومة جديدة غير مفضوحة كحكومة علاوي تضم جماعات السيستاني والمؤتمر التاسيسي وهيئة علماء المسلمين وعناصر اخرى ، بعد انتخابات شكلية ربما تنحصر في (المنطقة الخضراء) ، ونجاح المقاومة في اسقاطها او حصرها ، اي الحكومة الجديدة ، في المنطقة الخضراء وتعجيزها كليا ، والشرط الثاني هو تحقيق (انتصار) عسكري شكلي لا تاثير سلبي له على الثورة المسلحة ، ويتمثل في دخول مدن وفي مقدمتها الفلوجة كي يستطيع بوش ان يقول بعد شهر شباط القادم انه حقق ما وعد به فاسقط (نظام صدام حسين ) ووضع اسس الديمقراطية باجراء انتخابات بعد ان قضى على اغلب الارهابيين وطرد من تبقى منهم من المدن ، لذلك انتهت مهمة امريكا في العراق وعلى العراقيين الان ان يرتبوا اوضاعهم بانفسهم ! وهنا يجب ان نذكر بما قلناه في مقالات سابقة من ان تحرير المدن في حرب الشعب (العصابات) لايعني منع الاحتلال من دخولها مجددا بل منعه من البقاء فيها، عبر استنزافه بشريا وماديا بمستوى يعجز عن تحمله فيضطر للانسحاب مجددا .

بوابة النصر

        لذلك فان معركة الفلوجة هي مفتاح طرد الاحتلال بالقوة ، فالعدو انهار وصرخ متالما في لعبة (عض الاصابع) والتي يهزم فيها من يصرخ اولا من الالم ، لكنه يريد ان يحفظ ماء وجهه ويمنع المشروع الامبراطوري الامريكي من الانهيار الفاضح ، في حالة مواصلته للحرب اليائسة ، لذلك فهو يحتاج لدخول الفلوجة حتى لو كلفه ذلك اتخاذ قرار خاطئ عسكريا كما يجري الان ، وسيقود هذا القرار  الى تكرار ورطة سامراء التي اصبحت خرم ابرة جديد يستنزفه بشدة ، وهو ما اكدناه وقتها ، واذا دخل الفلوجة فانه سيقرب نفسه اكثر من ساحة رمي المقاومة ويعطيها فرصة ثمينة لاصطياد جنوده بسهولة ، ليس في الفلوجة فقط بل في كل انحاء العراق من الموصل الى البصرة ، وهكذا يقدم الاحتلال للمقاومة اول اثمان جرائمه في العراق : هزيمته التامة والمدمرة لهيبته . هل خطر ببال احدكم ان المقاومة لم تضع هي الاخرى خطة مضادة لتحويل اقتحام الفلوجة الى بداية الانهيار الحاسم للاحتلال ؟ اذا وجد شخص يقول نعم فعليه ان يقرأ بيان البعث الخاص بالهجوم على الفلوجة ففيه جواب واضح .

        لقد لاحظ المراقبون  ان المقاومة قد كثفت هجماتها الضخمة في الفترة الاخيرة على قوات الاحتلال اولا ، وعلى المرتزقة العراقيين ، سواء كانوا مسؤولين في الحكومة العميلة تجري تصفيتهم يوميا وباعداد كبيرة ومستويات مهمة او قوات شرطة وحرس (وطني)  ثانيا،  والحقت بالطرفين خسائر فادحة لن يستطيعا تحملها لزمن طويل  وادت الى خلخلة خطط الاحتلال بصورة خطيرة . وتلك الحقيقة الميدانية المشاهدة تقود الى التوصل الى نتيجة مهمة وايجابية وهي ان الثورة المسلحة تفرض شروط الحرب الدائرة الان وليس الاحتلال ، وان عملية التحرير تتصاعد وبلا اي تراجع مهما كان ثانويا . وكان رد فعل ادارة الاحتلال تاكيد حاسم على انه يهزم وان المقاومة تتقدم نحو التحرير بسرعة اربكت حتى تكتيكات الاحتلال وليس ستراتيجيته فقط ، اذ اعلنت حالة الطوارئ ! والهدف من ذلك  ليس فقط ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب العراقي بل ايضا للتعتيم اكثر على هزائمه المنكرة وسقوط كل خياراته وتكتيكاته مهما تغيرت واستبدلت ، فخطة المقاومة، كما وضعها القائد الاسير قبل الغزو ، تقوم اساسا ، وكما قالنا سابقا على الاستدراج المنظم للعدو كي يقاتل داخل المدن وليس تركه يقصف من بعد وخارج نطاق الكثير من اسلحة المقاومة .

         ويجب التذكير هنا باحدى اهم قواعد اي صراع رئيسي وهي ان من يقع في فخ التخبط اثناء الحرب محكوم عليه بالعجز عن اتخاذ قرارات سليمة وفعالة من زاوية تحقيق النجاح ، فلقد دخل الاحتلال الفخ الاخطر وهو فخ اجباره على الدخول في مواجهات ساخنة وواسعة النطاق ومتزامنة في مختلف انحاء العراق ، وتلك هي واحدة من ابرز سمات المرحلة الاخيرة من حرب التحرير الوطني العراقية الظافرة ، ومن المؤكد ان معركة الفلوجة الدائرة منذ الشهرين ، والمتصلة بمعارك اخرى على امتداد العراق ، ستشهد في الايام والاسابيع القادمة قيام المقاومة بتوسيع نطاق المعارك المتزامنة ،بدخول الاف العراقيين الاضافيين حرب التحرير وبدء استخدام الاحتياطيات المضمومة والغالية من الاسلحة المتقدمة والفعالة جدا التي تأجل استخدامها ، والتي سيكون لها اثر حاسم في تحرير العراق واسر الحاكم الاستعماري الامريكي نيغروبونتي ، وستشاهدون اخوتكم ضباط الحرس الجمهوري وفدائيو صدام وفرق الجيش وهي تنزل ميدان بعض المعارك ببدلاتها العسكرية  الرسمية  . هل يسأل احد عن مصير علاوي والياور ؟ انتظروا حتى يغرد صاروخ طارق (عزيز فك الله اسره) في القصر الجمهوري المحتل ،ويتقدم امام المجاهدين صدام حسين (فك الله اسره) لاعلان تحرير العراق واقامة (جمهورية العراق الثانية) ذات النظام التعددي والديمقراطي الشعبي ، بلحيته المهيبة الدائمة وراية الله اكبر التي تقرأ على جبينه الوضاء . فقط انتظروا قليلا ، الم ننتظر ستة قرون لنصنع العابد وابابيل ودبابة اسد بابل ونمحو الامية والفقر والمرض ونخصب اليورانيوم بطريقة عراقية ونأمم النفط ؟ وقبل هذا وذاك الم نبق فلسطين حية ابية في عيوننا وضمائرنا ولم نساوم عليها رغم ما لحق بنا من خراب وقتل جماعي ؟

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاحد 24 رمضان 1425 / 7 تشرين الثاني 2004