معركة الفلوجة : من وقع في الفخ؟ المقاومة؟ ام امريكا؟

تحليل ستراتيجي

شبكة البصرة

صلاح المختار

        من يتصور ان الاحتلال بشنه الهجوم البري على الفلوجة ودخوله شوارع منها قد حقق تقدما عليه ان يعيد قراءة ما قاله  دونالد رامزفيلد،  وزير الدفاع الامريكي ، قبل يوم من بدء المعركة، من جهة ، وان يتذكر خطة امريكا الامنية في العراق المحتل من جهة ثانية. اذ  ان  رامزفيلد حذر من التسرع في توقع ان الهجوم البري سينجح بسرعة وسهولة وقال ان المعركة  (ستكون معقدة وطويلة)  ، وفي نفس اليوم قال جنرال امريكي في العراق ان معركة الفلوجة ستكون اشرس معركة منذ الحرب العالمية الثانية! لماذا صدرت هذه الاقوال  قبل الهجوم البري بيوم؟ قبل ان نصدر احكاما منفعلة حول ما يجري في الفلوجة علينا ان نذكر ببعض الحقائق والاوضاع  كي نصل الى استنتاج صحيح.

تهيئة الاذهان؟

        اول ما يجب الانتباه اليه هو ان رامزفيلد اراد ان يلفت نظر القادة العسكريين الامريكيين الى حقيقة ان دخول الفلوجة بقوة عسكرية هائلة  لا يعني ان المدينة قد استسلمت وان المقاومة فيها قد انتهت  ، بل ان دخول المدينة هو بداية معارك شرسة جدا  ستستمر لزمن غير محدود وستكون مكلفة ماديا وبشريا للاحتلال وليس للعراقيين فقط ، وهي بالتالي لن تتوقف الا اذا تحققت احدى نتيجتين : اما دحر المقاومة في حرب الشعب المتصلة في الفلوجة ، وهو احتمال غير وارد  ، او عجز الاحتلال عن تحمل الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الهجمات القاتلة كل بضع ساعات ، وربما كل ساعة ، وهو الاحتمال الاكيد . لذلك وضع امامهم انموذج سامراء التي دخلتها قوات الاحتلال لكنها اصبحت  فخا قاتلا لها ، بعد ان اصبحت ضمن مرمى نيران المقاومة هي والقوات العميلة لها ، ليؤكد لقادته العسكريين ان دخول الفلوجة ليس النهاية بل بداية دموية متصلة ومتعمقة ساعة بعد اخرى وليس العكس .

           وتلك الحقيقة  اشار اليه بيان قيادة المقاومة المركزية (البعث) الذي صدر قبل يومين من وقوع الهجوم البري  والذي شرح هذه النقطة بوضوح تام وبلا اي غموض ، حينما اكد ان المقاومة المسلحة مصممة على ليس فقط على الحاق خسائر بالاحتلال اكبر من قدرته على التحمل بل ايضا انها خططت  لتمريغ انف امريكا في اوحال الفلوجة ومدن القداسة الاخرى، التي ستوسع نطاق وطبيعة عملياتها القتالية  من شمال العراق الى جنوبه في اطار دفع الاحتلال ، ورغم انفه ، للصراخ عاليا من التالم  والهرب من المعارك  الشرسة والمتزامنة لقوات جيش الشعب الذي يقوده بالطبع افضل ضباط الحرس الجمهوري  وكوادر البعث ، ومعهم اخوتهم الاسلاميين العراقيين الابطال .

        اذن  رامزفيلد يهيأ اذهان  قوات الاحتلال نفسيا  لما سيجري في الفلوجة ، في اطار  وضع احتمالات الفشل امامهم ، اضافة لاعداد الرأي العام الامريكي والعالمي لتقبل اي نتيجة سيصل اليها الهجوم ، ووضع خط رجعة مقبول ويجنب الادارة الامريكية  النقد الداخلي او كسر هيبة امريكا امام العالم  . اما تصريح الجنرال الامريكي فهو يذهب ابعد من ذلك لانه يحذر مباشرة  من  القدرات القتالية العالية والاستثنائية  للمقاومة  العراقية ، كما سنرى ، والتي جعلت القوات الامريكية تعاني من اثار مادية ونفسية  وبشكل اسوأ مما حصل في فيتنام للقوات الامريكية  ، بدليل قوله ان معركة الفلوجة ستكون الاشرس منذ الحرب العالمية الثانية  . لكن هذا التحذير  يستبطن ، وان كان بوضوح  ، تهديدا صريحا باستخدام اسلحة محرمة او ذات تدمير شامل وذلك لتجنب التعرض الى خسائر (امريكية) كبيرة جدا،  كما توقع القادة العسكريون ،  وهم يواجهون لاول مرة في تاريخ الحروب  الامريكية  العدوانية  هذا النوع من المقاتلين الذين  يحبون  الاستشهاد في سبيل الله والوطن بقدر ما يحب الضابط والجندي الامريكي الحياة ، وشعارهم الاعظم هو (اطلب الاستشهاد توهب لك الحياة) ، كما كان الرئيس صدام حسين  (فك الله اسره) يقول لكوادر المقاومة التي اختارها بنفسه قبل الغزو من حزبيين (عسكريين ومدنيين)، ومن قادة  (فدائيو  صدام).

          ان ما حصل في فيتنام كان قتالا بطوليا عظيما لكنه كان ، بالاساس قتال مناضلين يعملون بقدر الامكان على الحفاظ على حيواتهم ولم يشهد عمليات فدائية  الا بقدر محدود بصيغة هجمات شجاعة  مألوفة عسكريا ترتفع فيها احتمالات الموت لكنها كانت  متوقعة  عسكريا  ويمكن مواجهتها  ، اما العمليات الاستشهادية فهي ضرب اخر من فنون الحرب يحول فيه الاستشهادي جسده الى سلاح دمار شامل بتأثيره المعنوي الجبار ، ولذلك اصبح السؤال المرعب للقادة الامريكيين وجنودهم منذ غزوا العراق هو :  كيف يفهم ، ويكتشف  ويواجه،  الامريكي في العراق موتا حتميا يحمله جسد انسان ملغوم بخمسين كيلو دينامايت  على الاقل وهو يندس وسط قوات الاحتلال او يقذف بنفسه عليهم ويفجرها اثناء العمليات العسكرية ؟ ان العمليات الاستشهادية سلاح جبار وهو وحده القادر على ردع الامريكيين  في عالم ليس فيه رادع دولي لهم ، وهو بحق سلاح دمار شامل بتأثيره المعنوي المبيد لقدرة الامريكي على الصمود في معارك لم يألفها ، ولا يستطيع حتى تخيلها في كوابيسه  ، واخذ يتعامل معها يوميا منذ غزا العراق . القائد الامريكي يشوف اتجاهات معركة الفلوجة قبل وقوعها ولذلك يهدد، وهذا ما حصل بالضبط عندما استخدم الجيش الامريكي اسلحة كيمياوية وغازات قاتلة او شالة للجهاز العصبي المركزي للانسان حالما بدء بدخول الفلوجة .

تقويض الخطة الامنية المركزية للاحتلال

        حينما ادرك الاحتلال الامريكي ان ما توقعه وخطط له لمرحلة ما بعد الاحتلال كان محض زبالة  واوهام حشاشين  ، ولاحظ  ان الشعب العراقي استقبله بالرصاص الاكثف والاخطر في كل حروب الاستعمار الامريكي ،  التي تجاوزت المائة وخمسون  حربا ،   وضع خطة عسكرية امنية  تقوم على اسس امكن بسهولة معرفة عناصرها الاساسية  لحماية جنوده وضباطه وادامة الوجود الامريكي في العراق . ما هذه العناصر؟ وهل نجحت المقاومة في تحييدها؟  ان اهم العناصر هي  التالية :

1- العمل بكل الطرق على تجنب  الوقوع في مرمى نيران المقاومة  العراقية   لان ذلك يعجل في اشتعال مفاعيل (عقدة فيتنام) ، اي العجز الامريكي عن خوض حرب فيها موت كثيف  و (مضمون) .

2- الاعتماد المتزايد على قوات عراقية عميلة في القيام بالمهام القذرة  خدمة للاحتلال ، مثل الاشتباك مع المقاومة او استخدامها كدرع بشري يقلل الى اقصى حد ممكن احتكاك الامريكيين بالعراقيين .

3- الاعتماد على    احزاب  طائفية (حزب الدعوة والمجلس الاعلى للردة على الاسلام والاخوان المسلمين)  وانفصالية (البيشمركة الصهيونية) في (تضبيط) الوضع الامني الداخلي .

4- العمل بكل الطرق لجعل استخدام العناصر المذكورة عامل تفعيل للصراع الطائفي والعرقي وتفتيت العراق على هذا الاساس، والاستفادة من ذلك الوضع  للعثور على كتل شعبية لا بأس بحجمها تدعمه سياسيا .

        لننظر الان الى عناصر هذه الخطة  في محاولة لتحديد درجتي النجاح والفشل ، ففي معركة الفلوجة اضطرت القوات الامريكية  الى القيام بالاقتحام الرئيسي بنفسها بعد ان شهدت خطة البدء بالهجوم قبل شهرين تساقط وهروب القوات  العميلة  (الحرس الوثني) من ساحة المعركة  ، فسقط تكتيك استخدام غطاء بشري عراقي ، اما الاحزاب العميلة   فانها  ذابت كما يذوب الثلج في ظهيرة يوم بغدادي قائض  ، وذلك لا فتضاح عمالتها الرسمية والفعلية ، فاضطرت هذه الاحزاب  لشراء الاعضاء من مواقف المسطرة (مواقف  المسطرة  هي  مراكز تجمع العمال العاطلين عن العمل  والذين يقفون فيها كي ياتي  من يؤجرهم)، بدفع الدلارات لهم ، وهؤلاء لا يقاتلون بل يغدرون  ويهربون فور ظهور المقاومة  في الساحة ، لذلك اصبحت هذه الاحزاب في الواقع عالة على الاحتلال  في غالب الاحوال، فسقط عنصر اخر من عناصر الخطة الامنية التي افترضت ان العملاء  سوف يؤمنون الامساك بالشارع العراقي.  والصورة الكارثية لهؤلاء لا تتضح الا حينما نتذكر انه حتى بضعة شهور كان العملاء يغتالون مناضلو  ومجاهدو وعلماء العراق الذين كانوا يتخفون اما الان فقد انقلبت الاية واصبح العملاء يتخفون ويهربون من متابعة الشعب العراقي لهم لاجل الاقتصاص منهم على خيانتهم للوطن والدين  وجرائم القتل التي ارتكبوها.

        ما معنى ذلك؟ انه يعني ان الخطة الامنية العسكرية الاساسية التي وضعها الاحتلال  قد انهارت تماما  في الفلوجة ، وترتب على هذه الحقيقة  مقتل (92) جندي وضابط امريكي تم احصائهم من قبل المقاومة في الفلوجة في اليوم الاول للهجوم البري ،  يضاف الى هذا الرقم (وهو كارثي بالنسبة لامريكا) القتلى الذين سقطوا  خارج نطاق رؤية المقاومة  بتاثير الصواريخ العراقية التي دخلت المعركة بكثافة اذهلت العدو ، ووصل العدد التقريبي لها الى  (150)  صاروخ مختلفة الانواع الا ان اغلبها كان  من نوع ابابيل وطارق (عزيز فك الله اسره)  والرعد  وغراد  ومنظومات  ارغن ستالين  والار . بي .جي  وغيرها ، وما دوخ الاحتلال هو استخدام المقاومة قنابل موجهة بالليزر لم تكن موجودة لدى الجيش العراقي قبل الغزو وتم الاستيلاء عليها من القوات الامريكية مع اسلحة امريكية اخرى متطورة، والتي دكت مراكز تجمع العدو. اضافة لذلك تميزت معارك اليوم الاول بتدمير اعداد كبيرة من دبابات ومدرعات العدو تجاوز عددها التقريبي  الخمسين دبابة ومدرعة .

         ان اهم انجاز تحقق في اليوم الاول هو ان الامريكيين قد دخلوا الحرب وجها لوجه مع الاستشهاديين وسقط الحاجز والدرع البشري العراقي الذي كانوا يحتمون به ،وهكذا انقلبت الاية وصار القتال يتم وفق ستراتيجية المقاومة  وليس ستراتيجية العدو . هل نحتاج للتذكير بهذه الستراتيجية؟ ربما الجواب نعم، لان النفوس قلقة ونحن نحتاج الى تسليط الضوء على حقائق معروفة لاجل ان تستقر نفوس القلقين من مجرى حرب تحرير العراق . ان اهم عناصر ستراتيجية المقاومة، التي وضعها امام المجاهدين صدام حسين قبل الغزو بعامين وتحدث عن بعض اوجهها عبر التلفزيون، عنصر منع العدو المتفوق عسكريا وتكنولوجيا من الاستفادة التامة من تفوقه ذاك عبر جره الى (معارك جبهية) ، اي اشتباك بشري بين القوات الامريكية والقوات العراقية المقاومة، لان ذلك يحيد القوة الجوية والمدفعية الامريكية ، فلا تبقى في ساحة المعركة الا الارادة القتالية والمعنويات ، وهنا بالضبط يظهر التفوق العراقي المطلق : المعنويات ، والانتصار في الحرب رهن بالمعنويات .

         ان حرب الشعب تتطلب اول ما تتطلب الاشتباك مع العدو مباشرة وعدم السماح له باستغلال كل عوامل تفوقه ، واذا تم ذلك فان الحرب الوطنية العظمى ستحسم حتما لصالح الثوار والمقاومين  المدافعين عن الوطن المقدس . في معركة الفلوجة تحقق ذلك كاملا، ولذلك فان مصير المعركة عرف منذ الان وبغض النظر عن اماكن وجود الطرفين المتقاتلين، ولئن كانت معركة سامراء قد اوقعت قوات الاحتلال في حفرة (فخ) عمقها عشرة امتار فان معركة الفلوجة قد اسقطت امريكا كلها وليس قواتها في العراق فقط في حفرة عمقها خمسون مترا،  كما ستثبت الايام والاسابيع القادمة انشاء الله .

اغلاق  (الابواب الجانبية)

        هل هذه هي كل مشاكل الاحتلال؟ كلا ، فالقادم امر وادهى بالنسبة للاحتلال ، فمن اوقعه في فخي سامراء والفلوجة  لم يكن يريد ان يلحق خسائر بالعدو فقط ، فذلك هدف مباشر اقل اهمية من هدف اخر اهم وهو الحاق هزيمة منكرة بامريكا في العراق عبر الاغلاق التام لكل الابواب الجانبية  والخلفية التي ربما تلجأ اليها امريكا  للهروب  من الهزيمة ، فمعركة الفلوجة الثانية هي الفتيل الذي اشعل  الثورة المسلحة  في وقت واحد في مختلف انحاء العراق، بعد ان كانت الثورة تتخذ شكل معارك متزامنة  احيانا ومتفرقة في احيان اخرى، وهذا التطور خطير واساسي لنقل الثورة الى مرحلتها الخامسة والاخيرة، بأذن الله ، وهي الطرد الاجباري للاحتلال من العراق، ولقد ادرك  الاحتلال  هذه الحقيقة  جيدا، خصوصا وان كل الخيارات التي جربها او بحثها تقود الى نتيجة  واحدة  لا غير  وهي ان امريكا ستمارس رقصة الدجاجة المذبوحة  اذا بقيت تحتل العراق.

         ماهي هذه الرقصة؟ هذه المرة اسألوا اياد علاوي عنها وليس كريم شهبوري (الملقب بموفق الربيعي) ، فبعد ان قضى عمره يمارس رقصة الروك اندرول في بريطانيا  هاهو يستعد لرقصة الدجاجة المذبوحة، لكن المشكلة هي ان  اياد هذا لاينام ليلا في العراق بل علمه سيده  بول بريمير ان يقضي ليلته في فندق في الكويت ويعود صباحا في الهليوكوبتر،  لتجنب  القاء القبض عليه في المنطقة الخضراء، كما حصل لبريمر،  حينما اقتحمتها قوة استشهادية  من ضباط الحرس الجمهوري  قبل هروبه  لاجل اسره، لكن القدر فقط انقذه! فكيف تحصلون على البطل السابق ل(دسكوات) لندن؟ بسيطة راقبوا وجه رامزفيلد وهو يتحدث عن العراق  ستعرفون كيف تؤدى رقصة الدجاجة المذبوحة، وعندا سترمون فكرة سؤال علاوي في الزبالة ، اليس السيد  اهم من  العبد؟

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاربعاء 27 رمضان 1425 / 10 تشرين الثاني 2004