نواقض الـسـلام:  دموية برابرة التوراة

شبكة البصرة

صلاح المختار

          قال مارتن لوثر كنج ، داعية حقوق الانسان الزنجي الامريكي ، اننا قد لانتذكر من يشاركوننا افراحنا لكننا نتذكر من يشاركوننا احزاننا في اشارة بليغة الى واحدة من ابرز خصائص الوجدان الانساني، وهي حفظ ذكريات حلوة عن اولئك الذين وقفوا الى جانبنا وقت الشدة والحزن، في حين اننا قد لانتذكر من شاركونا افراحنا..! لقد وضعت علامة تعجب لان كثر من الناس قد لا يفكرون بهذه الحكمة البليغة خصوصاً اذا لم تقع على رؤوسهم مصيبة أو كارثة فتبقى ذاكرتهم مسرحاً للذكريات الحلوة وابطالها من الاصدقاء. ولكن الحياة ليست محض فرح، بل مزيج منه ومن الترح، بل قد تكون الاتراح اكثر واعمق من الافراح، فالنجاح في الدراسة او الزواج او كسب مال او منصب وغيرها كلها احداث تبعث فرح سرعان ما سيتلاشى ويطويه النسيان، اما الاحزان الكبرى، وبالذات فقدان عزيز، فانها لا تتبدد كلياً حتى وان ضعفت، لان الفرحة يمكن ان تعوض، اما الحزن الناجم عن خسارة عزيز فمن المستحيل ازالته بالتعويض، من هنا يبدو كم كان لوثر محقاً في حكمته التي انتجها اضطهاد جمعي مصدره نزعة عنصرية مقيتة لدى بعض امريكيين.

سايكولوجيا الحزن

         بخلاف الفرح الفوار الطبيعة كالبركان والذي يخمد بسرعة، فان الحزن بطيئ الزوال ويستمر في دفقاته التي قد تتراوح بين الشدة والضعف كنبع مياه معدنية عمره مئات وربما آلاف السنين، والفرق بين فورة الفرح ودفقات الحزن هو ان الاول يتعامل مع حدث يأتي ويذهب في حياة هي عبارة عن سلسلة احداث تتعاقب او تتزامن، لذلك فهي احداث طبيعية تتعايش معها النفس، فنحن حينما ننجح في الدراسة او العمل نحقق ماهو طبيعي وعادي، لكننا بفقدان عزيز نخسر جزءاً اساسياً من (روحنا) التي تتشكل من قيم وذكريات وقواعد واليات.. الخ، اضافة لسر إلهي آخر لانعرف ماهو بالضبط ، وخسارة جزء من الروح يخلق فراغاً، بعكس الفرح الذي يضيف امتلاءً، ويبقى الفراغ في الروح يقرع اجراسه، حتى وان خفتت، ولاتزول لوعته الا بالموت، موت صاحب الوجدان الملتاع .

         وفي اطار هذه السايكولوجية الخاصة بالحزن تظهر أمور عديدة لم نفكر بها ولم تخطر على بالنا قبل وقوع الحزن، منها بروز نزعة لدينا في الاصغاء لاي حديث عن جانب غير معروف من حياة الفقيد وتعلقنا بالآمال والتي قد يكون بعضها محض أوهام. كذلك ميلنا للالتقاء بمن عرف الفقيد وكأننا نمارس لعبة استبدال ذكراه بمن يتصل بذكراه. وبعكس الفرح، الذي يجرنا جرا الى التفكير في الدنيا ومباهجها ، فإن الحزن يجرنا جراً الى التفكير العميق بما يتجنب كل انسان التفكير فيه، وهو الموت، لذلك تنفتح مع تسربل روحنا بالحزن ابواب الادراك ووعي حكم وفلسفة الحياة وتنمو فينا روح التواضع والتخلص من ادران الحياة الفانية كالانانية وغيرها .

نتائج الانتخابات الامريكية

         هذه المقدمة ضرورية لوضع الاصبع على موضع بالغ الحساسية في الضمير الانساني، وهو ماحصل في الانتخابات الامريكية الاخيرة، إذ  رغم ان الرأي العام شهد انقساماً كبيراً بين المرشحين بوش وكيري، فان كلا المعسكرين مارس سلوكاً غريباً، بمعايير وحدة الجنس البشري وتساوي قيمة البشر جميعاً مهما اختلفت الوانهم واشكالهم، وهو معيار اعترفت به شرعة حقوق الانسان وميثاق الامم المتحدة بل حتى الدستور الامريكي .!

فما الذي حصل وكشف عن فجوة خطيرة جداً في وعي وممارسة غالبية الاميركيين؟ وماهي هذه الفجوة ؟ وماذا سيترتب عليها مستقبلاً؟ لقد كشفت الانتخابات، أوللدقة اكدت مرة اخرى، ان الامريكي لاتهمه الا مصلحته حتى لو كان ثمن تحقيقها هو قتل الانسان الاخر وتعذيبه وانتهاك انسانيته ! اذ بالرغم من ان مصادر صحفية وحكومية وطبية امريكية قد كشفت الجرائم البشعة والبالغة الحقارة في سجن ابو غريب وغيره، والتي ارتكبها ضباط وجنود وقادة واطباء اميركيون، فان تأثيرها على الرأي العام الامريكي كان محدوداً جداً !

         يضاف الى ذلك ان نفس تلك المصادر اعترفت بان الاسباب التي استخدمت غطاء يسوغ غزو العراق قد ثبت انها كانت اكاذيب لكنها لم تؤد الى ازعاج فرد او امة بل الى ابادة الآلاف من العراقيين، واذا اخذنا رقم ضحايا الغزو الامريكي، حسب مجلة (لانسيت) الطبية الامريكية، فانه تجاوز المائة الف قتيل اغلبهم نساء واطفال! أما اذا اخذنا ارقام مصادر عراقية موثوقة فان رقم قتلى الغزو يتجاوز الربع مليون عراقي، وفي كلا الحالتين هناك جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب ارتكبت وترتكب في العراق، ومع ذلك صوتت الاغلبية، وهي تعرف كل ذلك عبر مصادر امريكية، لصالح من قتل ويقتل المدنيين ومارس ويمارس الكذب على الشعب الامريكي! واذا تركنا ضحايا الحصار الامريكي على العراق وحرب 1991م والذين بلغ عددهم حوالي مليون و800 الف عراقي واكتفينا بذلك الرقم الاخير(مائة الف قتيل) لايمكننا كبشر ان نمتنع عن طرح التساؤل التالي : ترى كيف يتقبل الامريكي العادي قتل مائة الف انسان عراقي ويقلب الدنيا لموت 2800 إمريكي في البرجين عند هجمات ايلول عام 2001م؟ هل الانسان الامريكي (افضل) من العراقي والافغاني والفلسطيني؟

           الجواب هو كلا ، لان المجتمع الامريكي هو مجتمع تجمعات عرقية مختلفة ولم يصبح بعد  مجتمع امة ، وفيهم العراقي والافغاني الاصول ، ومن ثم فإن الجواب يجب ان يبحث عنه في ناحية اخرى، وهي المصلحة الخاصة بالامريكي والتي تجعله يرمي جانباً كل القوانين الوضعية والالهية حينما تقتضي مصلحته ذلك ، وربما يظن البعض ان هذه الظاهرة مقتصرة على المواطن الامريكي العادي، لكن المقلق ان هذا الظن هو الاثم بحد ذاته لأن الامريكي كلما زاد وعيه وعلمه ازداد انانية وتجرداً من الروادع الانسانية ، فالمثقف والخبير بعد ان يعرف ويعي يبدو الاكثر تطرفاً في تحقير الاخر وسلبه حق الحياة ، وتكفي نظرة واحدة لتصريحات المسؤولين الامريكيين وتعليقات الصحف لنلاحظ ان اغلبية من اعترضوا على غزو العراق ومازالوا يعارضونه كان دافعهم ايقاف القتل، ولكن المأساة الانسانية تظهر وتتجسد في أسوء اشكالها حينما نسأل : قتل من؟ الامريكي والعراقي؟ فياتينا الجواب : كلا ان مايهم الامريكي هو حياة الامريكي المعتدي والغازي في العراق وليس حياة العراقيين! اذ لم نسمع واحداً يدعو لوقف الحرب حفاظاً على ارواح العراقيين والامريكيين بل طالب الجميع بالانسحاب من اجل ايقاف قتل الامريكيين فقط !

         اذن المواطن الامريكي عرف ان حكومته كذبت وتكذب بشأن العراق وعرف انها تقتل المئات شهرياً وتنتهك الاعراض وتنهب الاموال وتعتقل الابرياء وتزيل ثقافة وحضارة عريقة، وتدمر الجامعات وتنشر الدعارة والايدز والمخدرات والعصابات ومع ذلك اعاد انتخاب من ارتبط اسمه بكل هذه الاعمال ! اليس ذلك باعثاً على الحزن واليأس من وجود استعداد لدى الامريكي لاحترام البشر الاخرين وحيواتهم وحريتهم ؟

الاثار والنتائج

        نعود الآن الى حكمة مارتن لوثركنج ونطرح سؤالاً منطقياً وهو: ترى كيف يتوقع الامريكي القاتل ان يجد رد فعل ايجابي من العراقي القتيل ، خصوصاً وان الضحية وهو العراقي يعرف تماماً ان قاتله واع لحقيقة انه يقتل انسان برئ ويسرق ماله ويغتصب جنسياً زوجته وابنته واخته ويحرق وطنه من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب ؟ من المؤكد ان رد فعل العراقي الطبيعي والمتوقع لايخرج عن نزعتين : نزعة عدم الثقة التامة بالامريكي والنظراليه كمخلوق متطرف في انانيته وعدوانيته ، ونزعة ثأر لدى ضحية لم تشهد ظلماً وقع عليها خلال ثمانية الآف عام من عمرها كظلم الامريكي لها. لو وجدنا قطاعاً كبيراً من الرأي العام الامريكي يقول لنا: نحن متأسفون لضحاياكم ونشاطركم احزانكم ونعمل واياكم سوية لايقاف الظلم ومعاقبة الظالمين وتعويض المظلومين ، لأمكن للعراقي، وهو بالتأكيد غير اناني ، ان يتفهم ويغفر ويبدأ صفحة جديدة ، لكننا مع الاسف الشديد نشهد السقوط المريع للروادع الانسانية لدى الامريكي وعودة (الوحش) الى نزعته الاصلية التي دشن بها احتلاله لامريكا الشمالية عبر الابادة التامة للسكان الاصليين (الهنود الحمر) والذي بلغ عدد من قتلهم (112) مليون انسان! واباد معهم (50) مليون بقرة (جاموس) كي يعجل بالموت الجماعي لهم، لان البقر كان المصدر الاساسي لوجودهم !

         الامريكي اليوم تحت حجة (محاربة الارهاب) يقتلع من الجذور كل شروط السلام والتعايش بين الشعوب ويزرع احقاداً لاحدود لمخاطرها واثارها، فلئن كان الهنود الحمر شعباً غراً مجرداً من الحصانة الضرورية للمقاومة فان شعوب الكرة الارضية التي تعرضت للحروب والغزوات تمتلك خبرة وحصانة تجعلها ترد وتقاتل وتنتقم من الظالم بمختلف الوسائل، ولذلك ترون الآن شعب العراق يقاتل بأسنانه واظافره واسلحته المادية البسيطة ليس بدافع الانتقام، بل بدوافع الحرية وقدسية الوطن ورفض الاستعمار وطرد الغزاة القتلة.ان أي انسان يملك ولو ذرة من الانسانية يشاهد ما يفعله الامريكيون الان في الفلوجة من ابادة جماعية للمدنيين بتهديم البيوت على رؤوسهم وسحق جماجم اطفالهم بقذائف الدبابات والطائرات المقاتلة وتدمير المستشفيات عمدا وقصف دور العبادة الاسلامية ، لا يقبل ابدا بذلك مهما كانت الاسباب ، فكيف يقبل الامريكي بتلك الجرائم البشعة وهو يعرف ان شعب العراق لم يلحق أي اذى بالامريكيين ؟! وهل توجد صورة افظع  في نفس العراقي وهو يشاهد جنديا امريكيا يلوك العلكة ويبتسم وهو يقتل النساء والاطفال والشباب وكانه يصطاد بطة ؟

         هل يستطيع حتى اكثر العراقيين تسامحا ان يفهم ويتقبل قرار اغلبية المواطنين الامريكيين  اعادة انتخاب بوش بعد كل ما فعله ويفعله بشعب العراق ؟ وكيف يمكن تفسير حصول بوش على ملايين اصوات اكثر مما حصل منافسه مع انه ، اي بوش، فاز في الانتخابات السابقة بقرار محكمة ؟ اذن ، يستنتج العراقي وبصواب تام ، ان من انتخبوا بوش الان ارادوا ان يقولوا له : اذهب واقتل المزيد من العراقيين وواصل تدمير العراق ونهب ثرواته واغتصاب رجاله ونساءه واطفاله ومحو تاريخه ومتاحفه  ونحن ندعمك ونقف خلفك ! في العراق الان ينشأ جيل كامل لا يعرف شيئا عن الامريكي سوى انه رمز للموت والابادة للجنس البشري ، لذلك فان الخوف كل الخوف من اجيال تنشأ الان وهي تحمل قرارات (ثأر مقدس) لن يطفئه تصرم الزمن ، وسيصبح الامريكي مطلوبا للعدالة الانسانية والالاهية ، ولقرارات شباب لا يمكن ضبطهم  بعد ان قتل الامريكي والدهم او اغتصب شقيقتهم ! انها كارثة المستقبل الاسوأ ! والسؤال الاساسي هنا هو التالي : هل يرتكب الامريكيون تلك الجرائم البشعة من اجل تهيئة المناخ  واعداد مسرح العالم لصراع (حضارات) وقوده احقاد (مقدسة) ونزعات ثأر مدمرة ؟ وللتذكير فقط نقول رغم جرائم بوش الاب وكلنتون البشعة ضد شعب العراق فأن الحقد على الامريكي لم ينشا كظاهرة ، اما الان فلقد سقطت من ذاكرة العراقيين صور اغلب من أذوهم ولم تبقى حية نابضة في تلك الذاكرة الا صورة الامريكي الممسوس بنزعة الابادة  وهو يحمل منجل الموت ، بعد ان كانت الصورة النمطية له هي مزيج من ميكي ماوس وطرزان وسوبرمان و(جنة المهاجرين)، اي صورة (الامتاع  والمؤانسة) !

          ان اتجاهات التطرف اليميني والتوسعي الامريكي ، التي كشفت عن هيمنتها على المجتمع الامريكي الانتخابات الاخيرة ، تطلق نوازع الشر في العالم كله وتخنق اصوات السلام وتترك (عزرائيل) وحده متربعاً على عرش الخيارات الانسانية ! لقد حلت صورة (يهوه) اله الحرب ، حسب التوراة ، محل المسيح (ع) داعية السلام  والتسامح ، وهكذا اصبح  العراقي لا يتذكر الآن، وهو يعيش اكبر محنة واجهها خلال ثمانية آلاف عام، الا من شاركه ويشاركه احزانه، ويربت على كتفه ويكفكف دموع اطفاله ، اما الذين وقفوا الى جانبنا حينما كنا نبتسم ولم نعد نراهم الآن ، بل  صاروا يتهربون من كل عراقي ، فإن ذاكرتنا الجمعية والفردية  قد اسقطتهم ليس من تاريخ فات بل من زمن آت ،  لن يكون سادتة الا الذين ارتدوا الكفن وهم يحررون الوطن، وحينما سينهض الشهداء الأحياء لبناء الوطن المحرر سيذكرون فقط من تذكرهم حينما كانوا مشردين او يحملون البنادق. ان التغابي يصبح كارثة الاذكياء  حينما يغطسون في مستنقع  عدم التحسب من دورات الزمان بظنهم انه قد توقف !

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 28 رمضان 1425 / 11 تشرين الثاني 2004