اذا الفلوجة توقدت واذا الثورة ارعدت

شبكة البصرة

صلاح المختار

        لم يكن لدى احد منا اي وهم بشأن طبيعة معركة الفلوجة ، التي ما زالت مستمرة ، وامكانية احتلالها عسكريا جزئيا او كليا ، فهذا الامر يقع ضمن طبائع امور وقواعد حرب الشعب (العصابات) ، لذلك حذرنا اكثر من مرة من مغبة تصور ان تحرير المدن يعني المنع التام للعدو من دخولها او اعادة احتلالها وشددنا القول ان التحرير يعني اساسا حرمان العدو من البقاء لزمن طويل في المدن المحررة بعد دخولها ، وجعل قواته اهدافا سهلة للرمي على مدار الساعة . ورغم ان معركة الفلوجة ما زالت دائرة وان المقاومة تخوض معارك بطولية بصورة استثنائية في تاريخ حروب الشعب وتبعث على الفخر وتعمق الامل بقرب التحرير الكامل للعراق وتكشف بشكل متزايد حجم الخلل وعمق ثغرات الاحتلال ، فان تعقيدات الوضع الميداني ، وما قد تتركه من انطباعات خاطئة ، تتطلب ايضاح بعض الحقائق المهمة ، والتذكير ببعض قواعد الحرب الاساسية المتعلقة بنمط معين منها .

 

الخلفيات القريبة ومتطلبات النصر

        قبل كل شيئ ينبغي ان نوضح حقائق ما جرى في الفلوجة منذ نيسان ابريل الماضي ، فمنذ وقف اطلاق النار في ذلك الشهر وتسجيل المقاومة انتصار عسكري وسياسي مدو اذهل العالم وصدم امريكا وعجرفتها ونزوعها الامبراطوري ، تمثل في اجبار القوات الامريكية على التفاوض مع المقاومة ، رغم انها اعلنت انها لا تفاوض (ارهابيين) او (متمردين ) ، وانسحابها الذليل من الفلوجة ومقترباتها ومداخلها وفشلها في تحقيق الاهداف التي اعلنت عن تصميمها على تحقيقها ، منذ ذلك الوقت كانت كل المؤشرات تؤكد ان امريكا تعد العدة لمعركة مزدوجة الهدف : فمن  جهة تريد الثأر لهزيمتها لانه لا يجوز للقوة العظمى الوحيدة ان تهزم وبصورة فضائحية  ، ومن جهة ثانية كان من الضروري جدا توفير غطاء مقبول لانسحاب يحفظ ماء الوجه من العراق بعد ان ادركت انها وقعت في فخ العراق نتيجة حسابات حمقاء وخاطئة كليا ، وهو غطاء تسجيل انتصار شكلي في الفلوجة بالذات لانها برزت بصفتها اول مدينة عراقية تسجل نصرا عسكريا على امريكا في معركة نظامية وليس في حرب الشعب فقط ، لذلك كان ضروريا تحقيق انتصار سايكولوجي واعلامي حتى وان كان سيؤدي الى صب المزيد من الوقود على حرب الشعب ويقدم فرصة تاريخية للمقاومة كي تنقل الثورة المسلحة الى مرحلة اعلى .

        مقابل هذا التفكير والتخطيط الاحتلالي كانت القيادة المركزية للمقاومة والتحرير تجد في هذا التوجه الامريكي فرصا مهمة ، وليس فرصة واحدة ، لتوسيع وتجذير الثورة العراقية المسلحة بنقلها الى مرحلة الثورة القطرية الشاملة ، من الناحية الجغرافية ، وتأكيد ديمومتها ، من الناحية الزمنية ، حتى الطرد الكامل للاحتلال ، وذلك عبر استكمال بعض الشروط المهمة وابرزها :

1- تجذير الكره الجماهيري للاحتلال ، لان ذلك يوفر وقودا سريع الاشتعال ومستمر زمنيا لفترة تكفي لمد الثورة بالزخم المطلوب لمواصلة الطرق على الحديد وهو ساخن ، اي تصعيد العمل المسلح عموديا وافقيا .

2- تعزيز قدرات التنظيم المسلح على الفعل الثوري عبر تأكيد صواب فهمه لطبيعة الاحتلال واهدافه ، بصفته مشروعا استعماريا متكاملا ، واسقاط كل الامنيات الخاطئة حول امكانية الوصول الى (تفاهم) سلمي معه يضمن خروجه من العراق ، والتي تعشعش في ادمغة بعض الافراد والجماعات .

3- تكريس ثقافة حرب الشعب لدى الجماهير العراقية وجعلها تتفهم الفروق الجوهرية بينها وبين الحرب النظامية وفي مقدمتها ان حرب الشعب هدفها القضم التدريجي لقناعات العدو بانه يمكن ان ينتصر ليس عن طريق الحاق هزيمة عسكرية كلاسيكية وحاسمة وكبرى  به ، لان ذلك من حيث المبدأ غير ممكن ، بل عن طريق ايصاله للاقتناع بان خسائره الناجمة عن احتلال العراق تفوق المكاسب التي يسعى اليها ، وذلك بوضعه تحت مطرقة العمليات العسكرية المستمرة والخاضعة لقواعد حرب الشعب ،  عندها ستنهار عزيمته ومعنويات قياداته قبل جنوده وتنزرع فكرة الانسحاب في ذاكرته الخلفية ، ومن هناك تبدا جدلية التخطيط للانسحاب الذي يحفظ ماء الوجه ، وتلك هي نقطة البداية للهزيمة .

4- جعل كل معركة ، ومهما كانت صغيرة ومحدودة ، تصب في خدمة الهدف الستراتيجي وهو اكمال كافة شروط اقتناع العدوالنهائي  بان انسحابه حتمية لابد منها وان التفكير بالتراجع ، اذا وجد ان هناك امل بالبقاء ، في حالة تحقيقه مكسب عسكري محدود هنا او هناك ، ومن ثم  احتمال الغاء قرار الانسحاب ، ما هو الا تفكير انتحاري سيحرمه من فرصة الانسحاب المنظم الذي يحفظ ماء الوجه ، ويعرضه لحتمية الهزيمة المذلة والمهينة

5- حرمان العدو من القدرة على  بناء درع بشري عراقي متكامل التنظيم والامكانات ، مثل ما سمي ب (الحرس الوطني) والشرطة ، وقيام هذا الدرع بالاعمال القذرة للاحتلال مثل مهاجمة المقاومة او قمع الشعب ، وبذلك يوفر حياة جنود العدو ويمنع تعريضه للاستنزاف المميت  ، وهذا الوضع يقلل من امكانيات اقناعه بان مشروعه الاستعماري في العراق لن يكون مربحا وان عليه الانسحاب قبل فوات الاوان ، من هنا تبرز حتمية القضاء السريع والحاسم على القوات العراقية العميلة واخراجها من اي معركة بسرعة ، اذا بقي منها عدد يقاتل، واجبار قوات الاحتلال على  خوض المعارك مع المقاومة مباشرة لضمان قتل وجرح اكبر عدد ممكن من افراد العدو ، وتحميله خسائر مادية باهضة في المعدات لا يمكن تعويضها باستمرار والى ما لانهاية 

 

ماذا تحقق ؟

        ان معركة الفلوجة المستمرة والموصولة بمعارك تحرير العراق كلها قد قدمت وقودا اضافيا فريدا وبالغ الاهمية ، وهو وقود تجذر الكره الشعبي الشامل ليس للاحتلال فقط بل لامريكا بالذات ، فلقد انحسرت ثقافة التمييز بين امريكا واعمال اداراتها الاجرامية ضد شعب العراق ، والتي كانت سائدة حتى الغزو ، وتبلورت ثقافة كره امريكا كلها بأدارتها وشعبها الذي يعيد انتخاب من يبيدون شعب العراق ويبدي فرحه بذلك ، واصبحت هي الثقافة السائدة لدى الشعب العراقي ، وصار كل عراقي من الموصل الى البصرة ينظر الى امريكا بصفتها العدو الاخطر والاكثر كراهية للشعب العراقي والذي قتل منه عددا لم يقتله اي عدو للعراق في السابق وعلى امتداد ثمانية الاف عام ، واهان شعب العراق ومقدساته واغتصب نساءه ورجاله واطفاله جنسيا ، وهدم مساجده وانتهك حرمتها ، وحطم دولته الوطنية ونهب ثرواته ...الخ من الاعمال الاجرامية التي دخلت الذاكرة الجماعية للشعب العراقي وصارت المكون الاساسي لها . كما ان الشعب العراقي تأكد بالادلة الدامغة ان امريكا تنفذ مخططات الصهيونية العالمية القائمة على معاداة العرب والمسلمين وتهديم مجتمعاتهم ودولهم وتذويب هويتهم القومية والدينية ، ولذلك صار العراقي يتعامل مع امريكا ، وليس مع ادارتها فقط ، على انها العدو الاشد حقدا وقسوة ، وعلى انها اخطر سرطان ظهر في التاريخ البشري كله .

        ويترتب على هذا التحول امر بالغ الاهمية وهو ان عملاء الاحتلال في العراق والمتعاونين معه اوالمنفذين لمخططاته  اصبحوا في وضع بالغ السوء  والخطورة ، سواء كانوا (مراجع) دينية طائفية كالحوزة في النجف والاحزاب المزدوجة العمالة (لايران ولامريكا) كحزب الدعوة والمجلس الاعلى للردة على الاسلام وغيرها ، او الطائفية السنية الممثلة بالاخوان المسلمين (الحزب الاسلامي) الذين بلغ انحطاطهم الوطني والديني والاخلاقي حد الاكتفاء بالتهديد بالانسحاب من الحكومة العميلة للاستعمار رغم عمليات الابادة الجماعية في الفلوجة وغيرها ، والتي تنفذها الحكومة التي يشاركون فيها ، ورفض ممثلهم تجميد عضويته في الحكومة ، بدل قيامهم باعلان التوبة وغسل عار تعاونهم مع الاحتلال !

          ان الاحتلال قد حسم امر طبيعة اهدافه في العراق حينما مارس القسوة الاشد والوحشية في ابعد مدياتها المعروفة في كل تاريخ الحروب! ففي الفلوجة ، ومنذ بدا الهجوم ، تجري عمليات ابادة للمدنيين ، ليس فقط بالقنابل بل بمنع العلاج عبر تدمير المستشفيات عمدا او تحويلها الى مقرات عسكرية لقوات الاحتلال ، ومنع دخول الدواء والغذاء والقطع المتعمد للماء والكهرباء ، وقتل الجرحى باعداد كبيرة والتمثيل بالجثث وسحقها بالدبابات حتى تختفي ملامحها ، او ترمى الجثث في النهر ، او تركها في الطرقات حتى تتعفن والسماح للكلاب باكلها ، واخير وليس اخرا تدنيس المقدسات الاسلامية عمدا وقتل من احتمى بها من المدنيين .

        والاكثر مدعاة للتأمل في عقلية الاحتلال هو تعمده وضع الصليب على مدافع الدبابات وكتابة شعارات صليبية على جدران الفلوجة تشتم الاسلام والمسلمين ! في سعى متعمد لاشعال حروب دينية ، طبقا لثقافة (المحافظون  الجدد) او(المسيحية الصهيونية) او الليكوديون المسيطرون على ادارة بوش !

لقد اكدت جرائم الفلوجة ان المحرك الاساسي لادارة بوش هو هذه الثقافة الصليبية ، والتي لاتعني التبشير الديني فقط بل هي، بالاساس ، الغطاء التقليدي للمؤسسات الحاكمة في الغرب ، سواء كانت تلك التي شنت الحروب الصليبية القديمة او التي تشن الان (الحروب الصليبية الجديدة) ، ففي كل الحالات لا دور للدين سوى التمويه على نوازع اللصوصية والغزو الاستعماري ، الاقطاعي اولا  ثم  الراسمالي .

        ان الشركات الاحتكارية الكبرى ، وهي المحرك الاعظم للمؤسسة الامريكية الحاكمة بكافة مكوناتها ، تستغل المسيحية لتحشيد المهوسين والاصوليين خلفها ولدعم اهدافها الاستعمارية ، وما يفعله بوش اليوم هو نفس ما فعله امراء الاقطاع عند شن الحروب الصليبية ، خصوصا وانه رجل اعمال قبل ان يصبح رئيسا او حاكم ولاية ، وهو نفس ما فعله المهاجرون الاوائل  وكنائسهم التي      (افتت)  بقتل السكان الاصليين لانهم لا يتمتعون بصفة الانسان ومن ثم  فان (رحمة المسيح لا تشملهم) ، وهذا ما فعلوه بالضبط في الفلوجة !

         لقد عرف العراقيون كل ذلك وشمل هذ الادراك اقلهم وعيا واكثرهم ترددا تجاه الاحتلال فحسمت الامور والمواقف ، وبرز اجماع وطني عام يقول ان امريكا جاءت من اجل النهب  وتدمير العراق والاساءة للعراقيين وتدمير الاسلام ومحو عروبة وطنهم خدمة لاسرائيل ، من جهة ، ولتوفير مصدر نهب اساسي للراسمالية الامريكية من جهة ثانية ، وهكذا تم تحقيق احد اهم شروط تصعيد الثورة المسلحة وهو العزل الجوهري لعملاء الاحتلال (خصوصا المعممين منهم) وجعلهم يواجهون الحقد ونزعة  الثار لدى الاغلبية الساحقة من العراقيين، وهذا التطور يزيد من عزلة الاحتلال ، ويوفر للمقاومة المسلحة المزيد من الملاذات الامنة والدعم ويفتح الابواب على مصاريعها لانخراط الالوف من الناس في مسيرة الجهاد المقدس ، ويمهد كل الطرق لانتقال الثورة المسلحة الى مرحلتها الاخيرة والحاسمة وهي طرد الاحتلال .

        ويفسر ما قلناه السبب الذي جعل السيستاني ، واضرابه من العملاء المزدوجين (لامريكا وايران) ، يقدم على التخلي عن دوره السابق ، الذي قام على ادعاء ان الحوزة (فوق السياسة ولا تتدخل في امور الحكم ولذلك ليس ضروريا ان تصدر فتوى بالجهاد ضد الاحتلال) ، وقيام  الحوزة  بدور المروج اليومي للانتخابات التي اعدها الاحتلال لتكريس احتلاله واضفاء صفة (شرعية) مزيفة عليه ، ووصل انخراط الحوزة في خدمة الاستعمار حد اصدار السيستاني فتوى تهدد من لا يشارك في الانتخابات بالذهاب الى النار ، وتعد من يشارك بالذهاب الى الجنة ! وكما يقوم كل رئيس امريكي بالترويج للسلع الامريكية اثناء رحلات العمل قام السيستاني بدور الوكيل الذي كلف باقناع من لم يقتنع من العراقيين غير المسلمين بالاشتراك في الانتخابات ، وهو ما فعله حينما استقبل رجل دين مسيحي !

        لماذا اقدم السيستاني واضربه على فضح دوره الحقيقي الذي كان يخفيه ؟ ببساطة الجواب هو ان معارك تحرير العراق قد وصلت مرحلة متقدمة واقتربت الثورة من النصر الحاسم ، وما لم يقم تحالف امريكا ايران اسرائيل بخطوات فعالة لضمان منع الثورة من الوصول الى نهايتها الطبيعية ، وهي التحرير الكامل للعراق ، فان هذه الاطراف ستخسر كل (انجازاتها) الكبيرة التي تحققت قبل واثناء الاحتلال مثل تدمير الدولة الوطنية والقضاء على انجازاتها العظيمة في المجالات العلمية والتكنولوجية والمادية ، ومحاولة التخلص من جيش العلماء والمهندسين ، وتغيير الطبيعة السكانية للعراق بادخال اربعة ملايين ايراني وكردي الى العراق ومنحهم الجنسية العراقية ، ونهب ثرواته ومحاولة محو تاريخه الحضاري وهويته العربية- الاسلامية ... الخ ، لذلك لم يعد هناك مجال للتخفي خلف شعارات (رفض الاحتلال سلميا) ، واضطر كل طرف للوقوف في خندقه الحقيقي .

         ان هذا التحول الخطير يعد مكسبا للشعب العراقي بكافة مكوناته ، لانه فضح ما كان مستورا باحكام خلال العقود الماضية وسبب اذى بالغا وخسائر جسيمة للعراق نتيجة تداخل الخنادق وعمليات التضليل الطائفي والعرقي الناجحة للكثير من الناس من كل الاطياف العراقية ، والان سقطت عمليا مفاعيل (التقية) والطائفية واقتنعت الاغلبية من الشيعة ، وهم شيعة علي (ك) بضرورة غسل عار الخيانة الوطنية العظمى الذي سببته (مراجع) واحزاب اصولها وجنسيتها وولائها ايراني صرف ، خدمت الاحتلال وكانت احد العوامل الحاسمة في نجاحه وتدمير العراق وحصول كل ما حصل من كوارث للعراق وشعبه ، وغسل العار هذا لن يتم الا بالانخراط غير المتحفظ في صفوف الثورة المسلحة ضد الاحتلال . ويكفي فخرا للبعثيين الشيعة انهم بقوا وطنيين عراقيين ورفضوا الانسياق وراء النداء الطائفي المدمر الذي دعاهم للحياد بين غزو وطنهم من قبل الاستعمار الصهيو-امريكي وبين المقاومة المسلحة للغزو التي باشرت بها ملايين الوطنيين العراقيين الذي حموا شرف العراق واستقلاله بدمائهم وارواحهم ، واختاروا العراق وليس النداء الطائفي وواصلوا المقاومة المسلحة ضد الاحتلال في اطار الحزب ومنظماته المسلحة التي فجرت الثورة وما زالت تقودها .

        وما قلناه عن الطائفية لدى اوساط شيعية مشبوهة ينطبق على اوساط طائفية سنية مشبوهة ايضا وبالتمام والكمال ، فلقد قام (الاخوان المسلمون) ، وهم الوجه الاخر لعملة الطائفية في العراق بزعامة محسن عبدالحميد ، بخدمة الاحتلال واثارة الفتنة الطائفية بدل الانضمام للثورة المسلحة ضد الاحتلال ، وكان هذا الحزب يحاول الاستمرار في خداع اعضاءه بالادعاء انه تعاون مع الاحتلال  (للحفاظ على مصالح السنة) ، متناسيا ان المصلحة التي تضررت هي مصلحة العراق كله وليس طائفة او عرق معين، وما لم تكن مواجهة المخاطر منصبة على حماية العراق كله فان السعي المنفرد لحماية اي فئة بمفردها سيصب  حتما في خدمة الاحتلال ، لسبب بسيط وهو انه يفتت قضية تحرير العراق ، ويحولها الى قضايا جزئية متناثرة ومتضادة يمكن احتوائها وتسخيرها لاثارة الفتن الطائفية والعرقية ، وهذا بالضبط هو ما يريده الاحتلال .

           الان يبدو الاصطفاف السياسي في العراق واضحا تماما بعد انتهاء لعبة تداخل الخنادق وفرزها بوضوح تام ، فعملاء الاحتلال يقفون في جبهة موحدة سنة وشيعة واكراد وغيرهم تحت امرة الاحتلال الاستعماري ، والعراقيون الاصلاء ، من شيعة علي (ك) وسنة الجهاد والمسيحيون الابطال واكراد وتركمان العراق الواحد وغيرهم يقفون تحت امرة المقاومة الوطنية والاسلامية الموحدة . ان معركة الفلوجة قد حققت كل ذلك وغيره كثير ، وامنت لشعب العراق الفرز النهائي والحاسم بين الخنادق ووضعت كل وطني عراقي حقيقي امام مسؤوليته الوطنية التي لا تعلوها اي مسؤولية مهما عظمت ، مادام الوطن هو القلعة التي تحمي الدين والعرض والهوية القومية ، واذا سقطت قلعة الوطن انكشف كل شيئ امام رماح الاعداء ، فقط تذكروا عزة بيوت الله وكيف كانت مصانة في عهد الرئيس صدام حسين (فك الله اسره) وكيف صارت بيوت الله اول اهداف الغزاة بعد تحطيم قلعة الوطن العزيز والمستقل واسقاط درعه الواقي : النظام الوطني.

 

استنزاف مميت

         ان معركة الفلوجة المستمرة قد حققت هدفا جوهريا اخرا للثورة المسلحة وهو اجبار الاحتلال على الاسقاط الفعلي لسياسة التخفي خلف (درع عراقي) يحميه من رصاص المقاومة ، اذ بعد ان مزقت المقاومة في كل العراق ، وبالتزامن مع معركة الفلوجة وكجزء من متطلباتها ،  الحرس الوثني العميل شر ممزق ، اضطرت قوات الاحتلال الامريكي ، وهي كارهة ، الى دخول الفلوجة بنفسها والتعرض للقتل والجرح ، واذا اخذنا الارقام التي اعلنها الاحتلال عن خسائره ، وهي اقل بكثير من الحقيقة ، تبين لنا ان اكثر من 500 امريكي قد نقلوا الى المانيا فقط في حالة خطرة ، بدليل نقلهم الى المانيا وعدم امكانية معالجتهم في العراق ، اضافة لالاف اخرين بقوا في مستشفيات العراق او دول مجاورة او قريبة من العراق ، خصوصا الكويت ، او ماتوا ودفنوا في العراق . واذا افترضنا ان نصف الرقم المعلن قد ماتوا فان امريكا خسرت ما لا يقل عن 250 جندي وضابط، رغم اننا واثقون ان العدد التقريبي لقتلى امريكا في معارك الفلوجة وحتى اليوم (18-11-2004) يتراوح بين  500 - 700 قتيل . اما الجرحى فعددهم كبير جدا ومن المؤكد انه ضعف عدد القتلى مرتين على الاقل ، ومن المؤكد ايضا ان قسما منهم سيصاب بالعوق ويخرج من المعركة .

           يضاف الى ما تقدم فان معارك الفلوجة قد كشفت مستورين : الكشف الاول هو الجرائم البشعة ضد الانسانية التي ارتكبتها ، وما زالت ترتكبها قوات الاحتلال ضد المدنيين والرغبة الجامحة لدى امريكا بتحويل الفلوجة بكاملها الى مقبرة جماعية واحدة ، وهو ما اكده نيغروبونتي الحاكم الاستعماري الامريكي في العراق يوم 17- 11- 2004 حينما قال ان ما جرى في الفلوجة هو درس قاس للاخرين ،  فلقد عرف العالم ، ورغم التعتيم الاعلامي الاجباري والمطلق ، بعض ما يجري في الفلوجة ، وترسخت قناعات شعوب وحكومات كثيرة في العالم تقول ان امريكا ليست سوى ألة قتل حينما يغيب عامل الردع . اما الكشف الثاني فهو الدور القذر والاجرامي للاعلام الامريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام ، حيث عرف العالم ان امريكا ، وبصورة رسمية ، قد منعت الاعلام من تغطية حرب الابادة ضد الفلوجيين، ولم يفعل هذا الاعلام ما كان يفعله حينما يسمح له بالتغطية في العراق وغيره بوجود مرافق من وزارة الاعلام لمساعدته فيجعل من ذلك دافعا لشن حملات  لفضح (جريمة العالم الثالث  الخاصة بالتدخلات الفضة في حرية  الاعلام) ، لقد صمتت المؤسسات الاعلامية الغربية  الكبرى وطربت لمنعها لان الضحايا هم من ابناء اسماعيل ! . وهذا الكشف ينطبق على جمعيات حقوق الانسان وكل هيئات الجريمة المنظمة التي تطلق عليها تسمية (منظمات المجتمع المدني) ، التي التزمت الصمت التام او اطلقت بيانات خجولة تحمل في ثناياها عار من اصدرها ، تتصدرها  عبارات مثل :(ننبه) او (نلفت النظر) او (ان ما جرى في الفلوجة خرق لكذا) ، في حين انها كانت تشن حملات يومية شرسة ضد العراق ودول العالم الثالث وتضغط على الامم المتحدة والحكومات لدفعها للمقاطعة وفرض عقوبات وشن هجمات عسكرية ! ومن المفارقات المدهشة ان منظمة (هيومن رايت واتش) قد وصلت وقاحتها وعمالتها وعنصريتها حد انها اصدرت بيانا قويا جدا يطالب الامم المتحدة بفرض حظر على تصدير السلاح ليس على امريكا وبريطانيا بل على السودان يوم 16- 11- 2004 اي في يوم الذروة في جرائم امريكا ، والذي كان العالم مشغولا فيه بجريمة قتل الجرحى في مساجد الفلوجة !!!

       ان سقوط الاقنعة وبصورة حاسمة ونهائية عن الوجوه الكالحة للقوى الطائفية ورموزها ، وللمنظمات (الانسانية) ولدول قريبة وبعيدة قدم للثورة العراقية الظافرة وقودا نوويا ، اي طويل الامد ، يزيد من اشتعالها وتوسعها . ويجب هنا ان نذكر بظاهرة عظيمة تكرست اثناء معركة الفلوجة المستمرة وهي ذلك التزامن القطري الرائع للعمليات العسكرية التي قامت بها المقاومة وشملت رقعة العراق الجغرافية كلها ، بما في ذلك الجزء الكردي من الشمال ، الذي شهد الغاء حفلات استقبال المهنئين بالعيد خوفا من عمليات المقاومة التي يقوم بها الاكراد العراقيون المتمسكون بوحدة لعراق ، وتمت خلالها عمليات الاستيلاء على اغلب مدن العراق وتحريرها من الاحتلال وطرد قواته منها بقوة السلاح ، في اكبر تمرين عسكري للاستيلاء الدائم على مدن العراق قريبا انشاء الله .

                ولابد ان ننوه في هذا الاطار بالدور المهم للمقاومة الوطنية في الجنوب ، حيث شهدت مدنه ، خصوصا البصرة ، عمليات عسكرية نوعية غير مسبوقة ضد ضد القوات البريطانية التي فقدت عددا كبيرا من جنودها ، وضد عملاء الاحتلال الذين تدفقوا على البصرة هربا من مطاردة الشعب العراقي  لهم في وسط وجنوب العراق بسبب خدمتهم للاحتلال .

النصر الحاسم القريب

         اذن ما يجري في الفلوجة من قتال بطولي ضار اثبت فيه جيشنا الباسل بمجاهديه وفدائييه انه الدرع الواقي للعراق القادر على حماية الوطن والعرض والدين ، وما تحرير اغلب مدن العراق وتحريم البقاء الطويل فيها على الاحتلال الا انموذج لتوفيق الله لجنده وتأكيد على ان الشعب العراقي يقف موحدا قابرا للعملاء والفتن التي ارادوا اشعالها ، ممهدا الطريق ليوم الايام يوم طرد الاحتلال قريبا انشاء الله . ان معركة الفلوجة هي التمرين العسكري والاداري الاكبر على الامساك بالمدن المحررة ومنع العدو من دخولها نهائيا، واذا اصر على دخولها فانه سيرى الفزع الاعظم ، وهو ما يراه الان في الفلوجة ، وهذا يعني ان هذه المعركة هي الخطوة الاساسية والحاسمة لاعلان تحرير العراق وطرد الاحتلال ، فالذي يعجز عن احتلال الفلوجة بعد اكثر من 10 ايام على بدء المعركة البرية التي سبقتها هجمات جوية ومدفعية قاتلة ، وهي مدينة صغيرة رغم حشد جيش ضخم واستخدام اسلحة محرمة واتباع سياسة الارض المحروقة التي تقوم على تدمير وابادة كل ما يعلو فوق الارض من بشر وحجر وحيوان ، لا يستطيع ان يعيد احتلال مدينة مثل بغداد والموصل وغيرها، حينما سيحين موعد اعلان تحريرها التام قريبا .

  ويترتب على هذا الوضع الجديد المجافي لخطط الاحتلال بروز عدة نتائج مهمة ، منها ان اجراء الانتخابات اصبح موضوعا مشكوكا فيه ، لان من المؤكد ان العمليات العسكرية للجيش العراقي ، اداة المقاومة الضاربة ، ستتصاعد وتتسع وسيكون اول هدف لها منع الاحتلال من الحصول على غطاء (شرعي) له عبر الانتخابات ، ولذلك حذرت المقاومة ، على لسان البعث ، من انها ستضرب بشدة كل اجراء يقصد به التمهيد لاجراء انتخابات صورية ، ومن المتوقع تماما ان يشهد يوم الانتخابات اعلان المقاومة منع التجول وتحريم الخروج فيه لضمان توجه نار المقاومة الى اعداء العراق وليس الى اي عراقي .

        لقد انتقلت الثورة المسلحة ، انطلاقا من معركة الفلوجة ، من نمط القتال المتعدد الجبهات والمتزامن الذي خطط كي يستنزف الاحتلال ويعيد تشكيل قناعاته ، الى نمط من القتال هدفه اكمال عملية غسل دماغ الادارة الامريكية ومن يقف خلفها والدفع باتجاه ادراك امريكا ان الوقت الانسب للانسحاب الحافظ لماء الوجه هو المحصور بين شهري شباط فبراير وايار ماي من عام 2005، لان التأخر بعد هذه الفترة سيعزز احتمال بقاء بديل واحد : الهروب الذليل وغير المنظم من العراق ، فهل تعي امريكا الدروس القاسية لمعركة الفلوجة ؟

 ما الذي يعنيه كل ذلك ؟ انه يعني اول ما يعني ان حكومة علاوي قد قرضت حبل عمرها القصير ، فهي ستصبح الشماعة التي سيعلق الاحتلال عليها جرائمه وفشله ، ومنذ الان اخذ الاحتلال بدفع بديل اخر لتشكيل حكومة اخرى وسيمنح  علاوي نفس الهدية التي قدمت للجلبي : قيام نيغروبونتي بركله على مؤخرته وهو يحتسي بيرة هانيكاه اليهودية وليس هانيكان الالمانية  . هل هناك من لا يعرف الفرق بين الهانيكاه والهانيكان ؟ اذا كان الجواب نعم فيرجى الاتصال بمحسن عبدالحميد زعيم حزب الاخوان المسلمين  الممسوس بالهانيكاه والمدمن على الهانيكان !

salah_almukhtar@yahoo.com

شبكة البصرة

الخميس 5 شوال 1425 / 18 تشرين الثاني 2004