نواقض الشفافية

شبكة البصرة

صلاح المختار

       الشفافية مصطلح ادخلته اميركا واوربا الى مفردات اللغة السياسية اليومية  في السنوات السابقة لاحداث 11/ ايلول- سبتمبر / 2001 في اطار خطة  تجريد الاتحاد السوفيتي والصين وبقية الدول الشيوعية ، اضافة لنظم متحررة ، من القدرة على اخفاء ماعد عيوبا ونواقص في مجتمعاتها ، خصوصاً السياسية ، والتي كانت قائمة على التوتاليتارية ( النزعة الشمولية) . ونجحت اللعبة الامريكية في اكبر مراهناتها : ايقاع رئيس الاتحاد السوفيتي في (فخ الشفافية) ، حينما تبنى ميخائيل غورباتشوف، والذي دخل تاريخ الانسانية بصفته واحداً من اكثر المجرمين الفاسدين وضاعة ، شعارالغلاسنوست ، اي الشفافية ، وتوأمها :  البيروسترويكا  ،أي الاصلاح، او اعادة النظر. فهذا الرجل الذي كان رئيس الدولة ورئيس الحزب الحاكم وقبلها مدير المخابرات ، ظن ان الخلل في الاتحاد السوفيتي هو العتمة ، كما اوهمه الغرب ، فاختار الشفافية بديلاً ، لكن ذلك الحل  كان محض سم قاتل لم يقتل بلده فقط ، بل فتح الابواب لاكبر واقسى معتمي ومزوري التاريخ والواقع البشريين ! كيف ذلك ؟
         كانت الكتلة ، او الكتل ، الشيوعية ، تقوم على ماسمي بـــ( الستار الحديدي) ، اي عزلها عن (العالم الرأسمالي) لتجنب (شرور الرأسمالية ) وبناء الشيوعية في (مناخ صحي) ، ولذلك كانت المشكلة الاعقد التي واجهتها المخابرات والدعاية الغربية هي انغلاق المجتمعات والمواطنين في الكتل الشيوعية بطريقة حصَّنت الخصم اللدود للرأسمالية وجعلته يحقق انجازات علمية وتكنولوجية عظيمة وبسرية ، الى ان وصلت الكلبة الشيوعية (لايكا) الى الفضاء الخارجي بواسطة قمر سوفيتي ، فزاد رعب الغرب لانه اصبح تحت رحمة صواريخ الشيوعية   النووية . من هنا كان يجب تحطيم (الستار الحديدي) قبل التفكير في دحر الشيوعية لانه (درعها الواقي) اجتماعياً وسايكولوجيا، وكانت الليبرالية ، و(النزعة الاستهلاكية) ومنتجاتها، هي السلاح الجبار الذي طرحت سلعته في الاسواق في مرحلة متطورة من الصراع تحت تسمية (الشفافية) .
          ماهي الشفافية ؟ انها تعني الانفتاح والتخلي عن الغموض والسرية واللف والدوران والكذب والتضليل وجعل كل شيء قابلاً للتحقق والرؤية السليمة ، ومن ثم ابعاد اجهزة الدولة والتضليل الاعلامي عن قرارات الافراد ، اضافة لتحويل ، الحكومات الى اناء زجاجي يفضح كل مايحويه ويعريه حتى العظم ! ولئن كانت الشفافية الليبرالية جزءاً طبيعياً من نظم رأسمالية نهبت ، وابادت واضطهدت  حتى اغتنت ، فوضعت (قواعد) تكرس كل ماحصل عن طريق آليات امتصاص النقمة ومنع وصول الغضب والتمرد الى مرحلة الانفجار الثوري ، والسيطرة على مشاعر الظلم الشديد ، فتركت للناس لساناً طويلاً ينتقد الكل وقوانين تحاسب الكل، لئن كان ذلك طبيعياً في الرأسمالية فأنه صار السم القاتل لنظام قام في جوهره على عكس قيام الرأسمالية ، اي انه نظام يمثل مصالح الشعب وجاء لازالة الظلم الرأسمالي ، ومن ثم لاداعي للحط من هيبة الدولة والحكومة بجعلها ( ممسحة ) يستخدمها كل فرد لازالة قاذورات (حذاءه) او التنفيس عن مكبوتات عقده  او التامر على الدولة والوطن.

           وهكذا رأينا أنموذجان للدول: دول رأسمالية تسودها( الشفافية) التي تصل حد شتم رئيس الدولة والسخرية منه ومطالبة وزرائه باخراج بطانات جيوبهم لرؤية مافيها ونزع ملابس نسائهم لفحص (فراءها) ! ودولة شيوعية مهيبة ومهابة لايجرؤ الفرد على الاقتراب من رموزها ، فنشأت اليتان وسايكولوجيتان متناقضتان ومتنافرتان لايمكن الجمع بينهما ، وهذا هو السر في تقوض الاتحاد السوفيتي حينما تبنى غوربا تشوف (الغلاسنوست) و(البيروسترويكا) ! لقد قام الاخير بوضع السمكة في إناء من ذهب لكنه بلا ماء ، فما فائدة الذهب لسمكة لا تتنفس الاوكسجين الا مخلوطاً بالماء؟

اسطورة شفافية الغرب

         وبعد ان انتحر (الدب) الروسي واستفاد (التنين) الصيني مما حدث فتكيف ، بدأ الغرب يكشف النقاب عن ان الشفافية بشكل خاص ، والليبرالية بشكل عام ، هما مجرد (ورق تواليت) يستعمل لمسح واخفاء قاذوراته ذات الرائحة الاكثر سوءا ًوعفونة  في التاريخين السري والعلني للروائح ! لقد زال (بعبع) الشيوعية وصواريخها النووية وجاذبيتها في اوساط عمال الغرب ، لذلك لم تعد كل الادوات التي استخدمت ضرورية ، وكان اول الضحايا هو الشفافية ، وراينا (ستارات حديديه) تفرض داخل دول الغرب وخارجها للوصول الى نفس ما ارادت الشيوعية الوصول اليه : منع مواطني الغرب والعالم من رؤية حقيقة مايجري عبر تزوير الاعلام  واكاذيب الحكام ، التي تسوق على انها حقائق !

العراق انموذجاً

         اذا اخذنا قضية العراق كنموذج يكشف عن قيام الغرب بدفن الشفافية ، ومعها الليبرالية والديمقراطية ، سنجد ان مايقوم به قادته هو نفس ماقام به غوربا تشوف ولكن يشكل معكوس ! وتلك هي واحدة من مفارقات التاريخ البشري المدهشة ، فلقد قام (غورباتشوفات) الغرب ، وليس البوشين الاب والابن  وبينهما كلنتون وحدهم، بتزيين مادونا ، نجمة الغناء الغربية ، التي تفكر اكثر واعمق مما يفعل زعماء الغرب المنهمكين في النهب وجسد ابيض عذب، بالماس والجواهر واطعمت الكافيار لكنها اجبرت على الغوص تحت الماء لمدة ربع ساعة من اجل انتاج دعاية تثبت ان من يأكل الكافيارلا يصبح مثل برلسكوني ( رئيس وزراء ايطاليا )  سوبر فحل  فقط بل انه ايضا لايختنق حينما يغطس تحت الماء! فماذا كانت النتيجة ؟ فيما بقي برلسكوني حائرا وهو يواجه اعظم ازمات ايطاليا من جراء هيجان فحولته  ماتت مادونا مختنقة من تسرب الماء الى رئتيها، كما ماتت سمكة غورباتشوف  من تسرب الهواء النقي الى رئتيها! ابتدأت (القصة الكبيرة) في عام 1990مع تفجر ازمة الكويت بتنفيذ خطة عالمية تقوم على ثلاثة مداميك عتمة : عتمة داخل اميركا واوربا ، وعتمة حول العراق، وعتمة الاخضر والاحمر . 

عتمة اميركا واوربا

          استندت عتمة الداخل (الاميركي والاوروبي ) على تحقيق هدف محدد وهو عدم السماح للرأي العام الغربي بمعرفة خلفيات ازمة الكويت وتطوراتها والمواقف الحقيقية لاطرافها خصوصاً العراق ، عن طريق ترويج معلومات كاذبة تصور العراق رافضاً لأي حل سلمي للازمة وطامعاً في ثروات الكويت ومخططاً للقيام بغزو السعودية بعد (التهام الكويت ) ! وكانت قصة (حاضنات ) الاطفال الخدج التي اتهم فيها الجيش العراقي بسرقتها من مستشفيات الكويت فنجم عن ذلك موت الاطفال ، هي التي اقنعت الكونغرس الامريكي  بتغيير معارضته للحرب والموافقة على طلب الرئيس بشنها ، ثم تبين فيما بعد ان تلك القصة كاذبة وكانت تمثيلية مدبرة لتضليل الكونغرس والراي العام الامريكي ! كذلك اكتشف ان قصة تخطيط العراق لغزو السعودية كانت هي الاخرى جزء من حملة ( تعتيم الصورة ) لأجبار المسؤول والمواطن في امريكا وغيرها على قبول ماكان يرفضه  ، وهو الحرب .
          وتكرر استخدام تكتيك التعتيم عند الاعداد لغزو العراق فصنعت اكاذيب اسلحة الدمار الشامل والصلة بـــ(الارهاب)  وتزويرات المقابر الجماعية، ومرة اخرى ثبت انها كانت اكاذيب وتزويرات قصد بها تضليل الكونغرس  والامريكي العادي ومنعه من معرفة الاحداث الحقيقية بشفافية وبلا تأثيرات . اضافة لذلك استخدم الابتزاز السايكولوجي مع الشعب الامريكي وشعوب اوروبا ايضاً لاقناعها بأن من يعارض السياسات الحربية التوسعية  لبوش وبلير يقف  ضد المصالح الوطنية لامريكا وبلدان اوروبية ، ووجهت في هذا الاطار اتهامات بــ( اللاوطنية) لكتَّاب ومفكرين وساسة امريكيين عارضوا الحرب على العراق ، الأمر الذي ارهب الاغلبية وجعلها (اغلبية صامتة) خوفاً من تهمة (اللاوطنية) ، فحرم الكاتب والمثقف وعضو الكونغرس من احد اهم حقوق وقواعد الشفافية : النقد ورفض سياسات الحكومة ! لقد صارت اميركا أنموذجاً لتعمد اغماض عين وعقل المواطن ومنعه من معرفة الحقيقة وان عرفها ، رغم ذلك التكتيك ، اجبر بالابتزاز على السكوت! وصدرت قوانين تقيد حقوق المواطنين في كافة المجالات بحجة الامن ، مما دفع الكثير من الامريكيين الى التحذير من مكارثية جديدة ، والقضاء على الحقوق المدنية والتي كفلها الدستور الامريكي !

عتمة حول العراق

         فرض الحصار على العراق وشن العدوان الثلاثيني عليه وارتكبت جرائم حرب واخرى ضد الانسانية ضد شعب العراق ، ومضت (13) سنة من العذاب الشديد للعراقيين مات بسببها مليون و800 الف عراقي نتيجة استخدام اليورانيوم المنضب والنقص الحاد في الدواء والغذاء في بلد غني جداً ، ومع ذلك عجز اغلب الرأي العام الامريكي عن معرفة حقيقة مايجري في العراق ، لان خطة التعمية والتعتيم كانت تفرض تشوية الحقائق ، فتصور الكونغرس والرأي العام الامريكي ان الحصار مازال شرعياً لان العراق لم ينفذ التزاماته ، مع انه نفذها ، وان آثاره بسيطة ورغم انها تقتل الاطفال والنساء والرجال يومياً، بمعدل يتراوح بين (250-300) عراقي! وعملية منع المعرفة هذه نفذها المسؤولون الاميركيون الذين كانوا ينفون معاناة الشعب العراقي ويصفونها بانها (مبالغات دعائية)، كما نفذها ، وهذا هو الأهم والأخطر، اعلاميون واجهزة اعلام امريكية واوربية ، عبر غسل ادمغة الرأي العام بمقالات وتقارير تقلب الضحية وتجعله( جلادا) ، وهو العراق ، وتقلب الجلاد وتجعله (ضحية) ، وهو امريكا وبريطانيا . وبتضافر جهود المسؤولين والاعلام والاكاديميين في الغرب حرم المواطن الغربي من
الشفافية تماماً واصبح يواجه (ستاراً حديدياً) عالياً يمنعه من الرؤية وادراك  حقيقة ما يجري في العراق، ولذلك تمادت الادارتين الاميركية والبريطانية في سياستهما المشتركة ضد الشعب العراقي .

عتمة الاخضر والاحمر

        وعلى امتداد العالم رأينا حقائب (سامسونايت) يدوية تدور بين مكاتب الاعلاميين والاكاديميين والساسة ومكاتب العلاقات العامة ، وتتوقف هناك وتفتح وتعطي من يجلس في تلك المكاتب رزماً من الاخضر ، اي الدولار، كي يكتب ويقول ويفعل ماتريده امريكا ، وبالاخص التضليل والتعتيم ، وهكذا نقلت اميركا الى العالم واحدة من ابرز سمات ثقافتها الوطنية ، والمجسدة في المثل الامريكي  المعروف والاشهر : (لايوجد انسان لايمكن شراؤه والفرق هو في الثمن) ! ووصلت (استراتيجية الاخضر ) ذروتها بقيام اميركا بالقاء ملايين الدولارات من الطائرات على مناطق شيوخ القبائل الافغانية اثناء غزو افغانستان لاقناعهم بالتوقف عن دعم طالبان! وحاولت تكرار ذلك في العراق ، اثناء غزوه ، الا انها فشلت . وهذه العملية كانت الاعلان الرسمي عن تبني اميركا سياسة الافساد المنظم للضمائر على امتداد العالم وليس داخل اميركا فقط ، ودخول الفساد كمكون رسمي ورئيس ومعلن في العلاقات الدولية ، بعد ان كان ستراتيجية سرية ! اما عتمة الاحمر فهي تكتيك التعامل مع من يرفض بيع الضمير ويدوس على الاخضر بقدميه ، ويصر على دعم قضايا الحرية سواءً  كان كاتباً او سياسياً ، عندها عليه ان يواجه مافيات الجريمة المنظمة التي تستلم من امريكا حفنة من الاخضر لسفح الاحمر ، اي دم من يرفض المساومة !

          ويتضح دور التعتيم الاحمر في اعلان الرئيس الامريكي جورج بوش الابن انه اعاد تبني سياسة اغتيال كل من (يهدد الامن القومي) الامريكي ، و(التهديد) هذا كالعلكة الامريكية يمكن توسيعها لتصبح بحجم الكف كما يمكن تصغيرها لتصبح بقدر حبة الكرز ! ماهي نتيجة هذه العتمات وبحور الظلمات ؟ انها الاغتيال الرسمي والفعلي للشفافية ، ومعها اخواتها الليبرالية والديمقراطية وحقوق الانسان ، ولم تنج إلا حقوق الحيوان، والسبب في حظوة الحيوان لدى (المحافظون الجدد ) ، ومرجعهم ( الروحي ) محمد بحر العلوم ، هو ان لورا ، زوجة بوش ،  لديها كلبة لا تستطيع النوم الا اذا غنى  لها بحر العلوم اغنية ( طالعة من بيت ابوها رايحة البيت الجيران) ! الم نقل ان بوش الابن يقوم الآن بما قام به غوربا تشوف ولكن بالمقلوب؟ غوربا تشوف خنق (سمكة ) الاتحاد السوفيتي بالهواء النقي ،  وبوش يخنق (مادونا)  بالماء القراح ، وفي الحالتين نحن بإزاء ثقب اسود امريكي ، التهم كل تزويرات واكاذيب ليبرالية الغرب، المركب تربويا ، وربما جينيا ،على اجتثاث الاخر، وهاهو يقترب من التهام اميركا بالذات في نهاية المطاف ! راقبوا هلوكوست الفلوجة المفتوح بكل الاتجاهات والاحتمالات ، سترون انه يحرق  احلام امريكا الامبراطورية الحلوة ويغرز بدلها كوابيس لها بداية لكنها بلا نهاية .

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاربعاء 11 شوال 1425 / 24 تشرين الثاني 2004