المؤتمر التأسيسي : أنتباه، والان جاء دور الستربتيز!

الجزء الاول

شبكة البصرة

صلاح المختار

ملاحظات تمهيدية

         حينما عقد (مؤتمر بيروت التاسيسي) هاجمه وطنيون كثيرون لاسباب معروفة بعكس ما حصل قبل ذلك عند عقد (مؤتمر بغداد التأسيسي)  ، والذي استقبل بحذر وترقب ومراقبة دقيقة وذلك لوجود عناصر (وطنية) فيه اضافة للمشبوهين والعملاء ، ولم يهاجم احتراما للوطنيين وحرصا على تبصيرهم بمخاطر الثقة بمشبوهين وعملاء ، ورغبة في رؤية هذه العناصر تحتوي وتبعد الاخرين وتجعل المؤتمر اداة دعم للمقاومة المسلحة ، ومع هذا بقيت التساؤلات حوله تترى وتتناسل يوما بعد اخر حتى انكشفت الصورة بدرجة تكفي لفضح ما كان مستورا ، وهو ان مؤسسين فيه ارادوه وسيلة لاضعاف المقاومة او القفز من فوقها او التصيد في المياه العكرة والتطلع الاحمق لجعله بديلا عن المقاومة المسلحة في اطار مخطط الاحتلال لتنصيب حكومة عميلة ولكنها مموهة وليس مكشوفة مثل حكومة علاوي !

        والاخطر من كل ذلك هو ان موقعي البيان يطرحون برنامجا يشكل وجه العملة الاخر لمخطط الاحتلال القائم على انهاء الدولة العراقية وهويتها وتاسيس دولة اخرى هزيلة ومفككة يمكن للاحتلال والقوى الانفصالية والطائفية التفريخ والانتشار فيها وانهاء العراق القوي والذي كان قوة اقليمية عظمى ! كيف ذلك ؟ ان قراءة البيان الصادر عن هذا المؤتمر يوم 27-10 -2004 يقدم مؤشرات قوية تؤكد ان العملاء والمشبوهين هم الذين قاموا باحتواء العناصر الوطنية فيه وجروها الى فخ نصبه الاحتلال لهم عبر لافتة (المؤتمر التاسيسي)! وقبل ان نتناول ماورد فيه من الضروري الاشارة الى ان هذا التحليل والنقد اطول بكثير من بيان المؤتمر والسبب هو ان ما ورد في البيان يشكل جوهر السيناريو الجديد للاحتلال لهذا فان ردنا هو رد على طروحات الاحتلال قبل ان يكون ردا على فئات هامشية في العراق ، ويقتضي ذلك البدء بطرح ملاحظات تمهيدية تقوم على التذكير ببعض بديهيات العمل السياسي وتكتيكات الاستخبارات  الغربية ومنطلقات الاستعمار لانها تساعد على وضع القارئ الكريم في الاطار الاوسع للمشهد التامري الصهيوني- الامريكي وتناول الافكار والنقدات في الجزئين الثاني والثالث .

لعبة استبدال الخيارات والوجوه

        من يدرس تاريخ الثورات المسلحة ضد الغزو الاستعماري والاجنبي يلاحظ حقيقة اساسية من الصعب جدا القفز من فوقها وهي ان الحكم الاستعماري حينما يدرك انه عاجز عن القضاء على الثورة المسلحة ضده يتبنى تكتيك دعم عناصر وطنية او عميلة ولكنها غير مكشوفة ومحاولة استخدامها ضد الوطنيين الذين يقودون الثورة المسلحة ، والهدف واضح : حرمان القوة الوطنية الاساسية ، وهي بالاضافة لتفجيرها وقيادتها للثورة تعد الاقدر على القضاء على تاثيرات الاستعمار الغازي بعد طرده ، من استلام السلطة بعد التحرير وتمكين من اشرنا اليهم من استلام الحكم وفق تكتيكات تمهيدية تلمع صورتهم خصوصا بتنظيم مسرحيات رفضهم للاحتلال ، وطرح خيار معالجة القضايا الخلافية بالطرق السلمية وعبر صناديق الاقتراع ! لكن هذه اللعبة الاستعمارية التقليدية كانت ومازالت مكشوفة بالنسبة لقادة الثورات المسلحة الذين رفضوها وواصلوا الثورة المسلحة حتى التحرير واستلامهم السلطة مباشرة وعزل او تحييد من لاسند لهم سوى الاحتلال ، او انهم وطنيون لكنهم لا يتمتعون بالدعم الجماهيري المناسب ، وقيام الثوار باجراء انتخابات حرة بعد تهيئة الوضع المناسب لذلك ، وهكذا تحبط لعبة الاستعمار القائمة على استخدام وجوه عمالتها غير مكشوفة او انها عناصر وطنية ولكنها اما ساذجة او ان طموحاتها الذاتية توقعها في فخ الاستعمار فتصبح مستعدة لاعادة النفوذ الاستعماري من الشباك بعد ان طرد من الباب !

        ومن يقرأ بيان ما يسمى (المؤتمر التاسيسي الوطني العراقي) حول الانتخابات في العراق يجد بصمات ذلك التكتيك الاستعماري واضحة ، وهو نفسه الذي طبقته بريطانيا في العراق عقب ثورة العشرين باعتماد شخصيات عراقية بعضها عميل والاخر وطني فقد بوصلته الوطنية ، بتاثير طموحاته غير المشروعة ، فكانت النتيجة هي قيام حكم عراقي عميل استغرقت عملية اسقاطه اكثر من ثلاثة عقود من التضحيات الغالية . كما ان بريطانيا قد كررت ذلك في جنوب اليمن  حينما ادركت ان الثورة المسلحة لا يمكن القضاء عليها فقررت ان تخرب البلد عن طريق تسليم السلطة للجبهة القومية التي كان دورها ثانويا مقارنة مع جبهة التحرير التي كانت هي القوة الاساسية في الثورة على الاحتلال ، وكانت النتيجة هي الحاق خراب شامل باليمن الجنوبي كان يمكن تجنبه لو ان بريطانيا فاوضت التنظيمات المسلحة كلها وسلمتها السلطة !

التأسيس لماذا ؟

        يجب قبل كل شيئ لفت النظر الى مسألة شكلية قد تبدو غير مهمة لكنها في سياق الحدث تكتسب معنى مهما وتترتب عليها نتائج خطيرة لا يمكن ان نفصلها عن خطة الاحتلال التي قامت على تدمير الدولة العراقية اساسا ، وهذا ماتم تحقيقه ، واعادة تاسيسها على اسس وقواعد جديدة ، وهو مالم يحصل بفضل المقاومة الضارية التي اظهرها الشعب العراقي بقيادة المقاومة المسلحة التي قامت بالخطوات الاولى لاعادة بناء الدولة العراقية وليس (تاسيسها) كما سنرى . ان اسم الجماعة هو (المؤتمر التأسيسي) وهي تسمية تنطوي على معنى صريح وواضح وهو انها تريد ان تؤسس الدولة العراقية من العدم او ما يقاربه اي من الخراب ، عبر انتخابات (تأسيسية) لجمعية هي الاخرى (تأسيسية) ! تتولى اختيار حكومة تقوم ببناء دولة جديدة ! وهكذا تعيدنا هذه التسمية حوالي ثمانية عقود الى الخلف حينما خرج العراق من تحت عباءة السلطنة العثمانية بلا دولة وطنية ليقع تحت نفوذ الاستعمار البريطاني الذي قرر ان (يؤسس) العراق الحديث !

        في ذلك الوقت كان طبيعيا ان يتشابه هدف الطرفين المتناقضين (الاستعمار البريطاني والحركة الوطنية العراقية) لان عراق ما بعد السلطنة العثمانية كان عبارة عن ولاية وليس دولة ، لذلك كان يجب تأسيس دولة  حكومتها تابعة للاستعمار فيما ارادتها الحركة الوطنية حرة ومستقلة .وهنا يطرح سؤال مهم : هل الوضع في العراق الان يشبه وضعه بعد انهيار السلطنة العثمانية ؟ بالتأكيد كلا ، صحيح ان الدولة قد فككها الاستعمار الامريكي بالقوة العسكرية وليس نتيجة اضمحلال او انهيار داخلي مرضي ، وهذه الحقيقة تضفي على الازمة العراقية طابعا فريدا وايجابيا ، وهو ان العدو هو الذي دمر الدولة وحل اجهزتها  اثناء سعيه للقضاء على حركة التحرر الوطني العربية ، وهذه الدولة المدمرة لم تكن مجتمعا طفيليا نشأ على هامش النشاط الانتاجي الراسمالي بل هي نتاج ارث تاريخي عمره ثمانية الاف عام ، استوعبته حركة تاريخية حديثة ، هي البعث ، وبنت انموذج جديد للنهضة العربية في العراق ، بالاعتماد على خطة اعادة بناء الانسان العراقي ليصبج خلاقا ومبدعا في دولة خلاقة ومبدعة تسهم في العملية الحضارية المعاصرة ، لذلك فان الدولة المدمرة لم تنتهي بل تعرضت للتخريب المبرمج وبقيت عناصر تشكيلها الاساسية ، اي مكوناتها البشرية ، وهي الاهم ،موجودة رغم ان الاحتلال حاول القضاء عليها بالاغتيال والتشريد المنظمين وهي ملايين الخبراء والموظفين المهنيين عسكريين ومدنيين الذين قادوا الدولة وطوروها وضمنوا تقدمها وحيويتها منذ حوالي ثمانين عاما ، وبالاخص في العقود الثلاثة الاخيرة التي شهدت اعظم نهضة علمية وتكنولوجية اثمرت دولة راسخة التقاليد ومتنوعة الكفاءات ، لذلك فان تدمير الدولة لا يعني انتهاءها بل شل عملها وتخريب منشأتها والحاق اضرار مادية فادحة فيها، لكن ذلك كله لم يقتلع او يدمر اصل ابداعها واقتدارها وهو العنصر البشري المؤهل والخبير والمختص في مختلف مجالات عمل الدولة الحديثة .  

        ما معنى هذه الحقيقة ؟ انها تعني ان الدولة التي خربت لم تفقد من بناها وادارها وطورها وبلور تقاليدها وهو الانسان العراقي ، رغم تعرضه لمخطط تصفية جسدية طالت العلماء والمهندسين والكادر السياسي والفني، الامر الذي يقود الى تاكيد ان القدرة على اعادة بناء الدولة متوفرة وجاهزة ، وان المطلوب هو حملة وطنية عظمى لاعادة اعمار وبناء ما خربه الاشرار بصورة افضل ، ولدينا انموذح حملة اعادة اعمار العراق بعد العدوان الثلاثيني الذي الحق خرابا شاملا بالبنية التحتية ، والذي يؤكد ان العراق يملك الطاقات والقدرات العلمية والفنية والمالية التي تمكنه من النهوض مجددا وبزمن قصير جدا قياسا لاداء الغرب . لقد برز العراق في العقود الثلاثة الاخيرة بصفته من بين الدول الاكثر حيوية ونشاطا وتقدما واعتمادا على الذات ، وتلك الحقيقة هي التي استفزت الصهيونية العالمية وقوى الاستعمار الغربي فقرر غزو العراق وتدمير دولته ، والسؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا دمرت الدولة ولم يكتفي اشرار العالم باسقاط النظام الوطني ؟

        لقد دمرت الدولة لسبب رئيسي وحاسم وهو انها تطورت وتقدمت وترسخت اكثر مما ينبغي بالنسبة لطرفين هما الصهيونية وكيانها في فلسطين من جهة ، والغرب الاستعماري من جهة ثانية . فالعراق تحت قيادة البعث والرئيس صدام حسين (فك الله اسره) تجاوز كل الخطوط الحمر التي وضعتها الاطراف التي اشرنا اليها ، واهم تلك الخطوط القضاء على الامية واحتياز العلوم الحديثة والتكنولوجيا والابداع في الاستخدام والاضافة ، والتخلص من الفقر بتسخير ثروة النفط وغيرها لخدمة التنمية البشرية اولا والاقتصادية ثانيا ، وتلك ضرورة حتمت تاميم النفط تماما وطرد الاحتكارات الغربية من العراق ، وقبل هذا وذاك لقد طورت قيادة العراق الموقف التقليدي للعراق الخاص برفض الاعتراف بالظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني وتمثل باحتلال ارضه وطرده منها ، حيث اصرت القيادة العراقية على رفض بيع القضية الفلسطينية تحت غطاء الواقعية ، هذه الخطوط الحمر تجاوزها العراق بل وتحدى الصهيونية والغرب ورفض الرضوخ لابتزازهما وضغوطهما ، وربط هذه المواقف بالتأكيد على حتمية قيام الوحدة العربية والقضاء على التجزئة ، وهكذا برز عراق متحرر وقوي يستند على انجازات عظمى مدنية وعسكرية اقنعت الغرب بضرورة ليس فقط اسقاط حكومته الوطنية بل بعد ذلك تدمير دولته ببناها التحتية واجتثاث كوادرها البشرية .

        هل في ذلك مبالغة ؟ لنعرف عظمة انجازات عراق البعث وصدام حسين لنستمع لما قاله ديفيد كي ضابط المخابرات الامريكية ورئيس فريق التفتيش النووي التابع شكليا للامم المتحدة والذي فتش العراق قبل الغزو. حينما سئل اثناء (عملية ثعلب الصحراء) ، وهي عدوان شنه الرئيس الامريكي بيل كلنتون في عام 1998 ، هل تعتقد ان العراق يملك اسلحة دمار شامل؟ اجاب : كلا العراق لا يملك قنابل نووية او كيمياوية او بايولوجية فلقد دمر كل ذلك ، واضاف : لكنه يملك سلاحا اخطر من القنبلة النووية وهو جيش العلماء والمهندسين الذي يزيد عدد افراده  على اربعين  الف ، هذا السلاح اعاد بناء العراق بعد تدميره في عام 1991 وهو قادر على اعادة بناءه كلما دمر ، وذلك سلاح اخطر من القنبلة النووية . اذن الحديث عن (اعادة تاسيس العراق) ليس محض هفوات لفظية او رغبة ساذجة لتجاوز دمار الغزو بل هو لغم خطير يقع في قلب ما قاله ديفيد كي ، لان المطلوب هو بناء عراق غير ذلك العراق الذي عرفناه ، اهم خصائصه انه مقسم فعليا حتى وان بدا موحدا شكليا باعتماد نظام الفدرالية والمحاصصة الطائفية العرقية .

        عند هذه النقطة بالذات يتضح المشهد الحقيقي للعراق الجديد ، فالتقسيم الواقعي على قاعدة عرقية وطائفية يتطلب اعادة تشكيل الدولة العراقية جذريا وانهاء ما كانت عليه سابقا ، وبذلك نصل الى بيت القصيد : ان احد الاثنين الذين وقعا بيان المؤتمر التاسيسي الذي نناقشه ينتمي الى معسكر النداء الطائفي- الصهيوني الذي يقول (ان الدولة العراقية التي دمرت قد قامت على اساس ظلم الاغلبية  وحرمانها من السلطة طوال ثمانين عاما)!! ولذلك ، ولاكمال مفاعيل هذا النداء ، برز شبه اجماع لدى انصار الدعوة الطائفية ( شيعة ايران وليس شيعة الامام علي كرم الله وجهه)  على حتمية   (عدم السماح بعودة الظلم مرة اخرى وتحقيق ذلك عن طريق التعاون التام وغير المشروط مع الاحتلال لضمان الاستيلاء على السلطة في العراق) ،  وهذا هو بالضبط موقف حوزة السيستاني وكل (كبار) المرجعيات الايرانية الجنسية والاصل بلا استثناء! ولا تتضح خلفيات ودوافع هذا النداء الطائفي الا اذا عدنا ودرسنا خطط ووثائق الصهيونية والغرب الداعم لها ابتداء من سايكس بيكو الى خطة اوديد ينون ، مستشار مناحيم بيجن رئيس وزراء اسرائيل الاسبق، المسماة ( خطة لاسرائيل في الثمانينيات) ، والتي قامت على تقسيم الوطن العربي كله على اسس طائفية وعرقية ،وذكر مباشرة ان على اسرائيل دعم سعي ايران خميني لتقسم او اضعاف العراق وزيادة دعم التمرد الكردي لضمان تقسيم العراق الى ثلاث دويلات، كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب ، وقد نشرنا هذه الوثيقة في مركز البحوث والمعلومات في بغداد في عام 1982 بعد ترجمتها من الانكليزية الى العربية .

          ان من يتجاهل هذه المخططات وهو يقرا بيان المؤتمر التاسيسي ومواقفه الداعية الى بناء دولة اخرى ورمي الدولة (السابقة) في زوايا التاريخ ، سيكون كاعمى يسير نحو حتفه اذا كان لا يعرف، او كعميل ينفذ مخططا صهيونيا امريكيا اذا كان يعرف ، وفكرة التاسيس هي الوجه الاخر للتقسيم والقاعدة التي يستند اليها طائفيا وعرقيا ، لان الاحتلال يحتاج اول ما يحتاج الى السيطرة المحكمة على العراق وهذا الهدف مستحيل الا اذا غيرت طبيعة العراق من دولة قوية ومركزية وتملك مقومات الحد الادنى من الاعتماد على النفس ، الى دولة هشة تسهل عملية احتوائها عبر الفدرالية والمحاصصة الطائفية في اطار نظام برلماني ليبرالي ، في بلد لاتصلح فيه الليبرالية الا لاضعاف الدولة المركزية وتقوية الاطراف ، وهذا هو ما تريده اسرائيل والاحتكارات الغربية . فهل عرفتم لم توقفنا عند هذه المسألة (الشكلية) ؟

تأسيس ؟ ام اعادة بناء ؟

        هل يمكن لاي عراقي وطني ان يرمي الدولة العراقية في احدى زوايا التاريخ ويشرع في بناء دولة اخرى لا تكون امتدادا طبيعيا للدولة التي دمرها الاحتلال وكانت قوة اقليمية عظمى وذات دور دولي مؤثر ؟ ان من يجيب بنعم هو احد المشاركين في مخطط  تقسيم العراق والممهدين له لان هذه الدعوة هي الوجه الاخر من عملة تدمير العراق واعادة تاسيسه على قاعدة نزع انيابه واحتواء قوته الضاربة التي ارعبت سرائيل واقلقت الغرب ، ودفعتهما لغزوه وتدميره ،خصوصا بعد ان صار ينتج دبابات ومدافع وصواريخ واجهزة مدنية معقدة وبسيطة واخترع طريقة ثالثة لتخصيب اليورانيوم . وذلك امر اصبح من بديهيات فهم اسباب الغزو . لذلك برزت ضرورة تحويل العراق الى بلد لا حول له ولا قوة يعتمد على الاخرين في حماية امنه وطعامه بل وحتى في توفير غتره ودشاديشه (جلابياته)! وبهذا المعنى فان ما اراده الاستعمار من تدمير الدولة العراقية هو ليس الغاء الدولة بصفة عامة  بل تغيير بنيتها وهويتها الوطنية والقومية المميزة ، اي قلب طبيعتها بصفتها دولة تجاوزت حالة الاعتماد الطفيلي على الاخرين ورسخت الانتماء العربي للعراق بعد موجة شعوبية سادته بفضل ديكتاتورية قاسم وعمالة الحزب الشيوعي ونزعات الانفصال الصهيونية في شمال العراق ، ومن ثم الخضوع للصهيونية والاستعمار الغربي.

        ان الحكم الاستعماري هو الاخر بحاجة لوجود دولة في البلد المستعمر ، لكنها يجب ان تكون ،اضافة لطابعها النثاري ، حسب تعبيرات هنري كيسنجر ، اي ان تكون مفككة وجاهزة للتقسيم الرسمي بعد تقسيمها واقعيا ، ذات طبيعة خدمية صرفة تسمح له بالبقاء ومواصلة النهب وتذويب الهوية الوطنية ،خصوصا اذا اطمأن لقدرتها على ادارة البلد وفقا لم يريد ، لانه عند ذاك سيغادر البلد ويديره بالريموت كونترول تماما مثلما فعلت بريطانيا مع عراق نوري السعيد وصالح جبر ، ومثلما زرعت عوامل التفكك والانهيار في جنوب اليمن قبل الانسحاب .في ضوء ما تقدم يجب ان نسأل : هل خطر ببال من كتبوا البيان كل ما قلناه ووعوه وقبلوه؟ ام انهم لم يدققوا مصطلح (المؤتمر التاسيسي) ومثيله (الجمعية التاسيسية) جيدا ؟ يقينا ان قسما من اعضاء المؤتمر يعرفون ما يفعلون وهم جزء من المشروع الاستعماري في العراق ، خصوصا في مرحلته القادمة ، لذلك حان الوقت ليميز كل وطني عراقي نفسه عن العملاء بوضع نفسه على الطريق الصحيح الذي لا يقوده الى التصادم مع المقاومة العراقية .

        ان المطلوب الان ليس تاسيس دولة جديدة بل اعادة بناء الدولة التي خربت لانها مازالت موجودة في اهم شروطها العملية وهو العنصر البشري الذي يستطيع اعادة بناء الدولة خلال فترة لا تتجاوز الاسبوع بعد اعلان التحرير التام للعراق، بدعوة كوادرها للالتحاق الفوري في القوات المسلحة والوزارات والاجهزة الخدمية والامنية والقضائية والبرلمانية والتعليمية وغيرها ، ومن يشك في ذلك عليه الان وقبل ان تكتمل عملية تحرير العراق ان ينظر الى ابداعات المقاومة في المجالات العسكرية والامنية والادارية والسياسية والتصنيعية العسكرية وغيرها، لانه عندها سيكتشف ان العراق المحرر يتشكل الان و يعاد بنائه اعتمادا على البذور المنتجة للدولة الجديدة  التي بلغ عمرها اكثر من ثمانين عاما .

        كما ان علينا ان نتذكر مسالة مهمة جدا وهي ان العراق قد احتل ومزقت دولته من قبل الاحتلال الذي قامت به قوى معادية لشعب العراق ، فهل يجوز لاي وطني حقيقي ان يصطف مع الاستعمار في تحقيق هدف تدمير الدولة وتكريس ذلك والعمل بموجبه ، خصوصا وان الاحتلال قد تم بسبب المواقف القومية والوطنية القائمة على رفض التنازل عن حقوق العرب وما حققته القيادة العراقية من انجازات قلبت صورة العراق راسا على عقب ، وباتجاه يخدم الامة العربية ويضعف الاستعمار والصهيونية ؟ ان امامنا فريقان : فريق اشترك في الغزو مباشرة وتدمير الدولة وفريق اخر يقول انه لم يشارك في التدمير لكنه، في الواقع ، يشارك في تكريس التدمير الذي حدث للدولة ونهجها الوطني والقومي الذي كان سببا في الاحتلال، كما يشارك وبحماس في خطة استبعاد قيادة الدولة الشرعية والتنظيم السياسي الذي بنى عظمتها ، وهو البعث وكانهما غير موجودين رغم انهما يقودان المقاومة المسلحة الان! هل هذا التلاقي بين اهداف الاحتلال وما ورد في البيان  صدفة ؟

        واخيرا لابد من التذكير بان من وقعوا البيان يتناسون ان الاحتلال غير شرعي وان الحكومة التي كانت قائمة معترف بها دوليا وكانت تمثل العراق في الامم المتحدة والجامعة العربية ، وهي ما زالت من وجهة نظر القانون الدولي حكومة العراق الشرعية فكيف يمكن لوطني حقيقي ان يقفز من فوق كل ذلك ويعترف بما قام به الاحتلال ويبني عليه مواقفه؟ ان الشعوب الحرة وممثليها الذين يحترمون انفسهم يتناسون كل الخلافات مع حكومتهم عند حصول تهديد خارجي او غزو ، ولكننا نلاحظ وباسف عميق ان من يدعون انهم وطنيون يشاركون في تكريس ما اوجده الاحتلال ، فاين الوطنية اذن ؟ واين النضج في الوعي الذي يجعل الانسان يرتب اولوياته بصورة عقلانية ؟

مم يتشكل المؤتمر؟

        ولكي نصل الى المستوى المطلوب من الدقة في التعامل مع المؤتمر علينا ان نشخص طبيعة وشعبية  اعضاءه ، فمن حيث الطبيعة يضم المؤتمر اشخاصا كانوا ومازالوا جزء مما كان يسمى (المعارضة العراقية) التي تعاونت مع المخابرات الامريكية والبريطانية ،والاسرائيلية في حالات معينة ، لتسهيل غزو العراق ، وفي مقدمتهم احد الموقعين على البيان، والذي قضى زمنا طويلا في بريطانيا يعمل ضد العراق وينسق مع الجلبي وعلاوي وبحر العلوم والجعفري والحكيم والبرزاني والطالباني وغيرهم، وتلك حقيقة معروفة ، ولذلك لا يجوز ابدا ان نفصل طروحاته الحالية عن خلفيته كجزء مما كان يسمى (معارضة) وثبت الان بالوثائق والاعترافات انهم عملاء . اما الاخرين من اعضاء المؤتمر فبعضهم وطنيته لاغبار عليها وعارض الاحتلال ، وبعضهم الاخر مشبوه كانت احدى رجليه مع المعارضة العميلة ورجل اخرى خارجها ، وهؤلاء جميعا لا دور لهم في المقاومة المسلحة وان كان بعضهم يؤيدها .

        اما من حيث الشعبية فان اعضاء المؤتمر ودون استثناء لا يمثلون قوى سياسية منظمة ولها شعبية ملموسة ومعروفة ((باستثناء حزب (الاخوان المسلمين) الطائفي السني- العميل للاحتلال الذي كانت لديه عناصر منظمة تشتت بعد دعمه للاحتلال)) ، بل هم شخصيات مستقلة بعضها لها وزن ديني  وبعضهم لم يعرفوا الا بعد الاحتلال ، والبعض الثالث كان منتميا لتنظيمات اندثرت منذ عقود وحاولوا بعد الاحتلال احيائها فوجدوا انهم لايستطيعون جمع عشرة اشخاص ،ومن بين هؤلاء من ما زالت اياديهم ملطخة بدماء المناضلين الوطنيين حينما كانوا جزء من نظام عبدالسلام عارف الديكتاتوري! وتطلق على هؤلاء تسمية  حزب الرجل الواحد (ONE MAN PARTY) ، وذلك يعني ان هؤلاء لا يمثلون في واقع العراق وزن جماهيري ملموس ، فاضطر هؤلاء المختلفي الانتماءات ان يتجمعوا ليشكلوا شيئا له وزن وصوت مسموع فاسسوا المؤتمر! وهنا يجب ان نسأل : هل يملك هؤلاء حق ادعاء تمثل الشعب العراقي؟ بالتأكيد كلا ، لان التمثيل يأتي اما عن طريق صناديق الاقتراع ، وهو امر لم يحدث ، او عبر مسيرة نضالية طويلة يتأكد من خلالها الشعب ان هذا الحزب او تلك الشخصية تملك شعبية وجذورا في المجتمع ، وهذا ايضا لم يحدث ، رغم وجود اختلافات كثيرة في نظرة الشعب لاعضاء في المؤتمر كونوا سمعة طيبة عبر مقارعة الاحتلال سياسيا وعلنا ودون لف او دوران ، بعكس الذين ما زالت ضمائرهم ملوثة بخطيئة العمل سوية مع رجال المخابرات الامريكية والبريطانية وعملاءها امثال الجلبي وعلاوي .

يتبع .............

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الجمعة 22 رمضان 1425 / 5 تشرين الثاني 2004