نواقض الرسالة الإنسانية

شبكة البصرة

صلاح المختار

          منذ قامت امريكا ، قبل مائتي عام ، استحوذ على (الاباء المؤسسين) و(الابناء المواصلين) حلم نشر (رسالة امريكا) الى العالم ، وجعل (القيم العليا الامريكية) تنطبق في كل بلد وقرية في العالم كله ، وبلا استثناء. وهذا (الحلم الامريكي) ، المتجذر في النفوس والرؤوس، فسر على انه يعني نشر(الديمقراطية) و(حقوق الانسان) والنظام الاقتصادي (الحر)، ولذلك اسبغت صفة (الاخلاقية) على رسالة امريكا العالمية! ورغم المثالب الكبيرة لهذا الحلم ، والفيلم ايضاً، والتي كشفتها رحلات الابادة الناشفة في هيروشيما وناغازاكي، حيث بخرت القنابل الذرية حتى الحديد، والدموية في فيتنام ، حيث اغرقت سهول الارز بالدم بدل الماء ، فان مقتل هذا الحلم الامريكي ومفسدته الأعظم كانت في العراق، حين عرض(الفيلم) الامريكي تجليات هذا الحلم ( الاخلاقية)  في أوضح صورها واكثرها صنعاً، بل وزرعاً، للمعنى، في اسماء خلدها الحدث، مثل (ابوغريب ) و(الفلوجة)، التي رأى العالم كله، بما في ذلك الامريكيين المهووسين (بقيمهم العليا)، مشاهد تقتلع احشاء البشر بعد قذف مافيها في اقسى عمليات التقيؤ في التاريخ.

 

انكشاف القاع

           في مقابر فيتنام الجماعية وما سبقها ورافقها من   قتل عشوائي للاطفال والنساء واستخدام اسلحة محرمة واغتصاب للنساء واقامة احياء بغاء، وافساد الالاف بالدولار وباقدم مهن التاريخ ، انتبه العالم الى ان ( القيم الامريكية) اما ان تكون محض زيف واكاذيب ، أو أنها تقتصر على النخبة الانكلو- سكسونية، ففي فيتنام عرف العالم ان الامريكي يضع نفسه فوق كل البشر الآخرين، فيقتل العشرات ليعيش هو، ويستغل المئات ليرتاح هو، وكان العجب ، كل العجب ، ان يسمع العالم ماكنمارا وزير الدفاع الامريكي آنذاك ، يتحدث عن (الحرية) و(قيم امريكا) و(نشر الديمقراطية) واصبعه يضغط على أزرار تلقي آلاف الاطنان من القنابل على رؤوس ملايين الفيتناميين! ومن لم يسمح له عمره برؤية (احاديث ماكنمار) عليه الآن ان يراقب احاديث (خلفه) دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الامريكي الحالي، وهو يتحدث عن الديمقراطية وفبركتها في العراق! لقد انكشف قاع الحقيقة الامريكية وادرك العالم ان الشكل الامريكي من الاستعمار أو الامبريالية ، هو الأسوأ والاشد دموية في تاريخ الاستعمار والاستحمار لانه الاكثراستعداداً للابادة ، فلئن كانت ثقافة أوروبا تكبح بعض نوازع الابادة وتنظمها، فان ثقافة الكاوبوي ورجل المافيا السائدة في امريكا ، لاتحدها روادع ولاتوقفها قيم حينما يرى الامريكي انه يرغب بالقتل والاغتصاب والنهب، وانه محمي بقرارات أقوى دولة في التاريخ استثنته من القوانين والمحاكم الدولية!

النموذج العراقي

          إذا اردنا ان نفهم بدقة وصواب تأمين طبيعة (الرسالة الامريكية الاخلاقية للعالم) علينا ان ندرس ماجرى ويجري في العراق، ففيه الدرس الاعظـم والنتيجة الاحسم التي تحدد حقيقة الثقافة الامريكية وكيفية تحريكها للفرد الامريكي. واذا تركنا معنى فبركة الاكاذيب ، وهي صناعة رسمية ، التي استخدمت لتسويغ غزو العراق، فأنها بحد ذاتها تكفي لاسقاط كل (منظومة القيم الامريكية)، يبقى امام النظر مشهدان يعجز اي انسان عن غض النظر عنهما، وهما مشهد ابوغريب ومشهد الفلوجة، ففي الاول رأينا كيف يرتد الانسان بسرعة الضوء الى عصر الحشرة التي لا تعرف سوى فمها وفرجها، وفي الثاني، رأينا كيف لايبقى من الانسان الا اسنانه ، التي تلتهم وتسحق!

 

ابو غريب : اباحية القوة

         حينما صدرت (أوامر عليا) باذلال العراقيين ، من خلال طعنهم في اقدس مواضع الحياة لديهم : شرفهم، رأينا مئات ، وربما الاف ، الضباط والجنود والاطباء والمحامين وخبراء التعذيب الامريكيين ، يتجمعون حول مئات العراقيين نساءً ورجالاً واطفالاً في كل اسبوع ، ويحولونهم الى ( فئران تجارب ) يجربون معهم أقذر نوازع وانحرافات الجنس وشهوات التعذيب والقتل! فما رأيناه من افلام تصور ذلك ليس سوى 1% من خزين الأفلام والصور التي منع بثها، ومع ذلك اذا اكتفينا بما كشف عنه نرى صورة مقززة (للقيم الامريكية العليا) ، يتحرك فيها امريكي يقوم باغتصاب طفل اعتقل مع امه ، ثم ينتقل الى الأم ويجلسها امام عشرات الاسرى العراقيين، ومن ضمنهم زوجها وابنها وابنتها، ويضع مسدسه على صدغها وهو يطلب منها(مداعبته) جنسياً! بعد ذلك يبدأ باغتصابها وهو يضحك بصوت عال! وحينما لايعترف زوجها يجلبه ويطلب منه الانحناء، وامام عشرات الاسرى العراقيين بضمنهم زوجته وابنته وابنه، يبدأ الامريكي بممارسة اللواط مع الاسير العراقي! واذا رفض السجين جلس الجنود الامريكيون على صدره حتى يموت اختناقاً، او اطلاق كلاب دربت على التهام الاعضاء التناسلية للانسان لتاكل بشهية الاعضاء التناسلية للعراقيين!
         ابو غريب لم يكن مسرح ممارسة هذه الجرائم الوحيد، فكل سجون الاحتلال الامريكي شهدت نفس الجرائم، التي لم تحدث في العراق طوال ثمانية آلاف عام من تاريخه، حتى في اشد عصور الظلام ، لذلك رأى العراقي، بكل خلية من جسده وضميره ووعيه، الصورة الحقيقية للأمريكي، بعد ان صار هو ضحية (الرسالة الاخلاقية الامريكية) للعالم، والتي لا يحركها الا فرج وفم وفتوح !

 

الفلوجة : شهوة الابادة

           ان (الرسالة الاخلاقية الامريكية) في ابو غريب، كنموذج ، اكملتها مسارح الفلوجة بتقديم وجه آخر (للقيم الاخلاقية الامريكية)، فلقد قام الامريكي بقتل كل حي رآه ودمر كل حجر قابله، ابتدأ بتدمير المستشفى، وحرق سيارات الاسعاف، وقتل الجرحى من المدنيين بدم بارد، وجمع عشرات الجرحى وصفهم وسط الشارع وطلب من سائق الدبابة ان يحولهم الى لوحة سريالية لاشكال تشبه البشر على ارض الشارع ! اما الشهداء من النساء والاطفال والشيوخ والشباب، فقد رميت جثث بعضهم في نهر الفرات، أو تركت طعاماً للكلاب والقطط الجائعة ! كان الامريكي لديه اوامر بقتل مايتحرك ، واعدام كل من يقع في الأسر او يسلم نفسه! اما بيوت الحجر في الفلوجة فلقد هدم عمداً اكثر من عشرة الاف بيت كلياً، وخربت كل البيوت الباقية، واخليت من محتوياتها بالحرق، او بسرقتها من قبل الجنود الامريكيين! وبين هذا وذاك استخدمت اسلحة محرمة فسفورية وكيماوية وعنقودية! كل ذلك فعله الجيش الامريكي في الفلوجة من اجل بناء (الديمقراطية) ونشر القيم (الاخلاقية)
الامريكية، وجعل العراق أنموذجاً يحتذى به ،  كما قال الرئيس الامريكي جورج بوش، واقناع العالم بقبول (الرسالة الكونية التمدينية) الامريكية!

 

السقوط الاخير

          ماهو اعظم انجاز حققته امريكا في العراق؟ ان من يريد ان يعرف الجواب الحقيقي عليه ان يسأل أي فرد في العالم عن معنى كلمتي (ابو غريب) و(الفلوجة) ، اللتان دخلتا قواميس الضمير في كل اللغات في العالم. لقد حذر مفكرون امريكيون امريكا من ان مافعلته في العراق ربما اسقط الى الابد( الطابع الاخلاقي والانساني ) لرسالة امريكا الكونية، فما جرى ويجري في العراق يتناقض كلياً مع الصورة التي رسمتها امريكا لنفسها طول قرنين من الزمن، وحينما جاء وقت تطبيق قيم امريكا ورسالتها الاخلاقية لم يجد العالم الا(ثقافة) ابو غريب وثقافة الفلوجة! نعم ، نقولها بثقة تامة وبلا تردد ، ان ماجرى ويجري في العراق قد اسقط كلياً والى الابد أي إدعاء امريكي بان لامريكا قيماً عليا او رسالة اخلاقية، فهي وكما رأيناها ونراها في العراق، ليست سوى آلة قتل وابادة وأداة تدمير للقيم والروابط الانسانية مبرمجة لانتهاك الحرمات وإبادة الملايين، شعارها الاعظم منجل عزرائيل ، مرفوعاً بيد شخص يقف فوق حاملة طائرات ويصرخ : اما معنا او ضدنا !


 ارادة العراق تنتصر

        والسؤال هنا هو: مامعنى كل ذلك ؟ ان امبراطوريات التاريخ نشأت وصعدت مستندة على رسالة اخلاقية شكلت الغطاء ، أو الجوهر، في المشروع الامبراطوري،  ولذلك فأن اي مشروع امبراطوري يحتاج لرسالة اخلاقية كي ينجح وينتشر، وبدون ذلك لا تصبح مصادر قوة الامبراطورية الصاعدة الا جبل جليد صلب جداً، لكنه كأي جليد يحتاج للبرد الشديد كي يبقى قوياً، لانه اذا تعرض للحرارة فسوف يذوب ويفقد قدرته على الارتفاع ! وفي حالات الامبراطوريات الصاعدة ، البرد الشديد هو (الرسالة الاخلاقية) التي تشق الامم وتوفر (حصان طروادة) يركبه جنود الامبراطورية لغزو الاوطان، ولذلك اذا سقط الغطاء الاخلاقي وانكشف الوجه الشيطاني لأية امبراطورية تصبح قوتها جبل جليد تتساقط عليه شعاعات شمس عراقية في أحر شهور الفصول والعالم : تموز/ يوليو.
         ابو غريب والفلوجة، رغم مآسيهما وبسببها ، اطلقا اسخن عواصف الغضب والرفض، لذلك نرى الآن المشروع الامبراطوري الامريكي يذوب بسرعة مذهلة في العراق، فشمس العراق هي الأشد سخونة في العالم، فكيف يكون المناخ حينما يحمل كل عراقي مشعل نار ونور الثورة العراقية المسلحة ضد الاستعمار الامريكي ؟ 

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاحد 22 شوال 1425 / 5 كانون الاول 2004