رسائل معارك الفلوجة : ما هي؟ ولمن وجهت؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

هل تذكرون ما قلناه حول معارك الفلوجة ، وقبلها حول معارك سامراء قبل وقوعها ؟ من قرأ ما كتبناه سيتذكر حتما كل شيئ ، وسيقتنع بان كل ما حصل كان متوقعا ومحسوبا بدقة تامة من قبل قيادة المقاومة والحزب . ماذا قلنا ؟ لاجل لتذكير فقط قلنا وبوضوح تام ان الاحتلال يستطيع اعادة احتلال اي مدينة محررة ، بفضل تفوقه المطلق عسكريا وتكنولوجيا وماديا ، لكننا اكدنا ايضا ، وبوضوح اكبر ، انه لن يستطيع البقاء في اي مكان يحتله الا لبضع ايام او اسابيع سيتعرض خلالها الى اشد انواع الاستنزاف وبمستوى لن يستطيع تحمله فيضطر للانسحاب والتمركز خارج المدن، ولكن الذي حصل في الفلوجة كان انجازا عظيما وهو ان الاحتلال لم يستطع احتلالها بالكامل ، وما زال ، رغم مرور اكثر من الشهر يواجه مأزقا خطيرا في المدينة المقدسة . وهكذا تتبدى ملامح المرحلة الخامسة من حرب التحرير الوطني العراقية واضحة وموحية بالنجاح الباهر للمقاومة ، ليس فقط في منع العدو من اعادة احتلال المدينة بل وايضا ، وهذا هو الاهم، في حشر قوات الاحتلال في خانق مميت سيعجل بوصول الثورة المسلحة الى نهايتها الظافرة : النصر الحاسم بعون الله.

       وكما تقول الحكمة العالمية المعروفة (من لايستفيد من اخطاء غيره واخطاءه - محكوم عليه بتكرارها، ولكن بشكل مأساوي )، فان الادارة الامريكية تعيد انتاج اخطاءها العسكرية والسياسية، ولكن بشكل مأساوي ، وبغباء لا يحسدها عليه سوى من يصل غباءه حد قيامه بوضع الكلاو على راسه! وهذا هو الذي حصل في الفلوجة بالضبط .لقد حملت ادارة بوش الكلاو ووضعته على راسها مرة اخرى! هل تذكرون ما معنى الكلاو؟ لقد شرحت ذلك في مقال سابق ومع ذلك ساعيد ايضاح المعنى .

      الكلاو باللهجة العراقية يعني حرفيا: القبعة المخروطية الشكل ، والتي يستعملها المهرجون لاضحاك الناس ، ولهذا اكتسبت كلمة كلاو معنى اخرا وهو التعبير عن الخداع والانخداع، فالكلاوجي هو البارع في الخداع والسخرية من الناس ، لانه يتقن (فن) وضع الكلاو على رؤوس السذج او المخدوعين لاجل السخرية منهم ،والساذج او الغر هو الذي يتعرض لوضع الكلاو على راسه دون ان ينتبه الا بعد ان يصبح موضع سخرية . وحينما نقول ان فلانا وضع الكلاو على راسه فاننا نقصد انه جعل من نفسه مادة اضحاك للاخرين ، او مسخرة، وهو بالتالي الاشد غباء وسذاجة ،لقد كانت معركة الفلوجة الثانية ، المستمرة والمتصاعدة ، عبارة عن قيام الادارة الامريكية بوضع الكلاو على راسها، وهي تعرف انها ستصبح مسخرة للعالم باثباتها (انها تنتحر على بوابات بغداد) ، كما قال محذرا مهندس وقائد الثورة المسلحة الرئيس صدام حسين (فك الله اسره) قبل الغزو، واهم هذه البوابات الفلوجة المقدسة، فمن الفلوجة ابتدأت معركة الحواسم تحسم لصالح الثورة العراقية المسلحة، كيف ذلك ؟

لنبدأ من النهاية

فيوصفه لمعارك الفلوجة يقول الجنرال ريتشارد ناتونسكي ، قائد الفرقة الاولى مارينز التي خاضت معارك الفلوجة : (اننا نقاتل قوما يحبون الموت ويريدون أخذ المزيد من الجنود الامريكيين والجيش العراقي يقصد العملاء الجحوش - معهم في رحلة الموت) ، ويعترف ضباط امريكيون ، طبقا لتقرير سكوت بيترسون ،في صحيفة (كريستيانساينس مونيتور) الامريكية (25-11-2004) بان المارينز يرون رجال المقاومة في احلامهم يطاردونهم من بين لهيب النار! ويضيف هؤلاء قائلين : لقد خضنا قتال رجل مقابل رجل في الفلوجة، ويعترف هؤلاء بأن المعارك لم تنتهي عند قولهم :(ان الحرب في الفلوجة سجال حتى بالرغم من ان الحرب تشوبها فترات هدوء). ويوضح قادة الجيش الامريكي الصورة اكثر حينما يعترفون :(يبدو ان المعارك لن تنتهي)! مامعنى هذه الاعترافات ؟

اذا دققنا هذا الكلام يتضح لنا ما يلي:

1- ان هناك فجوة معنويات كبيرة تميز الطرفين المتقاتلين عن بعضهما ، ففي حين ان المقاومين (يحبون الموت) كما قال الجنرال ناتونسكي ، فان الجنود والضباط الامريكيين يكرهون الموت، ولذلك فهم غير مستعدين للموت من اجل النصر ، الامر الذي يوصلنا الى جوهرالمسألة في كل الحروب: ان المعنويات، وليس السلاح المتفوق، هي العامل الحاسم في الوصول الى النصر، ويترتب على هذه الحقيقة ان من ينتصر في النهاية هو الطرف لمستعد للموت من اجل قضيته، وفي حالتنا فان المقاومة ورجالها هي هذا الطرف.

2- ان ضباط وجنود المارينز، وهم نخبة النخبة الافضل والاحسن والاكثر وحشية في الجيوش الامريكية ، تنتابهم كوابيس مفزعة عند النوم يرون فيها رجال المقاومة وقد (اتوا لسلبهم ارواحهم)، واذا سئلت اي قائد عسكري خاض الحرب ،او اي طبيب نفسي ،عن معنى ذلك سيقول لك: ان الامريكي مهزوم من الداخل وان لا امل في اعادة بناء معنوياته مهما فعلت امريكا. وهذه الكوابيس تأتيهم اثناء النوم واثناء القتال وهم يقظين، ويمكن رؤية ذلك بمراقبة اللقطات التلفازية التي تصور الجنود الامريكيين وهم يداهمون البيوت وقلوبهم مخلوعة من الخوف فيما عيونهم تكاد تقفز من محاجرها ! فاي نتيجة ينتظر المتابع حصولها من المعارك ؟ ان المقاتل الذي يقع فريسة كوابيس كهذه لا يمكنه ان ينتصر مهما تفوق عسكريا لانه خائف ومشوش التفكير ولا يفكر الا بالنجاة ، وبسبب رعبه يطلق النار على اي شيئ يتحرك، واحيانا يقتل زملاءه او يصوب الى ظله !

3- ان معارك الفلوجة كانت ومازالت معارك جبهية في طبيعتها وتتغلب فيها قواعد الحرب النظامية ، وان اقترنت بتكتيك حرب العصابات الاول : (اضرب واهرب) نتيجة تفوق العدو ، فقوات الاحتلال مضطرة ،وبحتمية لا مفر منها ،لمواجهة رجال المقاومة وجها لوجه اذا كان المطلوب هو قتلهم ، وهذا بالضبط هو الهدف الاساس للمقاومة ، اي القتال المباشر ،في مرحلة استنزاف العدو ماديا واعداده للهزيمة المحققة ، بتجميع النقاط وليس بالضربة القاضية، وذلك لتفوقه العسكري والمادي المطلقين. ففي كل مواجهة يسقط حجر من بناء معنويات قوات الاحتلال ، وبتكرار المواجهات وتواصلها تصل قلعة الاحتلال الاقوى (المعنويات) الى حالة فقدان مداميكها فتنهار فجاة ، وتلك هي الهزيمة المذلة والمهينة . او ان قوات الاحتلال تبعد القلعة عن الضربات الاستنزافية قبل انهيارها ، وبعد ان تتيقن انها على وشك الانهيار ، وتلك هي الهزيمة الحافظة لماء الوجه .

4- ان معارك الفلوجة مستمرة وان شابتها فترات توقف لاسباب طبيعية ، ويطغى على وعي قوات الاحتلال ادراك واضح تماما بان الحرب مستمرة وانها (لن تنتهي) ، وهذا الادراك هو السرطان القاتل الذي ينخر قلعة الاحتلال ويعدها للانهيار المحتوم مهما ابعدت عن الضربات المباشرة .

5- والنقاط الاربعة السابقة تؤكد ، وتثبت مرة اخرى واخرى ، ان الذي تطبق ستراتيجيته هو المقاومة وليس قوات الاحتلال، لان المقاومة تضع هدف استنزاف العدو بشريا اولا وماديا ثانيا في مقدمة ما تسعى اليه، وذلك لن يتم الا اذا وقعت اشتباكات جبهية ، كما يحصل الان في كل العراق انطلاقا من الفلوجة، اما العدو المحتل فان ستراتيجيته تقوم ،على العكس من ستراتيجية المقاومة تماما ، على تجنب خوض معارك جبهية والاعتماد اساسا على القصف الجوي والصاروخي كي يحافظ العدو على معنويات جيشه ويمنع (عقدة فيتنام) من الاستيقاظ . لقد اجبرت قوات الاحتلال ، تحت ضغط عمليات المقاومة، على خوض معارك جبهية كانت تتمنى لو استطاعت تجنبها ،ومعركة الفلوجة، التي اشعلت النار الدائمة للثورة المسلحة في العراق، ادخلت امريكا وقواتها في نفق مظلم، ملغوم بالاف القنابل، ومسكون بكل ابالسة الكوابيس التي تتفنن (هولي وود) بخلقها لارعاب الناس لكنها الان كوابيس عراقية بامتياز اسقط كل كوابيس السينما الامريكية .

       وحينما زار وزيرالدفاع الاسترالي العراق مؤخرا في رابع زيارة له للعراق اصبح هو الاخر مذعورا، وقد وصفت الزيارة يوم 6-12-2004 كالاتي: (ونظر ًالأن هذه الزيارة التي قام بها روبرت هيل إلى العراق والتي تعتبر الرابعة من نوعها جاءت في ظل تفاقم التوترات بسبب ردود الأفعال على التحضيرات الجارية لإجراء انتخابات عامة في الثلاثين من يناير القادم، فإن وزير الدفاع الأسترالي لم يتمكن من الذهاب إلى العاصمة العراقية بغداد يوم الجمعة الماضية.

       وقالت المصادر العسكرية: إن الطريق السريع الرئيس من وإلى المطار في بغداد (يقصد مطار صدام الدولي) أصبح معرضًا بشكل دائم للهجمات التفجيرية من قبل عناصر المقاومة العراقية والتي تقع بشكل يومي؛ فإن روبرت هيل لم يتمكن من الذهاب إلى السفارة الأسترالية في بغداد أو المنطقة الخضراء التي يوجد بها مقر قيادة قوات الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة في العراق.
        وفي حديثه لصحيفة أستراليان أمس قال وزير الدفاع الأسترالي: إنها المرة الأولى التي أجد نفسي غير قادر على الوصول إلى المناطق التي رغبت في زيارتها، وهذا أمر خطير ومخيف للغاية، والعديد من الدول لم تعد لديها أدنى استطاعة لتحمل هذا التردي في الأوضاع في العراق.
وأضاف هيل: لو كانت قد توفرت لنا مروحية فإنني كنت سأقوم بزيارة بغداد بشكل آمن نوعًا ما، ولكن للأسف فإن تلك المروحيات كانت تستعمل لأغراض أكثر أهمية وحيوية.

        وقد اعترف وزير الدفاع الأسترالي بأن العراق وخاصة المنطقة الوسطى منه وعلى رأسها العاصمة بغداد يمر بمرحلة شديدة الصعوبة والحساسية.

         ونقلت عنه الصحيفة قوله: لامفر من الإقرار بأن هذه الزيارة كانت الأكثر خطورة وصعوبة من بقية زياراتي السابقة للعراق.

         وتابع روبرتهيل القول: بل لن أكون مبالغًا إذا قلت: إن المناخ العام في العراق حاليًا يشهد حالة من الخطورة لم نر لها مثيلاً منذ سقط النظام العراقي السابق، لأن عمليات' التمرد' باتت مكثفة وشاملة لأبعد الحدود).

 

          هذا الكلام يحتاج هو الاخر لتحديد ماينطوي عليه من معان، فوزير الدفاع الاسترالي يعترف بما يلي:

1-ان عمليات (التمرد) ، اي المقاومة المسلحة ، باتت مكثفة وشاملة لابعد الحدود ، وهذا هو اعتراف رسمي وكامل ومباشر من وزير دفاع احدى اهم الدول التي تحتل العراق بان المقاومة المسلحة تشمل العراق كله ، ومن ثم فانه يلطم رامزفيلد وغيره على افواههم التي مازالت تردد (انه تمرد محدود)، فما يجري في العراق ثورة (شاملة لابعد الحدود) .

2- ويدعم ما قاله بتاكيد ان هذه الزيارة الرابعة كانت الاكثر خطورة وصعوبة منذ حصل الغزو.

3- من اظرف ما اعترف به، والاكثر ايحاء، اعترافه بانه لم يجد طائرة هليوكوبتر لتنقله الى بغداد لانها كانت تستخدم لاغراض اهم! تصوروا وزير دفاع استراليا يزور العراق في مهمة دعائية كان يجب فيها الوصول الى بغداد لكنه يفشل في العثور على طائرة تقله الى بغداد! ما معنى ذلك؟ نحن لانتعامل مع دولة من العالم الثالث تستورد عتادها العسكري فتصاب بشحة الطائرات ويحرم وزير دفاع استراليا من (متعة) زيارة بغداد ! انها امريكا التي تصدر الاف الطائرات سنويا ،وجلبت معها الى العراق الاف الطائرات ومع ذلك عاد وزير الدفاع هذا الى بلاده دون الوصول الى العاصمة لانه لم يجد طائرة متفرغة له ! الا يعني هذا اعترافا صريحا بان الاف الطائرات الامريكية كانت في حالة اشتباك ؟ واي اشتباك يحتاج لالاف الطائرات ؟ انها الحرب الشاملة لكل العراق ،بمدنه الجنوبية والشمالية والوسطى ،التي حرمت وزير الدفاع من متعة رؤية بغداد احد اهم مسارح الف ليلة وليلة !

4- يقول وزير الدفاع هذا بالقلم العريض ان العديد من الدول المشاركة في الحرب لم يعد لديها ادنى استطاعة لتحمل هذا التردي في الاوضاع في العراق ! اذن هو يعترف انه يجب ان يطلب من حكومته سحب قواتها من العراق، فاذا كان هو لم يعد يتحمل ما يجري فكيف ستواصل استراليا مشاركتها في الحرب ؟

5-المسكين !يقول بالم ودهشة عقدت لسانه! انه لم يستطع زيارة سفارة بلده او المنطقة الخضراء التي توجد فيها قيادة قوات الاحتلال! فعاد دون ان يحقق ما يجب ان يحققه وجاء من اجله! هذا الكلام خطير جدا وموح جدا ،فاذا كان وزير دفاع استراليا، الغالية على قلب بوش وبلير ، غير قادر على زيارة مقر سفارته ولا قيادة قواته ، التي جاء كي يتفقدها ويبث فيها المعنويات، فاي وضع حربي يسود العراق ويمنعه من تحقيق ذلك اذن ؟ ان ما يمنعه هو فقط وجود قتال شرس ومتواصل في المنطقة الخضراء وفي كل عاصمة الثورة المسلحة، كان يمكن ان يختطف روحه! من يكذب وزير دفاع استراليا؟ ام بوش وبلير المصران على القول ان الوضع السيطرة في بغداد ؟ ام برلسكوني، المشغول بفحولته الاصطناعية والذي يطلب كل 6 ساعات الحبة الزرقاء؟! هل هناك من لا يعرف ماهي الحبة الزرقاء؟ اذن ليذهب الى محسن عبدالحميد، رئيس الحزب الاسلامي، ليسأله عنها ، فهو لا يدخل اجتماعات حزبه (الاسلامي القح) الا بعد ان يتأكد من وجود حبة زرقاء في جيبه!

 

       من هذه النهاية نبدأ دراسة وتحليل مايجري في الفلوجة وفي عموم العراق الثائر ، بطرح الاسئلة التالية : ماذا جرى ويجري في الفلوجة؟ وما هي الاثار المترتبة عليها عراقيا؟ ما هي الرسائل التي اراد الاحتلال ارسالها ؟ وهل وصلت كما ارادها ؟ مقابل ذلك هل كانت لدى المقاومة رسائل ارادت ارسالها ؟ واذا كان الجواب نعم يطرح سؤال اخر وهو : لمن ارادت المقاومة انتبعث برسائلها ؟ وما هي هذه الرسائل ؟

 

انتصارالفلوجة وثرثرة رامزفيلد

رغم ان قوات الاحتلال قد اعلنت اكثر من مرة انها قضت على المقاومة في الفلوجة ثم تبين ان ذلك كان محض تمنيات ذاتية ( wishfulthinking) ، فان ماكنة الكذب الامريكية فقدت تفوقها المهني واخذت تمارس اساليب اعلام العالم الثالث ، القائمة على الكذب المفضوح والمبالغات الصبيانية ، من خلال اصرارها على ادعاء (سقوط الفلوجة) ، تماما كما روجت الفيلم الهندي الذي اطلق عليه اسم : (سقوط بغداد)، بعد تمثيلية اسقاط التمثال ،في حين كانت المعارك تدور بضراوة في اغلب مناطق بغداد ، وبعضها قادها الرئيس صدام حسين شخصيا مثل معركة الاعظمية الباسلة . ووصل التخلف القسري للاعلام والممارسات الرسمية الامريكية حد التقاط صور تذكارية للجنود الامريكيين عند جسر الفلوجة القديم لاقناع الراي العام ، خصوصا الامريكي ، ان قوات الاحتلال قد انتصرت في الفلوجة، رغم ان ازيز الرصاص وانفجارات القنابل كانت تهز المنطقة ، ورغم ان مصادر عسكرية امريكية اخرى كانت تعترف باستمرار المعارك !

هذا التناقض المفضوح حاول دونالدرامزفيلد ، وزير الدفاع الامريكي، معالجته باطلاق تصريحات تنطوي على معنى محدد :اعداد خط رجعة امريكي يغطي الفشل المكشوف في تحقيق اهداف هولوكوست الفلوجة، ففي تصريح اول حذر من ان المقاومة العراقية ستصعد من عملياتها في الايام والاسابيع القادمة وستحاول منع اجراء الانتخابات بالقوة ، ومما له دلالة كبيرة هو اقتران اطلاق هذا التصريح بقيام المقاومة بشن هجمات كبيرة وفعالة على المباني الحكومية العراقية التي احتلتها القوات الامريكية في الفلوجة بعد دخول المدينة والسيطرة عليها لعدة ساعات، تميزت بحصول قتال ضار، ثم الانسحاب منها بعد قتل اغلب القوات الامريكية التي كانت موجودة فيها، في واحدة من اكبر العمليات العسكرية عقب اعلان انتهاء العمليات العسكرية والسيطرة على المدينة !

         ثم، وبعد ان اعادت المقاومة تنظيم صفوفها شرعت بالانتقال من الدفاع الى الهجوم، خصوصا بعد ان مدت القيادة المركزية للثورة العراقية المسلحة الفلوجة بدعم عسكري فعال من مختلف مناطق العراق، انتقل بموجبه من بغداد وغيرها ضباط كبار من الحرس الجمهوري الخاص ومهندسون وعلماء من التصنيع العسكري (لحل بعض المعضلات العسكرية)، للانضمام الى رفاقهم في اطار تطوير المعركة وادامتها وتوسيع نطاقها الجغرافي، واستخدمت في الايام الماضية من شهر كانون الاول - ديسمبر ، وبكثافة نارية هائلة وغير مسبوقة ، اسلحة ثقيلة وصواريخ ستراتيجية (يتراوح طول كل منها بين 6-9 امتار)، من مقتربات الفلوجة (مناطق ابو غريب والكرمة والخالدية والحبانية وعامرية الفلوجة واللطيفية والمحمودية واليوسفية وغيرها)، لالحاق دمار كبير بالقوات الامريكية والبريطانية في محيط الفلوجة ، فتطورت المعركة وكسرت بعض اطواق القوات الامريكية حول الفلوجة ، واخذت القوات الامريكية تهرب وتنسحب من المدينة ، وقد اكد ذلك الانهيار الواضح للقوات الامريكية انها قد سقطت تماما في معركة المعنويات ، فاستعادت المقاومة سيطرتها على اكثر من 60% من الفلوجة . كما شهدت الايام الماضية تطبيق خطة قصم ظهر القوات الامريكية ، اذ حالما اخذت تنسحب من المدينة واعلنت انها ستسلمها لقوات الشرطة الفلوجية ، تماما كما فعلت في اعقاب هزيمتها في معركة نيسان الماضي ، تركت المقاومة القوات الامريكية تنسحب بلا مهاجمتها ، وما ان انسحب عدد كبير من الدروع والافراد واصبح عدد القوات الامريكية غير كاف للقتال الناجح حتى قامت قوات الحرس الجمهوري الخاص والعام (جيش محمد ونمور صدام وغيرها) بقطع طريق الانسحاب وشرعت بقصف القوات الامريكية بكافة صنوف الاسلحة. اما القوات التي اكملت انسحابها الى خارج المدينة فقد امطرتها القوات العراقية بصواريخ ستراتيجية من مقتربات الفلوجة ، وهكذا احكم الطوق على القوات الامريكية المتقهقرة وما زالت المعارك تدور بشراسة لم تشهدها حرب تحرير العراق منذ انطلاقتها المباركة ، ويبقى الهدف الاساس المباشر هو تدمير اكبر قدر ممكن من قوات العدو وقتل اكبر عدد من افراده .

ونفذت الاجزاء الاخرى من الخطة العسكرية بفتح جبهات رئيسية اخرى ،بالتزامن مع معارك الفلوجة ،فحرر المجاهدون الموصل التي اعدت ، وفق الخطة القتالية العامة، لتكون ساحة المعركة الرئيسية الثانية بعد الفلوجة ، لاجل اجبار العدو على الانتشار وعدم السماح له بتركيز قواته الاساسية في ،وحول، الفلوجة ،ولذلك نزل (فدائيو صدام) بغالبيتهم وهم يرتدون زيهم الرسمي (البدلات السود) وقاموا بالقضاء على العملاء ، خصوصا البيش مركة ، وامسكوا بالمدينة . وبنفس الوقت تم في عشرات المدن الاخرى القضاء كليا على قوات العملاء والجيش الامريكي الذي هرب من المعارك مذعورا ، وهكذا بدى العراق وقد تحرر ولو مؤقتا من الاحتلال الامريكي ، وجرت اثناء ذلك محاكمات وتنفيذ القصاص الشرعي بحق خونة العراق ونظفت المزيد من مدن العراق منهم .اما في العاصمة بغداد فقد تحولت الى بركان من نار محرقة ، حدثكم عن شدتها (الاخ الكريم والشجاع ) !!! وزير الدفاع الاسترالي، الذي هرب من بغداد دون ان يراها ،مع انه جاء لتفقد قواته وزيارة سفارته!

لقد اسقطت هذه الهجمات المضادة التي تشنها الان قوات الثورة المسلحة، في كل العراق ،احلام العصافير في عاصمة الشر (واشنطن) المتمحورة حول الرغبة القاتلة في اقناع العالم بان الفلوجة قد (سقطت) ، وتأكد العالم من عكس ذلك تماما وهو ان الفلوجة مازالت تقاتل ببسالة الصحابة واصحاب الرسالة الخالدة وتمرغ انف امريكا في الوحل . لذلك اطلق رامزفيلد تصريحه الثاني الذي قال فيه ان امريكا سترسل المزيد من القوات الى العراق لان القوات الموجودة فيه لا تكفي (لضبط الامن) والسماح باجراء انتخابات، ولم يقل لانقاذ قواته المندحرة او المحاصرة في كل مدن العراق الثائر !هذا الاعتراف الثاني ازال النقاب رسميا عما كان معروفا في الواقع وهو ان قوات الاحتلال الاستعماري تتخبط في مستنقع الفشل التام في السيطرة المستمرة حتى على قرية عراقية واحدة ، وان المقاومة المسلحة هي سيدة الموقف في كل العراق من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب .

اذ لماذا ترسل امريكا 50 الف جندي اضافي، كما قال جنرال امريكي ، اذا كانت تنتصر فعلا والمقاومة تتراجع ؟ وهذا السؤال اقترن بأسئلة اخرى منها : اذا كانت معركة الفلوجة قد انتهت اذن لماذا لا يسمح الاحتلال بدخول الاعلام العالمي الى الفلوجة لتعريف العالم بالنصر المزعوم ؟ ولماذا لم يسمح للمنظمات الدولية الانسانية بدخول الفلوجة ؟ بل الاهم من كل ذلك :لماذا لم يشاهد العالم حتى الان اي فيلم يصور المناطق الشعبية من الفلوجة ،وهي التي تشكل اكثر من 80%من مساحتها وسكانها ؟ لقد اقتصر التصوير على مناطق الشوارع العريضة فقط اوالمحيط الخارجي للمدينة ، وهي مناطق ساقطة عسكريا قبل بدء الهجوم اصلا ،واستخدمت لاستدراج الاحتلال اليها و(تثبيته) هناك، حسب المصطلحات العسكرية ، ليكون هدفا ممتازا للرمي !ولماذا فشلت القوات الامريكية في السيطرة على الموصل بشكل خاص حتى الان ، رغم الوعد (بتلقينها درسا كدرس الفلوجة بعد الانتهاء من القضاء على التمرد فيها) ؟ان الموصل ما زالت تزهو بالمجاهدين وهم يحكمون قبضتهم عليها ويذيقون خدم العلوج الطعم المر لخيانة العراق، كما ان البصرة والكوت واللطيفية وغيرها ما زالت تقاتل الاستعمار وتستحمر قواته المنهزمة في كل العراق.

وما اربك الاعلام الامريكي رغم تفوقه المطلق هو عجزه هو وسلطة الاحتلال عن منع بث افلام صورتها كامرات هواة وبصورة محدودة ، تسمح برؤية الوضع الحقيقي في الفلوجة وسماع انفجارات القنابل والصواريخ وبكثافة لا يمكن توفرها الا في معارك كبرى وطاحنة، ولذلك واجه الرئيس الامريكي اسئلة محيرة من داخل امريكا مثل : اذا كنا حقا قد قضينا على (المتمردين) في الفلوجة اذن ما هذا الذي نراه ؟ وكما وقف بوش في ايار مايو عام 2003 ليعلن انتهاء الحرب ،ثم فجع برؤية الثورة المسلحة تنطلق بقوة وكثافة وسرعة وانتشار جغرافي لم تشهده اي ثورة مسلحة ضد غزو من قبل ، فاضطر لوصف ذلك ب(الجيوب) ، فأن قادة الجيش الامريكي في العراق استعملوا نفس الكلمة لوصف الوضع في الفلوجة وغيرها ،حتى ان خبراء اللغات لم يعودوا يفهمون معاني الكلمات التي تستعملها الادارة الامريكية ، واهمها كلمة (جيوب)، بعد ان صار (جيب التمرد) العراقي بحجم ولاية كاليفورنيا وهي اكبر ولاية امريكية !ومن النكات التي اصبحت شائعة في العالم النكتة التي تقول ان مستمعي بوش ورامزفيلد وغيرهما يمد كل منهم يده الى جيبه ليعرف كم حجمه كلما تحدثا عن جيوب التمرد في العراق الثائر!

           

انما حصل ويحصل ،منذ شن الهجوم البري على الفلوجة، ادى الى كتابة مجموعة رسائل موحية تنطوي كل منهاعلى معنى محدد او نتيجة محددة او توقع محدد ، ولكن هذه الرسائل متناقضة ، والسبب هو ان ادارة بوش ارادت بعث رسائل وقيادة الثورة العراقية كذلك ارادت ان تبعث برسائلها الخاصة ايضا ، فما هي رسائل كلا الطرفين ؟

رسائللم تصل

       لقد ارادت الادارة الامريكية بعث رسالة اولى للشعب العراقي تقول فيها : اذا لم تستسلم فسوف تواجه نفس مصير الفلوجة المدمرة، ورسالة ثانية للمقاومة المسلحة تقول : اذا لم توقفوا حرب التحرير فسوف نشن عليكم حرب ابادة في كل مدينة وقرية كما فعلنا في الفلوجة، وسنقوم باعدام الرئيس صدام حسين، وثالثة لمن يضع رجلا مع المقاومة واخرى مع الاحتلال، مثل (المؤتمر التاسيسي)، تقول : انهوا تذبذبكم وانضموا الينا فنحن نسحق المقاومة ، ورابعة للعملاء في الحرس الوثني تقول : نحن معكم ونسندكم ، اقتلوا الشعب العراقي وثواره ، وخامسة لحكومة علاوي تقول : اذا لم تمارسوا الابادة الفاشية واقسى انواع العنف ضد الشعب العراقي فسوف لن تجدوا هذه المرة ملاعب قمار ومواخير تتسلون فيها كما كنتم تفعلون ، بل سنترككم للشعب العراقي ليتسلى بابتساماتكم (الملائكية) ، وانتم تهمسون بأذن عبدالزهرة ،رئيس مجلس الحكم الانتقالي، الذي ذهب يزور جهنم ولم يعد ، ، وسادسة للسيستاني تقول : كلما ازداد دعمك للمجازر ضد العراقيين وللانتخابات ازدادت قناعتنا بتعيينك رسميا بمنصب (المرجع الروحي الاعلى للعراق)، وسلمنا الحكم للبكم الصم المقلدين لك من الصفويين الجدد ، وسابعة لدول في الجوار تقول : من يأمل منكم ان تهزمنا المقاومة فيرتاح من حساب برابرة التوراة القادم واهم ، وثامنة لعمرو موسى ، الامين العام للجامعة العربية تقول : ضع سيجارك جانبا وتوقف عن ترقيص يديك وخصريك لانك سترمى في سلة الزبالة ، من حيث اتيت ، اذا لم تسابق اياد علاوي في الحديث عن (الديكتاتورية) في عراق (ما قبل التحرير) وعن ديمقراطية بوش وهوش (هوشيارزيباري) في عراق (ما بعد التحرير)، وتاسعة لاوربا وروسيا والصين تقول : من يأمل في وقوعنا في مستنقع العراق كي يتحرر من زعامتنا للعالم عليه ان يرى ما حصل للفلوجة ،وعاشرة للرأي العام الامريكي تقول : توقفوا عن قلقكم ونقدكم لسياستنا في العراق فنحن ننتصر .

       هذه الرسائل الامريكية لم تصل واستولت عليها المقاومة العراقية عندما غنمت قوافل الامداد الامريكية ، فمنعت نشرها ، واطلقت كحمامات بيض ، رسائلها القوية والتي وصلت الى كل الاطرف التي ارادت امريكا ان تسمع رسائلها المجهضة والمستولى عليها .

 

رسائل الثورة العراقية المسلحة

اول رسالة بعثت بها المقاومة من الفلوجة كانت للاطراف التي اجتمعت في شرم الشيخ قالت فيها : اياكم ان تخطئوا الظن وتتصرفوا كما لو ان امريكا هي الحاكم بامره في العراق والذي لا يهزم، انظروا انها تهزم وتلجم وتحجم في الفلوجة ، ودباباتها تحطم وطائراتها تسقط ،وجنودها وضباطها يتبولون فرقا في يقظتهم كما في منامهم ، الم يقل ذلك قائد الفرقة التي مازالت تقاتل في الفلوجة وهي مهزومة معنويا وعسكريا ؟ لذلك فانكم لن تستطيعوا مد حبل انقاذ لامريكا ،لان فاقد الشيئ لا يعطيه ، فاذا كانت امريكا بكل عظمتها وبربريتها قد فشلت في اطفاء لهيب الثورة المسلحة في العراق فهل ستنجحون ؟ لا تربطوا انفسكم بامريكا فهي تغرق في العراق ، وسيغرق معها من يمد يده لها ، وتذكروا ما قاله شيراك :العراق جهنم التي فتحنا ابوابها وكنا نظن، والكثير من الظن اثام ، اننا سنجد الراقصة الشهيرة سهير زكي ، او من خلفتها ، تقدم لنا وصلات راقصة في مضارب ابي نؤاس ، كما رقصت لهنري كيسنجر ،ورقصته، في عهد السادات! بل انصحكم بتذكر ما قاله وزير خارجية فرنسا لانه الاصح والاضبط :ان العراق ثقب اسود، والثقب الاسود اخطر وحش في التاريخ والجغرافية لانه وحده من يستطيع التهام حتى الضوء بعد ان يتلذذ بالتهام مجرات كاملة! نعم العراق هو لعنة الله على الغرب الاستعماري والثقب الاسود الذي سيلتهم كل مجرات عهر الضمير ، فاحذروا من الاقتراب منه وضعوا فاصلة طويلة بينكم وبينه اذا اردتم السلامة . 

 

تثبيت قطرية الثورة المسلحة

ان الرسالة الثانية هي من اهم الرسائل التي بعثت بها الفلوجة المقدسة لانها تبشر بتثبيت قطرية الثورة المسلحة وانهاء مرحلة تاريخية كاملة ،كانت فيها الثورة تشعل المعارك المتزامنة في مدن عديدة لكنها تعود الى معارك حرب العصابات، او يقتصر استمرار تحرير المدن على مدن بعينها ، اما الان فان الاحتلال، وكما اكدت الشهادات التي ابتدانا بها التحليل ، اصبح عاجزا حتى عن حماية وزير الدفاع الاسترالي في بغداد التي اصبحت محررة بشكل عام، ما دام الاحتلال لا يستطيع التحرك الحر فيها ،ومادامت المقاومة تتحرك بحرية نسبية وتنفذ عمليات ضخمة عدديا ومدمرة نوعيا . نعم ان الثورة اصبحت تشمل اغلب العراق وعلى نحو ثابت ويسير باتجاه حرمان الاحتلال من استثمار اي حي او منطقة في بغداد ، خصوصا بعد ان اصبح نيغروبونتي ، الحاكم الامريكي في العراق ،وبطانته مثل علاوي وياوره غازي (الياور كلمة تركية تعني المرافق لشخص مهم) وغيرهم، يقومون بنزهة ليلية جميلة بطائرات الهليوكوبتر الى الكويت للمبيت هناك، ثم يعودون صباحا لممارسة رياضة الخوف المزمن من جهنم العراق او ثقبه الاسود !

         لم يعد في العراق مكان واحد امن للاحتلال وعملاءه في العراق كله ، وتلك هي من بين اول مقدمات انهياره الكامل ،وربما المفاحئ ، فاذا كانت الكويت (ملاذا ليليا امنا) فالى متى يتحمل هؤلاء وغيرهم التنقل (الشتلنج) بين العراق والكويت والبواسير هي المرض المشترك بين الياور وعلاوي ؟ الم تلاحظوا كيف (يفحج ) الياور وهو يسير ؟

 

دخول المرحلة الخامسة من الثورة

والرسالة الثالثة الى العالم كله تقول ان الثورة المسلحة، بنجاحها في اختبار الصمود في معارك شبه نظامية مع اعظم واقوى جيش في العالم، ولمدة زادت الان على الشهر ،يطرح بقوة احتمال دخول الثورة مرحلتها الخامسة والاخيرة ، وهي تحرير المدن والامساك بها ومنع الاحتلال من السيطرة الدائمة والكاملة عليها مجددا ، واعلان الحكومة الوطنية الثورية . اذ ما معنى ان يفشل الاحتلال في السيطرة على مدن ثائرة ان لم يكن معنى انه عاجز ، رغم تفوقه المطلق ، عن ادامة احتلاله وتحقيق اهدافه ؟وما معنى ان يبقى الاحتلال في بلد ما وهو عاجز عن الوصول الى هدفه ،وهو هدف استعماري لصوصي يقوم على نهب ثروات العراق ؟

       الان العراق يقف بغالبيته متضامنا داعما للمقاومة المسلحة ،وتحت سيطرة المقاومة كل اقليمه الجغرافي تقريبا ، وهذا الوضع يجعل امكانية تمويل الاحتلال بموارد عراقية مستحيلا ، مع ان ذلك احد الاعمدة الرئيسية لخطة الاحتلال ، لان امريكا جاءت للنهب وسرقة ثروات العراق ، لذلك فان توسيع نطاق السيطرة الفعلية للمقاومة ليشمل العراق يعني تحديدا ان امريكا لا تستنزف بالرجال فقط بل هي ايضا تستنزف بالمال ولا تجد تعويضا ولا امل بالتعويض ، فهل يبقى الاستعمار بعد ان يتأكد انه سيخسر ولن يربح او يعوض خسارته ؟ كل تجارب الاستعماراكدت حقيقة مطلقة وهي انه يرحل حينما تصبح خسائره اكثر من ارباحه ، وامريكا تدرك الان انها ان استطاعت ان تتحمل خسارة بضعة مليارات لبضعة شهور فانها لن تستمر لوقت طويل على هذا النحو ابدا.

 

الفشل وتضاعف الفشل

والرسالة الرابعة التي بعثت بها المقاومة الى الادارة الامريكية هي التالية : في معركة الفلوجة الاولى حاولتم استخدام القوة المفرطة ،في اعلى واقسى اشكالها لتركيعها ،والانطلاق من ذلك لتركيع المقاومة في كل العراق ، وفشلتم ، وبعد تخطيط متأن ودقيق اخذ بنظر الاعتبار دروس معركة الفلوجة الاولى ، وضعتم خطة جديدة ، تقرر فيها سحق الفلوجة بلا رحمة وباستخدام كل الاسلحة الضرورية ، بما في ذلك الاسلحة المحرمة ،وخولت القوات الامريكية القيام بالقتل الجماعي وابادة الجرحى وعدم اخذ اسير وتدمير المدينة ، ومنع الاعلام والمنظمات الانسانية من معرفة ما يدور ، وجاءت ساعة الصفر واعلنتم انكم ستقضون على المقاومة في المدينة في غضون ثلاثة ايام او اسبوع في اسوأ الاحتمالات، فماذا حصل ؟ الان مضى اكثر من شهرعلى بدء المعركة البرية ، والتي مهد لها بقصف جوي ومدفعي لزمن قارب الشهرين ، هل نجحتم في احتلال الفلوجة والقضاء على المقاومة فيها ؟ جوابكم انتم هو : كلا فمازالت هناك (جيوب تقاتل )!

         واذا تركنا هذا الكلاو الساذج حول الجيوب والفلول والتمرد، بقيت امامنا صورة المشهد الفلوجي واضحة جدا لنا وللعالم كله ، وهي تؤكد انكم فشلتم تماما في قهر الفلوجة ، رغم انكم دمرتم اكثر من 8000 بيت تدميرا شاملا ، وخربتم ما تبقى ، وقتلتم الاف المدنيين ،انكم الان تتقهقرون وتبحثون عن مخرج اصبح الان واضحا انه لن يكون الا غير مشرف ، فقواتكم محاصرة بين مقاومة الفلوجة ومقاومة مقترباتها ، ومعنوياتكم انهارت ، وعتادكم ، رغم تفوقه المطلق، وصل الى ما يسمى في علم الاقتصاد ب (المنفعة الحدية) ، اي انكم استعملتم كل ما لديكم من وسائل ابادة وقتل وتدمير ، بما في ذلك استخدام اسلحة محرمة دوليا ، كالاسلحة الكيمياوية والفسفورية والغازات المخدرة، على نطاق واسع ،ومع ذلك بقيت الفلوجة تقاتل وتلحق بكم خسائر اكبرمن قدرتكم على تحملها ، فتوصلتم الى قناعة تامة وواضحة، وهي: اما ان تنسحبوا مهزومين فتخسروا ليس العراق فقط بل حلمكم القديم باقامة امبراطورية عالمية ، اواللجوء الى خيار الجريمة المطلقة ضد الانسانية ،والتي عبر عنها مجرمون من بينكم حينما طالبوا بقصف الفلوجة بقنبلة ذرية للتخلص من كابوسها !

وبين هذين الخيارين وقعتم في فخ مميت : اذ ان استخدام القنبلة الذرية ضد الفلوجة اوالابادة الشاملة لها باسلحة تقليدية سوف لن يشكل انتصارا لامريكا بل اكبر هزيمة في تاريخها واشدها تدميرا للمشروع الامبراطوري ، لان الابادة الشاملة للفلوجة تعني امرا واحدا وهو تأكيد واثبات انحطاط القدرة القتالية للجندي الامريكي الذي عجز ،رغم تفوقه المطلق عن قهر مدينة صغيرة ،فكيف ستواجه امريكا مدنا ودول كبرى واقوى ماديا من العراق وهي تسعى للسيطرة عليها وغزوها ؟ يضاف الى ذلك حصول حدث كبير ومهملم ينتبه له احد خارج العراق ،والتقطه الشعب العراقي واضافه الى اسلحته، وهو التهديد الوقح الذي اطلقته قوات الاحتلال ضد الموصل ،وكرره علاوي ووزير دفاعه وغيرهما، وقالوا فيه :بعد الانتهاء من القضاء على الفلوجة سنقضي على الموصل ، وها قد مر شهر على اطلاق هذا التهديد دون ان تنجح امريكا ولا عملاءها في احتلال الموصل ، لاننا نشاهد يوميا فدائيوا صدام وهم يتجولون في شوارع المدينة واسلحتهم بايديهم الطاهرة ، ينصبون نقاط التفتيش ويهاجمون قوات الاحتلال باقتدار عظيم.

(وعد) تدمير الموصل المحبط عبر عن حقيقة واضحة واثبتها ،وهي ان قوات الاحتلال، بعد ان استخدمت سلاحها الى اقصى مدياته واستفادت من (منفعته الحدية) ، وصلت مرحلة الاعياء الواضح والعجز عن القتال والتيقن من ان الهزيمة حتمية ، لذلك احبط قرار تدمير الموصل رغم ان الاسلحة المتفوقة كثيرة . ما معنى ذلك ؟ اذا سألتم اي عسكري محترف، او مناضل خاض نضالات طويلة، سيجيب كالتالي : لقد وصل العدو مرحلة الياس من تحقيق النصر، وظهر عليه التعب والرغبة في الهرب ،كتعبيرات دقيقة عن انهياره المعنوي. الامر الذي يجعل حصول الانهيار العسكري مسألة فرصة ووقت لا غير . ويعزز هذه الصورة ما حصل في اللطيفية والمحمودية واليوسفية ، اذ رغم جلب القوات البريطانية لمساعدة القوات الامريكية،ورغم استخدام القوات الامريكية والبريطانية (المنفعة الحدية) لاسلحتها ،الا ان النتيجة كانت كنتيجة الفلوجة :الفشل التام ووقوع البريطانيين في فخ مميت سارعوا الى الهرب منه، بالعودة الى البصرة ، قبل ان يكبر ويتعرض توني بلير الى المزيد من انتقادات معارضي الحرب ، وترتب على تلك الهزيمة المنكرة لامريكا وبريطانيا في بعض مقتربات الفلوجة اضافة عامل انهيار جديد .

       لقد تعرضت القوات البريطانية الى قصف اذهلها ودمر قدرتها على الصمود، استخدمت فيه الصواريخ الستراتيجية طارق (عزيز فك الله اسره) وغراد وابابيل وغيرها ، ثم بدأ (نمور صدام) كوماندوز النخبة في الحرس الخاص ، هجمات متعددة المصادر واجبروا القوات البريطانية على الانسحاب لتجنب الوقوع في فخ مقاومة الشعب العراقي ، ومع ذلك خسرت هذه القوات عددا كبيرا اخفته ، وهكذا فشلت مرة اخرى خطة خنق الفلوجة بالسيطرة على مقترباتها ومداخلها ، وهذه الحقيقة هي احدى المؤشرات الاساسية التي دفعت امريكا للوصول الى القناعة التي اشرنا اليها، وهي ان معركة الفلوجة الثانية قد حسمت لصالح الجيش العراقي الباسل والمجاهدين المتحالفين معه، من اسلاميين ابطال وشيوخ عشائر ومقاتليهمالافذاذ ،وعلماء دين تركوا ثرثرة (المؤتمر التاسيسي) حول المشاركة في الانتخابات بشروط (!!!) او بدون شروط كما فعل السيستاني ،وحملوا الار . بي . جي سفن والكلاشنكوف ، كما شارك في معارك الشرف خريجوا الدورات الايمانية والحركة الصوفية العراقية المقاتلة باسم الله.

        لقد تضاعف الفشل الامريكي بنسب هندسية بدل تحقيق تقدم على طريق تزوير ارادة الشعب العراقي عبر الانتخابات ،واصبح العراق من شماله الى جنوبه يقاتل الاحتلال ويزدري عملاءه من دعاة اجراء انتخابات وفق الشروط الاحتلال وبوجوده وتاثيره ، ومن المرجح ان الانتخابات هذه لن تحصل خصوصا وان المقاومة قد اعلنت انها ستهاجم مراكز الانتخابات وحذرت المواطنين من الاقتراب منها ، وقامت المقاومة بحرق القوائم الانتخابية في الموصل والبصرة ، ولذلك نتوقع ان تزداد عمليات تدمير مراكز الانتخابات كلما حددت . رسالة الفشل المضاعف هذه استلمها الجميع ونجحت المقاومة في تحقيق الهدف المباشر لها

 

الاعتراف الحاسم

في يوم 7-12-2004 اطلق جاك سترو ، احد ابرز مجرمي الحرب والذي يحمل لقب وزير خارجية بريطانيا ، تصريحا اعاد بوش وبلير الى المربع الاول حينما اعترف قائلا : نحن نعرف ان الحملة على الفلوجة لم تؤدي الى القضاء على المتمردين وان ادت الى اضعافهم ، هذا التصريح يكفي بحد ذاته لتقديم صورة واضحة وشبه متكاملة ، فاذا كانت المعارك التي دارت ،بكل دمويتها والجرائم التي ارتكبت وترتكب في اطارها، لم تحقق هدف القضاء على المقاومة في الفلوجة ، فان السؤال الذي يطرح بقوة هو : لماذا اذن حصلت كل تلك الجرائم ؟

       ومن دون ادنى شك ان ما قاله سترو كان محاولة لامتصاص النقمة الشعبية في بريطانيا ، وربما تهيئة الاذهان للانسحاب البريطاني من العراق . وفي كل الاحوال لا احد يستطيع انكار ان الثورة العراقية المسلحة قد اخذت تدخل مرحلتها الخامسة والاخيرة. لذلك فان السؤال التالي مهم جدا :هل ستستطيع امريكا تحمل الصدمات القادمة والمزلزلة لاحتلالها للعراق ؟ ان الاسابيع القادمة هي زمن عرس المقاومة وعزاء بوش ، لان معركة الحواسم تصل الى مرحلة كسر ظهرالعدو ، وتحرير بغداد اقترب ، ومن بقي فيها لن يستطيع الهرب

 

الانهيارالحاسم

في معركة الفلوجة تاكدت امريكا من انها لن تستطيع مجاراة الشعب العراقي في الاستعداد للتضحية بالنفس والمال ، وهذه بالضبط هي المعادلة التي انشأتها المقاومة لضمان طرح امريكا ارضا بتجميع النقاط وليس بالضربة القاضية على الارجح .اما اذا تجاهلت امريكا هذه المعادلة فانها تغامر بالتعرض للانهيار المفاجئ بضربة قاضية لا تستطيع تحملها، فتنهار على مرأى ومسمع العالم ، فتتعرض لاسوأ اذلال تعرضت له في تاريخها كله .وفي هذا الوقت ، وليس غدا ،على امريكا ان تقرر موقفها فأما انسحاب منظم وهادئ توفره المقاومة ، كما اعلنت قيادتها ، او مواجهة انهيار كامل ومفاجئ وسريع في اي لحظة، نتيجة عمليات نوعية يتوقع ان تشنها المقاومة ،خصوصا في بغداد ، ستقلب راسا على عقب الوضع في العراق ، اذا بقي معشعشا في ذهن الادارة الامريكية حتى نيسان ابريل القادم اي وهم بامكانية تغيير المعادلة العراقية ،التي اقامتها المقاومة وفرضتها منذ معارك نيسان ابريل الماضي ، انه الانذار النصيحة- لاميركا وعلى حكماءها انلا يضيعوا فرصة العمر الاخيرة هذه.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاربعاء 25 شوال 1425 / 8 كانون الاول 2004