نواقض الدين : مفهوم إحالة الذنب الى الحوزة

شبكة البصرة

صلاح المختار
           من بين اسوأ واخطر امراض السلوك العام الاعتماد الاعمى على فتاوى (مراجع) دينية والتحصن بها ضد العقاب والمسؤولية وتأنيب الضمير، وفي حالة كون الفتوى المطاعة خاطئة بشكل يستطيع اكتشافه حتى الاُميُّ او الصبي الغر، لكنها وبسبب تخفيها تحت اقنعة القدسية وتمثيل الدين اوالطائفة، تطاع وتنفذ ! وهنا تظهر مشكلة نفسية اسمها (احالة الذنب)!
           ما المقصود بذلك؟ ثمة عدد كبير من مسلمي العراق يتبع ( مراجعه) الطائفية بصورة تامة تفتقر الى القدرة على استخدام العقل والمنطق للوصول الى تمييز الصواب عن الخطأ، وذلك لثقته التامة بتلك المراجع، ووجود تفسير غريب سائد يقول: اطع مرجعك مهما كانت فتاواه خاطئة لأنه يمثل الطائفة، واذا كان هناك خطأ فسوف لن تتحمله انت بل سيقع على رقبة المرجع! هكذا يحرر المقلد - بكسراللام - من ذنبه ويشجع على ارتكابه وتكراره والقيام بغيره دون اي شعور بأنه اساء لفرد او دين او لوطن!


الانموذج العراقي

           عند بدء دخول قوات الاحتلال الى العراق يوم 20/3/2003 اصدرت حوزة السيستاني الصفوية  في النجف الاشرف فتوى عممت على (شيعة) العراق تقول: يجب عدم مقاومة الاحتلال الامريكي - البريطاني للعراق ، وكان التفسير الذي روج هو التالي: ان الشيعة هم اغلبية العراق ومع ذلك كان الحكم للسنة خلال الثمانين عاماً الماضية ، لذلك يجب اغتنام فرصة الاحتلال وترك النظام يسقط بعدم دعمه والسماح لقوات الاحتلال بإكمال عملية الاحتلال لأن ذلك يسمح بإقامة حكم شيعي ! وهذا المنطق استند على ادعاءين باطلين الأول: ان الشيعة هم الاغلبية ليس لأننا نرفض اغلبية اي جزء من الشعب  العراقي، بل لأن أي احصاء على أساس طائفي لم يحصل ابداً لتقرير الاغلبية والاقلية ، وهذه الحقيقة تقود الى تسليط الضوء على من اطلق هذه القنبلة الملغومة وهو الحكومات الغربية، وبالاخص بريطانيا وامريكا ، لاجل اشعال فتنة طائفية بعد ان يبتلع هذا الطعم سذج او مشبوهين ، لذلك علينا ان نسال : كيف حددت بريطانيا وامريكا الاعداد وعرفت من يشكل الاغلبية اذا كانت الجهة الوحيدة المخولة ب، والقادرة على، اجراء احصاء سكاني، وهي الحكومة العراقية الشرعية ، لم تفم بذلك ؟.
            اما الإدعاء الثاني: وهو القول بأن السنة اضطهدوا الشيعة ، فهو ليس سوى احد اهم اركان الدعاية الصهيو- امريكية القديمة والمعروفة، اضافة الى انها من اهم دعائم الدعاية الشوفينية الفارسية التوسعية سواء في عهد الشاه او عهد خميني  ، لأن مجرد تدقيق اسماء من حكموا العراق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يظهر ان قاعدة التكليف كانت الكفاءة وليس الانتساب الطائفي او الاثنى ، اما في اثناء حكم البعث فإن الشيعة لعبوا دوراً حاسماً وقيادياً على مستوى الدولة والحزب الحاكم ، ويفتخر البعثيون بان حزبهم هو اكبر حزب شيعي وبنفس الوقت اكبر حزب سني ، وهو امر معروف ودفع النظام الايراني الحالي لتسمية شيعة العراق ب (شيعة صدام ) ، وعرض من وقع منهم في الاسر اثناء الحرب بين العراق وايران ، الى عذاب اشد من عذاب  سنة العراق .
           ورغم هذه الصورة الواضحة  فإن الفتاوى السرية التي اصدرتها  الحوزة الصفوية في النجف  خلال العقود الاربعة   الاخيرة بشكل خاص قد اقنعت عدداً من شيعة العراق بوجود ظلم وقع عليهم، ولذلك حينما جاء الغزو اصدرت الحوزة فتوى حاسمة بدعمه ، والحياد بين قدسية وحرية الوطن وبين قوات الغزو المعادية، وتنفيذاً لهذه الفتوى صدرت فتاوى اخرى داعمة منها  : اتركوا الجيش والشرطة وقوات الامن والحزب ولا تقاوموا واذهبوا الى بيوتكم ! وما ان تم الغزو ولعبت هذه الفتاوى دوراً اساسياً في انجاحه، جاء دور تكريس
الاحتلال وضمان بقائه للفترة التي تمكن الحوزة ومن يقف وراءها من خارج الحدود، من السيطرة على العراق، فصدرت فتوى اخرى تحرم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وتسمح فقط بالمقاومة السلمية !


هل حقاً إنها مقاومة؟

          والمقاومة السلمية المقصودة هنا، والتي تدعو اليها الحوزة ،  ليست مقاومة غاندي في الهند مثلاً، بل هي عبارة عن دعوة للرضوخ التام للاحتلال وتسهيل خطوات تثبيت غزوه دون ازعاجه بالاضرابات والعصيان المدني المستمر والعام ، كما فعل غاندي وشل الحياة في الهند مماجعل استمرار احتلال الهند  مستحيلاً لانعدام الخدمات والتعاون الشعبي، بل اراد الايراني علي السيستاني ( من يشك ليسأل نفسه : اين تقع سيستان ؟ في العراق ام في ايران ؟ ) الاكتفاء بطلب رحيل الاحتلال عندما يحين الوقت مع ضرورة التعاون التام معه وجعله يعتمد كلياً على الاطراف التابعة للحوزة في تشكيلات العراق الجديد !
           وحينما رفع مقتدى الصدر السلاح ضد الاحتلال كان للحوزة (الصامتة) دوراً حاسماً في التحريض ضده ووصف ب(غير المنضبط)، حسب البعض، و(الاحمق) او( المتخلف عقليا) حسب وصف البعض الاخر من صفويي العراق ، لانه خالف   تنفيذ خطة الحوزة الخاصة بالتجنب التام والمطلق الاصطدام بالاحتلال وسلطته والعمل بايجابية تامة معهما، فمقتدى  هدد بنسف اهم قواعد عمل الحوزة الصفوية : الطاعة التامة للمراجع الكبار المعترف بهم من قبل من؟ ،  ومنع استخدام العقل منعاً تاماً في التعرف على الحقيقة واين يقع الخطأ ونقيضه الصواب. ففي اثناء القتال الدموي الاول بين انصار الصدر وقوات الاحتلال قامت فضائيات عديدة بإجراء لقاءات مع مواطنين شيعة سلطت الاسئلة والأجوبة الاضواء على هذا الجانب الخطير على الوطن، ومن الاسئلة: هل انت مع دعوة مقتدى الصدر للمقاومة المسلحة ام مع الحوزة التي ترفض ذلك؟ اذا اجريت انتخابات هل ستشارك فيها ام تقاطعها؟ واذا استبعدنا تيار الصدر فإن الاجوبة العامة كانت كالآتي : نحن مع مراجعنا ونطيع ما يقولونه بلا تردد ومهما كانت فتاواهم واوامرهم بما في ذلك دعم القوات الامريكية ! والغريب ان هذا الرد شمل مثقفين وليس اميين فقط !
            وحينما سأل بعض هؤلاء:  تطيع المراجع  حتى لو كانت فتاواهم خاطئة وتتناقض مع اصول الدين والوطنية ؟ كان الجواب مزلزلا ومدمرا للرابطة الوطنية وهابطا بالانسان الى مستوى الروبوت الفاقد الارادة : نعم لأن الذنب يقع على المفتي والمرجع وليس على المقلد والمطيع لهم!


ثقافة إحالة الذنب

           هذا النمط الخطير من الثقافة التخريبية يحول الانسان الى جهاز آلي ينفذ الاوامر مهما كانت اضرارها فادحة على الفرد و المجتمع والدين والوطن، وهو مرتاح الضمير لأنه لم يفعل شيئاً سوى تنفيذ اوامر مراجعه (العظام) ، الذين يملكون الاسرار و التفسيرات الباطنية لما هو صواب وخطأ! وكما ان الروبوت غير مسؤول عما يفعله ، لأنه مبرمج ، فإن المقلدين يظنون بصدق انهم ابرياء مما يفعلون حتى لو اكتشفوا انه مضر وخاطئ، وذلك هو السرطان المميت للعقل والمنطق لدى الانسان المقلد لأنه يحوله الى أداة تدمير منظم للمجتمع والدولة دون ان يشعر بذنب، وهنا يكمن موت الضمير ! وقبل ان تصدمني هذه الثقافة التي تحيون الانسان لانها تقتل فيه الارادة والعقل والضمير ، صدمني شيئ قريب من ذلك  واجهته في الهند ، اذ سألت هنديا صديقا وانا ارى عشرات الابقار تجول وحدها في الشوارع وتعطل المرور: قل لي حينما تشيخ الابقار وتقترب من الموت ماذا يفعل اصحابها ؟ وقبل ان اذكر الجواب يجب ان اشير الى ان البقرة مقدسة لدى الهندوس ولا تذبح او تهان ، واذا اهينت حصلت معارك يموت فيها الكثير من البشر ، اجاب صديقي الهندي : حينما تقترب البقرة من الموت يبحث صاحبها الهندوسي عن صديق مسلم ليبيعها له قبل ان تموت وهو يعلم انها ستذبح ! هذه القصة تعبر بوضوح عن حجم التضليل الذاتي وخداع الاخرين وموت الضمير ، فبعض الهندوس يخشون خسارة ثمن بقرتهم اذا ماتت فيبيعها الى مسلم وهو يعلم انه سيذبحها ، لكنه يتظاهر انه لا يعلم ! لقد تخلى عن اعز واقدس شيئ في حياته مقابل حفنة روبيات عبر وسائل الخداع والتمويه التي يعرف هو شخصيا انها خداع ! ومنفذ فتوى الحوزة الخاصة بدعم الاحتلال يتظاهر بعدم العلم انه يرتكب ذنبا وهو يعلم ان الوطن سيذبح وليس( بقرة) فقط ، لكنه يريد، كذاك الهندوسي، ان يحصل على منفعة شخصية من الحوزة الصفوية او الاحتلال او كلاهما ، فيتظاهر بانه ينفذ فتوى وان الذنب سيقع على المرجع !
            ان الذين لم يقاوموا الاحتلال  وصلت حالتهم النفسية  الى حد هز وصدم (البرمجة) التي تحركهم بعمى تام حينما شاهدوا المرقد الطاهر للإمام علي - كرم الله وحهه- يقصف وتدمر اجزاء منه من قبل قوات الاحتلال دون ان تصدر الحوزة فتوى الجهاد، خصوصاً وانها اعلنت رسمياً ولمرات عديدة ان انتهاك حرمة الاماكن المقدسة، وبالذات مرقد الامام ، خط احمر يجب على الاحتلال عدم تجاوزه ! لقد تجاوز الاحتلال كل الخطوط الحمر التي وضعتها الحوزة، ومع ذلك اختارت الصمت ورفضت رفضاًَ قاطعاً ان تنطق! لقد تشققت قاعدة احالة الذنب الى المرجع حين اصبح الشيعي العربي في العراق في حيرة من امره ، فها هي مراقد أئمته الاطهار  تهان! وها هم ابناء الطائفة يذبحون، وهاهن حرائر النجف والبصرة يغتصبهن الاحتلال وينتهك اعراضهن  ! فهل طاعة المرجع صحيحة حينما يصل الخرس هذا الحد؟ وهنا بدأت التداعيات، واخذت اعداد متزايدة ممن صمتوا على الاحتلال يخرجون الى السطح ويفصحون عما اقض مضاجعهم منذ بدء الاحتلال، وهو حيادهم بين الغزاة ووطن يدمر ويسرق وتغتصب نساؤه ورجاله واطفاله ، خصوصا  وان الغازي  هو نفسه من وصفه خميني ب  (الشيطان الاكبر )!

              يضاف الى ذلك ان هؤلاء الصامتون على الاحتلال بتأثير فتوى الحوزة  بنيت ثقافتهم الساسية على اعتبار امريكا  العدو الالد للامة الاسلامية ، والاهم من كل ذلك هو ان قادة ايران وهي المرجع الاعلى لكل المرجعيات الصفوية في العراق - قد اتهمت الرئيس صدام حسين (فك الله اسره ) بانه ( يخدم امريكا في محاربته لايران تنفيذا لاوامر امريكية )! واذا بهؤلاء المخدوعين بهذه الاكاذيب الصفوية يصدمون بان من يخدم امريكا وينفذ سياستها هي ايران والحوزة الصفوية في العراق، فقد اعترف خاتمي الرئيس الايراني ونائبه ابطحي قائلين بوضوح تام وامام العالم بانه : ( لولا ايران ومساعدة ايران لما نجحت امريكا في احتلال افغانستان والعراق) ، اما صدام حسين فقد اثبت الواقع، وليس الادعاء، انه قائد وامام معسكر المجاهدين ضد اعداء العرب والمسلمين، واثبت ذلك بالفعل والعمل وضحى بولديه وحفيده والسلطة ، لانه اراد الحفاظ على استقامة  نهجه  الوطني والديني ! وتجسدت حالة الرفض الشيعي لموقف الحوزة في التساؤل التالي : هل كان موقفنا من الاحتلال صحيحاً وينسجم مع الواجب الوطني اوالديني ؟
 

ايقاظ الانسان

          لقد استيقظ المخدر والمنوم بفتاوى ألغت العقل، او حيَّدته،  وحولته الى برنامج كمبيوتر وظيفته الوحيدة هي طاعة نقرات الأصابع على الازرار! وحينما انهمرت مئات الاسئلة على الحوزة حول جرائم الاحتلال في النجف وكربلاء واتسعت لتشمل الجرائم في الفلوجة وغيرها، لم يبق بيد الحوزة سوى اللجوء العلني لاستخدام اسم الله لابتزاز الناس ، فاصدرت فتوى تقول ان من يشترك في الانتخابات التي ينظمها الاستعمار في العراق سيذهب الى الجنة ومن يقاطعها سيذهب الى النار! لقد اخذت الحوزة تستولي، كفراً وخروجاً على الله ، على سلطات إلهية محضة وهي تقرير من يدخل الجنة او النار! ان ما حدث ويحدث في العراق من جرائم بشعة لا يقبلها اي منطق او معيار قد اعادت للكثير ممن كانوا مقلدين للمراجع الوعي ، خصوصاً وعي ان المراجع المقصودة لا تخدم العراق ولا الطائفة بل هي تخدم اصولها القومية الايرانية .
 

الدرس الكبير

          ان هذه التجربة المرة التي مر ويمر بها الاسلام ، وهي حلقة من سلسلة مؤامرات على الاسلام تنفذ باسمه منذ 13 قرنا ،  قد اكدت انه دين العقل وليس دين النقل والتقليد، فليس ثمة دين كالاسلام احترم العقل وشجع على استخدامه في فهم المجتمع والكون وحل مشاكل الانسانية. ان اعظم قدوة في هذا المجال هي السيرة النبوية الشريفة، التي قدمت نماذج تفكير وسلوك لا يحق لأي مسلم حقيقي ان يتجاهلها ويقفز من فوقها، ومن بين ابرز تلك النماذج رفضه صلى الله عليه واله وسلم تسمية خليفته ، وهو يستعد لملاقاة رفيقه الاعلى، وتثبيت قاعدة إن أمرهم شورى بينهم و اطلب العلم ولو من الصين ، و اطلب العلم من المهد الى اللحد ، وعشرات الشواهد الحيَّة الاخرى التي تغلب العقل الانساني المؤمن بالله على أي مرجع بشري، وتسقط بوضوح تام فرضية ان المسلم بحاجة لوسيط بينه وبين الله - أي رجل الدين- وهي فكرة  جذورها مسيحية- يهودية - زرادشتية، ففي اليهودية يلعب الحاخامات دور الوسيط بين البشر والله ، ونفس الدور تلعبه الكنيسة .

          اما الزرادشتية، وهي الديانة الفارسية الرسمية قبل الاسلام ،  فهي تقوم على ضرورة الطاعة التامة للملك والنبي ، اي زرادشت ، ولكي نفهم جذور فتاوى الحوزة الصفوية في العراق وقبلها فتاوى خميني ،  بدخول الجنة ، لابد ان نشير الى ان فلسفة  زرادشت كانت تقوم على فرضية ان السعادة في الارض مستحيلة لان الشقاء هو قدر الانسان في الارض ، لكنها توجد فقط في العالم الاخر ، اي بعد الموت ، ومن اراد ضمان سعادة ما بعد الموت عليه ان يطيع وبخنوع مطلق زرادشت والملك ، اللذان يملكان وحدهما منح صكوك دخول الجنة ! وكان افضل تعبير عنها مؤخراً هو تهديد  السيستاني بدخول من لا يشارك في الانتخابات،التي يريدها (الشيطان الاكبر) ، النار! وكذلك تهديدات الحاخامات اليهود علناً بالتمرد، حتى عسكرياً، على خطة شارون القائمة على الانسحاب من غزة بعد ان اصدر حاخام يهودي فتوى تكفيرية بحق من يريد الانسحاب من غزة ، وربما تكون هذه الفتاوى هي التي دفعت شارون لتسميم المرحوم ياسر عرفات لتجنب هذا الصدام الخطير مع المراجع اليهودية العليا.

         في هذه الثقافة،  القديمة قدم المفاهيم والممارسات العبودية في التاريخ ، يغيب الانسان بالسيطرة على اعظم هبات الله ، وهي العقل المفكر، ويتولى (المرجع ) تقرير السلوك الانساني بكل تفاصيله وتحطم قواعد المنطق والبداهة، ولذلك استحدثت القاب وصفت بانها دينية ترفع المرجع الديني الى مراتب الوهية ، مثل( اية الله العظمى ) اوتعبيرات ملغومة مثل ( قدس الله سره ) ، والتي لم تستخدم قط من قبل الخلفاء الراشدين بما في ذلك الامام علي (ك) وسيد الشهداء الحسين (ر)  ! ومن الطبيعي ان تكون النتائج كارثية على الوطن والانسان والكرامة والحقوق . هل يتجرأ انسان منطقي وعاقل على ادعاء ان اغتصاب العراق وتدنيس مقدساته قد تم دون مساعدة مباشرة من الحوزة الصفوية في العراق ؟ هذه حقيقة دخلت التاريخ وما زلنا نعيش كوارثها وهي وحدها تكفي لحسم جدل طويل وقديم حول الصلة بين الدين والوطن والطائفة .


من خسر؟

          لم يؤد وجود (مرجع) مطلق الصلاحية بين المسلم وربه الى انتهاك اهم قواعد الاسلام فقط، بل انه قاد عراقيين الى التفريط بوطن كان محصناً وعزيزاً، وبالتبعية كان ابناؤه محصنين وآمنين في بيوتهم واشغالهم ومقدساتهم، فتحول الى مسرح خراب وآثام صار فيه الدين ومقدساته والفرد وممتلكاته وكرامته، والهوية الوطنية ورموزها هدف التخريب المنظم والقتل العشوائي والاغتصاب وانتهاك الاعراض! فهل يوجد دين -اي دين- يسمح بهذه الاعمال؟ واي دين او مذهب يبيع الوطن وكرامة الشعب مقابل (وعد) الاحتلال له بالسلطة والنفوذ؟
سألني عراقي كان معاديا للنظام الوطني : في السنوات السابقة للغزو صدرت لنا اوامر بحمل السلاح ضد النظام وحملناه وقتلنا (بفتح القاف) وقتلنا( بضم القاف) ، والآن يقولون لا يجوز حمل السلاح ضد المحتل! أين الصواب؟ وهل تخطئ الحوزة ؟ وهل النظام كان اخطر من الاحتلال وصانعيه من صهاينة - امريكان؟

          هذه الاسئلة هي تعبير عن يقظة العقل والضمير وعودة الانسان وسقوط الروبوت وثقافة الروبوت المنفذ والعبد، وقبل هذا وذاك، وفي قلبهما انها التعبير عن اسلام محمد - صلى الله عليه وسلم- وعروبة (نهج البلاغة) للإمام علي - كرم الله وجهه- وصواب استخدام سيف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما يهدد الدين والوطن والعرض خطر خارجي. لقد قالها العراقيون كلهم، سنة وشيعة عرباً واكراداً وتركماناً ، مسلمين ومسيحيين، لم يعد السكوت على الانحراف ممكناً ايا كان ممارسه ، فالوطن احرق والدين شوه واستغل، وحرائر العراق اغتصبن، لذلك سقطت ثقافة احالة الذنب ، واصبح الانسان هو عمله ، لا يتحمل نتائجه احد اياً كان سواه، فإذا كان طيباً كُرَّم ، واذا كان شريراً عوقب دنيوياً، ودينياً، واعظم شرور العصر واشدها خطرا شر الاحتلال الامريكي ، لذلك لم تعد اي فتوى قادرة على  تخرب العقل سواء صدرت من عمامة سوداء او بيضاء او زرقاوية!

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاحد 29 شوال 1425 / 12 كانون الاول 2004