نواقض العولمة : الأمركة

شبكة البصرة

صلاح المختار
          حينما استخدمت في مطلع التسعينات في دراساتي ومحاضراتي ومقالاتي مصطلح  الديكتاتورية العالمية الأمريكية توقف كثيرون عند هذا المصطلح ، لانهم  لم يفهموا جيداً كيف أن بلداً ديمقراطياً وليبرالياً يحارب (شمولية الشيوعية) يمكن أن يؤسس نظاماً ديكتاتورياً على مستوى العالم ! والان وبعد مضي أكثر من عشر سنوات ثبت أن من توقفوا عند المصطلح باعتراض، أو بتساؤل مشروع ، لم يفهموا ـ جزئياً أو كلياً ـ الآليات الداخلية التي يتطور فيها النظام الرأسمالي ، بشكل عام ،  والمسخ الأمريكي منه ،  بشكل خاص، فتلك الآليات هي القوة الدافعة والمقررة لاتجاهات النظام الرأسمالي ، وبالتبعية الحتمية، تحدد سياسات واستراتيجيات الإدارات الأمريكية. وقد أثبت تاريخ الرأسمالية انها لا تتطور أو تعمل وفق تصور فرد ، قائد أو فيلسوف ، بل أنها تخضع لحتميات وقوانين لا توجد رأسمالية بدونها، وأهمها وأبرزها (قانون الربح المطلق) و(قانون زيادة الربح) المعبر عنه بقانون (إعادة الإنتاج الموسعة).
         وبتأثير هذه القوانين والحتميات تجد الرأسمالية ، والإدارات السياسية التي تخدم مصالحها، أنها اصبحت كياناً مستقلاً عن الأفراد والمؤسسات ويتحرك وفق آلياته الداخلية ، من أجل إبتلاع وإحتواء الآخر ـ مهما كان ـ وتلك هي لعنة العولمة المستبطنة لسرطان الأمركة!

ما معنى ذلك؟

           ان المشروع الرأسمالي ليس مشروعاً خيرياً ، ولا هو مشروعاً وطنيا ً، بل هو مشروع الحصول على المال والمزيد من المال، لذلك يتجرد من يقومون على المشروع الرأسمالي من أية قيمة ورادع مسبق ويكيفون كل شيء (قانون، أخلاق تقاليد، أنظمة، مؤسسات.. الخ)، لخدمة الهدف (الأسمى) والأهم وهو تحقيق الربح، وقد عبر خير تعبير عن ذلك ، على مستوى فلسفي وفكري، في بلورة الفسلفة  البراغماتية ، التي اكتسبت طابعاً أمريكيا وسادت المجتمع والدولة في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلاصتها أنه لا يوجد شر مطلق أو خير مطلق، ولا يوجد خطأ مطلق أو صواب مطلق، بل هناك المنفعة التي تحدد ما هو شر أو خطأ وتميزهما عن الخير والصواب!
        وتبعاً لذلك فإن الأخلاق والقيم والقوانين والروادع كلها أمور نسبية تتغير تبعاً لمقتضيات المنفعة.
واستناداً إلى ذلك برز (قانون الربح) بصفته القانون المطلق الأول للنظام الرأسمالي، فمن يقومون بالعمل وفق آلياته يتمحور جهدهم حول تحقيق الربح ، ولذلك يموت المشروع الرأسمالي حالما تتفوق الخسارة على الربح، في تأكيد مطلق وحاسم على أن الرأسمالية لا يمكن أن تكون نظاماً خيرياً، أوهدفه الخير والمصلحة العامة أو إتباع قيم عليا.  لكن قانون الربح المطلق هذا يولد، وبحتمية مطلقة ايضاً، قانوناً آخر وهو زيادة الربح عبر توسيع المشروع الرأسمالي، وينطوي هذا القانون على (ثقب أسود)، وهو أنه يختط لنفسه ـ عند الحركةـ طريقين: طريق زيادة رأس المال المستثمر عبر إضافة قسم من الربح الأول، وطريق ابتلاع المشاريع الرأسمالية الآخرى ودمجها فيه ، وبذلك تبرز سمة الإحتكار لتطبع الرأسمالية كلما صعدت وتعاظمت، وقد اتفق علماء اقتصاد على اطلاق التسمية التالية على ذلك : (قانون إعادة الإنتاج الموسعة).
        ولا يموت المشروع الرأسمالي فقط إذا خسر بل إنه يموت أيضاً إذا توقف الربح عند حد معين ولم يتكاثر وفقاً لآليات (قانون إعادة الإنتاج الموسعة) ، لأن مشروعاً رأسمالياً آخراً منافساً له سيتجاوزه، ومن ثم يبتلعه أو ينهيه بالإفلاس، لذلك توجد آلية لا راد ولاموقف لها وهي السعي المحموم لضمان زيادة الأرباح والتفوق على كافة المنافسين وتعمد التهامهم وإذا رفضوا تسبب عمداً في افلاسهم!

العولمة : رأسمالية الشفق

           إن من ينظر إلى عالم الأمس وعالم اليوم يجد بسهولة أن حروب القرون الماضية ـ منذ ظهر النظام الرأسمالي ـ كانت حروب التوسع الرأسمالي غير المنظم، أي قيام كل مشروع رأسمالي بالعمل منفرداً للتوسع على حساب المشاريع الآخرى، فتكون النتيجة الطبيعية هي الاصطدام العدائي بين المشاريع الرأسمالية، والذي اتخذ شكل حروب دموية أو حروب القضاء اقتصادياً على الآخر، وكانت الحرب العالمية الأولى والثانية هما محض صراع رأسماليات تعملقت ولم يعد النطاق الوطني لكل منهما يستوعب عملقتها، فأرادت التوسع في الخارج للحصول على مستعمرات ومواد خام وأسواق فاصطدمت ببعضها.
        وبعد أن انهار (الخطر الأعظم) على الرأسمالية، وهو النظم الشيوعية، تحررت من الرادع العسكري الذي كان يحد من وحشيتها وانانيتها المفرطة، فإنطلقت بصفتها وحشاً بلا رادع ذاتي أو خارجي، أليست الحياة بالنسبة لها، مسرحاً لتحقيق المنفعه بغض النظر عن كل شيء آخر؟ الان لا حاجة لليبرالية ولا للتعددية ولا لاحترام مصالح الآخر، مادام طريق الإبتلاع والنهب مفتوحاً دون عوائق! لقداعقب غياب الاتحاد السوفيتي تحرر الغرب الرأسمالي من الخوف ، فراينا آلاف الإختراعات التكنولوجية والاكتشافات العلمية تظهر فجأة وفي زمن قصير جداً، لان أغلبها كان مؤجل الاعلان بعد ان تم الوصول إليه منذ عقود أو سنوات، فتقرر عدم اعلان ذلك خوفاً من استفادة الخصم منه، رغم أن تلك الاختراعات والاكتشافات مفيدة جداً للانسانية، وهذا دليل آخر على إفتقار الرأسمالية وتعبيراتها السياسية (الدول)، والاجتماعية (القيم) للقيم الإنسانية الحقيقية وقيامها بشكل مطلق على هدف تحقيق المنفعة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة.
          لقد انتقل العالم ، وبصورة شبه مفاجئة ، من عالم منقسم تحكمه حدود جغرافية وأمنية، رغم أن قاعدته المادية والتكنولوجية ذات طبيعة عالمية، إلى عالم وصف بأنه (قرية الكترونية ) في مطلع التسعينيات، لان ثورة المعلوماتية والاتصالات قد حصلت، ثم انشئت (منظمة التجارة العالمية) على انقاض (الجات) لضمان دمج اقتصادات العالم.  وبتوفر نظام معلومات واتصالات عالمي مقترن بنظام اقتصاد معولم، اصبح ممكناً الحديث عن العولمة والتي تعني وصول العالم إلى منطقة الشفق، أي الحد الفاصل بين عهدين في تاريخ البشرية : عهد الدولة القومية وعهد الامبراطورية الكونية المعبر عنها بمصطلح العولمة.

الواقع والتخطيط

         لكن ما حصل ويحصل خصوصاً عند دخول القرن الحادي والعشرين، اظهر أن نفس آليات الرأسمالية ، المقترنة بنهوض القوميات والثقافات غير الغربية بعد أن تعرضت للتذويب القسري، قد أبعد العالم عن الوصول إلى منطقة الشفق وانتج مقاومة مزدوجة لمشروع  عولمة الكرة الأرضية مصدرها الرأسمالية المنافسة والثقافات غير الغربية.
          ان قانون الاحتكار المتفرع عن قانون الربح المطلق لم يحرك الرأسمالية الامريكية فقط لابتلاع الرأسماليات الآخرى في أوروبا واليابان، بعد أن كان ينسق معها في ظل الحرب الباردة، بل ايضا  ان الرأسماليات الاخرى ادركت أنها ستٌلتهم وتضيع، أفلاساً أو بفقدان الهوية، إذا لم تقاوم الجموح الأمريكي للهيمنة على العالم في اطار العولمة، فالعولمة لم تكن في الواقع سوى غطاء للامركة لعدة أسباب، منها أن أمريكا تفرض ما تريد لضمان مصالحها (القومية) بإسم العولمة، فهي رفضت الإلتزام بقرارات (قمم العالم)، الخاصة بالبيئة
(اتفاقية كيوتو) والضرائب والدعم الحكومي...الخ ، رغم أنها هي التي فرضتها على منظمة التجارة العالمية، وهي تصر على فرض (نمط الحياة الأمريكية) على العالم، وهي تصر على الانفراد بقيادة العالم، وهي متمسكة بابقاء انفرادها في السيطرة على دفق المعلومات والاتصالات، وهكذا وجد الرأسماليون الآخرون ان امريكا تؤسس نظاماً عالمياً بالقسر، ولذلك استخدم مصطلح العولمة وليس العالمية، يقوم على فرض سيطرتها اقتصادياً ومعلوماتياً واتصالياً وعسكرياً، واجبار العالم كله على قبول مبدأ اسبقية المصالح الأمريكية.
        وقد وصلت محاولات العولمة إلى مرحلة خروج الأمركة من شرنقتها، أي العولمة - بعد 11/ أيلول ـ سبتمبر عام 2001م ، التي استٌغلت للإعلان رسمياً عن قيام ديكتاتورية عالمية بزعامة امريكا، كان ادق وأفضل تعبير عنها مقولة جورج بوش الشهيرة: (أما معنا أو ضدنا).  لقد تبين للعالم ، خصوصاً أوروبا ، أنه في الوقت الذي تدعو فيه امريكا للعولمة وإزالة الحدود وتقييد السيادة تتجه هي إلى تعزيز مصالحها وهويتها (القومية)
- وضعنا كلمة القومية بين قوسين لان امريكا ليست امة وانما هي شركة كبرى - وترفض بشدة اضعاف سيادتها حتى حينما يتعلق الأمر بمنظمات كانت هي المبادرة لإنشائها ، كالأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وغيرهما، لذلك كان طبيعياً أن يدرك الجميع أن أمريكا تسعى عملياً ورسمياً لإخضاع العالم وتحقيق حلمها القديم بجعل كل البشرية على شاكلتها! هذه الحقيقة دفعت الرأسماليات الآخرى لاستنفار قدراتها للرد على التحدي الأمريكي وظهر ذلك في أوروبا الغربية والصين وروسيا والعالم الاسلامي.

الهوية القومية والدينية

          ولئن كانت رأسماليات العالم تقاوم الطموح الأمريكي بدافع قوانين الرأسمالية ذاتها، التي جعلت أمريكا وحشاً منفلتاً، فان الدافع القومي أو الديني كانا موجودين في اوروبا والصين ويتقاسمان التحريك مع الدافع الرأسمالي. أما العالم الاسلامي فإنه استفز بفعل قعقعة سيوف الأمركة وما تحمله من مشاريع تذويب الهوية
القومية العربية وفرض الكيان الصهيوني من جهة، وتشويه الإسلام عبر إعادة تفسيره، بل وحتى إعادة كتابة بعض نصوصه المقدسة من جهة ثانية، وكان غزو افغانستان الإنذار القوي للعرب والمسلمين، ثم جاء احتلال العراق واغتصابه وتدميره وإبادة الآلاف من أبنائه والعمل على تقسيمه على أسس طائفية ـ أثنية الدليل الحاسم على أن أمريكا تحمل مشروعاً استعمارياً، يقوم في جوهره على إبادة الملايين ، لإجل تركيع من يبقى ثم نهب الثروات ومحو الهويات القومية والوطنية والاسلامية.

تبلور المشهد

          إن أحداث 15 سنة مضت اثبتت بالادلة والشواهد، أن العولمة لم تكن سوى شرنقة نشأت داخلها الأمركة، والتي هي أخطر وأوسع مشروع استعماري ظهر في التاريخ ، لأنه لا يقوم فقط على اسوأ ما في  النهج البريطاني في الإستعمار، وهو النهب وترك البلاد خراباً، بل هو ايضا قريب من اسوأ ما في  النهج الفرنسي في الاستعمار، حيث تفرض لغة وثقافة فرنسا على المستعمرات، مع فارق أن أمريكا لا تملك ثقافة حقيقية بل (ثقافة استهلاكية)، قد يقبلها المراهق لكنها تبعث رغبة التقيؤ لديه بعد فترة قصيرة، لذلك، وبخلاف إغراء الثقافة الفرنسية العميق، فإن إنطفاء جاذبية الإغراء الامريكي يعوض عنه بنزعة إبادة الآخر وسحقه بجنازير الدبابات وأسلحة الدمار الشامل، كي يركع لقوانين الأمركة النهبية واللصوصية والتذويبية للهويات الوطنية والدينية، هل هذا تجنٍ على أمريكا؟ بالطبع كلا، فقط أنظروا إلى العراق جيداً ستعرفون أية كارثة يتعرض لها العالم كله نتيجة نشاط آلية قانون زيادة الربح!

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 4 ذي القعدة 1425 / 16 كانون الاول 2004