عروض ومساومات رفضها صدام حسين

شبكة البصرة

صلاح المختار

هل حان وقت المصارحات الكبيرة؟ ربما نعم، فلقد رفضنا ان نتحدث عن خصال القائد، والرئيس الشرعي للعراق، صدام حسين (فك الله اسره)، حينما كانت حملات الشيطنة وموجات الحقد الصفوي الصهيوني تجتاح المنطقة، فخشينا ان نصبح في موقع دفاع لا نرتضيه لانفسنا، اما الان، والثورة العراقية المسلحة تدق ابواب النصر الحاسم، والقريب انشاء الله، واميركا والصفويون الجدد يهزمون، واعمدة الشيطنة تتساقط، بفضل وهج الحقيقة، واخرها سقوط اضاليل حلبجة ومجزرة الجنوب، فقد حان الوقت لنحكي عن حوادث وقعت خلال السنوات الماضية، تتعلق كلها بعروض قدمت للسيد الرئيس صدام حسين في اطار صفقات امريكية، او اسرائيلية، ارادت بها امريكا واسرائيل ان تحلا بعض تناقضاتهما مع شعب العراق، عبر اغراءات كثيرة. ومما اضطرنا للكشف عن ذلك هو ان اغلب الشهود ما زالوا احياء، ونريد ان نسمع منهم شهادتهم امام الجماهير العربية، قبل ان يموتوا، بعد عمر طويل انشاء الله.

والذي عزز لدينا قرار الحديث الان، هو ان الرئيس قد تحدث عن ذلك اثناء استقباله للمحامي خليل الدليمي، اذ ان الرئيس قال له (والقضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعا، ومن يفرط فيها كمن يفرط في شرفه وعرضه، لقد حاولوا معي كثيرا، بعثوا إليٌ برسائل عبر قيادات وشخصيات عربية ودولية، قالوا: فقط نريد منك كلمة، ولا نريد اتفاقا الآن.. كانوا يريدون مني أن أبدي الاستعداد للاعتراف بدولتهم المزعومة 'إسرائيل' لكنني رفضت بكل قوة، رغم أنهم قالوا لي إن الاعتراف بالكيان الصهيوني يعني انتهاء الحصار وعودة العلاقات إلي طبيعتها مع الولايات المتحدة.. لكنني أدرك أن من يفرط في التراب والأرض سيفرط في كل شيء: شرفه وكرامته ولن تكون لديه بعد ذلك أية خطوط حمراء إنه مسلسل مقيت يحتاج فقط إلي البداية ثم يستمر طريق التنازلات بلا نهاية.) لذلك اصبح ضروريا تقديم بعض المعلومات عن بعض العروض التي قدمت على طبق من ذهب لقائد الثورة المسلحة صدام حسين ورفضها بأباء وانفة.

رسالة بواسطة قس

طلب قس من الفاتيكان في عام 1994 على ما اتذكر، زيارة العراق لانه يحمل رسالة للرئيس صدام حسين، فدعي، والقيادة العراقية تعتقد انه يحمل رسالة من البابا، لكنه كشف، بعد وصوله الى بغداد، انه يحمل رسالة من الادارة الامريكية وليس من البابا! وحينما استقبله الرئيس طرح ما يلي : انني احمل الى سيادتكم رسالة من الرئيس الامريكي تقول اننا مستعدون لرفع الحصار عن العراق، ومساعدته على حل مشاكله، في حالة اوقف معارضته للصلح مع اسرائيل، وهذا لا يعني انكم يجب ان تعترفوا باسرائيل، بل ان توقفوا معارضتكم وضغوطاتكم على من يريد ذلك. نظر صدام حسين، بعينيه العسليتين الثاقبتين، وتامل القس برهة، ثم قال له :

- لو فعل صدام حسين ذلك لما بقي صدام حسين، ولما عرفه شعبه ولا العرب. واضاف بصوت عميق وعال : قل لمن حملك هذه الرسالة ان الشعب العراقي سيسقطني غدا اذا قبلت ذلك، واختتم اللقاء بعبارة شهيرة : (قل له اذا كان الهواء يأتينا من اسرائيل فليقطعوه عنا). وحينما كان القس يخرج مرتبكا قال : اشكرك سيادة الرئيس على استقبالي والاستماع الي، فرد الرئيس : نعم يجب ان تشكرني لانني استمعت لعرضك. وبعد انتهاء المقابلة امر الرئيس ببثها من على شاشة التلفزيون، واستمع العراقيون لقائدهم وهو يرفض عرض التخلي عن فلسطين مقابل رفع الحصار عنهم، رغم انه كان يقتل يوميا بين 250 - 300 عراقي، حسب احصاءات الامم المتحدة، بسبب نقص الغذاء والدواء واستخدام اليورانيوم المنضب.

 

رسالة بواسطة الملك حسين

وصل بغداد مبعوث شخصي من المغفور له الملك حسين في عام 1994 يحمل رسالة الى الرئيس، فاستقبله القائد المناضل طارق عزيز (فك الله اسره)، وسأله : لماذا تريد مقابلة الرئيس؟ فرد الضيف الاردني، وكان صديقا شخصيا للرئيس ولابي زياد : لكن الرسالة خاصة جدا وطلب جلالة الملك ان ابلغها للرئيس شخصيا! واضاف المبعوث الاردني: كما انني صديق للرئيس واريد السلام عليه. سأله عزيز : هل الرسالة تتعلق بمبادلة رفع الحصار بتسهيل الصلح مع اسرائيل والاعتراف بها؟ رد المبعوث الاردني : نعم، كيف عرفت؟ وكان الضيف الاردني مندهشا لمعرفة طارق عزيز بمهمة سرية جدا، فرد عزيز : لست من عرف بل الرئيس شخصيا توقع ذلك، وقد طلب مني اسألك عن ذلك، وامرني ان اعتذر عن السماح لك بمقابلته، اذا كان هذا ما جئت من اجله. وبالفعل لم يستقبل الرئيس المبعوث الاردني.

 

وساطة امين الجميل

الوساطة الثالثة، وليس الاخيرة، كانت زيارة السيد امين الجميل، الرئيس اللبناني الاسبق، للعراق قبل حوالي عام من الغزو، ونقله رسالة من جورج بوش الابن، تعرض نفس ما حملته رسالتا القس والمبعوث الاردني، واهم ما عرض هو التالي : تبقون في الحكم، ويلغى قانون اسقاط النظام، ويرفع الحصار، بشرط المصالحة مع اسرائيل والاعتراف بها، والسماح للشركات الامريكية بالاستثمار في العراق، وافق الرئيس على اعطاء شركات امريكية عقودا واستثمارات، في مجال اعادة تأهيل البنية التحتية للصناعة النفطية التي دمرها العدوان الثلاثيني، لكنه رفض بشدة الاعتراف باسرائيل. وقام الجميل بزيارة ثانية للعراق قبل الغزو باسبوعين نقل فيها التهديد التالي من بوش للرئيس صدام : اذا لم تعترف باسرائيل، وتعتذر عن محاولة اغتيال والدي، سافنيك، فرد الرئيس : قل لبوش نحن لانقبل التهديد من اي كان.

 

وساطة سناتور امريكي

وقبل هذا، وبعد انتهاء الحرب مع ايران، وبروز العراق بصفته القوة الاقليمية العظمى الوحيدة، اضافة لاسرائيل، زار العراق سناتور امريكي، واذا به يفاتح الرئيس فجأة بالتالي : لقد طلب مني رئيس وزراء اسرائيل ان ابلغك رسالة تقول : خفضوا تسليحكم، واعترفوا بنا، نضمن لكم اخذ دول الخليج كلها. وبقدر ما كان كلام السناتور مفاجئأ للرئيس، كان رد الاخير مفاجئأ ايضا : ماذا افعل بدول الخليج ولماذا اخذها؟ وانهى المقابلة قبل وقتها المحدد، ووجهه يحمل علائم الانزعاج الشديد.

 

دلالات رمزية عظيمة

في ضوء ما تقدم يجد المرء نفسه امام سؤال جوهري، جوابه معروف وهو : ما الذي يعنيه رفض الرئيس لكل هذه العروض الامريكية والاسرائيلية؟ انه يعني تماما ان عراق صدام حسين كان يرفض المساومة على قضية فلسطين، حتى مقابل رفع الحصار وتقديم دعم مالي وتكنولوجي وسياسي للعراق. لقد اكد الرئيس انه رجل مبادئ وليس طالب سلطة او نفوذ شخصي، ورغم انه كان يدرك، بوضوح وعمق، الخطر الكامن في الرفض الا انه تصرف كقائد وطني وقومي واسلامي، مسؤول امام الله والامة العربية عن تصرفاته.

هذا الرجل كان بامكانه، وهو يرى الانبطاح سياسة عامة، والتوسل مهنة حكام، ان يصبح (ملك ملوك العرب والعجم) لو قال نعم لاسرائيل، ولو قبل ان يتعامل بصفته ذيلا وليس راسا، كما قال للمحامي خليل الدليمي. من ينظر الى سيرة صدام، واسمحوا لي ان الفظ اسمه مجردا من الالقاب، لانه لا يحتاج اليها وقد اصبح امام المجاهدين، وهو شرف اعظم من اي منصب مهما كبر وعلا، يدرك فورا انه بازاء صحابي معاصر جليل هجر الدنيا وما فيها، وقرر التضحية باولاده وعائلته الصغيرة، من اجل عائلته الكبيرة : الوطن العربي الكبير والامة الاسلامية العظيمة. لقد كان، وما زال، رمز الشرف، والوطنية والتمسك بالقومية العربية، والالتزام بالاسلام، وكل ذلك يتجسد، بالنسبة له، في كلمة واحدة : فلسطين.

وهذا الموقف بالذات، كان احد السببين الجوهريين لغزو العراق وتدميره، (والثاني هو النفط)، فامة فيها قائد كصدام لابد ان تنهض، ومن المحتم ان تنتصر، مهما كان الخصوم اقوياء. وامامكم رمز صمود الفلوجة والموصل والبصرة والنجف الاشرف، يؤكد ذلك، ويبعث برسائل تقشعر لها ابدان ماسكي السلطة، الانكلوسكسون. صدام (فك الله اسره قريبا انشاء الله) يذكرنا باجدادنا العظام، خصوصا سيد الشهداء الامام الحسين (ر)، فاختيار صدام لدرب الشهادة طريقا حتميا للبعث والولادة، انما هو سير على درب الحسين، الذي رفض المساومة مع يزيد واضرابه من مفسدي ذلك العصر، وهو يعرف انه سيقتل، مع كل من معه من ال البيت (رضوان الله عليهم).

وكما ان استشهادية الحسين هي التي جعلته المثال الاعظم للتضحية من اجل المبادئ المقدسة، فان رفض صدام للمساومة مع طغاة العصر، هو تذكير جديد للعرب والمسلمين باننا ورثة الثراث الاستشهادي الحسيني، وبأن النصر لن يأتي الا بالتضحية والاستشهاد، وليس بالاستسلام والتوسل والانبطاح.

نعم كان بامكان منجب الشهداء ان يبقى رئيسا مقابل الاستسلام لشروط امريكا واسرائيل، لكنه، ان فعل ذلك، لن يحتفظ بصورة صدام، الحسيني الاختيار، والبعثي الملامح، بل سيصبح مجرد راس دولة، وحاشى لله ان يكون صدام مجرد رئيس دولة، فكم خليفة نصب بعد الحسين لايعرفهم احد، وكم رأس دولة صعد الى الكرسي وصار شهيرا كالقمر، لكنه ما ان نزل الى القبر، حتى مات معه ذكره، واندثر، اما صدام فقد انجب، وربى وكبر، ولده الثالث قبل ان يقع في الاسر : المقاومة المسلحة، فتحية الى الابن الثالث لصدام، والذي من يديه سيأكل جلجامش نبتة الخلود العراقي، ويقطع راس الافعى التي تريد اعادة اكلها.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاحد 14 ذي القعدة 1425 / 26 كانون الاول 2004