الأصدقاء يقطفون عقود

الإعمار في العراق!

 

بول كروغمان

لقد صار الأمر رسمياً. إدارة بوش التي كانت تحتقر عمليات بناء الدول، صارت من دُعاتها وبُناتها؛ وهي اليوم منهمكة في بناء العراق بخطة مثل خطة مارشال. والفرق الوحيد هو أن العراق اليوم ليس ألمانيا ما بعد الحرب الثانية، كما أن جورج بوش الابن، ليس هاري ترومان! وفعلاً، ففي حين قاد ترومان أميركا للقيام بالعمل الأقل دناءة ـ حسب تشرشل ـ في تاريخ العالم؛ فإن الأمور في العراق تزداد كل يوم شذوذاً ودناءة. وهذه القذارة ليست عارضة وتزول، في عملية نبيلة بمجملها. ان محاباة الأصدقاء عامل حقيقي في الشأن العراقي منذ البداية، فإعادة الإعمار ليست فقط أكثر تكلفة مما ينبغي أن تكون، بل ان تلك المحاباة تُفسد السياسة بحيث تُعطى العقود كجوائز للأصدقاء، وتتأخر عمليات الإعمار، في ظروف توشك أن تصبح كارثية.
ان الذي لا يُذكر الآن إلاّ نادراً أن الأميركيين أيام ترومان كانوا مهتمين فعلاً بالنزاهة والشفافية، وأن لا يكون هناك فساد أو إفساد. ولذلك تولت تنفيذ خطة مارشال لجنة مستقلة عن البيت الأبيض، وأعلن مارشال أن الأولويات سيحددها الأوروبيون وليس الأميركيين. ولحسن الحظ، فإن تأكيدات ترومان كانت صحيحة. وفي حين نحتفل به الآن باعتباره إحدى قيادات ما بعد الحرب، صار معروفاً عنه عداؤه لتجار الحروب وإمكان إفادتهم منها. وقد كان يعتبر ذلك خيانة عظمى.
أما إعمار العراق، فعلى العكس من ذلك، إذ يبقى بالكامل بيد البيت الأبيض. وإدارة بوش من تلك الإدارات التي لا تهتم بتضارب المصالح، ولذلك يكون علينا أن لا نتذكر إدارة ترومان الآن، بل إدارة هاردنغ. فقد أُعطي عقد ضخم لهيلبرتون، وهي الشركة التي جعلت من ديك تشيني رجلاً غنياً، وبذلك تحققت التوقعات بهذا الشأن. وفي الوقت الذي يسوء فيه الموقف في العراق، ويطالب مجلس الحكم الانتقالي بالمزيد من الصلاحيات، يصر الأميركيون أن يظلّ كل شيء بيدهم، خصوصاً عقود الإعمار. وأضرب مثلاً على ذلك بالعرض الذي تقدمت به شركتان شرق أوسطيتين لاستحداث شبكة هاتف خلوي بالعراق، ولأن نظام الاتصالات تخرب في الحرب، فقد كان يجب أن تفرح الإدارة بسبب ذلك. لكن حدث العكس، فقد أقفلت الإدارة الأميركية بالعراق تلك العروض، زاعمة أنه لا بد من مناقصة. وفي 31 تموز، أُعلن عن شروط المناقصات، ومنها الخلوي، لكن الشروط ما تزال تُحابي الشركات الأميركية. وقد قيل أن نتائج المناقصة على التلفون ستُعلن في أيلول، لكن الموعد يتأجل باستمرار. ولا يملك الهاتف الخلوي الآن غيربريمر ومساعدوه، ويقال أن الامتياز
سيُعطى لـ (MCI) وهذه شركة لاتعمل تجهيزاتها جيداً، وهي ارتكبت أكبر عملية غش في تاريخ الشركات، ثم انها أخيراً لا خبرة لها في تركيب الشبكات.
وهناك من جهة أخرى الكهرباء. وأحد أسباب تأخر عودة التيار هو أن الأميركيين استبعدوا منذ البداية الخبراء العراقيين والمؤسسات العراقية، وعوضاً عن ذلك أُعطي العقد لشركة
بكتل؛ التي تربطها علاقات جيدة بالجمهوريين مثل هيلبرتون. وإذا شئنا أن نصدّق "واشنطن بوستفإن بكتل ما تزال لا تلبي طلبات المهندسين العراقيين بشأن قِطَع الغيار. ويقال الآن أن قريبين من الإدارة البوشية أو أعضاء فيها يتوسطون الآن للشركات من أجل الحصول على عقود لها، يستفيدون هم منها. فالشركة القانونية، التي كان يعمل فيها دوغلاس فيث مساعد وزير الدفاع، حصلت على عقد. وكذلك شركة أُخرى فيها جو ألبو، منظم المعركة الانتخابية لبوش وتشيني عام 2000. ثم هناك باب ثالث يرعاه ابن أخ أحمد الجلبي المعروف.
هناك مشكلة أخلاقية عالقة: المتفائلون الذين يأملون أن تستقيم السياسات في العراق، يخدعون أنفسهم. ولننظر في ذلك: تكلفة الاحتلال تتصاعد كل يوم. والخبراء العسكريون يحذرون من أن جيشنا صارت أعباؤه تفوق قدراته. والإعمار العراقي ما يزال يتعثر، والأمن يتردى، والإدارة منهمكة في توزيع العقود على أصدقائها: فما الذي يجعلنا نتفاءل بأن الأمور ستتغير؟

("نيويورك تايمز" 2/10/2003

المستقبل