أحلام الإمبراطورية الأمريكية تبدأ في التراجع

المقاومة العراقية.. وسيناريوهات المستقبل

   شبكة البصرة

www.albasrah.net

 

عبد الخالق فاروق

منذ اللحظة الأولي للغزو الانجلو أمريكي للعراق في العشرين من مارس وحتي الآن لم تتوقف عمليات المقاومة العراقية المسلحة، ومايترتب عليها من ايقاع خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف قوات الاحتلال، بيد أن المحلل العسكري يستطيع أن يميز بين مرحلتين لعمل المقاومة العراقية، تمثلت أولاهما في المقاومة النظامية

لوحدات الجيش العراقي والميليشيات شبه العسكرية التابعة لحزب البعث وفدائيي صدام وجماعات المتطوعين العرب.

وقد استمرت هذه المرحلة منذ بداية عمليات الغزو في العشرين من مارس وحتي اعلان سقوط بغداد في التاسع من ابريل الماضي ودخول القوات الأمريكية إلي المدينة بصورة تبدو مفاجئة ومثيرة لعلامات الاستفهام والتعجب، حيث بدت المدينة وكأنها مفتوحة لقوات الغزو فيما يشبه صفقة تسليم مدينة دون وثائق تسليم!؟ وما شهده

العالم بعد ذلك من عمليات سلب و نهب منظمة لم تترك موقعا حكوميا أو متحفا ثقافيا دون أن تطاوله هذه العمليات التي كانت أشبه بما جري للمدينة بعد غزو هولاكو لها والتتار في القرن السابع الهجري.

وفي المرحلة الثانية بدأت حرب عصابات المدن التي تصاعدت يوما بعد يوم سواء في عددها أو في حرفيتها المهنية مما أدي لتزايد الخسائر البشرية الأمريكية بصورة غير متصورة، ووصلت العمليات الي حد نصب كمائن جوية للطائرات الامريكية واسقاط خمس طائرات هليوكوبتر في الاسبوع الاول من شهر نوفمبر 2003، وطبقا

للتصريحات والبيانات الرسمية لقوات الاحتلال فان عدد خسائرهم البشرية منذ اعلان الرئيس الامريكي انتهاء العمليات الرئيسية في العراق في الاول من مايو وحتي أول نوفمبر 2003­ وقبل أسبوع تساقط الطائرات ­ قد بلغ 166 قتيلا وعدة مئات من الجرحي، جراح بعضهم بليغة. وهو ما بدا انه قد تجاوز عدد القتلي الامريكيين في الأسابيع الخمسة الأولي للحرب، بيد أن هذه الأرقام تعكس في الواقع حقيقة الخسائر الأمريكية وبين صفوف القوات المتحالفة معها 'البريطانية والأسبانية أو الايطالية وغيرهم'.

ذلك أنه واذا افترضنا أن حجم الخسائر الامريكية يوميا هي بمعدل جندي واحد، فاننا نكون بصدد 180 قتيلا '180 يوما حتي أول نوفمبر' وعدة مئات أخري من الجرحي، أما اذا ارتفعنا بمعدل القتلي الامريكيين الي اثنين يوميا فيكون لدينا 360 قتيلا في صفوف القوات الامريكية هو ثلاثة ­ وهو ما ترجحه كل المصادر

المتابعة بدقة لمسرح العمليات في العراق خلال نفس الفترة ­ فيكون لدينا حوالي 540 قتيلا أمريكيا، بالاضافة علي عدة مئات من الجرحي. هذا كله قبل أول نوفمبر الماضي، حيث انتقلت فيه العمليات العراقية نقلة نوعية، فارتفع فيه معدل الخسائر في اليوم الي ما يزيد علي 16 قتيلا، وخلال أسبوع تساقط الطائرات وحده سقط

من القوات الامريكية وفقا للبيانات الرسمية الامريكية ذاتها نحو 36 قتيلا.

وبصرف النظر عن عدم دقة البيانات العسكرية الامريكية حول حجم الخسائر من جراء المقاومة العراقية المسلحة، لأسباب مفهومة لعل أهمها محاولة الادارة الامريكية تجنب تكرار حالة الفزع التي انتابت الشعب الامريكي بعد اعلان خسائرهم في حرب فيتنام، فإن النتيجة التي يؤكدها المشهد العراقي الراهن أن حجم الخسائر

الكلية لقوات العدوان المتحالفة 'بريطانيين وايطاليين وبولنديين وأسبان وغيرهم' قد تجاوزت حاليا أكثر من ألف قتيل وما يزيد علي ثلاثة آلاف جريح، جراح معظمهم مؤثرة وسوف تؤدي غالبا الي اخراجهم من الخدمة العسكرية.

 

حضانة!

وقبل أن نخوض في تفاصيل فصائل المقاومة المسلحة التي تعمل علي مسرح العمليات في العراق، علينا باديء ذي بدء أن نحدد المفهوم الاجرائي والسياسي لمعني مصطلح المقاومة عموما. ذلك أن التجارب التاريخية لمثل هذا النوع من العمل العسكري أو ما يسميه البعض 'العنف' يفيد بدرس أولي يتمثل في أنه لا يمكن أن ينجح

مثل هذا النوع من العنف، دون أن تتوافر له بيئة اجتماعية وسياسية تجسد بالنسبة له'الحضانة' الإنسانية، وهنا نستطيع أن نشير إلي عمليتين متوازيتين تجريان علي الساحة العراقية:

الأولي: عملية رفض ومقاومة سلمية للوجود الاحتلالي الانجلو أمريكي وسياساته، وتتمثل في عمليات الاحتجاج المتزايدة والمظاهرات الواسعة والمتكررة التي شهدتها المدن العراقية جميعها من أقصي الشمال إلي أدني الجنوب ضد الاحتلال وقراراته، خاصة في الشهور الأولي للاحتلال التي أدت الي تفاقم حالات البطالة والعوزالاقتصادي وانعدام الأمن والافتقار الي الخدمات الاساسية وغيرها.

الثانية: عمليات المقاومة السرية المسلحة التي اتسع نطاقها الجغرافي وتزايد أثرها السياسي والعملياتي يوما بعد يوم.

وعلي الرغم من أن القوي السياسية والاجتماعية المشاركة في هذين النوعين من المقاومة قد لا يكونان منسجمين ومتقفين علي توزيع الادوار، أو انهما متقاطعان وليسا متكاملين، فان الحاصل أن نتائج عملهما تصب في اتجاه واحد وهو خلق البيئة الاجتماعية والسياسية المدعمة والمساندة لأعمال المقاومة المسلحة في البدء

والمنتهي. ومن المؤكد أن هذه القوي تفترق تماما عن هؤلاء المتعاونين مع الاحتلال أو القادمين في صحبة دباباته، بحيث سيكون لذلك تأثير في المشهد العراقي في المستقبل القريب حتي لو أجبرت سلطة الاحتلال علي تنظيم أي نوع من الانتخابات.

وخلال الأسابيع الثمانية الأولي بعد سقوط بغداد، كان قد أعلن في العراق عن خمسة عشر تنظيما عسكريا مسلحا يتولي أعمال المقاومة ضد قوات الاحتلال، وهذه التنظيمات يتباين خطابها السياسي والايديولوجي، بحيث يمكن توزيعها بين قسمين أساسيين هما:

 

التيار الأول: اسلامي أصولي، بعضها يعدٌ ابنا شرعيا للعراق، والآخر قد يكون مشكلا من تنظيمات المتطوعين العرب والمسلمين، سواء كانوا علي صلة بتنظيم القاعدة 'الأم' أو غير ذي صلة به وأهم هذه التنظيمات المعلنة هي:

1-­ حزب الله العراقي.

2-­ جند محمد.

3-­ الجماعة السلفية المجاهدة.

4-­ أبناء الإسلام.

5-­ الطلائع المسلحة لجيش محمد الثاني.

6- مجاهدو حديثة 'وهي مجموعة شيعية علي الأغلب'.

7-­ سرايا الجهاد.

8-­ الرايات البيضاء.

 

التيار الثان: تيار قومي ووطني عراقي، بعضهم ذو صلة بجهاز الدولة العراقي السابق، وبعضهم تشكل كمقاومة وطنية مسلحة مستقلة عن جهاز الدولة البعثي السابق، ولا ندري حتي الآن مقدار التنسيق العملياتي بين هذين التيارين ومداه وهذه التنظيمات القومية والوطنية هي:

 

1-­ سرايا المقاومة العراقية.

2-­ فدائيو صدام.

3-­ حركة المقاومة الشعبية لتحرير العراق 'يغلب عليها التيار الناصري واليساري'.

4- المقاومة الاسلامية العراقية الوطنية.

5-­ فرقة المدينة المنورة.

6-­ مليشيا حزب البعث العربي الاشتراكي.

واذا جاز لنا أن نغامر بتقدير حجم قوات المقاومة العراقية المسلحة في الوقت الراهن وفي ضوء الشواهد التي سنعرض لها بعد قليل والنتيجة المؤكدة التي توصلنا اليها بشأن نزول جهاز الدولة العسكري والاستخباراتي السابق للعمل تحت الارض فيمكننا أن نقدر حجم هذه القوات النظامية السابقة من قوات الحرس الجمهوري

والحرس الجمهوري الخاص وأجهزة الامن والاستخبارات بنحو 100 إلي 120 ألف مقاتل وهؤلاء لا يشكلون سوي ما نسبته 10 % من اجهزة الدولة العراقية السابقة، هذا بخلاف أفراد الفصائل الاسلامية من غير أعضاء أجهزة الدولة السابقة أو حزب البعث وهؤلاء يقدر عددهم بنحو 20 إلي 40 ألف مقاتل مدرب سواء داخل العراق أو من خارج العراق.

لقد تأكد خلال سير عمليات المقاومة المسلحة اليومية ووتيرة تصاعدها وكثافتها خلال الشهور الستة الماضية ودرجة الحرفية في رصد الكمائن وبث الالغام والعبوات الناسفة، والبصر المعلوماتي لجماعات المقاومة، وأن جهاز الدولة العراقية بكامله'السياسي منه والعسكري والاستخباراتي' قد نزل بعد سقوط بغداد ­ وربما قبلها

بقليل ­ تحت الارض، لادارة عمل سري مباشر UNDERGROUND في اطار خطة طواريء بديلة

في حال احتلال العراق بصورة لا تخطئها عين الباحث والخبير ودليلنا علي ذلك أربعة شواهد.

الشاهد الأول: انتشار مخازن الاسلحة بجميع أنواعها وأحجامها في جميع التراب العراقي، وهي خطة تخزين معدة سلفا وجرت منذ عدة شهور لانها بطبيعتها تستغرق وقتا طويلا، كما تظهر مخازن السلاح المكتشفة من جانب قوات الاحتلال، أن السلاح المخزون هو سلاح حرب العصابات وليس سلاح جيش نظامي 'مثل الهاونات الصغيرة والمتوسطة وقاذفات صاروخية مضادة للدروع R. B. J ورشاشات وعبوات ناسفة وقنابل

يدوية وأجهزة تفجير عن بعد وألغام أرضية... الخ' ووجود هذه المخازن والكميات المخزنة فيها بأحجام متوسطة تعني دون أدني شك، وجود خطة تخزين وضعت منذ زمن ونفذت علي فترات طويلة بين سكن المثلث الموالي للنظام والحكم السابق.

الشاهد الثاني: تناسق العمليات العسكرية اليومية ودقة حرفيتها المهنية، بمايعني أن تدريبا قد جري منذ فترة علي ادارة عمليات من هذا النوع، وبما يؤكد وجود قيادة عامة لهذا العمل، وإن كان من الواضح وجود لا مركزية في تنفيذ العمليات الميدانية وفقا لظروف القادة في المناطق، واذا كان متوسط العمليات اليومية للمقاومة وفقا للبيانات الرسمية الامريكية يتراوح بين 15 عملية الي 35 عملية، فالمؤكد أننا بصدد خطة موضوعة وممولة بصورة صحيحة وتعتمد علي شبكة معلومات واستخبارات غالبا يقوم بها بقايا جهاز المخابرات العراقية المدربين ورجال

الامن القومي العراقي، كما أن عملية تنسيق تتم بين المجموعات ضمانا لعدم التزاحم والخطأ بما يعنيه من ارتباك في العمل واضرار في الميدان.

الشاهد الثالث: امتداد مسرح العمليات في المثلث الاوسط ما بين الموصل وكركوك في الشمال مرورا بالرمادي والفلوجا الي بعقوبة وتكريت حتي بغداد، ثم منها حتي مدينة القائم غربا علي الحدود مع سوريا، دون أن يصل الي الجنوب بنفس الكثافة، بما يعني أن منظمات المقاومة المسلحة لم تخترق بعد الحظر الذي فرضته قيادات

الحوزة الدينية الشيعية علي العمل العسكري ضد الاحتلال البريطاني هناك، واقتصار المقاومة علي الاعمال السلمية مثل التظاهر والاحتجاج، وان كنا علي علم بأن بعض الافراد الشيعة يشاركون فعليا في أعمال المقاومة المسلحة سواء بين ووسط التنظيمات المسلحة الراهنة أو كتنظيم صغير يغلب علي قيادته وأفراده الطائفة الشيعية 'مجموعة مجاهدو حديثة' بيد أن الكتلة الاجتماعية الاهم والاكبر من الشيعة لم تشارك بعد في أعمال المقاومة المسلحة للاحتلال.

الشاهد الرابع: بين تحليل العمليات العسكرية للمقاومة أننا بصدد نوعين من العمليات لكل منهما تكتيكاتها ووسائلها وأهدافها، ولا ندري حتي اليوم مدي وجود تنسيق أو توزيع أدوار بينهما أم لا؟ وهذان النوعان من العمليات هما:

الأول: عمليات عسكرية احترافية مواجهة ضد وحدات القوات الامريكية والبريطانية وغيرها من الوحدات المتحالفة معهم، وتتم عبر نصب الكمائن وبث الالغام واستخدام العبوات الناسفة، وتستهدف قوافل الامداد والتموين والدوريات العسكرية للعدو ومراكز القيادة والسيطرة وكمائن للطائرات الهليوكوبتر لحرمان العدو من

السيطرة الجوية في مسرح عمليات حرب حرب عصابات المدن.

الثانية: عمليات عسكرية أخري يغلب عليها الطابع الانتحاري 'والاستشهادي أحيانا' المعروف في التنظيمات الاسلامية الجهادية عموما وتلك المرتبطة بتنظيم القاعدة خصوصا، وأسلوبها هو استخدام السيارات المفخخة وعمليات الاغتيال الفردية وأهدافها هو عملاء الاحتلال من العراقيين وعناصر الاستخبارات المعادية ومقار

قيادة بعض القوات الاجنبية، ومقار المنظمات الدولية التي يستخدم بعضها كغطاء سياسي لعملية الاحتلال 'مقر الامم المتحدة مثلا' ويؤدي هذا الاسلوب في أحيان كثيرة الي سقوط بعض الضحايا من المدنيين العراقيين مما يؤدي في المحصلة النهائية الي الاضرار بسمعة المقاومة الوطنية العراقية المسلحة ككل، وتلويث عملها، مما يسهل علي اجهزة الاعلام المعادية استخدامها بهدف تقليص التعاطف الشعبي المحلي أو العربي أو العالمي مع المقاومة العراقية النبيلة. ولا يستبعد بالقطع تلاعب بعض أجهزة الاستخبارات المعادية مثل اجهزة الاستخبارات

الاسرائيلية ­ الموجود بكثافة الآن في الساحة العراقية ­ أو غيرها من اجهزة الاستخبارات الامريكية أو البريطانية أو بعض الاجنحة المسلحة لاحزاب عميلة ومشبوهة ­ مثل حزب المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي أو بعض الاطراف الكردية المسلحة ­ في القيام بمثل هذه الاعمال لمصلحة بقاء الاحتلال أو ترويع بعض القوي الوطنية في العراق وأبعادها عن التعاون أو التعاطف مع المقاومةالعراقية باعتبارها ارهابا.

وبرغم كفاءة المقاومة العراقية المسلحة حتي الآن، الا انها تعاني من نقاط ضعف مؤثرة يمكن أن تؤدي ­ اذا ما استمرت ­ الي تقويض تأثيرها وفاعليتها ودرجة انتشارها بين قطاعات واسعة من سكان العراق

 

إرهاب

ولعل أبرز نقاط الضعف هذه:

1-­ افتراق العمل العسكري المقاوم عن الجهد السياسي المنظم للقوي المناهضة للاحتلال، وغياب وسائل للمخاطبة المنظمة للجماهير سواء داخل العراق أو خارجه، وربما نجد تفسيرا جزئيا لهذا الغياب في نفور قطاع غير قليل من الجماهير العراقية وقواها السياسية الجديدة والقديمة تجاه حزب البعث وميراثه الاستبدادي وكراهيتهم لعودة صدام حسين الي سدة الحكم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فان نجاح الولايات المتحدة في ارهاب الانظمة العربية وغير العربية قد جعل من الصعب ايجاد منبر اعلامي أو محطة اعلامية وسياسية تكون بمثابة الناطق الرسمي باسم المقاومة العراقية المسلحة، أو تولي شخصيات بعينها التحدث باسم المقاومة العراقية، لأن يافطة الارهاب سوف تكون كفيلة بمنع ذلك. وتجاوز هذه المشكلةيتحدد في ضرورة تشكيل قيادة سياسية جبهوية للعمل المقاوم فورا ودون ابطاء يطرح علي الشعب العراقي رؤيته وبرنامجه السياسي، ويسعي لتبديد المخاوف ومخاطبة الجماهير العراقية بخطاب سياسي جديد وغير بعثي، وعليه أن يدين أية ممارسات في الماضي عاني منها الشعب العراقي وأن يفتتح عهده بالتبشير بديموقراطية حقيقية في عراق ما بعد التحرير.

2-­ إن خلق هذه 'الجبهة الوطنية الديمقراطية لتحرير العراق' يحتاج الي جهد هائل لتجميع شتات القوي الوطنية الرافضة للاحتلال داخل البلاد وخارجها، والاتصال بها بما يخلق حالة فرز وطني جديد في الساحة العراقية ويؤدي الي عزل القوي والعناصر العميلة للاحتلال والمناصرين لمشروعه الاستعماري الصهيوني في المنطقة. أن هذاالجهد المطلوب لا يقل أهمية في اللحظة الراهنة عن حمل السلاح ونصب الكمائن للعدو أنها روح أي مقاومة وطنية مسلحة وعقلها المفكر وبدونها تتحول عمليات المقاومة المسلحة مع الزمن الي مجرد عصابات قطع طرق.

3-­ ويحتاج الامر فورا الي تأسيس جهاز اعلامي شعبي يتولي نقل أخبار المعركة أول ابأول الي الجماهير العراقية وإلي الرأي العام العربي والعالمي، ولا ينبغي أن تترك الساحة الاعلامية في حالة فراغ لا يملؤها سوي الاعلام المعادي الانجلوأمريكي وعملائه.

4-­ يؤدي استمرار العمليات التفجيرية ضد أهداف مختلطة 'عسكرية ­ مدنية' التي تقوم بها غالبا فصائل مسلحة تنتمي الي التيار الاول الي سقوط ضحايا من المدنيين، وهو ما ينبغي تجنبه بأي حال من الاحوال، ولن يتم ذلك الا عبر ربط هذه التنظيمات بأشكال من التنسيق والعمل الجبهوي الذي يؤدي الي ترشيد طريقة اختيار الاهداف لهذه الفصائل، وعبر ادارة حوار نضالي بناء، مع عزل تلك التنظيمات ذات الارتباط بتنظيم القاعدة وأساليب عملها، لأنها أقرب الي المفهوم الارهابي منه الي مفاهيم المقاومة المشروعة، وكشف هذه التنظيمات أمام الرأي العام الداخلي والعربي والدولي، لكسب ثقة المواطنين وتجنب حالة الاحتراب الداخلي التي يسعي الاحتلال وعملاؤه 'أمثال أحمد الجلبي وجلال طلباني وآياد علاوي' إلي زرعها في الساحة العراقية مثلما حدث في الحالة الافغانية.

 

المقاومة العراقية.. ومستقبل النظام الدولي

يتحدد مستقبل العراق والمنطقة العربية، ولا نبالغ اذا قلنا النظام الدولي الجديد كله، بما يجري في العراق، وما ستسفر عنه عمليات المقاومة الوطنية العراقية المسلحة.

وقد برز خلال الشهور الثلاثة الاولي بعد اعلان الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، انتهاء العمليات الحربية الرئيسية في العراق 'أول مايو 2003' مقدار التأثير الذي أحدثته المقاومة العراقية علي السياسة الامريكية سواء بالنسبة للعراق أو المنطقة أو حتي تعاملاتها الدولية، وهو الاثر الذي تزايد وتصاعد فعله في الشهورالاربعة اللاحقة بعد ذلك أي حتي أواسط نوفمبر الجاري.

ويمكن تتبع خطي هذا التأثير في التغييرات التالية:

1-­ بدأت بعزل الادارة الامريكية لذلك الجنرال الصهيوني 'جاي جاردنر' الذي سبق وعينته الصقور الجارحة في البنتاجون والادارة الجمهورية كحاكم للعراق بعد أقل من شهر من تعيينه، وكذا عزل الطاقم الصهيوني المصاحب له، واستبدلته بواجهة مدنية 'السفير بول بريمر' المتخصص في مكافحة الارهاب وحركات التحرر الوطني، في

حاولة بائسة لتجميل الصورة القبيحة للاحتلال الانجلو أمريكي.

2-­ في أعقاب سقوط بغداد، بدأت الادارة الامريكية وصقور البنتاجون، في اصدار تصريحات تتسم بالصلف والغرور، حيث صرح نائب وزير الحرب الامريكي 'بول ولفويتز' ومهندس هذه الحرب الاستعمارية في الحادي عشر من ابريل بأن 'أمريكا لا تريد خلق أثر متتابع لخلع ملوك وقادة الدول العربية في منطقة الخليج وغيرها. ولكنها بحاجة الي أثر استعراضي، بل حتي أثر استلهامي يترك بصماته بشكل فاعل علي المواطنين...'

واستطرد في القول بأن 'الانتصار الامريكي في العراق هو درس لكل الانظمة العربية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة ' ؟! ثم اعقبه تصريحات كل من وزير الخارجية كولين باول ونائب الرئيس ديك تشيني ووزير الحرب دونالد رامسفيلد، بأن علي فرنسا أن تدفع ثمن معارضتها للحرب ضد العرب، واستمرت سلسلة التصريحات الامريكية من كبار المسئولين بالتوعد لكل من خالف الارادة الامريكية وقرارها بالحرب والعدوان علي العراق، وفي خضم ذلك تقدمت الادارة الامريكية والبريطانية بمشروعهما الي مجلس الامن في الاسبوع الثاني من شهر مايو متضمنا اعلانا بواقع الاحتلال ويضع وصاية كاملة علي ادارة الموارد المالية والثروات الطبيعية العراقية في ايدي سلطة الاحتلال وهو ما بات يعرف بالقرار رقم 1483 الصادر في 22 مايو عام 2003 وذلك كله تحت غطاء انشاء. صندوق اطلق عليه 'صندوق تنمية العراق' كما استبعد القرار المذكور أي دور سياسي للامم المتحدة واناط اليها فحسب المهام الانسانية مع استخدام دور ما سمي المبعوث الخاص للامين العام للمنظمة الدولية كمظلة وغطاء سياسي لاحتلال غير شرعي لدولة عضو ومؤسسة في هذه المنظمة الدولية!

ولم يكتف القرار الاستعماري بذلك بل نص علي مراجعة العقود الاقتصادية التي سبق ووقعها النظام العراقي السابق واعادة النظر فيها من جانب سلطة الاحتلال بما يتلاءم مع الظروف الجديدة واحتياجات الشعب العراقي كما تراها سلطة الاحتلال.. هكذا كما ورد في نص القرار!

ولم يأت القرار علي ذكر أي عملية سياسية أو جداول زمنية لنقل السلطة أو السيادة للعراقيين أو تشكيل حكومة أو أي مجلس صوري من بين العراقيين، بل اكتفي باستخدام صيغ مانعة ومطاطة مثل في أقرب وقت ممكن AS SOON AS.

3-­ بيد أن تصاعد أعمال المقاومة العراقية المسلحة قد دفع الولايات المتحدة للاستنجاد ­ بالمعني الحرفي للكلمة ­ بحلفائها وأصدقائها وعملائها في كل مكان لارسال قوات والمساعدة في توفير الامن لقواتها التي خاضت في المستنقع العراقي بأكثر من قدرتها علي الاحتمال، وبأكثر من قدرة رئيسها المغرور علي التحمل أمام شعبه، وهو علي مشارف معركة انتخابية في الولايات المتحدة بعد أقل من عام واحد، خاصة بعد انهيار كل الحجج والذرائع الانجلو أمريكية بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق التي ثبت عمليا انها كانت مجرد أكاذيب وتقارير ملفقة.

4- وبعد أقل من ثلاثة شهور علي صدور قرار مجلس الامن رقم 1483 في 22 مايو، الذي اعترف بالقوات الانجلو أمريكية كقوات احتلال، لجأت الإدارتان البريطانية والامريكية الي اجراءين متتاليين.

الأول هو تشكيل ما سمي 'مجلس الحكم الانتقالي' في 14 يوليو باعتباره واجهة

سياسية محلية للاحتلال.

والثاني اللجوء الي مجلس الامن من جديد وطرح مشروع قرار جديد يتضمن خطوطا عامة ووهمية لعملية سياسية في العراق ووضع تواريخ عامة حول اعداد دستور جديد وتشكيل مجلس وزراء وهي بهذا تتصور محاولة استرضاء كل من فرنسا وألمانيا وروسيا، وابداء بعض التنازل عن الغرور والغطرسة السابقة.

وبالفعل صدر قرار مجلس الامن الجديد رقم '1500' بتاريخ 14 أغسطس 2003، متضمنا مطالبة الدول العربية وغير العربية بالاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي باعتباره ممثل السلطة العراقية حتي لو كان بدون اختصاص واضح أو حقيقي.

5- ولم تكن هذه الواجهة السياسية المحلية كافية للحد من عمليات المقاومة المسلحة التي تصاعدت أكثر من ذي قبل، وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي لعملية نقل السلطة وجلاء القوات الاجنبية عن العراق، وبرغم التحركات الشكلية والبطيئة التي أداها مجلس الحكم الانتقالي، من خلال تشكيل مجلس وزراء يقوم بدوره علي الاساس

الطائفي والعرقي عبر نظام الحصص وبنفس نسبة التمثيل بالمجلس الانتقالي، والاعلان كذلك عن تشكيل ما سمي 'اللجنة التحضيرية لاعداد مباديء الدستور الجديد'فان الاوضاع علي الارض لم تتغير، بل ازداد عنف المقاومة المسلحة فيما يسمي المثلث السني وصولا الي الموصل وكركوك في الشمال وحتي الناصرية جنوبا.

ومرة أخري سارعت الادارة الامريكية الي مجلس الامن والامم المتحدة ­ تلك المنظمة التي تعرضت للانكار والسخرية من جانب أركان الادارة الامريكية في الشهور القليلة الماضية، التي بلغت حد مطالبة أعضاء من الكونجرس الامريكي الي الغائها أو البحث عن صيغة دولية أخري ­ من أجل اصدار قرار جديد هو القرار

'1511' بتاريخ 16 اكتوبر ليحدد توقيتات زمنية ملقية بها الي ملعب مجلس الحكم الانتقالي الذي يتحرك بالتنسيق الكامل مع سلطة الاحتلال، وكان أبرزها دعوة مجلس الحكم الي أن يقدم مجلس الامن وبالتنسيق مع سلطة الاحتلال جدولا زمنيا وبرنامجا لصياغة الدستور الجديد، كما يطالب القرار مجلس الحكم بعقد مؤتمر دستوري تمهيدا لعملية انتقال للسلطة.

وجاء القرار الي الهدف الحقيقي منه في المادة '13' حيث نص علي أن يأذن مجلس الامن بتشكيل قوة متعددة الجنسيات تكون تحت قيادة موحدة ­ هي طبعا قيادة الاحتلال الامريكي ­ ويدعو الدول الاعضاء كذلك مادة '14' الي تقديم مساعدتها وتوفير القوات العسكرية للقوة المتعددة الجنسيات، كما ينص القرار علي الدعوة لعقد مؤتمر دولي للمانحين في العاصمة الاسبانية مدريد يومي 23 و 24 أكتوبر 2003 لتقديم المساعدات واعادة أعمار العراق.

 وفي الختام يطالب القرار الولايات المتحدة نيابة عن القوة متعددة الجنسيات تقديم تقرير كل ستة شهور الي مجلس الامن يبين فيه الجهود التي بذلت في هذا المجال.

ان محاولة الولايات المتحدة تكرار النموذج الاحتلالي المتعدد الجنسيات في أفغانستان بعد اسقاط حكومة طالبان في نوفمبر عام 2001 هي محاولة بائسة لاختلاف الاوضاع والمحيط الاقليمي وكذا لاختلاف العمق الحضاري بين العراق وأفغانستان.

6-­ أدي 'انغراس أقدام القوات الامريكية في وحل المستنقع العراقي، تخفيف الضغوط الامريكية علي بعض الانظمة العربية الاستبدادية التي كانت بمثابة الهدف التالي للحملة الامبراطورية الامريكية، وتحول الضغط من التلويح بعمل عسكري جاهز وحاضرالي وسائل أخري سياسية واقتصادية واعلامية، وبقدر ما تتصاعد أعمال

المقاومةالعراقية المسلحة داخل العراق بقدر ما تنقذ أطراف ونظم حكم اقليمية أخري كانت معادية في الجوهر للنظام السياسي العراقي السابق ولسياساته ، وهي الآن علي استعداد للدعاء ­ حيث لا تملك غيره ­ لإطالة أمد المقاومة العراقية حتي لو كان من يشارك فيها ويديرها بعض أركان النظام العراقي السابق.

والآن.. كيف نري المستقبل في ضوء كل هذه المعطيات الجديدة والحقائق المتحركة علي أرض العراق؟ نستطيع أن نشير الي ثلاثة احتمالات أو سيناريوهات، لكل منها عناصر قابلة للحياة:

 

السيناريو أو الاحتمال الأول:

نجاح الولايات المتحدة في 'عرقنة الصراع' الداخلي في البلاد مثلما أدارت من قبل صراعات اقليمية ودولية 'فيتنمة الحرب أو بلقنة الحرب أو أفغنة الحرب...الخ' مما سيدخل العراق في متاهات الحرب الاهلية الطويلة الأجل وتحرم المنطقة كلها من دوره وحضوره، وبرغم أن هذا السيناريو المتكرر أمريكيا في النزاعات

الاقليمية لم يحقق للولايات المتحدة أهدافها التي سبق وأعلنتها في بداية دخولها علي خط الصراع أو النزاع إلا أنه كفيل بتوفير منفذ آمن للولايات المتحدة وقواتها العسكرية للانسحاب أو التواري في خلفية المشهد الدموي الجاري.

وفي الحالة العراقية فإن تحقيق هذا الاحتمال يوفر للولايات المتحدة تحقيق هدفي التواري الآمن وكذا ضمان أمن اسرائيل من الجبهة الشرقية لسنوات طويلة.

 

السيناريو أو الاحتمال الثاني:

نجاح الامم المتحدة والمجتمع الدولي في الضغط علي الولايات المتحدة المتورطة أكثر من اللازم وفي ظل ادارة جديدة في البيت الابيض العام القادم 2005 في ادارة عملية سياسية حقيقية في العراق تقوم علي التوافق بين معظم القوي الساسية العراقية أو عبر انتخابات جديدة، وان كان يواجه هذا الاحتمال استمرار أعمال المقاومة طالما أن قوات الاحتلال الانجلوأمريكية موجودة ورابضة علي أرض العراق حتي لو كان وجودها خارج المدن العراقية وفي قواعد عسكرية ثابتة.

كما سيواجه هذا الاحتمال تناطح قوتين في الساحة العراقية الجديدة أولهما نفوذ التيار الديني والحوزة العلمية الشيعية من جانب وقوة حزب البعث العربي الاشتراكي من اجانب آخر.

 

السيناريو أو الاحتمال الثالث:

نجاح المقاومة العراقية الوطنية في صياغة برنامج سياسي توافقي جديد واجبار قوات الاحتلال الانجلوأمريكية وبقية القوات الاجنبية علي الانسحاب بصورة مشابهة للحالة الفيتنامية، وهذا يتوقف علي طبيعة القيادة السياسية التي ستبرز للمقاومة المسلحة العراقية وقدرتها علي اختراق الحصار الاقليمي السابق بحيث يتوفر مظلة

اقليمية تضمن تطور سلمي متوازن لعراق ما بعد التحرير.

والحقيقة أن لكل سيناريو من هذه السيناريوهات، نتائج وتداعيات علي المستويات المختلفة سواء داخل العراق أو علي المستوي الاقليمي المحيط أو حتي المستوي الدولي ونمط العلاقات السياسية الدولية مستقبلا، فلنتوقف عند كل واحدة من هذه الاحتمالات بشيء من التفصيل.