قرارات مجلس " بريمر " حول الاستثمار  الأجنبي :

 فضائح بالأرقام والأسماء !

" الجزء الثالث والأخير "

   علاء اللامي

  إن ما سيحدث في العراق لن يكون شبيها بحالة سابقة ،إذ لم تحدث في التاريخ حالة سرقة ونهب بلد محتل كهذه ، وربما يأخذ المرء فكرة عما سيحدث حين يتذكر عملية  استيلاء شركة النفط الأمريكية "هاليبرتن " التي كان يرأسها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني وشركة "كي بي آر " ذات العلاقات الوثيقة بالبنتاغون والتي هي من فروع  "هاليبرتن " و قد استلمت أيضا عقود لإعادة إعمار البنى الارتكازية ، وشركة "بكتل " على عقود إعادة الإعمار حتى قبل أن تنطفئ نيران الحرب ودون أن تكون هناك  مناقصة رسمية أو منافسة بين مجموعة مستثمرين أو نظام خاص لتنظيم العطاءات .

  ثم ، وبعد كل تلك التجاوزات ، أصدر  بوش شخصيا  قراره القاضي بحماية تلك الشركات من خلال الأمر الذي يحمل  الرقم  13303 ويعطي شركات النفط الأميركية والمتعاقدين الأميركيين حصانة شاملة ضد أية مسؤولية أو مطالبة تصدر عن أي إجراء أو موقف له علاقة بالنفط العراقي  ومقررا أن خطر الضم أو أي إجراء قانوني آخر يمكن أن يقع على صندوق التنمية في العراق, والبترول العراقي والمنتجات البترولية العراقية, والعوائد المتحققة عنها, والالتزامات المرتبطة بها, وأية أدوات مالية من أية طبيعة كانت تتعلق ببيع أو تسويق ذلك البترول وتلك المنتجات البترولية تشكل تهديدا استثنائيا وغير عادي للأمن القومي الأميركي وللسياسة الخارجية الأميركية  يلزم الرئيس الأمريكي بإعلان حالة الطوارئ القومية وكأن العراق صار وفقا لهذا الأمر الحكومي أرضا أمريكية لا فرق بينه وبين كاليفورنيا أو تكساس المغتصبة من دولة المكسيك !

إن الوقوف عند هذه التفاصيل ،التي قد يظنها البعض ضئيلة الشأن ، توجبه ضرورة بناء موقف استقلالي ووطني صحيح ،ومخلص للشعب العراقي ، موقف مدفوع بالحرص الحقيقي على مستقبله وثرواته . فقرار الرئيس الأمريكي الحمائي هذا يكشف اللعبة كلها ،ويقول اليوم بلغة مضببة ما سيقوله غدا بسطوع  وهو أن العراق صار مقاطعة أمريكية ، وإن أية محاولة خارجية أو داخلية يقوم بها الشعب العراقي للخروج من الهيمنة الأمريكية ستقابل فورا بإعلان حالة الطوارئ مع ما يعنيه ذلك من توجيه ضربة نووية مدمرة لمصدر الخطر المحدق بالمصالح الأمريكية . إنهم يقول ذلك اليوم بلغة مضببة لأنهم ينزفون الدماء في مواجهة المقاومة ولكنهم سوف يعلنونه غدا أو بعد عامين وحين سيترسخ احتلالهم مؤسساته بملء الفم وعبر القرارات الرسمية المختومة من قبل صقور البتاغون والكونغرس . ولن يكون عند ذلك الوقت  أي شرف أو قيمة سياسية أو أخلاقية للندم وانتقاد الذات إذ أن التضحيات القليلة التي يتطلبها الوضع لإنقاذ العراق في يومنا هذا  سوف تكون مضاعفة والمجتمع المضعضع اليوم سيكون مفككا تماما ومنهكا بالجوع والنخر والإفساد الأمريكي المبرمج .

  وفي هذا المضمار ينبغي مواجه اللعبة الساذجة وعديمة الآفاق التي يلجأ إليها المدافعون عن سذاجة أو عمالة عن الاحتلال وبقاء قواته في بلادنا والتي يلجأون خلالها لمقارنة الحالة الاحتلالية على سوئها بالحالة الدموية التي كانت سائدة خلال عهد الحكم البعثي الشمولي وتحديدا في سنوات حكم صدام التكريتي . إن هذه اللعبة غير أخلاقية تماما، وتنطوي على خداع وتضليل للعراقيين ، فبدلا من مقارنة الأوضاع في عراق اليوم بالأوضاع في الدول الديموقراطية المستقرة والتي تخلصت من الحكم الاستبدادي تجري المقارنة بين الاحتلال وحكم صدام . بمعنى إنهم يخيرون الشعب العراقي بين مشنقة البعث أو رصاص المارينز الأمريكان فأي عدل وإنسانية في هذا الخيار المخادع .

 

  وإذا كانت الإدارة الأمريكية تفكر ومنذ الآن بحماية استثماراتها ومصالحها النفطية في العراق عن طريق إعلان حالة الطوارئ وشن هجوم  وقائي أو استباقي  فعن  أي تحرير للعراق ، وعن أية إعادة إعمار يليها انسحاب أمريكي ، بل عن أي مجلس عراقي للحكم يتحدث المتعاونون مع المحتلين والذين أخذوا على عاتقهم مهمة القيام بدور شاهد الزور على أقذر وأضخم عملية سرقة ونهب في التاريخ البشري  والدليل المحلي للغزاة في جميع ميادين الحياة العراقية ؟

  أما عن البنية الاقتصادية  والثروات العراقية المعروضة للبيع بأسعار رمزية ،

   فيمكن أن نأخذ عنها فكرة من هذه الأرقام التي يوردها  المستشار محمد عارف في مقالة له في "الاتحاد" الإماراتية فهو  يتكلم عن أرقام يصفها بأنها قياسية في تاريخ القرصنة العالمية تضمنتها وثيقة مشروع خصخصة شركات القطاع العام.  أعدّ الوثيقة، التي وُزعت على نطاق ضيق مقدم البحرية الأميركية براد جاكسن، الموظف في ما يسمى هيئة إعادة الإعمار والدعم الإنساني ORHA ينتهك مشروع الخصخصة ، وبين أيدينا نسخة منه، اتفاقات جنيف الخاصة بإدارة المناطق المحتلة، حيث يعمد إلى بيع ممتلكات تعود إلى الدولة العراقية وفق القانون التجاري 22 للعام 1997 . أما عن عدد الشركات المعروضة للبيع فإنها تقدر بـ  192 شركة، نصفها تقريباً شركات صناعية رئيسية، وعددها 94 شركة  تأتي بعدها شركات الخدمات العامة التي تؤمن حياة المواطنين والمجتمع، وهي تشكل تقريباً ربع مجموع الشركات المعروضة للبيع، منها في السكن والإنشاءات (15) والاتصالات والمواصلات (14) والكهرباء (11) والصحة (شركة واحدة) وسنفهم من توجيهات المشروع لماذا استثنيت من البيع الآن شركات النفط وصناعات المعادن وعددها 19 شركة، فيما يتم بيع شركات المال (9) والتجارة (8) ...)

 وإذا ما علمنا من وزير المالية الكيلاني أن هذه القرارات مجرد بداية ، وأن جميع القيود سترفع وبدون استثناء بعد خمس سنوات ، فإن القادم سيكون كارثيا بكل ما في الكلمة من معنى .وسيكون من حق المواطن العراقي المغلوب على أمره اليوم أن يتساءل :

   ترى إذا كان أصدقاء الاحتلال في مجلس الحكم قد فعلوا كل ما فعلوا حتى الآن ، وأصدروا من القرارات الخطيرة ما أصدروا ، وقبل أن يفبرك لهم الأمريكان فوزا انتخابيا جاهزا ، فماذا تراهم فاعلين  مستقبلا وبعد أن يكونوا قد تم إيصالهم إلى السلطة بعد مهزلة انتخابية معروفة النتائج سلفا ؟ 

 

  من ناحية أخرى ينبغي عدم إغفال احتمالات الهزيمة الأمريكية السياسية داخل أمريكا ذاتها بفعل تصاعد نشاط وتأثير الرأي العام الرافض لاستمرار التضحية بالجنود الأمريكان أو نتيجة سقوط إدارة بوش المحتمل جدا في انتخابات الرئاسة القادمة الأمر الذي قد يضطر الأمريكان إلى الانسحاب بعد ربط العراق وثرواته ربطا محكما عن طريق الديون والأموال التي أنفقوها على عملية الغزو وعلى ما يسمى بأعمال إعادة الإعمار ، سيما وأنه توقعاتهم المتفائلة بحلب النفط العراقي بسرعة وغزارة تأكد عكسها اليوم .ففي هذا الصدد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن توقعات الحكومة الأميركية في مطلع العام حول عائدات قطاع النفط العراقي كانت أكثر تفاؤلا مما توصل إليه تقرير وضعته مجموعة دراسية حكومية سرا.وقد أعلنت  مجموعة خبراء التوقعات في البنتاغون في تقرير لها وضع في خريف 2002 بأن قطاع النفط العراقي في حالة سيئة جدا بسبب الحصار وأنه خسر ربع قدراته الإنتاجية . إلا أن  نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أعلن في نيسان/أبريل، يوم سقوط بغداد، أن العراق قد يتمكن من إنتاج ثلاثة ملايين برميل في اليوم من الآن وحتى نهاية العام، في حين اعتبرت مجموعة الأبحاث أن العراق كان ينتج أقل من 4،2 مليون برميل في اليوم قبل الحرب، بحسب نيويورك تايمز. أما عائدات النفط العراقية فقد قدرت الإدارة الأمريكية  أنها تصل إلى ما بين 20 إلى 30 مليار دولار سنويا، الأمر الذي عزز الانطباع في أن  دافعي الضرائب الأميركيين سيدفعون نسبة أقل من المال بعد الحرب لما سمي بإعادة الإعمار وهذا مجرد وهم كما تبين . لقد جاءت حساب البيدر الأمريكي بخلاف حساب الحقل  النفطي العراقي  فحاكم العراق الأمريكي بول بريمر أعلن مؤخرا  أن العراق سيجني ما مجموعه 35 مليار دولار من مبيعات نفطه للفترة الممتدة من منتصف العام 2003 إلى نهاية العام 2005، إي 14 مليار دولار سنويا.ولهذا طلبت حكومة بوش زيادة 20 مليار دولار على الموازنة من أجل مواصلة لعبتها الاحتلالية تحت شعار إعادة الإعمار فيما التدمير المنهجي للعراق وقتل شعبه  متواصلان بدأب وبشاعة  .

  خلاصة القول :  أن الولايات المتحدة الأمريكية ، وبعد إصدارها لقرارات إباحة الاستثمار الأجنبي " اقرأ الأمريكي " بمباركة مجلس الحكم الانتقالي المعين قد بدأت للتو حربها الحقيقية ضد الشعب العراقي ، وهي لما تحسم بعد الوضع الأمني على الأرض مع المقاومة .

  وسيكون من قبيل الإجرام التلهي بعد الآن بنسج الأوهام عن نوايا وبرامج الأمريكية ديموقراطية وانسحاب  سياسي وعسكري تام وخلال فترة معقولة من الأرض العراقية فيما أعلن اليوم الرئيس الألفبائي لمجلس الحكم  أحمد الجلبي عن ضرورة بقاء الأمريكان في العراق لزمن طويل لم يحدده ،وعن ضرورة إنشائهم لقواعد عسكرية لهم هناك ! 

  لقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية برنامجها السياسي والاقتصادي الواضح وبصراحة صادمة  على لسان الجلبي رئيس مجلس الحكم وعلى لسان وزيره كامل الكيلاني وهو برنامج هادف  إلى نهب العراق و واحتكار ما فيه بموجب قوانين وخطط تمليها هي على أزلامها في العراق ، و ليس على العراقيين الاستقلاليين والوطنين إلا أن يعلنوا بدورهم وبسرعة برنامجهم السياسي والاقتصادي المضاد والذي يرتكز على شعاري :

-   حل أزمة الدولة والنظام عن طريق قيام المؤتمر الوطني التأسيسي المستقل لتنبثق عنه الهيئات والأجهزة التنفيذية والدستورية على طريق إقامة دولة ديموقراطية مستقلة وطرد الاحتلال بكافة أشكال المقاومة والمقاطعة .

-    والشعار الثاني هو حماية ثروات العراق ورفض المشاريع الهادفة إلى بيعها إلى رأس المال الأجنبي نظريا والأمريكي والصهيوني عمليا .

  ومن دون استشراف وتبني وتطوير  البرنامج الاستقلالي الوطني المقاوم للاحتلال  لن تكون هناك أية إمكانية لتفادي الكارثة وإنقاذ العراق والعراقيين من مأساة أن يستيقظوا غدا ليجدوا انهم ليسوا إلا عبيدا للشركات العابرة للقارات .. عبيد ،لكن في بلادهم ، أو في ما كانت ذات يوم بلادهم !

كتابات