في الكشف عن حقيقة بعض مصطلحات العولمة الأميركية في الإعمار والإرهاب

 

شبكة البصرة

حسن خليل غريب

بعد أن تأكَّد رامسفيلد وأعضاء النادي الأميركي الذين وضعوا إيديولوجيا »القرن الأميركي الجديد«، وراحوا ينفذِّونه انطلاقاً من العراق، واستناداً إلى تجاربهم السابقة في لبنان والصومال وأفغانستان راح المذكور يروَّج لمشروعه الشهير في حرب الأفكار.

أما مضمون مشروعه الفكري، فيستند إلى أن »أن كل إرهابي يتم اعتقاله أو قتله يولد مقابله إرهابي آخر«، فيستنتج أن الأسلوب الأمني والعسكري لم يؤدِّ إلى نتيجة. ولكي يقنع العالم بأهمية الحضارة الأميركية الجديدة، ولكي يقنع الآخرين بها، ولكي يضمن نتائج مؤكَّدة لمعركة ما تسميه شلَّة الإدارة الأميركية، أطلق مشروعه الأساسي قائلاً: »لكسب الحرب ضد الإرهاب علينا أن نكسب حرب الأفكار«.

فكيف يكسب أعضاء فريق »القرن الأميركي الجديد« تلك الحرب؟

إذا كان رامسفيلد لم يحدد المقصود بحرب الأفكار إلاَّ أن النبيه يقرأ مضمون الرسالة من عنوانها. من الواضح لدى العالم من أقصاه إلى أقصاه- أن طموح الأهداف الأميركية يشمل السيطرة على العالم: سيطرة عسكرية، ونهباً اقتصادياً، وهيمنة على قرار العالم السياسي ومن أجل تحقيق الأهداف كانت القوة العسكرية هي تلك الذراع المناسبة. ولما قصَّرت تلك الذراع عن تسريع خطى الهيمنة، وجد رامسفيلد ناطقاً باسم الشلة التي هو أحد أعضائها- أن الذراع العسكرية تفتقد إلى ذراع فكرية ثقافية تبررها وتعتِّم على أهدافها الحقيقية. فانخرط رامسفيلد من أعلى هرم عسكري أميركي- في تأسيس قاعدة فكرية يلهي بها العالم ويعمل على إشراكه في الحرب ضد كل ما يعيق تمدد »القرن الأميركي الجديد«.

من أهم خفايا الوسائل الحربية الجديدة هي تضليل العالم بمصطلحات ظاهرها إنساني، وباطنها محتقن بالسم الزعاف.

ولما كانت تلك المصطلحات بالكثرة التي تفوق معالجتها حدود مقال واحد، قمنا باختيار مصطلحين اثنين لكي نكشف عن أنهما سُمَّاً مغطى بالدسم.

من بديهيات تحريض الرأي العالم الأميركي أن يرسم أصحاب مشروع  »القرن الأميركي الجديد« مبادئ وطنية لمشروعهم، على أن تكون تلك المبادئ ذات علاقة بالتعبئة والتحريض التي تُلزِم الأميركيين بتأييدها والمشاركة بتنفيذها كأهداف وطنية. فإذا كانت الإيديولوجيا الأميركية الجديدة تريد أن تصدِّر نفسها إلى خارج حدود الولايات المتحدة الأميركية، فلا بدَّ من أن تثير اعتزاز الأميركيين بأنهم يقومون بنشر مبادئ إنسانية، فكيف لو كانت تلك المبادئ من النوع الذي يحظى بتكليف إلهي؟!!!

لمثل هذا السبب قامت فلسفة أصحاب المشروع على أساس أن إيديولوجيتهم قائمة على نبؤة تكليف الولايات المتحدة تكليفاً إلهياً شرعياً- بتحرير العالم، وجورج بوش الصغير هو المخلِّص المكلَّف بتلك الرسالة.

وإذا أراد أصحاب »القرن« أن يجمعوا من حولهم المؤيدين من غير الأميركيين، فعليهم أن يصدِّروا إيديولوجيتهم بلباس إنساني أخلاقي يكون مقنعاً للآخرين، وآلية التصدير لن تتم بدون تبشير فكري، والتبشير الفكري لن يكون مفهوماً من دون مصطلحات جديدة توفِّق بين الأهداف الخاصة الحقيقية والأهداف الإنسانية العامة.

إن أية إيديولوجية إنما تنضح من الإناء الذي صُبَّت فيه، وإناء الإيديولوجيا الأميركية الجديدة،ليس إلاَّ تلك القاعدة الحضارية الهائلة والثورة الجديدة في التكنولوجيا المتطورة التي تملك الولايات المتحدة الأميركية ناصيتها. واستناداً إلى هذا الإرث العظيم (ونحن هنا لا نبخس تلك الحضارة أهميتها)، وبدلاً من أن تستثمرها لمصلحة البشرية (كوعاء إنساني سليم) انغرست في أذهان النخبة الأميركية المفكِّرة (وهي حتماً نخبة اقتصادية تنعم بكل ما أتتهم به حضارتهم الجديدة من خيرات هائلة) أنهم أصبحوا بالفعل قادة مؤهلين لقيادة العالم، فهم لا يتميزون بطموحاتهم وجشعهم عن فرعون والاسكندر المقدوني والقادة الرومان وكسرى أنوشروان

لا ننسى هنا- أن عبقريات القادة السابقين، في الإمبراطوريات المنقرضة، لم تكن خالية من أحلام العظمة التي تنحطُّ إلى مستوى الغرور والعنجهية. وقد أظهر أولئك القادة من دون استثناء- أن تفوق حضاراتهم (كل حضارة حسب مستوى زمانها ومكانها) يعطيهم الحق بأن يسيطروا على العالم المعروف لديهم (سواء عالمهم المجتمعي الخاص، أو عالمهم العالمي المعروف) وينعموا بثروات تلك العوالم كهبة يقدِّمها الله للنابغين والنابهين والمتميزين والعظماء (الذين كما كان يحسب كل منهم في مصره وعصره أن هو نفسه هبة الله للبشرية على الأرض)، وما على البشرية إلاَّ أن تدين لهم بالولاء والخضوع، بالعبودية والشكر لهبة الله لهم.

فإذا كانت سيرة (بني كولومبس) لا تتميَّز عن سير (بني فرعون) ومقدونيا وروما وفارس فإنما لم تتعلَّم أية سلالة من العظماء والنابهين والنابغين في تلك السلسلة التاريخية المتواصلة من دروس من سبقها، وهي أن كل من كان يتوهَّم (مستنداً إلى حضارته المتقدمة بمصرها وعصرها) قد سقط في أواخر عصره سقوط الظالمين والعتاة، ولم تدم لهم الثروة والسلطان إلى الأبد.

وعلى خلفية كل العتاة في التاريخ تسير التجربة الأميركية من دون أي تطوير أو تحوير، من دون أي اهتمام، أو حتى من دون الحد الأدنى من الاكتراث، بأن أية حضارة ينتجها أي شعب من الشعوب، يجب أن يستثمرها (حتى على قاعدة طوباوية القيم الإنسانية العليا) لصالح الإنسانية نفسها.

لقد ذهب أولئك العظماء في التاريخ، ودالت حضاراتهم، وانبنت مستفيدة منها- حضارات أخرى، تنحو باتجاهات الجشع والتوسع والعظمة. وعلى خطاهم تسير الحضارة الأميركية، وعلى خطى قادة الحضارات السابقة يسير قادة »العصر الأميركي الجديد«. لقد تميَّزت من بينهم وبشكل فاقع وواضح (وأحياناً جلف ووقح)- إدارة الإمبراطور جورج بوش الصغير.

إني أرجو هنا- أن لا يفهم البعض من تقديمي التاريخي أنه تبرير لما يقدم عليه فريق »القرن الأميركي« الجديد من تمثُّل للخط البياني التاريخي. وإنما جئت لأحذِّر وأبشِّر:

-أحذِّر النخبة الأميركية من الوقوع على الرغم من أنهم وقعوا- أسرى الأحلام والنبؤات التي سار على هديها أجداد البشرية في التاريخ.

-وأبشِّر بأن دعاة »القرن الأميركي الجديد« لن يطول الوقت الذي سوف يرحلون فيه، وتدول الإفرازات الفكرية التي أنتجوها بطريقة خاطئة.

من بعض تلك الإفرازات (المفاهيم السياسية والفكرية)، التي تثير الاستهجان والاستغراب، سأتناول منها مفهومين لمصطلحيْن: مفهوم الإعمار، ومفهوم الإرهاب.

يتساوى الجميع في وعي أن كل أصحاب حضارة جديدة يعملون على تحصينها بمصطلحات ومفاهيم فكرية جديدة (تتناسب ليس مع الحضارة بوظيفتها وأهدافها الإنسانية العامة، بل مع أهداف النخبة التي أسهمت في إنتاج تلك الحضارة). ولهذا وضع أصحاب  »القرن الأميركي الجديد« مضامين خاصة لمفهوميْ الإعمار والإرهاب تتناسب مع تبرير تصدير إمبراطوريتهم إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية.

أما بالنسبة لمصطلح الإعمار، وهو المصطلح الذي ننقله بوسائلنا الإعلامية والسياسية (وحتى في الأحاديث الشعبية)، فلا يعني على قاعدة التكتيك اللغوي والسياسي والإعلامي لمنظِّرين (كمثل رامسفيلد)- أكثر من أنه الاستعمار التقليدي بعينه.

ولما كان تعبير الاستعمار قد أصبح ممجوجاً ومستغرباً وسلبياً واستفزازياً عند كل الشعوب، وعلى الأخص عند الشعب العربي؛ ولما كانت أهداف أصحاب »القرن الأميركي الجديد« هي ذاتها أهدافاً استعمارية؛ قامت آلة الإنتاج الإعلامي عندهم بتغيير اللفظ فقط، فتحوَّل »الاستعمار« إلى »إعمار«، فأصبح لفظاً جميلاً وجذَّاباً، ولا يثير الاستفزاز ولا الاشمئزاز، وتلطَّى تحت هذا التعبير كل المتواطئين مع أصحاب »القرن الأميركي الجديد« من عدد من سلطات الدول في العالم، وراحوا يضلِّلون مجتمعاتهم وشعوبهم بأنهم لم يشاركوا في العراق بقوات عسكرية إلاَّ للقيام بواجب (الإعمار) تجاه شعب كان مغلوباً على أمره!!! وهم إذا كانوا سيشاركون- فليس إلاَّ لمساعدة شعب مغلوب على أمره على »إعمار بلاده«.

غريبة هواية الكذب والتزوير التي تقوم بها الإيديولوجيا الأميركية المعاصرة، والأكثر غرابة هواية الكذب والتزوير التي تمارسها معظم الدول المتواطئة، حتى تلك الدول التي مانعت الحرب والعدوان على العراق هي متواطئة بشكل أو بآخر- في تضليل الرأي الشعبي العام حينما تستخدم مصطلح »إعمار العراق«. فهي تغطي جريمة استعماره بشكل أو بآخر.

استنكف الجميع عن الإشارة إلى أن ما يريد الأميركيون »إعماره« في العراق، هو ما قاموا هم بتهديمه من أجل تلزيمه للشركات التي يملكونها أو تلك التي هي ملك (بالتشبيح والتشليح والسطو والقنص بشطارتهم) لهم.

أوغل المحتلون الأميركيون والبريطانيون، والصهيونية -ساعدهم الأيمن الذي ألبسوا دوره العملي في العراق  »طاقية الإخفاء«- في تدمير البُنى العراقية:التحتية والفوقية، ودسُّوا اللصوص الذين استقدموهم على دبابابتهم، من كل حدب وصوب، من كل ناحية جنس ولون، لتدمير ما لم تستطع أن تدمره آلة جهنم الأميركية التدميرية والتخريبية، العاهرة والمتغطرسة، المسموح بها دولياً أو من غير المسموح علناً- باستخدامها، وكانت روزنامة التخريب والتدمير والسرقة والنهب ذات أهداف رئيسية تتلخَّص بإيجاد فرص للاستثمار الحرام لشركاتهم التي أُصيبت بالتخمة، ولم تشبع، من جراء سرقة لقمة دول العالم الثالث.

كان المبدأ الذي اتخذته إدارة جورج بوش الصغير يتلخَّص بما يلي: »دمِّر إذا كنت تريد أن تعمِّر«. وهل يتوَّهم أحد بأن ما وراء كواليس »الإعمار« غير هذا؟

وإذا انتقلنا إلى مصطلح الإرهاب، لتبادرت إلى أذهاننا، بشكل تلقائي وعفوي، من دون أي تحليل أو تعليل، ومن دون أي برهان منطقي صوري أو رياضي، أن كل من ليس مؤيداً لمبادئ النهب الأميركي فهو إرهابي.

أن تدمِّر باسم الحضارة، وفي سبيل خدمة الإمبراطور، باسم فرعون الإله، فأنت مغفورة خطاياك. وأن تسرق لتبرير تكديس ثروات الغازي الملهم المبعوث إلى خلاص البشر فأنت  »لص شريف«. أن تقول للمبعوث الرباني »ما أحلى الكحل بعينك« فعليك غضب الرب وسخطه. أوَ ليس هذا إرهاباً؟

أن تستنكر التدمير والنهب والاغتصاب، فأنت ضد السامية، وأن تدوس على »بسطار« حرس الإمبراطور مبعوث الله على الأرض- فكأنك قتلت الحضارة والمتحضرين جميعاً. ولكي تكون »آدمياً«، ولكي تكون ليبرالياً »محترماً«، ولكي لا تكون مجنوناً يغرِّد خارج سرب الإمبراطور الأميركي، ولكي تكون واقعياً عليك أن »تقبِّل اليد التي لا تستطيع مقاومتها، وادعو عليها بالكسر«، وإذا قبَّلتها وقبلتها، ثم قبَّلتها، فأنت من خدَمَة المعبد الذي يرأسه من لا تغرب الشمس عن أرضه، وأنت أفضل عابد للمعبود، ممثل الإله على الأرض.

كان من حق مغول الهنود الحمر أن يحوِّلوا ماء دجلة والفرات الصافية إلى نهر من المياه السوداء من تأثير حرائق متحف بغداد، ومن مخطوطات مكتبة بغداد العامة، ومن محفوظات بيت الحكمة في بغداد، وليس من حق من دفع كل عمره في تجميع كل ما له علاقة بأقدم حضارة في التاريخ البشري أن يحمل البندقية ليكسر اليد التي امتدت لتحرق تراث بلاد ما بين النهرين. ليس من حقه أن يقطع أنفاس من حبس أنفاس كل الحريصين على إتلاف ذلك التراث العظيم. ففي مصطلحات أصحاب »القرن الأميركي الجديد« من مآثر فكرية (وهي نتانة الفكر) ومن وسائل سياسية تغلِّفها قشرة الديمواقراطية (وهي مثال الديكتاتورية والقذارة)، ما ينبئ بقرن جديد من الكذب والاحتيال »والضحك على الدقون « (دقون هواة الركوب على الدبابة الأميركية) أو (دقون من هم من أصحاب الحظ القليل الذين تمنوا أن يكونوا من الراكبين)، أو (دقون من يروِّجون لسعادة البشر إذا انتصر أصحاب القرن الأميركي الجديد). آهـ كم نبت لهؤلاء وأولئك من قرون، فبورك لهم ما ارتضوه لأنفسهم، ولكن لم يقبضوا إلاَّ »ثلاثين من الفضة« الملوثة بدم شعبهم وكرامتهم.

هذه هي المفاهيم التي يروِّجها الأميركان من بهاريج سندويتشات »الهمبرغر«، وعلكة »التشكلس«، وبناطيل »الجينز«، ودواليب »الهولا هوب«، وفضائح مايكل جاكسونهم »عاشق الأطفال«. فليهنأ اسخرطيو »القرن الأميركي الجديد«، وبورك لهم »إعمارهم« و»لا إرهابهم«. ولكن

لن نرتضي إلاَّ بكسر اليد التي امتدت إلى فلسطين أولاً، واليد التي تجرأت على قصف العراق واحتلاله ثانياً. وليسمعها »بوش الصغير«، و»بلير الذي اكتسب الجنسية الأميركية«، و»شارون« كرمز للمؤسسة الصهيونية الغاصبة العالم كله.

فإذا كان تحرير الأرض إرهاباً فأهلاً بالإرهاب، وإذا باض الإعمار الأميركي ذهباً فهو مكشوف الأهداف، خبيث النوايا استعماري الهوى، ولأنه كذلك فالمحافظة على »خراب البصرة« هو أشرف وأكثر وفاء للبصرة من إعمارها بيد أية شركة أميركية عائدة لأصحاب القرن الأميركي الجديد. لكن أبطال المقاومة العراقية لبُّوا نداء الشرف والكرامة، فتحياتنا من القلب إليكم، فأنتم تؤدُّون العمل الذي ]تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ[.

حسن خليل غريب كاتب وباحث من لبنان