إنعدام رؤية الشر لا يعني عدم وجوده

 

 

 

 شبكة البصرة

ترجمة الدكتور قاسم السامرائي

 

فراس الأطرقجي  الجمعة 2/1/2004 Canada  Yellow Times.org

في الأسابيع القليلة الماضية كتبت كثيراً عن الوضع في العراق وكنت على اتصال مع جماعات عراقية مختلفة واشخاص وجمعيات حقوق الأنسان ووكالات غير مرتبطة حكومياً وصحفيين مستقلين آخرين زاروا العراق منذ سقوط بغداد وكانت الأخبار عند كل هؤلاء محزنة تماماً، فقد تمزق العراق إلى عصابات ومليشيات شريرة لا رحمة عندها ولا أخلاق ولا وازع تخدم رجل الدين هذا أو ذاك إضافة إلى الشركات الأجنبية التي تنافس المؤسسات العربية أو المشاهد المروعة في جرائم تصفية حساب الثأر.

ان القبض على صدام لم يكن له أي معنى هنا لأنه لم يساعد العراقيين على بث روح المصالحة ونسيان الماضي بل أدى على تسريع انحدار العراق إلى العنف والفوضى وتم تحويلة إلى ميدان معارك بين الطوائف العرقية المتناحرة، وفي الوقت الذي صارالعراقيون يذبح أحدهم الآخر في محيط تسوده الفوضوية بتهيئة وتنظيم

قوات الإحتلال ووجودها في العراق، فإن وسائل الدعاية الأمريكية ما تزال مستمرة في ترويج رأي البيت الأبيض بأن هناك تقدما جيداً في العراق وقد سبق لإدارة بوش أن أدبت وسائل الإعلام هذه وعزَّرتها بحجة انها لم تنقل هذا التقدم الجيد، اذ يدعي موظفوا الإدارة الأمريكية أن العراقين على مشارف فجر جديد وهم يتمتعون بحرية لم يتمتع بها أي شعب عربي. والحقيقة المؤسفة أنه ليس هناك أبعد من الحقيقة والواقع مما يدعونه لأن العراقيين الآن يعيشون الفوضى وليس الدمقراطية والفوضوية وليس الحرية وانعدام القانون وليس الأمن، وتكاد وحدة القطر تتهاوى لأن الحرب الأهلية على وشك الاندلاع في الشمال.

والحق فان لي الحق أن أطلق على موظفي البيت الأبيض : كذابون، لأنهم يزورن الأخبار بطريقه مدروسة منظمة ويذيعونها على جمهور لا يهتم إلا قليلا بكل ما يحدث للعراقيين الآن.

وبهذا الشكل الذي يفهمون ما يجري في العالم الخارجي عنهم فانني لا تصيبني الدهشة عندما يصلني في البريد من يقول انني : كذاب، أو مدلس أو بغرابة : اشتغل لحساب المرشح الدمقراطي الأمريكي هوارد دين، وليس لي مثل هذا الحظ لأنني لم أقابل هوارد دين، وفي هذا البريد سألني صاحبه : اين إثباتاتك وبراهينك أن

الفوضى تعم العراق؟ وما الذي جعلك خبيراً بشؤون العراق؟ إن الحقيقة المفترضة انني أتكلم اللغة وأن لي خلفية تراثية عراقية قد لا تكفي، وان اتصالي اليومي مع العراقيين حيث اسمع يومياً بكاء من أتصل به عبر الهاتف وهم يروون لي الرعب والإرهاب الذي يعانونه، كل ذلك ليس كافياً، وان وجودي في العراق الآن ورؤيتي هذا الارهاب والفوضى امام عيني يومياً ليس كافياً؟

واجيب هؤلاء الذين يحطون من قولي فاجيبهم : أين كان سؤالكم عن البراهين حين كان البيض الأبيض يعلم بدون ادنى شك بان العراق لا يملك أسلحة الدمار الشامل؟

اين كان طلبكم عن البراهين حين أخبر كولن باول العالم بان العراق لديه مختبرات لصنع الأسلحة البايولوجية والتي كانت في النهاية مختبرات لصنع الهيدروجين لمناطيد المناخ؟

 اين التدقيق الدقيق والشك وتوخي البراهين التحليلية؟ بل اين هؤلاء الذين قالوا انهم يعرفون الحقيقة بان العراق كان قادراً على ضرب السواحل الشرقية لأمريكا ولماذا لا يتكلمون الان فيقولون بانهم اكتشفوا بان الجيش العراقي كان قد انهكه حصار الأمم المتحدة لمدة 13 سنة واضعفه؟ هل كان الناس نياماً واستيقظوا تواً لكي يطالبوا بصحافة حرة؟ الجواب: لا أبداً، بيد أن الجواب يكمن في الشعور باستعلائية الجنس والتمييز

العنصري والعنجهية السمجة لان استعلائية الجنس والتمييز العنصري تستند على أن وسائل الدعاية الغربية هي التي تنقل الحقيقة ويمكنك للحظة أن تتمعن في قناة الجزيرة وكيف وصمت بالرادكالية حين كانت تغطي حرب احتلال العراق، لقد نعتوها دون تردد بـ: كاذبة!

والسؤال: لماذا؟ والجواب: لأنها نقلت جانباً من الحوادث لا يريد أحداً رؤيته أو سماع شيء عنه، ولما عرضت وسائل الدعاية الكندية وجهاَ مختلفاً للحرب على العراق فقد تسلمت من واشنطن توبيخاً عنيفاً.

وعندما عرضت وكالات الأنباء صور أسر بعض الجنود الأمريكان هبت عاصفة شديدة من الاحتجاجات بان عرضها ينافي حقوق الأنسان وشروط معاهدة جنيف، ولما عرض موقع  Yellow Times.org

بعض الصور لجنود أمريكان وبعض القتلى من المدنيين العراقيين كان الرد عدائياً شديداً بحيث ان هذا الموقع قد أجبروه على الإغلاق  was forced offline وهددوه ووصموه بالخيانة، وعلى أية حال فان قناة CNN  لما عرضت استعرض الجنود العراقيين والقتلى العراقيين، ولما عرضت فلم الجنود الأمريكان وهم

يطلقون النار على ظهر أحد الضباط العراقيين المجروحين فيردونه قتيلاً وسط هتاف الجنود الأمريكان، لم تهب عاصفة الاحتجاجات ولم يكن هناك أي تنديد أو احتجاج، والسؤال: لماذا؟ حسناً، انه يبدو مقبولاً أن يعرض العراقيون باوضاع مهينة لأنهم بعد كل ذلك عراقيون وليسوا من الجنس الأبيض وليسوا أمريكيين وهذا مقبول مع تعويج سير العرف قليلاً وأي فرد يحاول أن أن يقول شيئاَ مختلفاً عن الصور الجميلة التي تبثها محطاتهم يوصم راساً بالخيانة والعمالة والفوضوية وتبني للإرهاب.

أمر فضيع؟ الحقيقة ... لا!! لأن هذا يحدث اساساً يومياً فعندما يقتل اسرائيلي في فلسطين فان وسائل الاعلام الأمريكية تعرض على المشاهدين لقطات عن الحياة اليومية في اسرائيل وعن هوايات هذا المقتول وعن عائلته وعن طفولته وأحلامها ولهذا فان المشاهد يصيبه الغضب ويشعر بالتعاطف والشفقة مع الاسرائيلي الذي

يذكر اسمه، أما إذا قتل الفلسطيني فلا يذكر له اسم ولا يشاهد المشاهدون طرفا من حياته الا كلمة واحدة : "محارب" (militant) بدون أي تعاطف أو شفقة مع هذا الكلب.

والأنكى من ذلك هو استعمال مصطلح "هدوء نسبي" ففي الاسبوع الماضي عندما قتل فلسطيني نفسه مع اربعة من الاسرائيليين في موقف السيارات في اسرائيل فان وسائل الدعاية الأمريكية اعلنت عن الانفجار بانه قد كسر الهدوء النسبي السائد في المنطقة وكان هذا الهدود النسبي قد شاهد قتل 117 فلسطينيا وجرح وتعويق

المئات من الفلسطينيين في العديد من الغارات العسكرية الاسرائيلة. وقد كنست وسائل الدعاية الأمريكية مبدأ "الهدوء النسبي" جانباً لتركز على مايكل جاكسون "الصنم الأمريكي" بينما كانت المحطات العربية تعرض صور الدمار والارهاب، فكان "الهدوء النسبي" مثالاً للنفاق حيث ينطبق إذا ما قتل الفلسطينيون ولم يقتل

الأسرائيليون وهنا يأتي دور العنصرية ودور الاستعلاء الجنسي فليس منهم من يريد أن يسمع ماذا يريد العرب أن يقولوه ولهذا فان وسائل الأعلام الأمريكية وبالتتابع المشاهدين الأمريكيين في الواقع يقفلون أحاسيسهم ومشاعرهم عن كل ما يحدث في بقية العالم، وفي نهاية الأمر فاننا كلنا الخاسرون في هذه اللعبة.