إيران…….. ومخاطر السباحة مع القرش الأمريكي

 

شبكة البصرة

سعد داود قرياقوس

 من المؤكد أن القيادة الإيرانية أكثر القيادات سعادة بولوج الإدارة الأمريكية مرحلة سبات السياسية الخارجية وانشغالها في تفاصيل أجندة الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولاشك في إنها الأكثر لهفة وترقبا، والأكثر تأثرا من نتائج الانتخابات، ولا جدال في كونها الأكثر خسارة في حال فوز الرئيس بوش بفترة رئاسية ثانية.
انشغال الإدارة الأمريكية بتفاصيل الحملة الانتخابية الرئاسية يتيح للقيادة الإيرانية فرصة تاريخية ثمينة قد تساعدها على ترتيب أوضاعها الداخلية والخارجية استعدادا للمواجه المقبلة حتما مع قوات العم سام المحتشدة على حدوها الغربية، ويوفر لها الوقت الكافي لتقديم النذور والدعاء لخسارة الرئيس المتهور وفريقه الليكودي المتعطش لحروب الهيمنة النفطية.
لقد أدركت القيادة الإيرانية وبشكل واضح الثمن المطلوب دفعه لإلغاء عضوية إيران في نادي محور الشر!، وعكست قراراتها وتحركاتها الإقليمية والدولية، ومغازلتها الشيطان الأكبر خلال الأشهر الماضية استعدادها لدفع الثمن المطلوب لتجنب المواجهة التي لا طاقة لها بها عسكريا وسياسيا.
عشية الاحتلال الأمريكي للعراق، كانت ثمة ثلاث ملفات رئيسة تحدد طبيعة العلاقات الأمريكية- الإيرانية المتأزمة. تضمن الملف الأول الاتهامات الأمريكية حول النوايا إلايرانية لامتلاك السلاح النووي، في حين ركز الملف الثاني على علاقة إيران بحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، أما الملف الثالث فاختص في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان ومطالب التغيير الديمقراطي في إيران.
 
 ثمة العديد من المؤشرات الدالة على قيام الإدارة الأمريكية بتهيئة موقف إيراني ملائم لمتطلبات خطة الحرب على العراق واحتلاله. وإذا كانت الإدارة الأمريكية لم تنجح في الحصول على التأييد الإيراني الرسمي العلني المطلوب، فأنها استطاعت تامين الحياد الإيراني، وضمان السيطرة الإيرانية على التشكيلات العسكرية التابعة للحركات السياسية المدعومة منها و المتواجدة في أراضيها من الدخول إلى الأراضي العراقية خلال الأيام الأولى للمعركة تجنبا لأية تعقيدات ومضاعفات معيقة لا نجاز الخطط الأمريكية بأقل خسائر عسكرية وسياسية ممكنة.
 لقد أحدث الاحتلال الأمريكي السريع للعراق إخلالا جوهريا في معادلات العلاقات الإيرانية- الأمريكية، وخلق ضغوطا هائلة على القيادة الإيرانية التي وجدت نفسها عاجزة عن التعامل مع معطيات الواقع الجديد على حدودها الغربية، وتجاورها لقوات الشيطان الأكبر؟! وزيادة احتمالات الاصطدام العسكري مع الإدارة الأمريكية المزهوة بنشوة النصر السريع على بغداد. ومنذ الأيام الأولى لاحتلال العراق حاولت الإدارة الأمريكية استثمار التطورات الجيوسياسية الجديدة في تحصيل استحقاقات سياسية على طهران، فبدأت مناورات الضغط والابتزاز السياسي متخذة مقتربات مختلفة تراوحت ما بين التصاعد السريع والفجائي للتظاهرات الطلابية في العديد من المدن الإيرانية المطالبة بتغييرات إصلاحية، إثارة وطرح الملف النووي الإيراني على الأجندة الدولية، بالإضافة إلى تلميحات وتصريحات أمريكية عن التدخل الإيراني في الشأن العراقي،ورعاية إيران للإرهاب الدولي واحتضانها للمنظمات الإرهابية!؟ وشهدت العلاقات بين البلدين تصاعدا ملحوظا وغدت المواجهة الأمريكية الإيرانية للكثير من المراقبين والمحللين السياسيين أمرا محتما وحادثا لا يمكن تجنب وقوعه.
 فما الذي حدث إذن؟ وكيف تم تفادي الصراع؟
 بقدر تعلق الأمر بالموقف الأمريكي، فقد أجبرت تداعيات المأزق الأمريكي في العراق وعجز سلطات الاحتلال عن السيطرة على الوضع الأمني والتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة، فريق بوش على القبول ببعض التراجعات التكتيكية، وتأجيل التعامل مع مفردات الملف الإيراني إلى مراحل لاحقة.
 أما القيادة الإيرانية، فإنها تعاملت بذكاء ومغامرة محسوبة المخاطر مع الفراغ السياسي والحكومي الناجم عن انهيار الدولة العراقية. واستغلت التورط الأمريكي في رمال العراق المتحركة، واستثمرت علاقاتها مع بعض الأطراف العراقية وامتداداتها في المؤسسة الدينية كورقة تفاوض مع الإدارة الأمريكية، بعد أن دفعت بقوات بدر وتشكيلات أمنية إيرانية أخرى إلى المدن العراقية الجنوبية، مُشكّلة قوة حليفة مؤثرة داخل المجتمع العراقي وداخل التركيبة السياسية الجديدة التي فرضتها سلطات الاحتلال. هذه التحركات الإيرانية لم تكن بمنأى عن ملاحظة ومراقبة القيادة الأمريكية إلا ان حراجة الموقف السياسي وتصاعد العمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية في وسط وغرب وشمال العراق من جهة، وتحالفهم الواسع مع المجلس الإسلامي الأعلى، حال دون قيامهم بالتصدي إلى التغلغل الإيراني بشكل فعال.

 ولا شك في أن تفاعلات المشهد العراقي ونجاح المقاومة العراقية العسكرية في فرض نفسها كرقم صعب في معادلة الاحتلال،وما سببته من خسائر سياسية وعسكرية، بالإضافة إلى ضرورات ومتطلبات الانتخابات الرئاسية، أجبرت الإدارة على إعادة ترتيب اولويات مشروع تغيير الخارطة السياسية للمنطقة، وتأجيل العمليات العسكرية المخطط لها إلى فترة ما بعد حسم معركة السيطرة على البيت الأبيض.
 فبدأت جولات المقايضة الأمريكية- الإيرانية المباشرة أو عن طريق حلفاء الولايات المتحدة الدوليين والإقليميين، هذه الجولات أشرتها زيارة وزراء خارجية كل من المملكة المتحدة وفرنسا والمانيا إلى طهران لمناقشة الملف النووي، والزيارات المكوكية لمحمد ألبرادعي رئيس وكالة الطاقة النووية، وزيارة العاهل الأردني لطهران ولقاء الرئيس المصري حسني مبارك مع الرئيس الإيراني في جنيف، و زيارات ثلاثي مجلس الحكم الانتقالي، الطالباني، ألجلبي والحكيم المتكررة إلى إيران وغيرها من اللقاءات السرية والعلنية. هذه التحركات السياسية قادت إلى قيام نوع من التحالف الأمريكي الإيراني والذي وصفه الكاتب الأمريكي توماس فريدمان بأنه أهم حدث سياسي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول؟! البنود العلنية للاتفاق تتلخص في تمييع الملف النووي الإيراني، تصفية وطرد منظمة مجاهدي خلق من العراق، اعتراف إيران بمجلس الحكم الانتقالي والتعامل معه بشكل رسمي، بالإضافة إلى العديد من الاتفاقيات السرية.
 ما هو الثمن الإضافي المطلوب من إيران دفعه للاستمتاع بهذه الفسحة من الهدنة السياسية؟؟
 وما هو الدور الإيراني المطلوب أمريكيا؟
 المطلوب من إيران، أولا، أن لا تعمل على إعاقة تكريس احتلال العراق والعمل على إنجاح مشروع الاحتلال من خلال استثمار نفوذها وامتدادها المذهبي في العراق، الاستمرار على توضيب وترويض الشارع الشيعي والاستمرار في تحييده وتخديره بشكل يضمن تعايشه مع سلطات الاحتلال والقبول بها كمطلب وضرورة شيعية، ضمان تأييد إيران وعدم تدخلها في توجهات الكيان الشيعي المزمع إنشاءه في جنوب العراق وبشكل لا يتعارض مع المصالح الحيوية للولايات المتحدة ولا يهدد امن محميات الخليج القلقة.
 ثانيا، ضمان تامين الإمدادات النفطية الإيرانية للولايات المتحدة وحلفاءها في حالة تعرقل الخطة النفطية العراقية أو تأزم الوضع السياسي الأمريكي السعودي مستقبلا.
وثالثا، تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة ولاسيما فسخ التحالف الإيراني السوري، وعزل سوريا سياسيا، وفك الارتباط الإيراني بحركات المقاومة العربية والإسلامية في فلسطين وجنوب لبنان.
 من الغريب أن تغيب عن تفكير القيادة الإيرانية المجربة، والتي تعاملت بشكل أو بآخر مع الإدارات الأمريكية، حقيقية أن تغير الموقف الأمريكي تجاه إيران لا يتعدى الجانب السوقي " التكتيكي" ولا يشكل تغيرا استراتيجيا في موقع إيران كهدف مستقبلي مؤكد لسياسية التوسع الأمريكية. فالهدوء التي تشهده ساحة المواجهة الأمريكية الإيرانية والذي فرضته تداعيات المأزق الأمريكي في العراق ومعادلات السياسية الانتخابية الأمريكية هدوء لن تطول مدته. فمن المؤكد أن نجاح إدارة بوش في الاحتفاظ بسيادة البيت الأبيض سيدفعها إلى إعادة فتح الملفات الإيرانية والمطالبة في وتحصيل مستحقات متراكمة!، فمنح إيران هامش زمني معين ولأسباب سوقية لا يعني السماح لها بالانزلاق من قائمة الأهداف الأمريكية ومن نادي محور الشر، ولا يشكل تغيرا في استراتيجية القبيلة المحافظة المسيطرة على قرارات واشنطن السياسية وخياراتها العسكرية، فكل التنازلات التي قدمتها وسوف تقدمها إيران مستقبلا لن تثنيهم عن طرق أبواب طهران طالما كانت البحيرات النفطية بعيدة عن قراراتهم وسيطرتهم المباشرة.
حينذاك ستدفع إيران ثمن حيادها بل مساهمتها المباشرة في سقوط بغداد.
وعندها ستدرك إيران مخاطر السباحة مع سمك القرش الأمريكي في حوض مغلق.

الثلاثاء 20 يناير 2004