الإصلاحات الاقتصاديَّة والماليَّة في العراق : جدليَّة الربح والخسارة

الإعلان عن بيع وطن

الجزء الاول

 شبكة البصرة

 سعد داود قرياقوس

أشارت التغيُّرات الاقتصاديَّة التي تمَّ الإعلان عنها،و قيام سلطات الاحتلال بالمصادقة عليها إلى بداية المرحلة التنفيذيَّة لمشروع تغيير الهويَّة الوطنيَّة للعراق عن طريق تفتيت القطاع العام فيه وتحويل ملكيَّة ثرواته وقطاعاته الاقتصاديَّة إلى الاستثمارات الأجنبيَّة التي فتحت التغييرات "الباب على مصراعيه إمامها"، على حدِّ قول أحد المسؤولين الأمريكيِّين في سلطة الاحتلال.
من القراءة الأولى للتغيرات التي أعلن بعض تفاصيلها وزير الماليَّة العراقي والمسؤولون الأمريكيُّون الأعضاء في الوفد العراقي الموجود في دبي،  يتضح حجم الإجحاف الكبير والمخاطر التي تتضمنها هذه "الإصلاحات" على الهيكل الاقتصادي والاجتماعي للعراق. وقبل التعرض لتلك المخاطر  نودُّ طرح الآتي:
أوَّلاً: إنَّ اعتراضنا على هذه الاجرءات لا ينطلق من أبعادها وتبعاتها الاقتصاديَّة الضارَّة فحسب، بل من أبعادها السياسيَّة وتفريطها بالسيادة الوطنيَّة للعراق ومصالحه. فالدوافع الأساس لهذه التشريعات هي سياسيَّة، لا ترتبط بإيجاد حلول للمشاكل الهيكليَّة للاقتصاد العراقي.
ثانيًا: سبق أن بيَّنَّا في مساهمات نشرت في مواقع وصحف عربيَّة وأجنبيَّة بأنَّ خصخصة القطاع العام، والنفطي بشكل خاص، وفتح أسواق العراق المتميِّزة بارتفاع الطلب الفعَّال على السلع والخدمات، وبوجود طلب استثماري متميِّز، تمثِّل جوهر الاحتلال والهدف الوحيد لشن الحرب على العراق. كما بيَّنَّا أيضًا أنَّ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بصيغته وتركيبته الحاليَّتين، جاء تلبية لضرورة وجود هيئة عراقيَّة وإن كانت شكليَّة أو غير شرعيَّة تضفي الشرعيَّة على صفقة بيع العراق التي أعدَّتها مجموعة من الشركات الأمريكيَّة بالتشاور مع بعض الرموز العراقيَّة، وبالتنسيق مع المؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة كما أشار إليه الأمر الإداري الخاص بالتشريعات الجديدة الصادر عن بريمر، المسؤول الأوَّل في سلطة الاحتلال.
إنَّ تقيمنا لهذه "التغيرات الثوريَّة"، إن صحَّ التعبير، يستند على تصريحات وزير الماليَّة العراقيَّة وتصريحات المسؤولين الأمريكيِّين في سلطة الاحتلال. ونقدِّم في هذا القسم عرضًا عامًّا لبعض النقاط الأساس الواردة في تلك التصريحات، على أن نقدِّم للقرَّاء الكرام تحليلاً أكثر شموليَّة للفقرات المتبقيَّة من التصريحات، وملاحظاتنا على القوانين الصيرفيَّة في القسم الثاني من هذا المقال.
1. نصَّت القوانين الجديدة على "السماح بملكيَّة أجنبيَّة كاملة في جميع القطاعات، ما عدا الثروات الطبيعيَّة باستثناء اتِّفاقيَّات المشاركة الأجنبيَّة الحاليَّة في احتياطي النفط العراقي".
منطوق الفقرة، يشير بوضوح إلى السماح للاستثمارات الأجنبيَّة في جميع القطاعات باستثناء النفطي، دون أيَّة ضوابط أو معايير تنظِّم هذا النوع من الاستثمارات. إنَّ الخطورة في هذا السماح يكمن في كونه لا يوفِّر أيَّة ميزات نسبيَّة للمستثمر الوطني، بل على العكس تمامًا. إنَّ الشركات الوطنيَّة بقدراتها المتواضعة لن تكون في وضع تنافسيٍّ متوازن وعادل مع الشركات الأجنبيَّة بقدراتها التقنيَّة والماليَّة الهائلة، ممَّا سيدفعها للانحسار عن جميع القطاعات، أو البقاء كشركات هامشيَّة في أحسن الأحوال.
انحسار الشركات الوطنيَّة عن النشاطات الاقتصاديَّة، سيؤدِّي إلى السيطرة المطلقة للاستثمارات الأجنبيَّة على هيكل الاقتصاد العراقي، وعلى كلِّ ما تمثِّله من تهديد خطرٍ على الأمن الاقتصادي، ولا سيَّما الأمن الدوائي والغذائي.
الجانب السلبي الأخر لهذا الأجراء، يتمثَّل في تبعاته السلبيَّة على القوَّة الشرائيَّة والمستوى المعاشي للمواطن العراقي. فاحتكار الشركات الأجنبيَّة للقطاعات الاقتصاديَّة في العراق في ظلِّ غياب المنافسة الوطنيَّة سيؤدِّي إلى رفع مستوى الأسعار، وبالتالي زيادة العبء الدخلي للمواطن الذي اعتمد ولمدَّة طويلة على الأسعار المدعومة من الدولة.
أمَّا بخصوص استثناء الثروة المعدنيَّة (النفط)، فهو استثناء وقتيٌّ وتكتيك سياسيٌّ يهدف إلى الإيحاء بأن لا رغبة ول أطماع للأمريكيِّين في ثروة العراق النفطيَّة. وإلاَّ فما المقصود بعبارة "باستثناء اتفاقيَّات المشاركة الأجنبيَّة الحاليَّة في احتياطي النفط العراقي" التي أشار إليها المسؤول الاقتصادي الأمريكي! وما هي هذه الاتفاقيَّات؟ ومع أيَّة جهات وقِّعت؟ ومتى؟ هل المقصود بها اتفاقيَّات استثمار حقول النفط الموقَّعة مع الشركات الفرنسيَّة والروسيَّة والصينيَّة؟
2. ستؤدِّي القوانين الجديدة، وفق ما صرَّح به المسؤولون المذكورون، إلى فتح الأسواق العراقيَّة أمام الاستثمارات الأجنبيَّة دون ضوابط أو معايير لتنظيم هذه الاستثمارات. ولا تتطلَّب هذه القوانين دراسة وتحليل العروض وطلبات الاستثمار.
من المريب ألاَّ تتضمَّن هذه القوانين حدًّا أدنى من الضوابط والمعايير المنظِّمة للاستثمار الأجنبي التي تتمسَّك بها جميع الدول بما فيها الدولة المحتلَّة للعراق. قد يحق التساؤل فيما إذا كان المطلوب من الشركات بيان جنسيَّاتها؟ أو إذا كانت الشركات الإسرائيليَّة مشمولة بهذه الإعفاءات؟     
هنالك فرق كبير بين وجود معايير منظمِّة للاستثمار الأجنبي وبين الاجرءات المعرقلة لهذا النوع من الاستثمار. ولا شكَّ في حاجة العراق لاستثمارات هائلة تتطلَّب انسيابيَّة إداريَّة وقانونيَّة، إلاَّ أنَّ المصالح الوطنيَّة تتطلَّب أيضًا تنظيم الاستثمار الأجنبي ضمن أطر ومعايير ثابتة، وهذا ما تتبعه مختلف الدول، ومنها الدول الصناعيَّة الرأسماليَّة.
3. لا تسمح التشريعات الجديدة للمستثمر الأجنبي، وفق ما أعلنه المسؤولون العراقيُّون والأمريكيُّون في دبي بحق تملُّك أملاك عقاريَّة، لكنَّها تسمح باستئجارها لمدَّة 40 سنة، وفق ما ورد في تصريحات المسؤول الأمريكي، ولا تزيد على 60 سنة، وفقًا لما ورد في النسخة غير الرسميَّة للقوانين الجديدة التي نشرتها بعض الوسائل الإعلاميَّة.
إنَّ معظم قوانين الاستثمار العالميَّة تحدُّ من امتلاك المستثمر الأجنبي للأصول العقاريَّة كما ورد في الاجرءات الأخيرة. إلاَّ أنَّه من الصعب جدًّا فهم مبرِّرات السماح للاستثمارات الأجنبيَّة في حقِّ استئجار العقارات لأمد طويل جدًّا. وعلى الرغم من أنَّ القانون موضوع البحث يمنع المستثمر الأجنبي من امتلاك عقاريٍّ، إلاَّ أنَّ هناك ثغرة قانونيَّة تسمح ببعض الاستثناءات دون تحديدها نصًّا. والغريب أيضًا، المدَّة المسموح بها للاستئجار التي قد تصل إلى 60 سنة قابلة للتمديد. 
4. إنَّ أكثر فقرات القانون الجديد إجحافًا للمواطن العراقي هي خضوعه للنسبة الضريبيَّة نفسها المفروضة على الشركات الاستثماريَّة الأجنبيَّة البالغة 15%.
هذه المساواة بين ضريبة الدخل والضريبة المفروضة على أرباح الشركات، تمثِّل خرقًا لمبدأيِّ العدالة والكفاءة الضريبيَّة التي تستند عليها النظم الضريبيَّة في معظم دول العالم. كما أنَّ المساواة بين العبء الضريبي للمواطن العراقي في ظروفه الاقتصاديَّة الصعبة والعبء الضريبي للمستثمر الأجنبي المترفِّه أمرٌ منافٍ  لقيم العدالة وأسسها، وغير مقبول على الإطلاق. وللموضوع بقيَّة.

أكاديمي عراقي
saadk@canada.com

الإعلان عن بيع وطن / الجزء الثاني

الإعلان عن بيع وطن / الجزء الثالث