الإصلاحات الاقتصاديَّة والماليَّة في العراق: جدليَّة الربح والخسارة

الإعلان عن بيع وطن

الجزء الثالث

 

سعد داود قرياقوس

استعرضنا في القسمين السابقين من هذا المقال المخاطر الاقتصاديَّة والسياسيَّة للإجراءات التي تبنَّتها سلطات الاحتلال كمحاولة إصلاحيَّة للاقتصاد العراقي. وتطرقنا إلى المخاطر الجسيمة لصفقة بيع العراق المعلنة في الأمر الإداري 39 الخاص بالاستثمار الاجنبي.
سنتناول في هذا القسم بعض الملاحظات العامَّة عن الإجراءات المذكورة، ثمَّ نتوقُّف عند بعض آثارها الاقتصاديَّة السلبيَّة المباشرة.
أولا:عكست تصريحات وزيري الماليَّة والتخطيط ميلاً شديدًا نحو الاقتراض الأجنبي كمصدر لتمويل الفعَّاليات الاقتصاديَّة، وقدَّمت تقديرات مبالغ فيها لحاجة الاقتصاد العراقي الآنيَّة من القروض الخارجيَّة. هذه التقديرات لا تستند على حسابات واقعيَّة وتحليل اقتصادي سليم، بل تعكس جانبًا من الأهداف الاقتصاديَّة للاحتلال ورغبات بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي. ولا خلاف لنا على حاجة الاقتصاد العراقي الفوريَّة لرأس المال، إلاَّ أنَّ اعتراضنا ينصبَّ على مقدار الاقتراض الأجنبي وشروطه. إن الحالة الاستثنائيَّة التي يمرُّ بها العراق تتطلَّب التركيز على تغطية الطلب قصير الأمد على القروض الأجنبيَّة، وتجنُّب الالتزام بشروط قروض ضخمة لا مبرِّر لها آنيًّا.
الأمر المثير للتساؤل خاصَّة في ظلِّ حاجة العراق الملحَّة للعملات الأجنبيَّة، يتمثَّل في عدم استخدام أرصدة العراق المجمَّدة التي سيطرت عليها الإدارة الأمريكيَّة بطريقة مشينة. واسباب عدم استخدام الودائع المترتِّبة عن اتفاقيَّة برنامج النفط مقابل الغذاء المودعة لدى البنك الفرنسي في نيويورك المقدرَّة ب 10 بلايين دولار! أم أنَّ أرصدة الحسابات المذكورة اختفت أسوة باختفاء الآثار والنفائس العراقية! هل من المنطق أن يقترض العراق لقاء فوائد عالية في الوقت الذي تتوفَّر له أرصدة ضخمة كافية لتغطية الطلب الآني على رأس المال، وقادرة على تغطية الإنفاق العام وخلق فرص عمل لجيش العاطلين؟
ثمَّ إنَّ الاقتراض الخارجي يتطلَّب حتمًا تقديم ضمانات للجهة المقرضة. فما هي الضمانات التي يستطيع العراق تقديمها في هذه المرحلة غير احتياطه النفطي؟؟ لقد لمح العديد من مسئولي إدارة بوش وصندوق النقد الدولي إلى احتمال اللجوء إلى هذا الخيار السيِّئ لتسهيل حصول العراق على قروض من المؤسَّسات الماليَّة. استخدام العراق النفط كضمانة للقروض الممنوحة يعني عمليًّا رهن ثروته وحقوق أجياله القادمة، ورهن سيادته الوطنيَّة لدى البنوك الأمريكيَّة والمؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة.
لقد لعبت القروض الخارجيَّة دورًا مخرِّبًا لاقتصاديَّات الدول النامية خلال العقود الثلاث الأخيرة. فالديون الخارجيَّة والفوائد المترتِّبة عليها تشكِّل أكبر معوِّقات التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة لتلك الدول. كما إنَّها من أكثر التحدِّيات التي يوجِّهها الاقتصاد الدولي اليوم تعقيدًا. وعليه، فمن الغباء واللامسئوليَّة إن يقع العراق الغني باحتياطه النفطي وإمكانيَّاته الاقتصاديَّة والبشريَّة في فخِّ الاستدانة الأجنبيَّة.
ثانيا:من المسلَّم به أنَّ هنالك فروقات شاسعة بين الخصصخة القائمة على ضرورات وطنيَّة اقتصاديَّة وبين عمليَّات بيع الممتلكات العامَّة إلى الشركات الأجنبيَّة بأثمان بخسة. نظريًّا، الخصخصة تهدف إلى تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصاديَّة المتاحة عن طريق زيادة الكفاءة الإنتاجيَّة وصولاً لرفع حجم الناتج الإجمالي المحلِّي. لذا، فالخصخصة كهدف اقتصادي وطني يجب أن تستند على اعتبارات اقتصاديَّة وطنيَّة، وأن تتمَّ وفقًا لجدول زمني منسجم مع السياسة الاقتصاديَّة العامَّة للدولة.
ما يجري في العراق حاليًّا مناقض تمامًا للأسس والمبادئ أعلاه. فالدوافع الكامنة وراء ما يطلق عليها "إصلاحات اقتصاديَّة" لا علاقة لها بتصحيح الاختلالات الهيكليَّة للاقتصاد العراقي، بل ترتبط بشكل مباشر بالخطط الاقتصاديَّة لاحتلال العراق والهيمنة المطلقة على ثروته النفطيَّة وسيطرة الاستثمارات الأمريكيَّة على أسواقه المتميِّزة بارتفاع الطلب الاستهلاكي والاستثماري.
لقد عانى القطاع الصناعي (الخاص والعام) خلال العقدين الماضيين من صعوبات وتحدِّيات جسيمة أدَّت إلى انخفاض مستوى كفاءته الإنتاجيَّة. انخفاض الإنتاجيَّة سببَّها العديد من العوامل، أهمُّها الظروف السياسيَّة التي مرَّ بها العراق، وتذبذب السياسيَّة الاقتصاديَّة، وقِدَمُ الآلات والمعدَّات، وعوامل تتعلَّق بالإخفاق الإداري، وانعدام الاستراتيجيَّة الصناعيَّة. والأهم، سياسة الخنق الاقتصادي التي مارستها الإدارات الأمريكيَّة متمثِّلة بالحصار الإجرامي التي فرضته على العراق لمدَّة ثلاثة عشر عامًا. وعلى الرغم من ِذلك، فإنَّ التقييم الموضوعي للقطاع الصناعي في العراق قياسًا بدول المنطقة الأخرى، يثبت نجاح جهود العراق في بناء قاعدة صناعيَّة وطنيَّة وقيام صناعات تتميَّز بمستوًى عالٍ من الكفاءة الإنتاجيَّة وبوجود طلب داخلي و خارجيٌّ فعَّال على منتجاتها.
إنَّ الأهداف والإجراءات المعلنة لخصخصة القطاع الصناعي العام تعاني من فجوات وتناقضات واضحة. فالمبرَّرات المقدَّمة من مسئولي وزارة الصناعة لبيع شركات الوزارة البالغ عددها 48 شركة ومصانعها البالغ عددها 150 مصنعًا تستند على انخفاض إنتاجيَّة المصانع وأداء الشركات المقدرة ب(35%) من الطاقة الإنتاجية. علميًّا، لا يمكن الاعتماد على معدَّلات الإنتاج المنخفضة خلال المرحلة السابقة، كما وإنها لا تعكس القدرات الحقيقيَّة للقطاع الصناعي العام. وإذا قبلنا بانخفاض الإنتاجيَّة مبرِّرًا للتخلُّص من بعض المصانع الهامشيَّة، فما هي مبررات بيع المصانع المتميِّزة بكفاءتها الإنتاجيَّة وقدرتها التنافسيَّة وبارتفاع الطلب الخارجي على منتجاتها، كالصناعات البتروكيمياوية وصناعة الإسمنت؟. إنَّ أكثر ما تضمَّنته الإجراءات الجديدة من ريبة وفساد يكمن في عدم خضوعها للمعايير الماليَّة والقانونيَّة المتعارف عليها دوليًّا. فإجراءات خصخصة القطاع العام وتحويل ملكيَّته إلى مستثمرين عراقيِّين وأجانب لا تتطلَّب وفقا لتصريحات بعض المسئولين الاقتصاديين في سلطة الاحتلال تقديم عروض وتحليل ودراسة تلك العروض. إجراءات غير منطقيَّة وهدرًا واضحا للثروة الوطنيَّة وخرقا للقواعد الماليَّة المتعارف عليها التي تستوجب دراسة العروض المقدَّمة، واختيار العرض الأفضل. ولضمان حقوق العراق فان الأمر يتطلَّب اتِّخاذ بعض الإجراءات العمليَّة، منها التأكيد على شفافيَّة إجراءات التصفية عن طريق بيعها بالمزايدة العلنيَّة المفتوحة و إن تتم عمليَّات البيع بعد قيام المؤسَّسات الشرعيَّة المنبثقة عن الشعب، وليس تلك المفروضة من الحكومات والشركات الأجنبيَّة، والمنع المطلق لأعضاء مجلس الحكم الانتقالي والوزراء وشركاتهم وشركائهم وأقاربهم من المشاركة في عمليَّات الخصخصة والاستفادة من الإجراءات الجديدة.
 ثالثا: إن أخطر ما في الإجراءات الأخيرة، استنادها على "وصفات" الإصلاحات الاقتصاديَّة والمالية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي فشلت تطبيقاتها العمليَّة في تحقيق أهدافها المعلنة في جميع الدول التي اتبَّعتها قسرًا وكشرط أوليا للحصول على معونات وقروض المؤسَّسات الدوليَّة. هذه "الوصفات" أدت إلى كوارث اقتصاديَّة وسياسيَّة دفعت شعوب تلك الدول ثمنها الباهظ. ما يجري في العراق حاليا ماهو إلا محاولة لتكرار تجربة الإصلاح الاقتصادي الروسيَّة وتجربة بعض دول أوروبا الشرقيَّة.إخفاقات تلك التجارب مثبتة في الأدبيَّات السياسيَّة والاقتصاديَّة، ولا سيَّما تجربة اختفاء بلايين الدولارات بطرق مصرفية فنِّية ومعقَّدة!.
الآثار الاقتصاديَّة المباشرة
إلى جانب الفجوات والمخاطر السياسيَّة والاقتصاديَّة العامة التي تطرَّقنا إليها أعلاه وفي القسمين السابقين،، فإنَّ لصفقة بيع العراق آثارها السلبيَّة المباشرة على الهيكل الاقتصادي وعلى الوحدات الاقتصاديَّة المختلقة. ويمكن ايجاز هذه التأثيرات بالآتي:
1. إحداث تغييرات جذريَّة وغير متوازنة في هيكل الاقتصاد العراقي. وتحديدًا تدمير القطاع الصناعي الوطني وزيادة النزعة الاستهلاكيَّة للفرد وتحويل الاقتصاد العراقي من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على واردات النفط كمصدر أساسي لتمويل الطلب الاستهلاكي على السلع المستوردة.
2. إعادة توزيع الموارد الاقتصاديَّة بين القطاعات المختلفة بشكل غير كفء، وإلى زيادة الفجوة الدخلية والتوزيع غير المتوازن والعادل للثروة والدخل بين الطبقات الاجتماعية والأفراد.
3. تغيرات هيكليَّة سلبيَّة في سوق العمل، وارتفاع حادًّ ومستمرٍّ في معدَّل البطالة. من المؤكَّد إنَّ الاستثمارات الأجنبيَّة ستخلق فرص عمل محدودة وغير كافية لامتصاص البطالة التي أفرزتها الإجراءات التعسفيَّة لسلطات الاحتلال، والممارسات الانتقاميَّة لمجلس الحكم الانتقالي، ولن تكون قادرة على امتصاص البطالة الناجمة عن تصفية القطاع العام، وإحلال الكوادر الأجنبيَّة عوضا عن الكوادر العراقيَّة خاصة في الإدارات العليا ومراكز اتَّخاذ القرار.
4. ارتفاع المعدَّل العام للأسعار، ولا سيَّما أسعار السلع الأساس كنتيجة حتميَّة لإلغاء الدعم الحكومي لأسعار السلع الاستهلاكيَّة والإنتاجيَّة. إنَّ زيادة الأسعار مصحوبة بانخفاض معدَّل الدخل الفردي نتيجة لارتفاع معدَّل البطالة سيؤدِّيان إلى تدهور القدرة الشرائيَّة للمواطن العراقي وانخفاض المستوى ألمعاشي.
5. انخفاض التراكم الاستثماري المحلِّي نتيجة لعزوف الاستثمارات الأجنبيَّة عن إعادة تدوير الإرباح المتراكمة في مشاريع تخدم الاقتصاد الوطني وتسهم في خلق فرص عمل للعاطلين.
6. خلل كبير في الهيكل الاستثماري، وعدم التناسب بين حجم الاستثمارات الأجنبيَّة والوطنيَّة وما ينجم عن ذلك من تهديدات للأمن الاقتصادي ولسيادة العراق.
7. عدم استقرار السياسيَّة النقديَّة والتذبذب الحاد في معدَّلات صرف الدينار العراقي.
إنَّ الإجراءات الاقتصاديَّة المعلنة والمتَّبعة في العراق المحتلِّ ما هي إلا عمليَّة تقييد وبيع وعبوديَّة اقتصادية واضحة. عمليَّة نهب منظَّم للثروة النفطيَّة ومحاولة يائسة لخلق فرص استثماريَّة للشركات التي يشارك في ملكيَّتها وإدارتها أركان الإدارة الأمريكيَّة وشركائهم من العراقيين. سياسات استحواذيَّة يساهم في تخطيطها والتسويق لها وبدون خجل سياسيَّين انتهازيين وتجار مبادئ، طالما نظَّروا وكتبوا عن أخطار الإمبرياليَّة الأمريكيَّة، إلاَّ أنَّهم يدافعون اليوم عن الاستراتيجيَّة الأمريكيَّة التوسعية، ويبشِّرون بفوائد الاستثمارات الأجنبيَّة!. ولا شكّ في َ أنَّ هذه السياسات ستقود العراق إلى مصيدة اقتصاديَّة وسياسيَّة قد يصعب التخلُّص منها مستقبلا، إلاَّ أنَّ شعبنا سيلغيها، وسيحرِّر إرادته الوطنيَّة كما فعل في قرار التأميم الخالد. فإرادة الحياة الحرَّة والتصميم على العطاء الحضاري لديه أقوى من جيوش المرتزقة، وأقوى من مخطَّطات خونة الداخل الشريرة.