بكاء على صدر العراق

 

شبكة البصرة

 

وليد عبد الرحيم

شاعر فلسطيني

 

 

لو لم تكن هكذا

ما كنت ترنو نحو شاشتك الصغيرة كي ترى

جبلاً يهز بريشةٍ

فيما الطيور جميعها تبكي عليك ولا… تبكي معكْ

لو لم تكن

أنت الوحيد الصامتُ الأزليُّ من ألف عامْ

تمضي شريداً حالماً

كل الدماء مصانةٌ.. إلا دمَكْ

لو لم تكن ….هكذا

لتقلبت موجاتُ هذا الكون من أنّاتنا

مما تموجُ لأجلهِ

من قطةٍ حفرت زجاج البؤسِ كي

تحمي خطاكَ ولا تمضي إليك ولا تُقفلْ فمكْ

أو كان نيرون المهاجرُ يحتمي بيديك لا..  يحمي دمَكْ

وشرعتَ تنحتُ بالصخور ولم تكن أبداً ترتب رايةً

أو ترتمي في ظل خيمتك اليتيمة أو ترى

غضاً يهزُّ بذيلهِ

كلباً يهرُّ ويعوي فيكَ لا يعوي معكْ

ولأنت أحسنُ من يُساكنه الألمْ

وأمرُّ من سجن الحياةِ وما

صاغ الحياةَ نشيدُها، هذا النغم

لا ترع قبعة الجنود ولا تقل

تعبوا من الفصل الأخير

إذ يرتمي الرعيانُ في سوط الغنمْ

أو ترتمي تفاحةٌ في جوفِ خابيةٍ

في قلب بئرٍ قد تمادى في جبينك أم غفا

خلف الرموش لكي يخبئْ مصرعكْ

خلف الصباح لكي يغني:

أنت الذي قد جنَّ  فيك جبينها

أو هادن الصبح الذي قد قبَّلكْ.

لو لم تكن هكذا

لو كنت ساقيةً لكنت وهبتُها قمراً يضيء مياهها

أو يرتمي في حضنها

حيث الإله قبيلةً قد شكلكْ

لكنهم جاءوا

وتمددوا خلف السحاب لكي نقول بأننا

خلفَ العراق وبين هاتيك البيوتْ

جاءوا من الفردوس يمتشقون قبعة الحضارةِ،

والحرارة

والنفاقْ

كي ينحني شجر النخيلْ

أو يرتمي تفاحةً في جبهم.. وهجُ العراقْ

فترددوا لحظةً

في ظل خيمتهم ثم اْنهضوا

شجراً يدون اسم هذا البرق من وهج الحياةْ

وتقمصوا صلوات هذا الكاهن الشيعيّ،

والسنيِّ،

والبريِّ والبحريِّ والجويِّ لكنْ

لا تجاروا لعنة الفرس القديمةْ

وتمددوا فوق السحاب لكي نقول بأننا

خلف العراق وبين هاتيك البيوتْ

وترددوا

إذ ترتموا في ظل شمس العراق

كي لا يموتْ.

ضموا جناح النسر من هذا الضياع مدائناً

وترجلوا عن ناقةِ الأيام كي تلد الصحارى

حقلاً يؤمم جبة البدويِّ

يزرعه على هيئة النهر الحزين ملائكاً

قمحاً وتوتْ

لهفي على وطنٍ نموت على أسواره حزناً ويركلنا

عجبي إليهِ

نبكي عليه ولا يبكي العراقْ.

*   *   *

لو لم تكن هكذا

لو لم نكن كالنمل نسعى للجحور كأننا،

أرضٌ تخافُ هدير أحصنةِ الغزاةْ

لتمخضت صخباً جيوش البؤسِ من دمنا

ولما تمكن هذا المارد السِّريُّ أن يصرعكْ.

يمضي جريرُ إلى فرزدقهِ حزيناً على جسر الرصافهْ

بغداد هل للحب فيك بقيةٌ؟

يتمترس العصفور خلف غبارها

أم جئت من غربِ الحياةِ حديثةً ؟!

فتمددي صخباً ليشبهك الجميعُ ولا،

تشابهك الطغاةُ

وتقوقعي سنةً لئلاّ

ترتاب جارتنا وينساك النحاةُ.

*   *   *

: بغدادُ هل للحزن فيك بقيةٌ

خرجتْ من الكتب القديمة كي ترى

نسلاً جديداً ينحني

لطغاةِ هذا العالم السفليِّ والقملِ المهاجرْ

أم جئت كي تنسي؟

وجعَ السنين ولا تكوني مثلنا حطباً يئنُّ

لتدفني وهج العروبة والخرابْ.

روما تجيءُ إلى شوارعك الجميلة

كلباً يهزُّ بذيلهِ خلف عظمٍ لا يبالي أن تكون حرةً

تتمدّد العذراءُ خلف نشيد جنديٍّ يقامرُ باسمها

: دعني أموت وحيدة

لا تشتري وطني رغيفاً ثم تقتلني

نفطاً يعبئ غاية الحقدِ الأخيرْ

أو يرتمي وطناً يوطِّن موطنَ الوطنيْ

أو يرتمي في حضنِ عاهرةٍ جليله

*   *   *

لو لم تكن هكذا

أو كان هولاكو يمزق راية الحبِّ التي

عبرتْ إليك لتختفي كتب النحاة

*   *   *

من أين تخرجُ

كيف تمضي نحو غايتك الأخيرة كي ترى

عصراً يمدّدُ ذيله كلباً على نهر الفراتْ

جبلاً يئنُّ بوخزةٍ؟

صدعت أناشيد الحياةِ لبؤسنا

وتمخضت عن عبد شمسٍ يرتمي

في حضن آلهة تقدسُ موتك الأزليْ

تحكي عن النسناس في عشِّ الغرابْ

وترتب النغمات للحبِّ الوحيدْ فلا تجدْ

غير الحضارةِ سيداً نحو الخرابْ

*   *   *

ماذا تقول الأمهاتْ

هل جئتُ من أيقونة نزعت بكارتها

ترتاحُ في حَجَرِ الكنيسة.. أم تُرى

طفلاً يئن بطلقةٍ

تحمي جذوع النخلِ في بغداد أم

وطناً يموءُ وخلفه لصٌ يغني للحياة

*   *   *

لو لم تكن هكذا

ما كنت ترنو نحو شاشتك الصغيرة كي ترى

نعشاً يرتب رايةً

فيما الطيور جميعها

تبكي عليك ولا

تبكي معك

*   *   *

كدجاجةٍ مذبوحةٍ صرخت نساؤكُ والرجالْ

وتمددت من يأسها

قد أيقنتْ في صدرها ما أدمعكْ.

ونريد أن نبكي طويلاً

ونريد أن نتربص الأيام  قمحاً للمؤونةِ والذبابْ

نبكي على صدر العربْ

ونريد أن نمضي معكْ

كل الخراب مدائنٌ

لا أم منّا أو أم لكْ

قد ضيَّعَ الأحلام منا الذي

قد ضيعك

مخيم اليرموك - اليوم السابع لسقوط بغداد