نحوَ جبهةٍ وطنِّيةٍ مُوحَّدة للمقاوَمَّـة والتَّحْرِّيـر

نِداءُ المقاوَمَّـة

العرِّاقُ باق ... والاِحتِّلال إلى زوال ٍ

كتاب في ملحـق جريدة نداء المقاومة

نشرةٌ دوريةٌ يصدرها التَحَّالف الوَطَّني العِراقي ـ إعلامُ الخارج

صدر العدد الخاص بتاريخ 1 / 4 / 2004

  شبكة البصرة

www.albasrah.net

 

المقاومة الوطنية العراقية

خيار سياسي موضوعي وليس اِختياراً ذاتياً

عبد الجبار سليمان الكبيسي

كتاب جريدة نداء ((نداء المقاومة))

عدد خاص لملحق جريدة ((نداء المقاومة)) حول الوضع العراقي . . . على شكل كتاب وبهدف توثيق الوضع السياسي الراهن ، وتحديد الرؤية السياسية خدمة للتاريخ واِشتقاق المهمات السياسية على ضوء لحظ التناقضات الجديدة والمستجدة في واقع العراق اليوم .

توطئة لا بد منها :

ما هو التحالف الوطني العراقي ؟

    اِنبثق التحالف الوطني العراقي نتيجة الظروف الموضوعية التي أحاطت بالوطن العراقي في أعقاب العدوان الأمريكي الواسع في 17 كانون الثاني من عام 1991 . لكن الوعي السياسي بأهمية ولادة الأداة التي تسـتجيب للتحديات المصيرية في إطار الرد على الرؤية السياسية الغربية الأمريكية بدأ بالتبلور بقوة ؛ أكثر من ذي قبل ؛ في أعقاب قرار فرض الحصـار الشــامل على الدولة العراقية في يوم 4 / 8 / 1990 ، وما ترتب عليه من خطوات عملية رئيسية تمثلت في إيجاد تحالف سياسي : دبلوماسي وعسكري واسع النطاق ومتعدد المهام ومتنوع الخطوات ضد الدولة العراقية بغية تحطيم النهضة العلمية العراقية وإبادة المنجـز المادي الذي تحقق وتدمير قوة العراق في كل النواحي : لا سـيما الجيش العراقي الباسل لأسباب إستراتيجية غربية وصهيونية . . . تتعلق بالثروة النفطية ومشتقاتها ،  وكيان الاِغتصاب الصهيوني أداة العدوان الرئيسة على العرب ، والتواجد العسكري الأمريكي وحلفائه في أراضي المنطقة العربية ومياهها وأجوائها.

    في إطار تلك النظرة السياسية حول طبيعة الأزمـة السياسية العامة التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الأخير من القرن الفائت : تكوَّنَ التحالف الوطني العراقي ، بعد أنْ شهد الوطنيون العراقيون المتنورون ممن مارسوا عملاً سياسياً مديداً من أجل حياة حرة خالية من سطوة الحوار الخشن بين عموم القوى الوطنية العراقية الذي جرى خلالها : أي السـطوة الظالمة وكذلك توظيف أجهزة الدولة العراقية القمعية ضد الآخر . . . نقول : بعد أنْ شهدوا خطراً أجنبياً إسـتراتيجياً ماثلاً في اللحظة التاريخية تلك وقادماً ، متوقعاً ومؤكداً على العراق .

     باِعتبار أنَّ التحالف الوطني هو في محتواه الحقيقي ومبناه الفعلي : تجمع فكري وسياسي يضم في صفوفه تنظيمات عدة ، وشخصيات متنوعة يجمعها الوعي السياسي المشـترك المنبثق عن رؤية سياسية وطنية عامة ، وذات مشارب فكرية وسياسية وقومية متباينة ، إلا أنه يناضل في سبيل برنامج مشترك يمثل اِتجاهاً سياسياً وطنياً موحداً ، تنبع رؤاه من الأساس الموضوعي للتصورات الفكرية ودرجة التطور التي يشهدها المجتمع العراقي بالاِرتباط مع أفقه العربي المرجو ، وعلى أرضية الثقافة الحضارية العربية الإسلامية وتراثها الضارب الجذور والمتواشجة في أعماق التاريخ .

    كانت رؤى التحالف الفكرية والسياسية تنبع أواصرها الأساسية من مفهوم الوطن العراقي والمجتمع العراقي والمؤسسات الناظمة لفعلهما المتناغم المشترك التي تطورت منذ العام 1921 في أعقاب الثورة الوطنية الكبرى : ثورة العشرين المباركة التي اِندلعت في الثلاثين من حزيران عام 1920 وقضى في سبيل إرساء نتائجها السياسية ألوف الشهداء وملايين ضحايا الجور والاِضطهاد والقمع . كان الإنجاز الأساسي من تلك الثورة الشعبية المسلحة التي حددت معالم الصراع بين الذات الوطنية القومية الحضارية ، من جهة ، والقوى الاِستعمارية البريطانية ، من جهة أخرى ، قد أتى أُكلهُ على صعيد تحقيق الهزيمة العسكرية البريطانية وإِجبار إدارتها الاِستعمارية على الاِنتقال من إدارة الوضع السياسي العراقي بالأيادي الإنكليزية بشكله الكولينيالي : الاِنتداب المباشر إلى إدارة الوضع السياسي العراقي بصورة غير مباشرة .

     وقد اِسـتمر الكفاح الوطني العراقي من خلال فعاليات المجتمع العراقي المشتركة يراكم فعله السياسي ضد : المحتلين البريطانيين حتى جاءت سنوات الحرب العالمية الثانية وما شهدته التطورات السياسية العالمية جراء ضعف الدول المتصارعة المتحاربة بين الدول الرأسمالية الإمبريالية ، فاِنتفض الشعب العراقي في حركته الوطنية الكبرى التي توحد فيها المدنيون والجيش ضد المستعمرين وتمكنوا من إخراجهم وطرد عملائهم من العراق ، ولكن البريطانيين عبر قواتهم المجلوبة من قواعدها العسكرية المنتشرة آنذاك في جنوب أفريقيا والهند والأردن قد تمكنوا من اِحتلال العراق عسكرياً مرة أخرى في عام 1941 بذرائع متعددة سوقتها الدعاية السياسية البريطانية .

      وأقدموا في إطار رؤيتهم السياسية الاِستعمارية على تقليص عدد الجيش إلى الثلث ـ ناهيك عن ضرب مفاصل تطوره في كل الجوانب ـ وزيادة قوات الشرطة المخصصة لأمن المستعمرين والحفاظ على الحكام المجلوبين من الخارج لخدمة الإستراتيجية البريطانية بعد هربهم إلى ثلاثة أضعاف ، لم تكن الإِجراءات البريطانية اِقتصرت على ذلك الصعيد فقط ، وإنما شملت كافة الميادين الأخرى التي تهم الشعب العراقي والأمة العربية  .

    ولكن الكفاح الوطني العراقي اِستمر بالتصاعد فكانت ثورة 14 تموز عام 1958 منعطفاً أساسياً على طريق التحرر السياسي والتخلص من الاِستعمار الإمبريالي الأجنبي ، مثلما شكل تأميم شركات النفط والقضاء على مصالح مؤسساتها بالعراق في 1 / 6 / 1972 خطوة جوهرية على درب التحرر الاِقتصادي للعراق ، والذي شـكل الدخلُ الناجم عن تصديره الحر التدشـينَ العملي للتنمية الوطنية العراقية على كل الصُعد . . . مثلما جرى تطوير القوة العسكرية العراقية . وعلى طريق النهوض العلمي تم إنجاز خطوات ملموسة لتوطين التقنيات الحديثة في العراق في نطاق صرف الدولة العراقية لحوالي تسعين ملياراً من الدولارات للبحوث العلمية ، وتكوين إطارات علمية عراقية عبر الاِهتمام بالدراسة والتربية وتحقيق خطوات نهضوية ملموسة في ميدان التقدم المعرفي . والمعرفة هي قوة كما يقال وتُعَـرَّف .

     كان التحالف الوطني العراقي يلتقط هذه التطورات الموضوعية وفق نظرة سياسية متفائلة كثفها عمل الدولة العراقية التي هي ثمرة جهود كل العراقيين منذ الثورة الوطنية الكبرى . . . ثورة العشرين ، لذا كان من أولى مهامه الوطنية هو الحفاظ على الوحدة الاِجتماعية الوطنية العراقية ومناهضة التطلعات الأمريكية في مرحلة عولمتها المتفردة بالقدر الذي يستطيع ، ولا يضيف التحالف أدنى جهوده السياسية في أي مجال مكاني وزماني كان : للرؤية الفكرية الغربية الأمريكية في مرحلة عولمتها المتسلطة الغاشمة .

    وأكدنا على أنَّ التحالف الوطني العراق يتقدم ((بمشروعه السياسي الحديث بصيغة برنامج يجد طريقه إلى المواطنين بوسائل عديدة ومختلفة ، تبعاً لاِختلاف المجتمعات في طريق إدارتها للشؤون العامة للمجتمع ، إنَّ نجاح أو إخفاق أي برنامج إنما يرتبط بما يتوفر للمواطنين من فرص تمحيص أو اِختبار لذلك البرنامج ، أي بالفاعلية التي توفر لهم قدرة المساهمة في بناء مجتمع مستقر ، أو بغياب تلك الفاعلية مما يدخل المجتمع والدولة معه في حالة اِضطراب دائم . . .

    إنَّ مسألة إدارة الشأن الوطني في ((الحقب الهادئة)) منوطة بذلك ((السباق)) في البرامج وممثليها من قوى الشعب المنظمة أو الجماهير المستقلة ، على أنَّ حقب ((الأعاصير)) بما تشير إليه من لحظات ساخنة ومصيرية كتلك التي تنتج عن الحروب التدميرية ، تقلِّص من ساحة ذلك ((البرنامج التسابقي)) ودون أنْ تلغيه ، فيتقدم إلى الأمام ذلك المسعى المشار إليه : بالمصالحة الوطنية ، حيث يدرك المجموع بأنهم في مواجهة عدو مشترك وأساسي لا يقدر طرف بمفرده من مجابهته مهما اِمتلك من أدوات المواجهة)) . 

    ولكن التحالف الوطني العراقي طرح رؤية سياسية ملموسة أيضاً ، قوامها الأساس : برنامج المصالحة الوطنية داخل العراق لمواجهة الخطر الخارجي . الأساس في هذا البرنامج هو ضرورة العيش المشترك في ظل حياة سياسية ينتظمها تشـوف حياة سياسية ديموقراطية ملموسة يكفلها القانون الذي ينظِّم العلاقات بين السـلطات ، وكذلك بين المؤسسات وأفراد المجتمع . . . على أرضية فهم دستوري معلن ومكشوف أمام الجميع مثلما هو ملزِم للجميع : حاكمين ومحكومين بهدف تعزيز الصمود الوطني المواجه للعدوان الأجنبي والمستعد لمجابهة الغزو المحتمل في نطاق مشاركة المجموع الوطني العراقي في الغرم والغنم .

    لقد واصلت جريدة التحالف الوطني العراقي : جريدة ((نداء الوطن)) الذي كانت على سبيل الطموح السياسي المنشود تتطلع لصيرورتها : منبراً للرؤية الوطنية العراقية . . . صوتاً للتيار الوطني العراقي . . . واصلت طريق التحريض السياسي الوطني وترصين الرؤية الفكرية للتحالف الذي حملته مذكرته الفكرية والسياسية الصادرة في عام 1993 التي توجهت بندائها إلى أبناء شعبنا عبر القول التالي : ((نحن الموقعين أدناه من أبناء العراق في الغربة عرباً وأكرادا ً وتركمان ، رجالاً  ونساءً وشبيبة ، مستقلين وبعثيين وقوميين وشيوعيين وماركسيين وناصريين وديمقراطيين ، مسلمين ومسيحيين ، ورجال علم وإبداع وثقافة)) ندعو ((للحوار الوطني الشامل)) بغية التوصل إلى ((ميثاق توافق وطني عام)) أي ضرورة الاِعتماد على الذات الاِجتماعية العراقية .

    إنه نداء سياسي واضح يستهدف بالأساس الاِعتماد على الذات الاِجتماعية العراقية لمعالجة أزمة المآزق السياسية التي تواجه الوطن والمجتمع بهدف إنقاذ العراق من الأشباح العدوانية الرهيبة التي تلوح في أفق أعمال الأعداء الأمريكيين وحلفائهم .

    فعمقت رؤيتها السياسية على ضوء محتويات وثيقته التأسيسية الأساسية في 20 حزيران 1992 على أرضية فكرية وسياسية واضحة : ((الدفاع عن وطننا المقدس : أرضاً ووحدة وحدود وسيادة ومصالح . الدفاع عن حقوق شعبنا في نيل حرياته الديموقراطية بشتى أشكالها وفي كافة حقولها الحياتية في الدولة والمجتمع)) ودفعت به للشمول والتنوع والتجذر في مؤتمر التحالف الوطني العراقي الثاني الذي اِنعقد بتاريخ 30 / 9  ـ 1 / 10 / 2000  في العاصمة البريطانية : لندن الذي أكدت وثائقه المكتوبة خلاله فيه ذات المنطلقات السياسية والفكرية .

     وكان لرحلة الحوار الوطني إلى العراق التي اِستغرقت المدة الواقعة بين يومي 11 / 11 / 2002 ـ 18 / 11 / 2002 وما تضمنه البيان السياسي التحليلي والتوضيحي الذي أصدره التحالف الوطني العراقي في أعقابها يوم 18 / 12 / 2002 . وكذلك عقد مؤتمره في باريس عشية العدوان على الدولة العراقية في 7 ـ 9 / شباط / 2003 وإصداره الوثائق الفكرية والسـياسـية التي يمكن مراجعتها ـ لمن يريد ـ  نظراً للأهمية الحيوية والصادقة في اِرتياد ذلك الطريق والعمل الملموس في نطاق عمل البرنامج السياسي الوطني الذي يستكشف المهمات على ضوء المتطلبات الوطنية الراهنة القائمة آنذاك .

    لقد شهد العراق تطورات سياسية ملموسة وكبيرة طوال الأربعة عشرة عاماً الماضية كثَّفت في حقيقتها الفعلية مسألة التناقض الرئيسي بين طرفي الصراع الأساسيين : الدولة العراقية من جهة ، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية ، من جهة أخرى ، وعلى جانبي الموقف السياسي من هذا الصراع الإستراتيجي جرى توظيف جهود كل الأطراف السياسية العراقية على شتى الصُعد .

     وكان الطرفان الأساسيين يعبئان قواهما بقوة وعلى كل الصُعد والنواحي ؛ وإذا كان الطرف الغربي الأمريكي قد نجح في حشد جهوده الملائمة للعدوان العسكري الغاشم : كونه الأقوى والأغنى وصاحب تاريخ مديد في الأعمال العدوانية والخطوات السياسية المخاتلة ، فإنَّ الطرف الوطني العراقي بمجموع قواه لم يستطع إنجاز محتويات برنامج المصالحة الوطنية الحقيقية بين قوى المجتمع العراقي مما ترك ثغرات إستراتيجية واسعة في طبيعة المواجهة الشاملة ضد الأعداء الإمبرياليين في مرحلة إدارة جورج بوش الصغير ورؤيتها الفكرية السـياسـية التي يسطّرها المحافظون الجدد ورؤيتهم لآفاق الحرب الإِستباقية على العالم كله ممن ترفض دولهم مبدأ جورج بوش السياسي : من هو ليس معنا فهو ضدنا .

    جاءت الحرب الأمريكية على العراق الذي شنّ الجيش الأمريكي والجيش البريطاني قبل عام تقريباً من صدور الملحق هذا : أي في العشرين من آذار عام 2003 وما نجم عنه من اِحتلال عسكري شامل وبغيض للعراق في التاسع من الشهر الرابع من العام الماضي لتفضح كل ذرائع العدوان الأمريكي على المجتمع العراقي والوطن العراقي والدولة العراقية ، فبعد سنة مضت على الوجود العسكري الأمريكي والبريطانيين الاِحتلالي الغاشم في العراق لم يستطع الأمريكيون وحلفاؤهم إيجاد أية وثيقة فكرية أو سياسية أو مظهر عملي فعلي يدّل على وجود أسلحة الدمار الشامل ، أو الكشف الواضح عن أية علاقة ملموسة أو غير ملموسة بين العراق وما يسمى بتنظيم القاعدة ، وهي الذرائع الأساسية المخاتلة التي سوقتها الدعاية السياسية الأمريكية وتوابعها للعالم كله بغية العدوان العسكري الواسع والمتعدد الوسائل والأشكال على الدولة العراقية التي اِنتهت باحتلالها الشامل .

     وبذلك دخل العراق مرحلة سياسية جديدة ، تقتضي خيارات جديدة تنبثق من الواقع السياسي الملموس . وفي أعقاب هذه المرحلة الجديدة من تطور الأحداث السياسية على الساحة العراقية ، أقدم التحالف الوطني العراقي على عقد اِجتماعه الموسع والمشترك بين لجنته القيادية و هيئته القيادية اللتين اِنتخبهما مؤتمر باريس العام في إحدى الدول الأوروبية بتاريخ 17 / 5 / 2003

    ولقد نجم عن ذلك الاِجتماع المشترك بعض الفقرات من البيان التالي الصادر عن الهيئتين : ((. . . لم يكن للعدوان الأمريكي أنْ يأخذ كل هذا الزخم وقوة الاِنتصار العسكري ، لو أنَّ المنظومة الفكرية والسياسية لمفاهيم المصالحة الوطنية العراقية اِنتظمت كل جوانب المجتمع الحياتية ، وساد برنامجها الحواري بين صفوف كل قوى المجتمع العراقي الحيَّة ، وتم وضع الشخص المناسب في المركز المناسب لقدراته وتاريخه . إنَّ تدفيع العدو لثمن حماقة الغزو والسطو المسلح كان يتطلب الاِعتماد على الشعب بدلاً من وضع الخونة وضعاف النفوس والمرتعبين على مراكز القوة العسكرية ، وإِيـلاء القادة المخلصين مهمة اِستخدام القوة التكنولوجية المدافعة عن بغداد الرشيد والإسلام ، وجعلها شركاً لقواته الغازية يؤدي لقتل أفراده ، إنَّ الاِنهيار المعنوي الذي أصاب شعبنا العراقي والعربي ألحق بقضية شعبنا الوطنية والقومية والحضارية ضرراً واسعاً ، وترك للاِنهزاميين الفرصَ المواتية لبث سمومهم عن صلابة شعبنا المكافح ، مثلما وفَّـر للعملاء الصغار الذين رافقوا قوات الغزو وأتباعهم المناسبةَ الخاصة لثلم وطنية شعبنا المجاهد ، وتصويره على أنه مجرد طوائف وأثنيات وشراذم مناوئة للوطن ومعادية للأمة)) .

    ودعا التحالف في نهاية رصده للواقع العراقي الملموس جميع أفراد شعبنا ، وفي المقدمة منهم أنصار الرؤية الوطنية إلى ((الاِستبسال في مقاومة المحتلين العتاة الأوغاد والتصدي لهم بكل الوسائل)) والتأكيد على ضرورة توحيد الجهود الوطنية لشعبنا وتنمية فعلهم في إطار جبهة وطنية واسعة ومتحدة ، والأخذ بخيار ((إستراتيجية المقاومة المستمرة الواسعة والمنظمة بهدف تحرير بلادنا من ربقة الاِحتلال ورجس الغزاة)) بهدف واضح قوامه التأكيد على ((وحدة الوطن واِنتمائه العربي الإسلامي ، وحق الشعب في رسم مستقبله على ضوء مصلحته الوطنية ، لا لخدمة مصالح الاِستعماريين الإمبرياليين الغزاة)) .

    وفي نطاق ترجمة رؤيته الوطنية أصدر إعلامه في الخارج صحيفة ((نداء المقاومة)) المزينة بشعارين إستراتيجيين هما : نحو جبهة وطنية موحدة للمقاومة والتحرير ؛ والعراق باقٍ والاِحتلال إلى زوال ، وعمل التحالف الوطني العراقي من خلالها ومن خلال عمله المقاوم لتحرير الوطن على ترسيخ مبدأ رؤية العجز الأمريكي في بقائه محتلاً لإرادة العراقيين ، من جهة ، وفي سبيل اِنتهاج سياسة وطنية مستقلة يتطلع فيها المجموع العراقي إلى دولة موحدة وذات سيادة حقيقة ، وعمل حثيثاً على توحيد الجهود الوطنية الرافضة لقوى الاِحتلال : في جبهة وطنية موحدة للمقاومة والتحرير ، وتوضيح الأفق السياسي الوطني لكل النشاط الكفاحي للوطنيين العراقيين .

    كان واضحاً لكل عينين مراقبتين ودقيقتين راصدتين تتسمان بالموضوعية السياسية الحيوية والرؤية الفكرية المستقيمة والتسجيل الأمين لكل التطورات أنَّ كل أماني العدو الأمريكي المحتل قد تبخرت سريعاً رغم إقدّامه على حل القوات العراقية المسلحة والقضاء على الدولة وإلغاء الأجهزة الإعلامية كلها في زمن العولمة الإعلامية وموقعها الحيوي في ميدان الاِتصالات ، فبعد التصريحات المتتالية حول بقاء الغزاة المحتلين في العراق لمدة عشر سنوات وحكمهم المباشر لشعبنا فقد اُضطر المحتلون للإعلان عن تسليم السلطة الأساسية  ـ ولو كان ذلك نظرياً ـ لبعض العراقيين ، وقاموا بإجراءات تتعاكس والغطرسة التي كانت تنمّ دائما عن تصرفاتهم الحمقاء المغرورة بالعسف والقصف .

    لقد كانت المقاومة الوطنية الشعبية المسلحة والنضال المطلبـي المتعدد الوجوه والمتنوع الأشكال تسير في كل عناصرهما التي تتجسد فعلاً يومياً باسلاً . . . تسـير في تناغم مستمر ومتصاعد ومبدع مما ألحق خسائر فادحة بالعدو المحتل ، وهي اللوحة الإجمالية التي حملت أنباء تفجير العبوّات الناسفة بالقوات المحتلة ، واِصطياد جنود العدو المحتل وعساكر المتحالفين مع الأمريكيين ، وإسقاط طائراته وكتم أنفاس أفراده المحلقين بالجو ، وقصف مركز تجمعاتهم بمدافع الهاون ، وملاحقة رموز المحتلين لقتلهم ، وإشعال النيران بالثروات التي جاؤوا لنهبها ، من جهة ، مثلما أجملت المقاومة الكفاحية الشـعبية في كل نضالها الحاجة إلى الاِتصالات الهاتفية والمواصلات في النقل ، وإيصال الطاقة الكهربائية وتلبية الحاجات الغذائيـة والدوائية والقضاء على البطالة ، وقبل كل ذلك توفير الأمان الذي بات مشكلة عراقية يومية ، وبات خلالها العالِم والمبدع والأستاذ والضابط اللامع مقتولاً بأيدي أجنبية لا تخفى سماتها على أحد ، من جهة أخرى .

     إنها المقاومة الشعبية : العسكرية والمدنية التي فرضت على سلطة الاِحتلال حتى تعيين المجلس الحاكم / المحكوم رغم ترديد أقسام هامة من تكوينه البنيوي الدعايات السياسية للرؤية الأمريكية : وسلطتها المحتلة المسؤولة عن كل الاِنفلات الأمني في العراق .

    التضحية في سبيل وحدة الوطن والحقاظ على هويته العربية الإسلامية وضمان مستقبل مجتمعه في التقدم والتطور هي الحقيقة الرئيسة في هذه المرحلة ، وهي التي اِفتتحت سجل تأسيس الدولة في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، واِنتظمت فعل الوطن منذ ذلك التاريخ وإلى الوقت الراهن ، وسيمتد ـ كذلك إلى المستقبل ـ وسيكون السمة الأساس لكل فعل وطني حقيقي وملموس ، . ولقد شكل الاِستقلال الوطني وتحقيق السيادة السياسية المهمة الإستراتيجية الأولى والشمولية الكلية التي اِستجرت وبالضرورة أرواح كل العراقيين الوطنيين للتضحية الطوعية الملموسة . والوعي السياسي الوطني هو المنظومة الفكرية التي تشبَّع فيها المواطن العراقي بكل مفرداتها المتنوعة في آصرة الوطن العراقي ، وفي كل المؤسسات التي تكونت في زوايا الوطن ومفارقه . وستكون كذلك المنظومة الفكرية للتحالف الوطني العراقي الذي يبادر المؤمنون بأفكاره ، ويتفانون في ميدانه على طريق : ((العراق باقٍ والاِحتلال إلى زوال)) .

  الفاتح من الشهر الرابع عام  2004         هيئة تحرير ((نداء المقاومة))

 

 

بيان التحالف الوطني العراقي

لتتوحد قوى الأمـة المناهضة للاِحتلال في جبهة كفاحية موحدة

    يا جماهير شعبنا في العراق . . .

    في ظل الواقع العربي الراهن ، واقع التخلف والتجزئة والتبعية للإمبريالية الأمريكية وفسـاد الحياة السياسية والثقافية ، وصعود نظم الطغيان والإقليمية والطائفية ، وفي ظل تغييب إرادة الأمـة ، وبعد عملية الإِبادة الجماعية لشعبنا بسلاح الحصار المجرم الذي لا سابق له في التاريخ البشري ، جاء العدوان الإمبريالي على بلادنا واِحتلالها من قبل القوات الغازية لأمريكا والبريطانية . إنَّ الحرب العدوانية على العراق واِحتلاله ، برهنت مجدداً بأنَّ المصالح والأهداف الإستراتيجية لأمريكا والغرب في منطقتنا تتوحد مع المصالح الحيوية للكيان الصهيوني ، وليس قتل البشر وتدمير الاِقتصاد والسلاح العراقي إلا تعبيراً عن روح الاِنتقام والحقد والتاريخي الذي ميز نظرة الغرب الاِستعماري إلى المجتمع العربي والإسلام منذ الحملات الصليبية .

    اِنطلاقاً من رؤية تاريخية لمصير أمتنا وبلادنا والمصالح الوطنية العليا للعراق ولإِدراكنا أنَّ اِحتلال العراق يندرج في سياق عملية المواجهة التاريخية التي ينظمها الغرب والحركة الصهيونية ضد العرب والمسلمين لمنعهم من تحقيق أهدافهم والخروج من وضعهم الراهن ، فإنَّ التحالف الوطني العراقي يؤكد ويدعو ويعمل على :

    أولاً : إنَّ الاِستبداد والطغيان والتفرد وتدمير وتحطيم مؤسسات المجتمع المدني وإلغاء التنوع والتعدد الثقافي والسياسي واِستخدام العنف والقسوة بشكل عبثي وغير موضوعي ، حرَّضت في المجتمع عوامل التفتت والاِنقسام وأشاعت التمييز الذي شكّل عنصر هدم للثقة والأمن الاِجتماعيين وحالَ دون المواطنين ولعب دورهم كاملاً في المجتمع ، وكان ذلك من ضمن الأسباب التي سهلت على المعتدين اِحتلال بلادنا . إنَّ بلادنا في أمس الحاجة إلى عملية تغيير واسعة وشاملة تطال الفكر والساسة والاِقتصاد والتشريعات القانونية وكافة مناحي الحياة وإِنهاء حالات التردد والتحييد في كافة الإِطارات ، وخلق مناخات تعزز الوحدة الوطنية وتشيع أجواء التسامح بين شرائح المجتمع لتتراجع عوامل التفتيت والإِحتراب الداخلي التي يجهد العدو المحتل لإِيجادها وإشاعتها .

    ثانياً : إنَّ التاريخ لم يحكم على أمة بالزوال أياً كان هوا المحنة التي تمر بها طالما إنها تقدر على اِستخلاص دروس هذه المحنة ، وإنَّ تجميع ما تبقى من القوى السليمة للأمة واِستنفارها في عملية المواجهة ضد المحتلين هو في مقدمة ما يجب إنجازه لإدامة المقاومة والاِستمرار في عملية المواجهة الشاملة ضد المحتلين والحركة الصهيونية . وقد أكدت المسيرة النضالية لشعبنا في العراق أنَّ التشرذم والاِنقسام في الصف الوطني يكون مصحوباً دائماً بالنكبات والهزائم للقضية الوطنية ، بينما تكون وحدة القوة الحية في الأمـة مقرونة بالاِنتصارات وتحقيق المكاسب الوطنية . إنَّ مقاومة الاِحتلال الأجنبي والتصدي لمشاريعه العدوانية وإنجاز الاِستقلال الوطني الكامل لن يقدر طرف وطني بمفرده على تحقيقه مهما اِمتلك من القدرات والأدوات للمواجهة .

    وفي سياق هذه الرؤية فإنَّ التحالف الوطني العراقي يعمل ويؤكد على أهمية وضرورة تشكيل جبهة وطنية قومية واسعة ومتحدة تستوعب كل قوى المجتمع العراقي المناهضة للاِحتلال ، وتسعى لترسيخ قيم الصمود والتضحية في أوساط الشعب ، بهدف تحرير بلادنا من ربقة الاِحتلال ، وتأكيد وحدة الوطن ، واِنتمائه العربي الإسلامي ، وحق الشعب في رسم مستقبله على ضوء المصلحة الوطنية العليا .

    ثالثاً : إنَّ تسفيه فكرة المقاومة والتحدي التي تروج لها أوساط المتعاونين مع المحتلين والنظم المملوكية في الوطن العربي لن يستقيم مع الذاكرة التاريخية للعرب وقيمهم ومثُلهم ويتعاكس مع تاريخهم وثقافتهم وتطلعاتهم ، وبالتالي فإنَّ تجميع قوى الأمة واِستنفارها واِستنهاضها للمقاومة الشاملة والمنظمة هو الإستراتيجية الوحيدة والممكنة وهي ليست مستحيلة إذا ما توافرت لها شروط ومقومات تحقيقها وتوفرت الإرادة القوية المؤمنة بضرورتها وبإمكانية تحقيقها . إنَّ المواجهة مع العدو تحتاج إلى طرح أفكار جديدة وحية ، صائبة وثاقبة ، ولها قدرة التصدي ضد القوى الشريرة التي تسعى لفكرة الهزيمة . يتحتم إشراك جماهير الشعب في النضالات الوطنية ضد الاِحتلال وتأكيد الاِلتزام بالثوابت الوطنية والقومية والمصالح العُليا للوطن .

    إنَّ مطاولة العراقيين في مواجهة المحتلين الغزاة ، واِمتلاكهم قدرة مذهلة على اِحتواء الضربات والتحمل في مواجهة بربرية وعنجهية المحتلين والقتل العشوائي وتدمير المنازل وإحراق البساتين وحملات المداهمات الوحشية التي تنفذها قوات الاِحتلال . . . هذه المطاولة في المواجهة جعلت اِدعاء الأعداء بالنصر في دائرة الشك الذي لا يقين فيه وتحول الوهم بالنصر إلى شرك للقوات المحتلة . إنَّ المواجهة بين شعبنا وقوى الاِحتلال لن يحسمها اِنتصار عسكري بل تتحدد نتائجها على ضوء آثار التحولات السياسية والفكرية التي تحدثها في المواجهة .

    رابعاً : إنَّ كل العناصر والشخصيات والقوى والأحزاب والهيئات الوطنية مطالبة أنْ تكرس جل جهدها لتدعيم نضالات شعبنا المناهضة للاِحتلال وعملائه من المرتزقة واللصوص ، وهي الأقدر على حماية وحدة الوطن والشعب والحفاظ على قيمنا وتراثنا المجيد وهويتنا العربية الإِسلامية ، وليس أمامنا إلا الاِنخراط في النضال الوطني الموحد لإِنقاذ الوطن من الاِحتلال والتقسيم . . . هذه هي المهمة الوطني الأولى وهي مهمة صعبة وطريقها شاق وطويل ، لكنها مهمة مجيدة ، ولا ينبغي الزوغان عن هذا الهدف أو محاولة السير وراء سراب خيارات بالية وبائسة . إننا واثقون بأنَّ قوى شعبنا ، قادرة ، وتعرف كيف تبدع الأشكال التي تلائم كفاحها الذي سوف تواصله ، لا محالة ، دفاعاً عن الأرض والحرية والحق والشرف والكرامة .

    خامساً : المحافظون الجدد ، وهم في غالبيتهم من اليهود الصهاينة ، هم القائمون على التخطيط للسياسات الإستراتيجية الأمريكية ، يتولون التنظير الأيديولوجي لها وفق مفاهيم الحركة الصهيونية القائمة على جملة من الأفكار العنصرية والفاشية المتطرفة ، الداعية إلى إشاعة الثقافة والمفاهيم الأمريكية والأساطير الصهيونية ، وإلغاء وتدمير كل الثقافات والقيم الحضارية المغايرة بالقوة . . . هؤلاء تشكلوا لحشد الدعم لكيان الاِغتصاب الصهيوني ، وينشرون الأفكار والمشاريع الهادفة إلى تدمير الثقافة الإسلامية وترحيل الشعب الفلسطيني خارج فلسطين وإِعادة تقسيم المنطقة إلى كانتونات طائفية ومذهبية وعرقية ، ورسم خرائط جديدة للمنطقة على حساب ((سايكس ـ بيكو)) تضمن تسييد الكيان الصهيوني على منطقتنا ، وهؤلاء أنفسهم هم مخططو حملة اِحتلال العراق والماسكون بكافة خيوطها .

    إنهم يسعون إلى تنصيب حكومة في بغداد غالبية أعضائها من العناصر التي اِرتبطت بعلاقات خاصة مع الكيان الصهيوني ومع اللوبي اليهودي في واشنطن . وفي ظل هكذا حكومة يمتد النفوذ الصهيوني إلى ((بابل)) و((آشور)) ليتم للصهاينة تزوير التاريخ البشري وصياغته حسب مزاعمهم وأساطيرهم ، فمن دون اِغتيال حضارتي بابل وآشور لن يتم لهم ذلك . إننا ندرك بوعي عميق أنَّ الخطر الحقيقي على وجود العراق وحضارته يكمن في وجود كيان اِغتصاب صهيوني في فلسطين يسعى للتوسع والاِمتداد من الفرات وبابل وآشور والكفل . . .

    وفي إِطار هذا الفهم فإنَّ القضية الفلسطينية بالنسبة لشعب العراق هي قضية وطنية كبرى تتعلق بمصير العراق وتاريخه ، وتؤكد على أهمية تجميع القوى الخيرة في الوطن وتنظيمها وتوحيدها في جبهة كفاحية واسعة ترسخ قيم الكفاح والتضحية في أوساط الشعب ، وتكون قادرة على إلحاق الهزيمة بمشاريع الاِحتلال ، وقلب المعادلة في الصراع التاريخي لصالح وجودنا وتاريخنا ، ليأخذ التاريخ مساره المعقول وتنتهي أسطورة أرض الميعاد وإمبراطورية ((إسرائيل)) من الفرات إلى النيل .

ـ لنشـحذ خناجرنا لملاقاة البرابرة  القادمين إلينا بحقد القرون . . .

               ـ عبر التاريخ ، كان العراق سـيد الموقف ، وسـتبقى بغداد منتصبة أبـداً في وجـه الرياح الأربع .

    والعراق باق . . . والاِحتلال إلى زوال .

بغداد    5 / 12 / 2003                       التحالف الوطني العراقي

 

عبد الجبار الكبيسي العائد لوطنه يكتب لـ ((القدس العربي))

     المقاومة أصبحت (ثقافة) وإِجماع عراقي على أنَّ حرب بوش ليست في الحقيقة إلا : حرب شارون .
     عاد الأسـتاذ عبد الجبار الكبيسي رئيس : (التحالف الوطني العراقي) إلى بغداد بعد نحو أربعة اشهر من الاِحتلال .

     يقول الكبيسي انه عاد إلى بلاده متفائلا بالنصر ، ثم غادرها [مؤقتا] وهو أكثر تفاؤلا. في هذه السلسلة من المقالات التي كتبها خصيصا لـ ((القدس العربي)) يروي الكبيسي الشـخصيّة الوطنية البارزة ، انطباعاته عن الحياة السياسية ومشاهداته في مختلف المدن التي زارها ، والتقى فيها بالقوى والشخصيات والأحزاب العراقية الجديدة والتاريخية .

    إنَّ  أهمية هذه الاِنطباعات تكمن في أنها تصـدر عن معارض خبرّ وجرّب الحياة السياسة ، وعرف صراعاتها ومشكلاتها وعاشها بعمق وجداني حار ، داخل وخارج العراق طوال ما يزيد عن خمسة وثلاثين عاما ، شغل خلالها ارفع المراكز الحزبية ، وقاد تيارا وطنيا معارضا اعتمد خطاب (المصالحة الوطنية) والإصلاح السياسي الديمقراطي في نظام الحكم لمواجهة المخاطر التي تحيق بالعراق . وإلى هذا كله ، فإنَّ هذه الاِنطباعات والتحليلات للخريطة السياسية في عراق الاِحتلال ، تصدر عن شخصيّة تلعب اليوم دورا بارزا ، على صعيد تجميع وتكتيل كل القوى الرافضة للاِحتلال في إطار (جبهة وطنية عريضة) .

    لمس الكبيسي بنفسه كيف تحولت المقاومة إلى ثقافة عامة ، وكيف يتناقل الناس في بغداد ومدن العراق أنباء عملياتها البطولية ، وحين باشر اتصالاته الأولي لتشكيل الجبهة الوطنية العريضة ـ التي من المتوقع إِعلانها خلال الشهرين القادمين ـ ترسخت لديه القناعة بأن ثمة إِجماعا شعبيّا مذهلا على إحباط مشاريع الاِحتلال ومقاومته وطرده من البلاد . جريدة ((القدس العربي)) الغراء الصادرة بتاريخ 24/1/2004 .

      في التاسع والعشرين من آب (أغسطس) وصلت عمّان ليلا قادما من فرنسا. كنت أرغب في الذهاب إلى بلدي قبل هذا الوقت بكثير ، لكن ظروف وإِجراءات السفر تطلبت مني مزيدا من الصبر والاِنتظار . ما إنْ وضعت حقائبي في الفندق حتى سمعت جرس الهاتف يرن . كان السيد ليث شبيلات على الخط . قال انه سيأتي حالا لرؤيتي .

     بعض أفراد عائلتي جاؤوا من العراق مسرعين إلى الأردن واتجهوا فورا إلى مطار عمان لاِستقبالي . جلسنا في بهو الفندق جميعا نحتسي فناجين القهوة ونتبادل الأحاديث حتى قرابة الفجر . في الخامسة صباحا اخبروني إِننا سننطلق من عمان وإنَّ السيارة قد أصبحت جاهزة . في تلك اللحظات اختلطت مشاعري ، البهجة بالحزن ، القلق بالأمل . ها أنا أخيرا اتجه صوب وطني الذي حطمه زلزال الاِحتلال .

     سأرى بشرا معذبيّن وحواجز ودبابات وكأن الحرب لن تتوقف . في الحادية عشرة تقريبا كنت أقف عند الحدود . على الجانب العراقي رأيت عشرات السيارات ترفرف من حولها رايات وأعلام عراقية وفلسطينيّة .

    من بعيد تعرّفت على بعض الوجوه . لقد جاء أفراد من أسرتي وعشيرتي زاد عددهم عن المئات ، من بينهم أخي الأكبر عبد الرزاق الكبيسي وأخي الدكتور إبراهيم . سياسيون وشـخصيات اِجتماعية وأصدقاء قدامي ومعارف وأبناء أقارب ، تركتهم صغارا وها هم يبدون في عمر رجال كبروا في لجّة حزنٍ لا تهدأ .

     جاؤوا جميعا من بغداد . لم يتسـن لي التعرّف على الكثيرين منهم وخصوصا الجيل الجديد . أما كبار السنّ فقد تعرّفت إليهم بسهولة وقرأت في تجاعيد وجوههم تعب السنين [الكثيرون منهم سبق لي وأنْ اِلتقيت به أثناء زيارة سابقة قبل الاِحتلال] . في هذه الأجواء لم يدر في خلدي أَنَّ فلسطين ستكون حاضرة . لقد كانت في قلب هذه التظاهرة الترحيبيّة ، كما هي دائما في وجدان العراقيين أعلام فلسـطين ترفرف من وراء الحدود ، حملها أبناء عشيرتي وعائلتي وبعض الأصدقاء .

رايات ورصاص وأسلاك شائكة
     ما إنْ اجتزت المسافة الفاصلة الحدودية نحوهم حتى رحت أَتفقدّ الوجوه ، في لحظات شوق وحنين لا ضفاف لهما . انطلق موكب السيارات بسرعة ولكنه ليتوقف فجأة . جاء الجنود الأمريكيون مسـرعين وتقدّموا نحونا . خاطبني أحدهم بالإنكليزية : أهلا بك في العراق ؟ . الإحساس الوحيد الذي غمرني في تلك اللحظات ، حين استمعت إلى ترحيب الجندي : هو المزيج عينه من الألم والحزن الذي يتسببّ به إِنغراز الخنجر في اللحم الحيّ . تساءلت مع نفسي عن نوع المفارقة في المشهد الأول الذي يصادفه المرء على الحدود وفي الطريق إلى الوطن :

مَن يكون هذا الغريب حتى يرحب ُ بي في وطني ؟ .

لم أمد يدي لإعطائه جواز السفر ، فتدارك الأمر أحد أفراد عائلتي وتناول الجواز مني وقدّمه للجندي الأمريكي ، بينما فتحت الباب وغادرت السيارة متبرّما وشاعرا بالضيق . كانت رغبتي الوحيدة أَنْ أملأ رئتي بالهواء . هواء البرّية الفسيحة الممتدّة أمامي . بعد بضع كيلومترات حيث انطلقت السيارة ، تعالت الهوسات البدوية من الموكب ؛ وترددّ معها صدي الهتاف الموحدّ [التحالف الوطني كل العراق يريده] .

    إِنهم يرحبون بي وبالتحالف الوطني العراقي الذي ظل يطرح ، دون ترددّ ، خيار الإصلاح الديمقراطي والمصالحة الوطنية من أجل تفادي الكارثة . وهم يعرفون جيدا أنه ـ وكما سيبرهن التاريخ ـ كان أكثر تعقلا وتبصرّا بالعواقب . من بعيد ، لاح موكب آخر مؤلف من عشرات السيارات ـ نحو خمسين سيارة ـ كان ينتظر عند مسافة 3 ـ 4 كيلومترات عن الحدود الدولية . كانوا يلوحون بالرايات واللافتات والأعلام .

    اِنضمّ موكبنا إلى الموكب الجديد . فجأة بدأ إطلاق الرصاص من أسلحة رشاشة وأخرى ثقيلة ، وتعالت من حولي الهوسات البدوية ثانية ترحيبا وابتهاجا. بعد قليل فقط رحت أتابع السماء وهي تضجّ بأصوات طائرات الأباتشي الأمريكية . قالوا : لا بد وأنَّ الأمريكيين سمعوا إِطلاق النار . ها قد جاؤوا. انطلق الموكب بينما غادر المسلحون ـ وهم من أبناء المنطقة ـ فاتجهنا صوب تلة قريبة حيث توجد نقطة تفتيش أمريكية ؛ تحتشد من حولها مجموعة كبيرة من الآليات والدبابات . شق الموكب طريقه نحو الرطبة .

    ومن بعيد رأيت مقرا قديما لشركة ألمانية للإنشاءات . لقد استولى عليه الأمريكيون وحولوّه إلى معسكر يشرف على الطريق العام . في هذه الأثناء لم تتوقف الدوريات عن التجوال . لاحظت أَنَّ أسلوب إِقامة نقاط المراقبة في المعسكرات والحواجز ، التي نشرها الأمريكيون في كل مكان ، يتسـم عادة بوضع مدرعتين في وضعيتين متعاكسـتين . من الواضح إِنَّ هذا الأسـلوب يعكس القلق المتزايد

 للأمريكيين من الهجمات المباغتة للمقاومة.
     على مبعدة نحو خمسين كيلومترا من الرطبة توجد قاعدة الوليد العسكرية (الجوية). من بعيد رأيت آثار الحطام والدمار تحيط المكان كله. كأن زلزالا ضرب القاعدة . هذا هو الاِنطباع الوحيد الذي خلفه في ذهني منظر القاعدة من بعيد . وحين اقتربنا اكثر كانت أعمدة كهرباء الضغط العالي تجثم علي الأرض مثل أشجار نخيل هوت بفعل عاصفة هوجاء . لم يتبق من حطام اعمدة الكهرباء ايّ شيء . لقد ُنهبت الأسلاك منها. هي ذي أولي مشاهد الخراب التي تصدمني قبل أنْ أدخل إلى مدينة الرطبة الحدودية.

     عند مدخل الرطبة وفي شارعها الرئيس ، فاجأتنا زخات من الرصاص حيث تعالت الهوسات مرة أخرى . نزلنا من السيارات فطوقتني حشود من أبناء القبيلة والمعارف وأبناء المدينة . كان هناك بضعة شبان من أبناء المدينة يحملون أسلحة ثقيلة [بي. كي. سي : B . K . C]  راحوا يطلقون النار ابتهاجا وترحيبا وهم يحملون أسـلحتهم بيد واحدة . اِتجهنا صوب الخيام التي نصبت عند أبواب المنازل . قال

أخي : الغداء سيكون هنا . بعد ذلك سوف نكمل رحلتنا.

    تجددّ إِطلاق النار بكثافة . لا أحد يعرف من أين خرج السلاح . قالوا لي أنّ الأمريكيين يتجنبون دخول المدينة . نحو الساعة الثالثة ، وبعد أنْ فرغنا من طعام الغداء اِِتجـه الموكب خارج الرطبة . عند مغادرتنا المدينة متجهين صوب الفلوجة وعلى الطريق إلى بغداد كانت هناك عشرات المدرعات والدبابات وهي تغلق كل المداخل والمخارج . لقد سمعوا إِطلاق النار . تقدمّ الأمريكيون صوبنا مذعورين وهم يسألون عن مصادر إِطلاق النار ؟ .

    قالوا : سلموّنا الأسلحة . لقد سمعنا رصاص أسلحة ثقيلة ؟
بعد التفتيش لم يعثروا على أية أسلحة . وبالفعل ، فالذين كانوا يرحبون بنا ويطلقون الرصاص غادروا المكان . انطلق موكبنا بنحو عشرين سيارة نحو الفلوجة بينما بقي الآخرون من أفراد عائلتي والأصدقاء القدامى وبعض السياسيين في الرطبة ، لأنهم من سكانها في الأصل وجاؤوا لاِستقبالي . اتجّه الموكب على طريق الرمادي . إنها أول مدينة كبيرة نتجه إليها في طريقنا إلى بغداد.

معركة في الخالدية

    على امتداد الطريق الطويل ، شخصت أمام أبصارنا مشاهد مفزعة لعشرات السيارات المحترقة والآليات العسكرية المحطمّة جرّاء القصف . كانت آثار القصف الوحشيّ لا تزال بادية للعيان بعد وقت طويل نسبيا من توقف الحرب : حفر ضخمة . آلاف القذائف المتفجرّة والمتناثرة بشظاياها وهي تملأ الأرض الفسيحة . عند مدخل الرمادي أوقفتنا نقطة تفتيش أمريكية . الدوريات العسكرية الأمريكية تجوب المنطقة المحيطة بالمكان ، وتتجه نحـو المدينة في حركة لا تكاد تتوقف . ما لفت انتباهي ـ ببسـاطة ـ إنمّا كان منظر الجنود المذعورين الذين يقومون بهذه الدوريات .

    إِن مظاهر الهلع التي تطبع حركتهم وصراخهم المتعالي ونظراتهم المفزوعة ، وتوترهم البادي للعيان ، كلها تدّل على انهم كانوا يتأهبون لإطلاق النار عشوائيا وفي كل اتجاه . صرخ الجندي وهو يطلب منا أَنْ نترك السيارات لأجل تفتيشها : اتركوا السيارات . ابتعدوا . كان متوترا ومذعورا . تركنا السيارات بينما كانت البنادق الرشاشة مصوّبة نحونا . بعد قليل فرغوا من التفتيش وطلبوا منا أنْ نغادر المكان .   تحركنا بسياراتنا متجهين صوب الرمادي . منظر الأسلاك الشائكة حول نقاط التفتيش وجدران الكونكريت المنصوبة ، يوحي للناظر أنه الشاهد الحقيقي على مقدار ونوع الفزع الذي ينتاب جنود الاِحتلال .

    من بعيد لاحت الخالدية . إِن اِسم الخالدية الذي قفز بقوة إلى واجهة الأحداث ، والذي ارتبط بالهجمات النوعية والبطولية للمقاومة الوطنية العراقية قد يدل على مدينة كبيرة . في الواقع ليست الخالدية كذلك . وعلى العكس فهي من المدن الصغيرة والنائية . القصف الوحشيّ الذي تعرضت له أثناء الحرب يؤكد إِنها تعرضت لدمار مخيف طاول المنازل ، بما ُيعيد تذكير كل من يقترب من أطرافها ، بأنها مدينة أخرى من مدن العراق التي مزقها القصف . بالكاد يمكن للناظر إليها من بعيد تبيّن معالمها. ومع ذلك ؛ بدت المدينة قادرة على إظهار بعض المعالم الدّالة على أنها تخرج من قلب الجحيم ، بالفعل ، ولكن من دون أنين . إنّ صمود سكانها والبطولات التي إِجترحوها في مقاومة الاِحتلال كافية لإظهار هذا المعني

     على امتداد الطريق أيضا لم يكن أمامنا سوى المنظر ذاته : سلسلة لا تكاد تنقطع من الدوريات والأرتال العسكرية المحملة بجنود الاِحتلال ، تسير على الطريق الرئيس بحماية مدرعات ودبابات . كانت أِرتال قوات الاِحتلال مكوّنة من 20 ـ 40 آلية تجوب المنطقة . يبدو أنها تتجه صوب مدينة هيت . استوقفنا الجنود الأمريكيون مرة أخرى عند حاجز تفتيش . قالوا لنا إنَّ الطريق مغلقة . هناك (مشاكل) في الخالدية . غادرنا المكان بعد قليل . ومن بعيد مرة أخرى لاحت لنا مداخل مدينة الخالدية . من الواضح إنَّ ثمة آثار معركة كبيرة نشبت هنا . كان علينا أنْ نسلك الطريق الزراعي القديم الذي يؤدي مباشرة إلى المدينة من وسطها ، وهو طريق يفضي بالسائر فيه إلى الفلوجة . كنت ارغب في رؤية ما حدث . ومادمت قد اضطررت إلى سلوك هذا الطريق ، فإن بإمكاني رؤية آثار المعركة . وبالفعل رأيت هناك على جانبي الطريق الزراعي القديم ، دبابة أمريكية محترقة وسيارة نقل عسكرية (في ما بعد ابلغني أهالي الفلوجة إنَّ معركة الخالدية هذه اِستمرت اكثر من أربع ساعات) .

     اِتجه الموكب صوب الفلوجة شاقا طريقه من قلب الخالدية . عند مدخل الفلوجة تجمّع كثير من أبناء القبيلة والأصدقاء والأقارب . لقد ظلوا بانتظارنا عند مدخل المدينة كل هذا الوقت ، لأنهم كانوا يعتقدون إننا سوف نسلك الطريق السريع وليس الزراعي القديم . أخذنا طريقنا إلى وسط المدينة متجهين إلى مقر (التحالف الوطني العراقي) . قالوا لي أنَّ هناك الكثير من الزعامات القبائلية والسياسية والشخصيات الوطنية يحتشدون فيه ، ومن أهالي الفلوجة أيضا يتواجدون في المقر . كان عليّ أنْ أقول شيئا للمحتشدين ؛ فلم أجد أنسـب من الإشادة بالمقاومة وروح التصدي الباسلة .

    أبلغتهم بتحيات حارة حملنيّ إياها أحمد بن بلا ، وبتحيات مناضلين عرب تسني لي اللقاء بهم قبل وصولي البلاد . وقلت : أنا واثـــق من أنَّ كل المدن في العراق ستكون فلوجة أخرى .
في نهاية اللقاء الذي كان قصيرا ، أخذ الموكب طريقه صوب مقبــرة المدينة . ذهبت لزيارة قبر والدتي واخوتي . ومن المقبرة شق الموكب طريقه صوب بغداد .

مذبحـة أشـجار النخيـل

    على الطريق من الفلوجة إلى بغداد ليلا . طريق بغداد المظلم غمرني بمشاعر حزن وألم . جالت خواطر شتي في ذهني وتتالت الصور الحزينة والبطولية على حدّ سواء . الليل الكئيب ينشر ظلاله السود في كل مكان . لقد تحولت الشوارع المضاءة إلى شوارع معتمة والخراب في كل مكان . من بصيص الضوء الطالع من مصابيح السيارات كان يمكن لي ، ولكل عابر مثلي على الطريق أنْ يشاهد بعض معالم المدينة وقد لفها ظلام مخيف .

     كانت منطقة (أبو غريب) تشخص أمامنا على الطريق السريع وقد بدت فيها آثار قتال شرس . الأمريكيون كانوا يتواجدون هناك بكثافة عند المداخل . حركاتهم العصبية والهستيرية تدّلل على مقدار خوفهم وذعرهم . وحين تطلعت إليهم وهم يتجولون في المكان ، رأيتهم ينشغلون في تفتيش البساتين وأحراش قصب البردي ، حيث تمتد بعض المستنقعات التي تحيط مدخل الفلوجة . الأباتشي تغطي سماء المدينة، بينما الدوريات تتكثف وتتزايد نقاط التفتيش والحواجز . كانوا يستوقفون السيارات ويدققون في الأوراق . هناك رأيت مشاعر الغضب من الإهانات وأساليب الإذلال ، وهي تطفح على وجوه العراقيين الذين يتعرضون لفظاظات الجنود أثناء عمليات التفتيش .
يستغرق تفتيش السيارات هنا نحو نصف ساعة . انهم ُيقلبّون ويفتشون كل شيء . تساءلت : عم يبحثون هنا ، في البساتين وفي أحراش القصب وفي السيارات ؟ .

    لقد وضعوا أيديهم على سـائر معسكرات الجيش المدّمرة وكانت أضواؤهم الكاشفة تغمر المكان كله . كما إنهم قاموا بأكبر عملية إعدام وإبادة جنونية للأشجار؟ منظر الأشجار المقطوعة وعمليات تجريف النخيل و المزروعات والحقول أكبر من أنْ يُحتمل . أنه يدمي القلب . لقد أحلوّا محل الأشجار متاريس جديدة راحت تصعد في سماء المدينة وكأنها قلاع .

    لاشيء يمكن أنْ يصيب المرء بالحزن والشعور بالمرارة من مناظر الحرق والتدمير ، الذي طاول كل مكان وكل شيء : المقرات والمؤسسات ومعسكرات الجيش والبيوت والبساتين . في الساعة العاشرة ليلا اِنتهت إجراءات التفتيش فاتجهنا من (أبو غريب) إلى العامرية ، وكان طريق مطار بغداد يتلوى وسـط

 الظلام.

     أمضيتُ الأسبوع الأول من وصولي إلى بغداد في منزل أخي الأكبر عبد الرزاق الكبيسي بين أهلي وأقاربي . ولكن وخلال هذا الأُسبوع ـ وبعده مباشرة ـ كان عليّ أنْ أباشر باتصالاتي السياسية مع مختلف القوي المناوئة للاِحتلال . لقد تشكلت في العراق بعد الغزو مجموعات سياسية كثيرة . الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لي ، في هذا التغيرّ المثير في صورة الحياة السياسية ، هو التعرّف على أطروحاتها . . . التعرف على التصورات السياسية لهذه القوى والجماعات والإطلاع على رؤاها وتصوراتها المستقبلية . جاء لزيارتي الكثيرون . الدكتور وميض عمر نظمي أحد قادة التيار القومي ، واحمد طه العزوز (الذي يقود الجبهة الوطنية الديمقراطية) وعمر الكبيسي (جرّاح القلب المشهور) وعصام عايد (الذي يقود حزب الإصلاح) وهيئة العلماء المسلمين ممثلة في شخص الدكتور حارث الضاري ، وجمع من السياسيين وضباط الجيش الكبار وأعضاء من التحالف الوطني ، كانوا قد سبقوني في الوصول إلى بغداد.

     والي جانب هؤلاء كان هناك ممثلون عن التيار الناصري الموحدّ بزعامة صبحي عبد الحميد وحزب الوحدة الاِشتراكي وجماعة (العراق بيتنا) بقيادة عبد اللطيف المياح (رحمه الله . فقد تلقيت نبأ اغتياله وأنا اكتب هذه المقالات) ود. محمد الشواف والتجمع الوطني المستقل ورابطة شيوخ عشائر العراق التي يترأسها مشعان الضاري ، إلى جانب شيوخ عشائر الجميل والعبيد الذين جاؤوا من كركوك ، وشخصيّات يسارية عديدة . فضلا عن شيوخ عشائر
ورجال دين من الشيعة والسنّة. الأحاديث التي دارت بيننا خلال هذه اللقاءات ، تركزت بمجملها على توصيف الواقع الراهن تمهيدا لاِستخلاص الأفكار الأولية عن طبيعة المهام العملية والأهداف السياسية  ، التي يمكن أنْ تجمع كل الوطنيين داخل إطار سياسي .

     وهذا أمر هام للغاية لا بالنسبة لي ، وإنما كذلك للآخرين ، الذين جاءوا لاِستطلاع آفاق العمل المشترك . من بين أكثر الأمور جوهرية والتي يمكن استخلاصها من هذه النقاشات الأولية ، كانت مسألة إدراك الجميع لأهمية إدارة الظهر للماضي والتطلع إلى المستقبل . شعرت أن العراقيين جميعا لا يرغبون في البقاء محتجزين داخل ماضٍ ثقيل الإرث ، وأنهم يريدون بالفعل التحرر من ربقته . إِن جسامة وخطورة الأوضاع كانت تتطلب ، على العكس من الدعوات لنبش الماضي والتوقف عند تخومه ، أنْ يبادر الجميع إلى تأسيس توافقات سياسية جديدة من أجل المسـتقبل . إدراك العراقيين لأهمية أنْ لا يظلوا أسرى الماضي ، كان مثيرا للإعجاب والدهشة . هذا ليس محض انطباع شخصيّ بل هو حقيقة واقعة يمكن تلمسها.

أحاديث عن الجبهة الوطنية

     مع مطلع الأسبوع الثاني ، باشرت بسلسلة زيارات للقاء مختلف القوي والجماعات التي اِلتقيت برموزها. وفي إِطار هذه اللقاءات ، تبلورت الأفكار الأولى عن الجبهة الوطنية العريضة ، التي ستضمّ كل أطياف المجتمع المقاوم للاِحتلال . وفي هذه النقاشات ترسخ لدّي الاِنطباع بأن الجميع على اِستعداد للعمل المشترك . اتفقنا جميعا على النقطة التالية : ليس بإمكان أيّ جماعة أو طائفة أو قومية . . .  بمفردها ، ومهما اِمتلكت من أسباب القوة ، ومن دون التوافق مع القوى الأخرى ، إنجاز أيّ شيء حقيقي على طريق تحرير البلاد من الاِحتلال .

    بيد أنَّ الاِنطباع الآخر والهام ؛ الذي خرجت به من لقاءات الأسبوع الأول ، وبات الآن أكثر رسوخا ووضوحا ، هو الإجماع المثير عند السياسيين وعامة الناس ، على أنَّ هذا الاِحتلال هو من حيث الجوهر والمضمون هو اِحتلال إسرائيلي بأدوات أمريكية . هـــذه القناعة الراسخة عند الجميع ، يمكن تلمسها في سياق النقاش حول أوضاع البلاد.
    هذه الصورة ؛ بدت واضحة في ذهني تماما عندما باشرتُ اِتصالاتي السياسية ، من أجل وضع اللمسات الأولى للجبهة الوطنية العريضة .

     شرعت في إعداد مسوّدة مشروع الجبهة . في الأيام التالية تركزت الحوارات ، التي قمت بها باِسم (التحالف الوطني العراقي) مع الكتلة القومية (لجنة التنسيق القومي ) ومجموعة العزوز وحزب الإصلاح وجماعة (العراق بيتنا) والتجمع الوطني المستقل وهيئة العلماء المسلمين ورابطة عشائر العراق والقيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي . بعد ذلك قمت بجولات ميدانية في الرمادي والفلوجة وأبو غريب وكركوك والمدائن وديالى والصويرة. وفي سائر هذه المدن والبلدات ترسخت القناعة عندي بزوال الاِحتلال ، فجميع من الذين اِلتقيت بهم من الناس العاديين والشخصيات السياسية والجماعات ورجال القبائل ، مقتنعون بان النضال من اجل الاِستقلال هو ما يوحدّهم .

    ليس ثمة من يراهن على بقاء الاِحتلال ، سوي أولئك الذين تورطوا في تشجيع غزو البلاد واستباحتها . وعلى العكس من ذلك ، هناك رهان حقيقي على تحرير العراق واِستعادة اِستقلاله . ولقد تسـنّى لي وأنا أتجول في بغداد ، أنْ أتلمس معني النفور من القوي المتواطئة مع الاِحتلال . انهم لا يفهمون الشعب ، ولا يقدرّون حقيقة مشاعره وتطلعاته . وتبلغ درجة القطيعة بينهم وبين الشعب حدّاً مذهلا ، حين تتطلع إلى نظرات الناس المستغربة والمتسائلة ، مثلا ، عن السبب الذي يجعل مقر احمد الجلبي مزينا بيافطة كبيرة كتب عليها اِسـم حزبه باللغة الإنكليزية (INC) . قال لي أحد الظرفاء ونحن نمرّ بالقرب من المقر : انظر . ها هنا شركة أمريكية ؟. قلت له : بل هو اِسـم حزب . انه اختصار بالإنكليزية لاِسم حزب المؤتمر . فردّ ساخرا : بل هو شركة تتخفى تحت اِسـم حزب .

      أما الأحزاب الأخرى المتواطئة مع الاِحتلال ، فأنها تبدو للعابر قربها مجرد مقرات خاوية وفارغة إلا من بضعة مسلحين . وعندما تسـنّى لي المرور قرب مقر الحزب الشيوعي العراقي ، رأيت بعض الرجال المسلحين ، الذين يوحي منظرهم الرّث انهم بالفعل من (البروليتاريا الرثة العاطلة عن العمل) التي لطالما تحدث عنها الشيوعيون . رأيتهم يغفون ويتمايلون من النعاس فوق كراسيهم المتكسّرة ، بينما كان المقر يبدو خاويا . لقد كان منظرا جديرا بتذكير الشيوعيين بمعني البؤس السياسي .

    أثناء هذه اللقاءات قمت بجولات خارج بغداد . كان عليّ أنْ أتجـه إلى كركوك . في كركوك وحين تجولت فــي المدينة بعد سلسلة لقاءات مع العرب والتركمان من أبناء المدينة وشخصياتها ، هالني ما رأيت . لقد أضحت كل الأسماء في واجهات المطاعم ودور السينما والمدارس والإدارات باللغة الكردية . أما مزارات الأولياء (من العرب) وهي أماكن أعرفها جيدا ، فقد ُأمحيت من الوجود بواسطة البلدوزرات لئلا ُيقال أن هذه أماكن أولياء من أصول عربية عاشت وماتت في كركوك . حتى شواهد قبور العرب الموتى أزيلت . كان مشهد (تكريد ـ من الكرد) كركوك يبدو ماثلا للعيان في كل ركن وزاوية من المدينة .

    ولكم ترددّت أمامي ، في جولاتي وزياراتي وحواراتي مع الآخرين عبارة إن هذه (حرب شـارون وليست حرب بوش) . مثل هذه القناعة وبعد أربعة أشـهر من الاِحتلال ، تعني أنَّ العراقيين لم ينخدعوا بشعارات المحتلين البّراقة ، وإن الوقت كان كافيا للبرهنة على أنَّ الاِحتلال وممارساته وأهدافه المفضوحة ، قد خلقا حتى في أوساط البسـطاء والشعبيين من السكان ، اِنطباعاً قوياً بان إسرائيل هي في قلب مشروع الاِحتلال وأنَّ يدها الخفيّة ليست بعيدة عنه . ولذا ترددّت أمامي سلسلة لا تنقطع من التساؤلات :

    لماذا يزور بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأمريكي واحد مهندسـي الحرب على العراق مدينة بابل ؟ .

   لماذا اختار بابل لو لم تكن للأمر صلة بالمعتقدات الأسطورية التوراتية ؟ .

   ولماذا وضع الأمريكيون مستشارا يهوديا لكل وزارة من الوزارات في الحكومة المؤقتة التي يديرونها ؟ .

    منذ الأسبوع الثاني تراءى العراق أمامي كالمرجل الذي يغلي ويفور بالغضب والألم ، لما أصاب البلاد من دمار وتخريب متعمدين ، وفوضى عارمة أنشـبت أظافرها في كل ركن وزاوية . ومن قلب هذا المرجل رأيت إلى الناس وهم يبرهنون على قدرة فريدة ومثيرة وأسطورية ؛ فهم قادرون علي التواصل في ما بينهم برغم المصاعب والأهوال والمشاق ، واِنعدام أو انقطاع سبل التواصل الطبيعي بين سكان المدينة الواحدة .

    إنهم وعلى الرغم من غياب أيّ نوع من الخدمات والتوقف شبه الكامل لوسائل الاِتصال التقليدية ، وتعطل شبكات الهاتف والكهرباء ، والمصاعب التي لا تُحتمل أثناء التنقل ، فإنَّ الناس هنا يبدون منظميّن بصورة تدعو للإعجاب والفخر . أنهم لا يزالون قادرين بصورة مذهلة على تبادل المعلومات والأخبار ، وبسرعة لا تُصدق كما لو أنهم يملكون كل وسائل الاِتصال . وبالطبع ؛ فإن أخبار عمليات المقاومة وضرباتها البطولية هي الأكثر شيوعا وانتشارا . انهم يتناقلونها بسرعة البرق .
يتبقى أنْ أتوقف أمام الأمر الهام التالي الذي استخلصته من مناقشاتي مع سائر الجماعات والأفراد والشخصيّات :

     بوجه العموم يمكن ملاحظة أنَّ الموقف الشعبيّ من الاِحتلال يبدو أكثر جذرية وتقدما ، من موقف النخب السياسية والفكرية والثقافية . إن السكان البسطاء ، عادة ، ومع كل اِحتلال كما برهنت الكثير من تجارب التاريخ الإنساني ، يبدون على اِستعداد لرؤية الواقع كما هو ، من دون رتوش ولا أوهام أيديولوجية ؛ وبالتالي تحديد تصوراتهم عنه ، بينما تميل النخب إلى تقديم قراءة أقل جذرية وأقل واقعية ، ربما بسبب تشوش رؤاها وتصوراتها السياسية أو بسبب أوهامها. إذا كان لمثل هذه الفكرة النظرية والعمومية أن تتجسد كحقيقة ، فإنها تتجسد بأبلغ الدلالات في الواقع الجديد المتشكل اليوم داخل العراق المحتل .

     وبالفعل ، فإن الموقف الشعبي يبدو اكثر عنفوانا وجذرية وواقعية من مواقف النخب . وإذا ما أمكن للمراقب أو المحلل ، أنْ ينزع القشرة الرقيقة التي تحيط بالمشهد السياسي اليوم ، وأنْ يقوم بتنحيتها جانبا من أجل رؤية المنظر الحقيقي كاملا ، فإنه سيتوقف ويلاحظ ـ ويا للغرابة ـ إنَّ الشعب موحدّ في نظرته للاِحتلال . السياسـيّون الاِنتهازيون واللصوص الجدد ؛ وحدهم مَنْ يـــــرّوج للاِحتلال ومحاسنه . وهم مَنْ يقفون وراء إِشاعة اصطلاح (المثلث السنيّ) بما يعني أنَّ المقاومة محصورة في نطاق ضيّق يخصّ طائفة بعينها. وهذا بكل تأكيد توصيف زائف للواقع . فحتى الذين لم يشتركوا في أعمال مقاومة الاِحتلال بصورة مباشرة ، هم في الواقع من أصلب المقاومين للاِحتلال والرافضين له . وحدها (طبقة) السياسيين الفاسدين هي التي يدور في وسطها سجال حول الاِحتلال حيث ينقسمون بين مؤيد ومعارض ؛ بينما يقف الشعب كله موقفا رافضا ومقاوما . [1] .

بغداد صارت حيطانا كونكوريتية ونقاط تفتيش

الفارّون من أتباع المذهب الشيعي الإسلامي

أقاموا في الفلوجة  والرمادي
الأكراد نهبوا المصانع والسيارات وهرّبوها إلى إيران

الأمريكيون فجّروا المنازل في قرية دجلة بالديناميت

    منذ أنْ وصلت بغداد ورحتُ أتجول فيها ، قاصدا زيارة ولقاء الأصدقاء والمعارف ، وبالطبع مواصلة الحوار مع الشخصيات والقوى السياسية ، وأنا أتابع الطريقة التي كان يجري فيها تحويل العاصمة التاريخية للإسلام إلى مدينة غريبة حتى عن سـكانها. لقد تحولت بغداد إلى مدينة جدران كونكريتيّة مرعبة ، تعزل أو تفصل وبشكل عشوائي أحياء بأكملها عن بعضها ، أو تقطَّع أوصال الشوارع الكبيرة والصغيرة ، وتحويلها إلى جزر منفصلة حتى ليستحيل على سائقي السيارات المرور إلى أقرب نقطة ، من دون الاِنتظار طويلا عند الحواجز ، أو اِستخدام طرق جانبية بعيدة .

    وكان لافتا بصورة مثيرة ، بالنسبة لي ربما بسبب خبرتي القديمة كمهندس أن أشاهد هذه الجدران وهي ُتنصبُ في شوارع بغداد وفي فلسطين المحتلة ، من قبل الشركة الأمريكية نفسها . وبالفعل فإن الشركة الأمريكية التي تصنّع الألواح الكونكريتيّة العازلة ، التي يتألف منها جدار الفصل العنصري في فلسطين ، هي ذاتها الشركة التي تعاقدت معها قوات الاِحتلال ، لتصنيع الكتل الكونكريتيّة في شوارع

 بغداد ، التصميم ذاته والمواد ذاتها.

    وها هو جدار بغداد العازل يطوّق بغداد من وسطها ، ويتلوى كالثعبان في شوارعها. لم تبق مؤسسة عامة أو موقع لنقطة تفتيش ، وحتى مقرات الأحزاب الموالية للاِحتلال ، وبكل تأكيد الفنادق والوزارات لم تطوّقه جدران العزل هذه . وها أنا أتجول وأرى الأسلاك الشائكة ، فضلاً عن الكتل الكونكريتية وقد انتشرت في مكان . كانوا يحيطون الجدران العازلة بالأسلاك الشائكة والدوشمات المليئة بالتراب . وفي بعض المواقع كالجسور والساحات ـ مثلاـ كانوا يُغرقون المنطقة القريبة من أيّ نقطة أمريكية ، بالمياه التي يجري ضخها بحيث يتحول الوضع إلى ما يشبه الخندق نحو مائة متر ، وذلك من أجل منع اقتراب المقاومين . قطعوا الأشجار وجرّفوا المزروعات والحقول والبساتين . وكان أكثر ما أثار ألمي وحزني ، منظر طريق مطار بغداد ، الذي كان ذات يوم مثالا لجمال الشارع ، فقد قطعوا كل أشجار النخيل المرصوفة على جانبيه ، بل قاموا بإضرام النيران فيها .

     وحين تسـنّى لي المرور بالقرب من منطقة كرادة مريم ، حيث المجمّع الأمريكي للقيادة العسكرية والمدنية في القصر الجمهوري ، هالني ما رأيت . فسكان المنطقة كانوا لا يستطيعون العودة إلى منازلهم أو الخروج منها ، إلا بعد خضوعهم لعمليات تفتيش صارمة . بل أنَّ الأمريكيين فرضوا عليهم اِستخدام هوّيات خاصة للتعريف بهم . رأيت كرادة مريم وقد تحولت إلى معسكر اعتقال جماعي حقيقي . وهذا ما تكررّ أمامي في ديالى . حيث طبق الأمريكيون نظام تحويل المناطق السكنية إلى معسكرات اِعتقال جماعية ، بحيث شملت مناطق بأكملها في بعقوبة ، وباتت أحياء بكاملها أشبه بالمُنعزلات التي يستخدم السكان فيها بطاقات هوية خاصة ، كما هو الحال مع الأحياء القريبة من مطار الفارس ومطار بغداد.
آنئذٍ تبدت صورة العراق الجديد وكأنها استنساخ لصورة فلسطين المغتصبة ، حيث تتلوى الجدران العازلة في بطن بغداد طولا وعرضا كالثعابين .

    وإلى هذا كله رأيت عمليات الترحيل الجماعي لسكان أحياء بأكملها في الجانب الخلفي من مطار بغداد بعد أنَّ تمّ تجريف كل أشجار النخيل هناك ، وتدمير الحقول والمزروعات والبساتين ، بحجة أنَّ المقاومة تستخدم هذه الأماكن لتسديد ضربات صاروخية للمواقع الأمريكية . مناظر تدمير الحياة اليومية للناس في كل مكان . تدمير أملاكهم صار أمراً مألوفاً وشائعاً . إنها سياسة ممُنهجة ومدروسة . وهذا واضح وجليّ تماما في الكثير من الحالات ، فعندما تشهد بغداد عمليات قتالية ، أو عمليات قصف صاروخي أو بمدافع المورتر على مقرات الاِحتلال ، فإن بغداد ُتعاقب بقطع الكهرباء عنها بالكامل ولمدة 48 ساعة متواصلة . وأذكر أنَّ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي : 2003 شهد اِنقطاعا في الكهرباء شبه متواصل أو لمرات متتالية . في البداية اِعتقد الناس أنَّ الأمر يتعلق بعطل في الموّلدات . ولكنْ ، ومع تكرار حالات القطع الفجائي للكهرباء أيقن الناس أن الأمر يتعلق بمسألة عقاب جماعي .

ميليشيات واِحتلال

     كانت بغداد تتحول بفعل سياسة العقاب الجماعي هذه ، إلى مدينة أشباح تغرق في الظلام والفوضى والخوف الجماعي . وممّا فاقم من كآبة هذه الصورة أنَّ الجثث كانت تنتشر في كل مكان أيضا . ما من يومٍ يمرّ من دون رؤية حوادث قتل مُريعة هنا أو هناك . الأنباء عن حوادث القتل التي تقع في المدينة تتوالى . ليست عمليات القتل هذه مجرد حوادث عرضية ، بل هي عمليات تصفية منهجية ومدبرّة ، تقوم بها ميليشيات مسلحة تابعة للأحزاب التابعة للاِحتلال ضد أسـاتذة جامعات وأطباء ومهندسين ومحامين ، من أبناء الشيعة والسنّة على حدٍّ سواء بدعاوى انتمائهم لحزب البعث .

    في هذا النطاق تشير التقديرات ، ومن مختلف المصادر الموثوقة ، إلى أنَّ ما بين 2500 ـ 3000 قتيل سقطوا حتى الآن جرّاء التصفيات الوحشيّة هذه . إنَّ ميليشيات ما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية جماعة الحكيم والمُسمّاة : فيلق بدر لا يمكنها أنْ تبريء نفسها من تهمة ارتكاب هذه الجرائم ، ففي الأول من رمضان المصادف 26 تشرين الأول (أكتوبر) وخلال مظاهرة علنية أعلن صدر الدين القبانجي ممثل المجلس وعضو قيادته ، رسميا عن بدء الحملة الكبرى ـ حسب تعبيره ـ لاِجتثاث وتصفية ما أسماه بالمخربين فكراً وبشراً . وللتدليل على أنَّ هذا الاِضطهاد الجماعي يطال الجميع : شيعة وسنّة ، أنَّ هناك اليوم مئات من العائلات الشيعية فرّت من مناطقها في جنوب العراق .

    لقد هربت من جنون القتل هذا ، وبعضها وصل إلى الفلوجة والرمادي طلبا للنجاة . والأمر في الواقع ، وكما اِتضح لي عيانيّا لا يتعلق بالبعثيين ، بل بعموم الوطنيين من أبناء الشيعة الذين اِضطرّوا للفرار من مناطق سكناهم في الجنوب ، مثل الكوت والعمارة والناصرية والحلة ، والتي فرضت فيها ميليشيات المجلس الأعلى : أي جماعة باقر/عزيز الحكيم والمخابرات الإيرانية والكويتية ، أجواء قتل وترهيب ورعب وتصفيات جسدية . وأذكر إنني في اليوم السابق لعودتي من الفلوجة إلى بغداد ، قصدت مكتب أحد المهندسين من أبناء عشيرة البو علوان . كان موعدنا في مكتبه الذي يطلّ على الشارع الرئيس في الرمادي . كنا بعد قليل من وصولي نشرب الشاي ونتطلع من الواجهة الزجاجية إلى الشارع ، عندما شاهدنا ثلاث سيارات نقل مليئة بالأطفال والنساء والشيوخ . اِتجهت السيارات صوب المكتب بعد أنْ شاهدونا نجلس هناك نشرب الشاي .

     كانوا مُغبرّين مُتعبين يرتجفون هلعاً . قالوا : نحن غرباء هنا . ونريد استئجار منزل ! ؟ هل يمكنكم تقديم المساعدة لنا . نظرت إلى الرجال والأطفال وقرأت في أعين الجميع الفزع . أردف أحد الرجال قائلا وهو يشرح لنا طلب المساعدة التي يرغب بها : هربنا من الموت وعمليات القتل التي تقوم بها ميليشيات باقر الحكيم . وفي الحال بادر مضيفنّا الشـاب المهندس إلى الترحيب بهم وطمأنتهم قائلا : أهلا بكم . سوف تنزلون ضيوفا علينا . في ما بعد ، وخلال الفترات المتقطعة التي كنت أزور فيها الرمادي والفلوجة وحتى حديثة ، رأيت أحياءً كاملة تنشأ هناك يقطنها الفارّون من جحيم ميليشيات الحكيم والمخابرات الإيرانية والكويتية .

    وفي بغداد نفسها ، علمت أنَّ أعداداً كبيرة من هذه العائلات وصلت العاصمة قاصدة منازل الأقرباء طلبا للحماية . هذا الوضع حقيقي تماما ويمكن رؤيته والتعرّف على ما يماثله من حالات ، يضطرّ فيها الوطنيون الرافضون للاِحتلال من أبناء الشيعة إلى طلب الحماية ، والإقامة في المناطق التي لا سيطرة فيها لميليشيات الحكيم .

    كانت هذه الصورة كافية بالنسبة لي ، لرسم الأجواء الحقيقية التي أشاعتها الميليشيات المسلحة في الجنوب . إنها أجواء تصفيات وتقتيل وفوضى وتخريب وتحطيم وتدمير لحياة الآلاف من البشر بحجة أنهم من البعثيين ، بينما تؤكد الوقائع أنَّ الكثير من هؤلاء لم يكونوا بعثيين ، بل من أبناء الشيعة الرافضين للاِحتلال . وبمقدار ما يعكس هذا الواقع درجة الفوضى التي أشاعتها الميليشيات المسلحة ، فإنها تعكس وبالقدر ذاته المعني الحقيقي لسياسة اِجتثاث البعث . إنها سياسة تدميرية تطاول أسراً بريئة ، وأفراداً لا ذنب لهم سوي موقفهم الوطني الرافض للاِحتلال .

إلى إيران... كل شيء

   لكن سياسة التقتيل والترهيب هذه ، ليست ولم تكن في الواقع سوى اِستطراد في سياسة أعمّ ، كانت ملامحها قد اتضحت منذ اللحظات الأولى لسقوط بغداد ، حيث بدأت الفوضى ودبّ الخراب وانتشرت عمليات نهب وتفكيك البنية التحتية . وإذا ما عاد المرء بذاكرته إلى الساعات الأولى الرهيبة التي أعقبت سقوط بغداد ، فإنه سيجد رابطة وثيقة بين النهب وعمليات القتل والتصفيات . لقد كانت سياسة ممُنهجة قُصد منها إثارة الفوضى والرعب . وحين رحت أتجول في بغداد شارعاً إثر شارع وحيّا في أعقاب حيّ ، اِرتطمت نظراتي الحزينة والحيرى بمشاهد بنايات محترقة أو مدمرّة أو منهوبة ، وبمناظر بشر مذهولين كانوا يتحركون في مدينة مُحطمّة .

    تحولت بغداد بعد ساعات من سقوطها إلى مدينة بنايات خاوية أو مدمرة ، البشر فيها ليسوا سوى خطوات حزينة وآلام ودموع . انهم يسيرون بتثاقل وكأنهم يحملون أثقال الدنيا كلها . ليس ثمة من منظر مثير للألم أكثر من منظر مدينة أنهكها الدمار وحطم الحزن المرّ سكانها . ومع ذلك ، فإن المرء ليعجب وهو يتجول في بغداد ومدن العراق كله ، كيف أنَّ الناس هنا مازالوا يملكون طاقة خلاقة لا نظير لها ، على مقاومة الموت والخراب والنسيان

    إنَّ إصرارهم على الحياة يطفح في العيون . وحكاية النهب هذه ، التي لم تروَ على نحو دقيق بعد ، من أجل تبيان الحقيقة عن أبطالها ، وكذلك عن مسؤولية الأطراف التي شاركت فيها وشجعتها وباركتها ، وكيف قام اللصوص باِستكمال نتائج القصف والتدمير ، من خلال عمليات تفكيك ونهب الممُتلكات العامة والخاصة ، لتستحق أنْ تروى مرات ومرات .

    لم أشاهد طوال الفترة التي مكثت فيها في البلاد أيّ أثر لبنية تحتيّة ، لا مصانع ولا مؤسسات . كل المُعدّات الإنشائية الثقيلة والمصانع الحربية والمدنية والمكائن الثقيلة فككّت وُنهبت ونقلت إلى إيران . باعها الأكراد المتنفذون في حزبي بارزاني وطالباني لإيران بأسعار بخسة ، سوية مع جماعة الحكيم وحزب الدعوة . مئات الألوف من السيارات والشاحنات وشاحنات الأحواض والكومبيوترات تمّ تهريبها إلى إِيران . وجرى إفراغ مخازن الحبوب الحنطة والشعير والعدس وتمّ تحميلها لترسل عبر الحدود . وحتى اليوم لا تزال بعض الأماكن في شمال العراق من قبيل منطقة كلار مزدحمة بآلاف السيارات المُحتجزة أو التي تنتظر دورها للدخول إلى إيران.

    بعد شـهرين من وصولي تقريبا في أكتوبر كنت أتجه صوب أبو غريب للقاء بعض الأصدقاء والأخوة . في الطريق من بغداد عبر جانب الكرخ شاهدت ما يشبه مؤسسة أو مصنعاً لم يتبق منه سوى السياج الخارجي وبقايا بناء . قال لي مرافقي : تعال وشاهد هذا المكان . أتعرف عنه شيئا ؟ . سألني . فقلت : لا . ثم مشيت خطوات أخرى وأنا أتبعه لمعاينة المكان . خُيَّل إليَّ أنَّ المكان هو ساحة وقوف سيارات . كان خاويا تماما . قال مرافقي بلهجة حزينة : ذات يوم كان هذا المكان مصنعا حربياً . إنه لتصنيع محركات الدبابات .! وحين راحت نظراتي تتوزع فوق الأرض الجرداء علّها تلمح أثر المصنع ، سمعت مرافقي يقول بعينين دامعتين : نهبوه . تمّ تفكيكه ليرسل إلي إيران .
     كان قرار حلّ الجيش هو إشارة الاِنطلاق الحقيقية لبدء عمليات نهب جديدة . القليلون فقط يدركون هذه الحقيقة خارج العراق . أجل . كانت هناك سلسلة جديدة من عمليات النهب التي بدأت فور إعلان بول بريمر قرار حل الجيش العراقي . ولذلك يشاهد المرء وهو يتجول في البلاد آثار نهب من نوع آخر لم ُترو قصته بعد : نهب معسكرات الجيش . كل شيء في المؤسسة العسكرية تمّ نهبه ، المصانع العسكرية والحديد والدبابات والمدافع والسيارات . تساءلت وأنا أتابع فصول الحكاية التي يرويها مرافقي عن نهب مؤسسة تصنيع محركات الدبابات في منطقة الكرخ ببغداد ُتري أين ذهبت مئات آلاف السـيارات العسـكرية ؟ . لم تبق سـيارة واحدة . ولكم أنْ تتخيلوا كم سيارة كان الجيش العراقي يملك ؟ .  هذه عينة واحدة لا أكثر من عينات النهب الجديد الذي اِنطلق مع قرار حلّ الجيش .
    في هذا السياق ، لابد من التوقف عند الأساليب التي اِتبعتها قوات الاِحتلال في تشكيل قوات الأمن الداخلي والشرطة . لقد تبيّن ـ حسب الصحافة التي يموّلها بريمر وقوات الاِحتلال ـ إنَّ ما بين 58 ـ 200 من ضباط الشرطة الذين سلمتهم قوات الاِحتلال مسؤوليات حفظ الأمن في بغداد ، هم من عتاة القتلة والمجرمين واللصوص . هؤلاء ، وفور إِعلان سلطات الاِحتلال عن تشكيل قوات أمن داخلي ، سارعوا إلى تقديم هوّيات مزورّة وشهادات مزورّة لإثبات أنهم كانوا ضباطا في الجيش العراقي ، وإنَّ النظام السابق قام بطردهم من الخدمة العسكرية .

    ومن المفارقات المثيرة أنَّ الأمريكيين الذين يجهلون العراق ـ كما تبيّن بوضوح ـ اِكتشفوا حكاية تزوير الوثائق هذه ، بعد أنْ نبههم بعض العراقيين إلى أنْ رتبة زعيم ركن التي زعم أحد المتقدمين للشرطة الجديدة ، أنه يحملها ، هي رتبة لا وجود لها في سلك الشرطة العراقية وأنها رتبة عسكرية تخصّ الجيش . ولذلك فليس أمراً مثيرا أن يتناقل العراقيون قصصا عن تورط الشرطة الجديدة في أعمال نهب وسرقات ، فالكثير من هؤلاء هم في الأصل من اللصوص المحترفين .
    في ظل هذه الفوضى العارمة ، يشتكي العراقيون من قيام الجنود الأمريكيين بسرقة مقتنياتهم ومدخراتهم أثناء المداهمات . الحديث الآن يتركز على سرقات بلغت حدود 5 مليارات دينار عراقي ، تمت مصادرتها من منازل مئات الآلاف من العراقيين ، الذين تعرضوا للمداهمات والتفتيش ، كما يدور الحديث عن سرقات للحلي والذهب والمصوغات بلغت اكثر من 17 ألف قطعة .

خطف واغتصاب وديناميت

    بيد أنَّ حكاية النهب ، ليست ولم تكن سوي جزء من جريمة كبري مسكوت عنه : إن جرائم الاِحتلال التي لم يطلع عليها أحد بعد ، عبر وسائل الإعلام والفضائيات ، لتبدو أكبر وأعنف وأشدّ مأسوّية مما يمكن للمرء أنْ يفعله لأجل روايتها بصورة مقبولة . ابتداء من 29 آب (أغسطس) كانت هناك حرب حقيقية أخرى في العراق . القليلون فقط خارج العراق تسـنّى لهم سماع بعض تفاصيلها الشحيحة . هذه الحرب غير المُعلنة بدأت باِستخدام الطائرات الحربية من طراز F.16 وبإلقاء قنابل زنة نصف طن طاولت مناطق السيّديّة في بغداد ، والفلوجة والخالدية وتكريت والدور والضلوعية ، بحجّة قصف مواقع المقاومة .

    هذا المشهد كان يتكررّ يوميا . عاد الطيران الحربي للعمل وكأنّ الحرب بدأت للتوّ . أدّى القصف حسب الشهادات التي أفاد بها السكان ، وتمكنتُ من تسجيلها في مختلف المناطق المشمولة بالقصف ، إلى تدمير أكثر من 1120 منزلا ، تتوزع على الخالدية والمحمودية وبلد والضلوعية وتكريت والقائم وبغداد والموصل وبعقوبة والحويجة والدور . في يوم واحد فقط ، وفي قرية دجلة الريفيّة التابعة لقضاء بلد ، جري يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) وحده تفجير خمسة عشر منزلاً بواسطة الديناميت ، ومن دون السماح للسكان بأخذ حاجياتهم وأوراقهم . حتى الأطفال منعوا من أخذ حقائبهم المدرسيّة . ما أشبه هذه التفجيرات بما يحدث في فلسطين المحتلة ؟ أنه الأسلوب المفضّل نفسه .

    في هذا اليوم تناهت إلى أسماعي أنباء مماثلة عن تفجيرات لمنازل مواطنين في المحمودية والخالدية . وهناك عدد مماثل نحو 1121 منزلا جرى حرقه أو تفجيره من قبل الميليشيات المسلحة في النجف وكركوك والموصل واليوسفيّة والحلة . كانت الجريمة تكبر كل يوم ، مع توالي القصص المرعبة عن التصفيات وإحراق المنازل والإِعتقالات .

    إنَّ الأرقام المتداولة عن عدد المعتقلين في العراق ، والتي تصرّح بها قوات الاِحتلال ، هي أرقام لا تقول الحقيقة أبدا ، فهناك اليوم 182 ألفا من المعتقلين بين رجل وامرأة أطلق سراح البعض منهم بعد فترات تتراوح بين ثلاثة أسابيع وثلاثة اشهر . وحسب معلومات الأهالي الذين سجلوا شكاواهم عن اِعتقال ذويهم ، فقد تبقي في سجون الاِحتلال أكثر من 42488 معتقلا يتوزعون على معتقل أم قصر الرهيب ، ومعسكر البغدادي شمال هيت على الفرات ، وفي معتقل الرضوانية ومعتقل مطار بغداد وسجن أبو غريب.
    ضمن قائمة المعتقلين هناك اكثر من 543 امرأة و917 طفلاً دون السادسة عشرة . أما الذين قضوا بفعل هستيريا الجنود ، الذين كانوا يقومون بتعذيب المعتقلين ـ وهذا ما اعترف به جزئياً الكثير من قادة الاِحتلال ـ فقد بلغ 512 مواطناً . هؤلاء أعدموا فعليا أثناء نوبات هستيرية أصابت جنود الاِحتلال ، المكلفين بتعذيب المعتقلين لاِنتزاع اعترافاتهم .

    وقد لا يعجب المرء وهو يستمع إلى قصص التعذيب الرهيبة ، من أفواه الذين تعرضوا للاِعتقال ، أو أنْ يشاهد بنفسه بعض آثارها البادية للعيان ، أنْ يعلم بوجود حالات شلل وإعاقة تامة نجمت عن شدّة التعذيب ، وبلغت رقما مخيفا : 920 حالة إعاقة تامة . وإلى هذا كله فلا يزال مصير نحو 6 آلاف مواطن خطفتهم الميليشيات المسلحة مجهولا .

     أما حالات اغتصاب النساء والاِعتداء الجنسـي على القاصرين والأطفال ، على أيدي جنود الاِحتلال : أمريكان . بريطانيون. بولنديون. طليان والميليشيات المسـلحة كذلك ، فإنها تثير الفزع بالفعل ، فقد بلغ عدد النساء العراقيات اللواتي تعرضّن للاِغتصاب نحو 2000 اِمرأة ، بينما تجاوز عدد الأطفال الذين تعرضوا للاِعتداء الجنسي 550 طفلاً . يكفي القول أنَّ هناك 32 حالة اعتداء جنسي ضد الأطفال ، مسجلة رسميا ضد الجنود الأمريكيين ، و15 حالة أخرى ضد الجنود البريطانيين ، وتمّ فتح تحقيق رسمي بشأنها .

    إنَّ بعض هؤلاء كما تؤكد شهادات المواطنين والمختصين ومسؤولي دور الأيتام ، أُخذوا أما من مؤسسات رعاية الأيتام التي نهبت ودمرّت ، أو تمّ التقاطهم من الشوارع بعد أنْ أصبحوا مشردين . وفي حالات كثيرة ، كما دّلت الوقائع ، جري تشغيل هؤلاء الضحايا في أعمال قذرة ، كبيع المخدرات لحساب عصابات التهريب . وقد تسـنّى لي أنْ أشـاهد بنفسي بعض هؤلاء قرب فندق فلسطين في شارع السعدون . رأيتهم هناك كأنهم أشباح هائمة ، يمارسون تجارتهم الجديدة هذه لحساب المافيات الجديدة في ((العراق الجديد)) وفق تسمية أصحاب الدعاية السياسية .

ثكنة النغمات الشرقية

    وفي هذا الإطار يمكن للمراقب ، حتى المحايد ، أنْ يلاحظ الكيفيّة التي يجـري فيها تحطيم نظام التعليم . سأعطي مثالا بسيطا عن ذلك ، وهو كاف بذاته لتفسير المعني الذي ينطوي عليه سلوك قوات الاِحتلال ، بل يكفي لتوضيح الأهداف التي قبعت وراء غزو العراق ومن بينها بالطبع أهداف تتصل بميدان التعليم : إنَّ قوات الاِحتلال تتخذ من المدارس والمعاهد التعليمية الراقية في العراق مثل معهد النفط والأقسام السكنية للطلاب الجامعيين ، معسكرات وثكنات ونقاط مراقبة وتفتيش .

     وبكل تأكيد ، فإن هذا التواجد المكثف في المدارس وتحويلها إلى معسكرات ، لا غرض له سوي حرمان الآلاف من العراقيين من مواصلة التعليم ، بل تحويل حياة الآلاف من الطلاب الجامعيين القادمين من المحافظات والذين يقيمون في الأقسام الداخلية إلى جحيم . في الواقع لا توجد أيّ مبررات ، ذات طابع تقني يخصّ اِستيعاب التواجد العسكري في أماكن ثابتة ـ كما يدعي قادة الاِحتلال ـ كما لا توجد أيّ اِحتياجات حقيقية من جانب قوات الاِحتلال ، لتحويل المدرسة والمعهد والقسم الداخلي إلى ثكنة .

     كل ما في الأمر أنَّ هذا التحويل غرضه تحطيم أيّ أساس لاِستمرار الطلاب في حياتهم الدراسية. ومن هنا سيلاحظ المراقب الرابطة الخفية ، بين قرارات طرد اكثر من 2350 أستاذاً جامعياً ، ونحو 17 ألف مدرس ثانوي ، وبين تدمير البنية التحتية للتعليم . إنها عناصر متكاملة في سياسة ممُنهجة .

    وللتدليل على ذلك يكفي أنْ أشير إلى السياسة التي انتهجتها قوات الاِحتلال ، إزاء البنية التحتية الطبية والصحية في العراق . إنَّ أفظع صورة يمكن تخيّلها ، عن الطريقة التي دمر بها الأمريكيون القطاع الصحيّ ، تتجلى في ما قاموا به مع مؤسسة ((أكاي)) الشهيرة. هذه المؤسسة الوطنية أشتهرت وبرعت في صناعة الدواء . يقع مقر مؤسسة ((أكاي)) على الطريق الواصلة بين المدائن والصويرة. جاء الأمريكيون وطردوا العاملين في المنشأة الصحية وحوّلوا المكان كله إلى ثكنة . ولكم أنْ تتخيلوّا منظر المعدّات الطبية والدوائية ، وقد اِزدحمت بمعدّات القتل التي جلبها الأمريكيون ؟ .

     الأمر ذاته ينطبق بصورة تامة علي ما فعلوه مع منشأة الكندي للقاحات البيطرية في أبو غريب . لقد حوّلوها إلى معسكر . إذا كان هذا هو حال الصناعات الدوائية التي تمسّ حياة العراقيين بصورة مباشرة ، بحيث أنهم باتوا يعانون من نقص مسببات العلاج وغلاء أسعار الأدوية ، فلكم أنْ تتخيلوا حال التعليم والثقافة . ؟ .

    أذكر أنني كنت أمرّ في شارع الرشيد : منطقة السنك بعد وصولي إلى بغداد بفترة وجيزة ، عندما استوقفني منظر مفزع . فالبيت الجميل المُطل علي الشارع والمؤلف من طابقين ، وكان لسنوات طويلة عنوانا من عناوين الثقافة في العراق ، هو بيت العود العراقي والذي كانت تصدح فيه النغمات الشرقية ، قد تحول إلى مركز تفتيش تديره القوات الأمريكية . لم يجد الأمريكيون مكاناً لإقامة نقطة تفتيش ثابتة في شارع الرشيد سوى بيت العود العراقي للنغمات الشرقية ؟ . وتساءلت مع نفسي: أيّة صلة بين النغمات الشرقية البغدادية واوركسترا الغزو الهمجية هذه ؟ .

مهرب ((وطني)) يتقاضى 400 دولار على

تهريب كل جندي أمريكي فار من العراق
    مكاتب الموساد أقيمت قرب مقرات

إطلاعات الإيرانية في السليمانية رمزاً للتعايش
     طوال الوقت الذي أمضيته في بغداد والمدن الأخرى ، منصرفا إلى تطوير النقاشات التي شرعت بها مع عدد كبير من ممثلي القوي الاِجتماعية والسياسية ، كان عليَّ ، كلما مررت ُ بحاجز أو نقطة تفتيش أمريكية ، أنْ أمعن النظر في عيون أولئك الجنود المدججّين بالسلاح وبمشاعر هلع يصعب على المرء توصيفها . كانت نظراتهم المذعورة ترغم العابر على التحديق فيها مليّا . ومع أنهم يقفون ، عادة ، خلف متاريس مُحصنّة ويصوّبون بنادقهم الآلية نحو العابرين ، الذين كانوا يمرّون بصمت ولكن بغضب مكتوم ومُحترق ، فأنهم لم يكفوا لحظة واحدة عن الصراخ في وجوه النساء والأطفال والشيوخ دون أدنى سبب .

     الصراخ الهستيريّ يملأ المكان حتى ليخيّل للمرء أنه في ميدان عمليات حربية اِشتعلت للتوّ بالمعارك . كانوا يبدون في حالة تأهب لإطلاق النار . أصابعهم ترتجف فوق الزناد وعيونهم زائغة .
عندما تناهت إلى أسماعي أنباء اِنتحار بعض الجنود الأمريكيين ، أيقنت أنَّ تلك النظرات المذعورة ، وذلك الصراخ الهستيريّ ، تخفي واحدة من أسـطع حقائق الوجود الأمريكي : لقد بلغ الاِحتلال ، من منظور الأوضاع النفسيّة للجنود ، ما يمكن تسميته (بالمأزق النفسي) حين تتلاشى أو تنهار إمكانات التعايش داخل مدينة محتلة ، مع بشر يزدادون كراهية ونفوراً وعداءً للمحتلين . وهذا حقيقي تماما .

     لم يعد جنود الاِحتلال قادرين على المشي بخيلاء في الشوارع ، كما كان الحال في بعض المدن خلال الأيام الأولْ . تبددّت الأوهام التي أشاعوها عن مهمتهم الفعلية في العراق ، وبات عليهم أنْ يتعايشوا منذ الآن ، مع خوف مزمن من الآخر . إنَّ الأرقام التي أملكها عن عدد الجنود المنتحرين تشير إلى 56 حالة (بينما يقول البنتاغون اليوم أنها تزيد عن 21 حالة) .
     يوم 16 تشرين الأول (أكتوبر) وحده ، شهد حادث اِنتحار 3 من جنود النقطة العسكرية قرب سدّ (حديثة) . وهذا يكفي للبرهنة على أنَّ ثمة طابعا جماعيا لا فرديا لحالات الاِنتحار . في الفلوجة كانت أنباء (العصيانات) المُبطنة للأوامر بين الجنود الأمريكيين تترددّ في أرجاء المدينة ، وبات أمراً شائعاً أنْ يسمعَ الأهالي ، أو يتناقلون ، أنباء عن قيام جنود بإطلاق النار على أرجلهم لتفادي أوامر تقضي باِلتحاقهم ، أو إرسالهم إلى المناطق (الخطرة) كالفلوجة والرمادي . في الفلوجة كما في الرمادي تترددّ أنباء بين الأهالي عن نحو 1700 حالة يجري تصنيفها باِسم (اِنهيارات نفسيّة) .

     مثل هذه الأرقام لا تبدو مثيرة بالنسبة للأهالي ، الذين يعيشون في قلب مواجهة يومية مع جنود الاِحتلال ، فهم يعرفون بعمق معنى المأزق النفسي . ولذا يصبح منظر الجندي المُرتعد هلعا من أيّ حركة عفوية ، لرجل أو اِمرأة أو طفل ، ومهما كانت عرضية (كأن تخرج علبة السجائر من دون أنْ تنتبه إلى الجندي المذعور أمامك) منظرا لا مألوفا وحسب ، بل دليلا ساطعا على نوع وطبيعة الاِنهيارات النفسية المؤديّة إلى الاِنتحار .

يوم صادفتُ (مهرّبا وطنيّا) !

     إلى جانب أنباء الاِنتحار هذه ، تناهت إلى أسماعي في اكثر من مدينة ، أخباراً مثيرة عن عمليات فرار حصلت في بعض الوحدات العسكرية الأمريكية . وأذكر أنني كنت في الرمادي عندما صادفت رجلا في مجلس عام (علمتُ في ما بعد انه مهرّب) . بادرني الرجل إلى القول بلهجة احتجاجية : لماذا تصرّون على تسميتي (بالمهرّب) ؟ . أنا مثلكم أخدم وطني ومهمتي لا غبار عليها ؟ . كان السؤال مباغتا ومفاجئا ، فأنا لا اعرف الرجل ولم يسبق لي أنْ تبادلت معه الحديث .

    ولم يكن بالطبع أمرا مفهوما ، بالنسبة لي أو للجالسين ، مثل هذا الإدعاء الذي يخالف المنطق . ومع ذلك قادني الفضول إلى الإصغاء دون تعليق إلى مرافعته الدفاعية أمام الجالسين . قال : أنتم تقولون عني أنني مهرّب ؟ . حسنا . ولكنني أتقاضى لقاء هذه العمل الوطني 400 دولار أمريكي عن كل جندي أقوم بتهريبه . بل أحصل من الجنود عادة على بنادقهم وملابسهم . لا يكلفني هذا العمل سوى تزويد الجندي الراغب بالفرار بملابس (بدوية) ثم أقوم بإخراجه من الوطن . أليس هذا من الأعمال الوطنية ؟.

    قهقه الحاضرون وهم يستمعون إلى مرافعة المهرّب (الوطني) بينما رحت أستعيدُ قصصا مماثلة عن عمليات تهريب رواها لي أهالي الأنبار. واحدة من هذه القصص أثارت حفيظة رجال القبائل وعدّوها تجسيدا (للغدر) ولم يتسامحوا ، قط ، مع بطلها . قالوا لي إنهم نددّوا بسلوك أحد المهربين من البدو ، لأنه جمع نحو 43 جنديا أمريكيا وخرج بهم ليلا . ولكنه ما أنْ بلغ نقطة بعيدة في البادية الموحشة ، حتى طلب إليهم انتظاره في موضع محددّ من أجل أنْ يسـتدعي أحد الأدلاء . ولكنه وبدلا من ذلك ذهب لإعطاء إشارة تلفونية للأمريكيين في الرمادي بوجود (معسكر للمجاهدين العرب) . وفي الحال جاءت الطائرات المروحية الأمريكية وقامت بقصف المكان .
    مصدر الاِحتجاج على هذا السلوك ، والذي تردد أمامي ، يكمن هنا : مهما يكن من أمر ، فإنَّ البطولة والوطنية لا تستقيمان مع قيم (الغدر) وان سمة ومزيّة الفروسية هما التقيّد بالقواعد الأخلاقية حتى

 في الصراع مع العدو.

الأباتشي تسهر في سماء الفلوجة

    أريد ـ في هذا السياق ـ أنْ أتوقف قليلا أمام طبيعة التطور الحاصل في تكتيكات المقاومة وأشكالها الجديدة . يتلازم الخط التصاعدي لأعمال المقاومة مع تطور حقيقي في نوعية العمليات ، ونوعية الأسلحة المستخدمة فيها ، وهذا أمرٌ هامٌ للغاية ، لأنه يوضح آليات تطور المجابهة مع قوات الاِحتلال على الصعيد التكتيكي . حتى نوعية المتفجرّات أضحت في الآونة الأخيرة أكثر تطورا من الناحية التقنية . بيد أنَّ هذا التحسّن في أداء وتكتيكات المقاومة ، ترافق مع تعاظم أشكال التعتيم الإعلامي على العمليات .

    في كل يوم هناك ما بين 45 ـ 60 عملية يوميّاً ، ولكن وكالات الأنباء والفضائيات لا تنقل سوى أنباء مقتضبة وقليلة . بعض العمليات تستمر سبع ساعات متواصلة كما حدث في الدورة (ببغداد) والخالدية والفلوجة وفي منطقة القائم على الحدود مع سورية . في منطقة القائم أسفرت إحدى المعارك عن قتل عشرات الجنود وأسـر ثلاثة من الضباط . إثـر هذا الحدث قامت القوات الأمريكية بعزل (القائم) عن العالم ابتداء من يوم 15 حتى 29 تشرين الثاني (نوفمبر) وقامت بقصفها وتفتيشها بيتاً بيتاً. هذا عينه ما حدث للفلوجة عندما قصفها الأمريكيون يوم 8 و11 من الشهر نفسه بواسطة مدفعية الميدان وبالصواريخ ، وذلك بعد عملية ضخمة نفذتها المقاومة .

    في تلك الليلة كنت في منزل أحد أقاربي . وصلت الفلوجة صباحا وقررت المبيت فيها للقاء بعض الشخصيات في اليوم التالي . في الساعة الواحدة ليلا كنا نتأهب للنوم عندما بدأت طائرات الأباتشي تحلق بكثافة في سماء المدينة . على امتداد الساعات التالية حتى الفجر لم يتوقف القصف الجوي . في الصباح ذهبت لتفقد بعض المواقع التي تعرضت للقصف . كانت قرية (السُجر) واحدة من ضحايا التدمير والقصف الجوي : خمسة من المواطنين الأبرياء الذين استهدفهم القصف الجنوني والعشوائي كانوا صرعى . . . ضحايا شهداء .

    وعندما سألت عمّا إذا كان من بينهم بعض المقاومين ، كما تزعم قوات الاِحتلال ، تلقيت ردودا قاطعة بأنهم من أبناء القرية البسطاء وأنهم قتلوا وهم نائمون . بعد يومين من هذه المجزرة ردّت المقاومة بمعركة ضخمة خارج الفلوجة (صداميّة الفلوجة) . كانت القوات الأمريكية قد قامت بنقل المعتقلين لديها من شيوخ العشائر ورجال الدين من معسكرها في (صدامية الفلوجة) إلى معتقل (أم قصر) في البصرة . ويبدو أنْ رجال المقاومة تأكدوا من نقل المعتقلين . ولذا ردّوا على جريمة قرية (السُجر) بقصف معسكر الأمريكيين . كان عدد المهاجمين 70 شخصا . وهذا رقم كبير يوضح المدى الذي بلغه تنظيم المقاومة ، والمرونة العالية التي أصبحت تتمتع بها على صعيد تحريك المجموعات القتالية .

    في هذه المعركة التي كان مسرحها ما يُسمي بالحيّ الصناعي في الفلوجة ، قام الأمريكيون بزج أعداد اكبر من جنودهم . مع بزوغ الفجر عادوا أدراجهم تاركين وراءهم 13 آلية محترقة .
بيد أنَّ أكثر ما يثير حنق وغضب العراقيين ـ وهذا ما سوف تكون له نتائج فعلية على صعيد تعاظم أشكال الرفض الشعبي ـ إنما هو عمليات القتل المجانية والعشوائية التي تجري عند الحواجز ونقاط التفتيش الأمريكية . لا يكاد يمرّ يوم من دون أنباء عن مصرع عائلات بأكملها أو أفراد أبرياء ، لم يسمعوا أو يفهموا أوامر الجنود بالتوقف ، وفي أحيان كثيرة من دون وجود أيّ سبب .

    وكمثال على ذلك عمليات إِطلاق النار على السيارات المدنية من دون أسباب . وعندما تقع هجمات للمقاومة في شارع عام أو وسط المدن ، فإنَّ الأمريكيين يبادرون إلى إطلاق النار عشوائيا ، بهدف ترويع السكان وإلحاق أكبر قدر من الأذى بهم . إنَّ سجلات الطبّ العدلي في العراق تقدّر ـ كما اخبرني أحد العاملين هناك ـ عدد القتلى بين المارّة بنحو 50 عراقياً راحوا ضحية الرصاص الطائش الذي يطلقه الجنود الأمريكيون . وبلغ الاِستهتار بأرواح العراقيين درجةً لا تصدَّق ، فقوات الاِحتلال باتت ترفض حتى التشخيص الطبي لأسباب الوفيات ، من أجل أنْ لا يتمكن الأطباء من تحديد نوعية الرصاص . اكثر من ذلك أنْ الأمريكيين صاروا يتسـترّون على أعداد الأطفـال الذين يقتلون أثناء

المداهمات الليلية .

الشيعة في قلب المقاومة

    ليس صحيحا ما يُشاع في بعض وسائل الإعلام والتحليلات الصحافية ، عن انعزال الشيعة أو تمنعهم عن المقاومة ، أو أنْ لا علاقة لهم بها . الوقائع تؤكد أنهـم جزء عضويّ من المقاومة وهم موجودون فيها . بيد أنَّ نشاطات المقاومة في الجنوب لم تشـهد تصاعدا ممُاثلا للتصاعد في مناطق أخرى من العراق ، لا بسبب اِمتناع الشيعة كما يُزعم ، بل بسبب وجود الميليشيات المُسلحة التي تأتمر بأوامر الإيرانيين وتنسق مع الأمريكيين . هذه المليشيات المتواطئة مع الاِحتلال ، هي التي تشيع جوّا من الترويع والتقتيل في الجنوب وتخلق أسباباً لاِنحسار العمليات ضد الاِحتلال هناك . ومع هذا ، فقد بدأت تـتتال منذ بعض الوقت ، أنباء عن عمليات جريئة في الصويرة والكوت والعمارة والبصرة وسوق الشيوخ والديوانية وأطراف الحلة . وأخيرا بدأنا نسمع عن كربلاء .

    بعد وصولي بأسابيع قليلة ذهب وفد كبير من العشائر السنيّة (من زوبع والدليم والعُبيد والجبور) للقاء عشائر الشيعة في الناصرية . مكث الوفد ثلاثة أيام هناك . ما يلفت الاِنتباه في الأفكار والمواقف التي ترددّت أثناء النقاشات ، أنها تركزت عند نقطة إِجماع مثيرة للدهشة حول أهمية الحفاظ على زخم المقاومة ، وتطوير إمتداداتها الجغرافية والبشرية بحيث تشمل البلاد كلها . قالوا : ستسمعون ما يسرّكم . كل قرية وكل مدينة في الجنوب ستكون (فلوجة) أخرى . وهذا عينه ما لمسته في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي عندما حضرت لقاء لشيوخ العشائر في (رابطة عشائر العراق) ببغداد .

    حين جلسنا في مضيف الشيخ مشعان الضاري لفت انتباهي كلام عميق وبعيد الدلالات ، صدر عن أحد الشيوخ العشائر الكبيرة والقوية في الجنوب . قال الشـيخ بلهجة الواثق : هذا احتلال يهودي لبلادنا . سنقاومهم ونقاتلهم ولدينا سلاح كثير . إنَّ لمن المدهش ، حقا ، رؤية هذا القدر من اليقظة والتنبّه ، في أوساط الناس البسطاء ، للدور الخفيّ الذي يلعبه الكيان الصهيوني في إطار الاِحتلال . ومن غير شكّ ، فإن التأكيد القاطع الذي يسمعه المرء ، بأن هذا الاِحتلال هو في جوهره وأهدافه البعيدة ليس سوى اِحتلال إِسرائيلي ، إنما يشير بوضوح تام إلى مغزى اليقظة و التنبّه والفطنة الشعبية . وعلى العكس مما يترددّ من أفكار ومواقف ، في أوساط شرائح من الطبقة السياسية الفاسدة ، فإن العراقيين في غالبيتهم يدركون وبعمق ، أنَّ الصهيونية هي التي دبرّت وقادت الحرب بأدوات أمريكية .

    الناس هنا يُدّللون لك على ما يقولون بجملة من الوقائع . مثلا ، انهم يتساءلون عن سـرّ اِهتمام قوات الاِحتلال ببعض المواقع التي يُزعم أنَّ لها صلة (بالتراث اليهودي) ؟ كما يلفتون النظر إلى أنَّ هناك ثلاث سيارات نقل كبيرة ، تحمل كل منها 50 راكبا تتحرك من إسرائيل نحو العراق أسبوعياً ، وتدخل بحماية قوات الاِحتلال عبر الحدود الغربية . هذه الزيارات السرّية ، تتجه مباشرة إلى مناطق (الكفل) وبابل وهيت والعزير (في محافظة العمارة) . وإلى جانب هذه الحركة البريّة ، هناك عمليات نقل جوي لأفواج من السيّاح اليهود عبر مطار بغداد ، حيث ثلاث طائرات تقوم أسبوعياً برحلات منتظمة بين بغداد وتل أبيب . هذا فضلا عن معلومات مؤكدة عن عمليات إمداد بالمواد الغذائية للجيش الأمريكي يتولاها الكيان الصهيوني مباشرة . وكما يترددّ هنا في أوساط الناس البسطاء ، وتؤكده المعلومات المتوفرة ، فإن الوجود الإسرائيلي أصبح الآن أكبر من (دولة) أو (سفارة) . الموساد يسرح ويمرح تحت أغطية رجال أعمال أو شركات .

إيرانيون وكويتيون وموساد
    إنَّ مشاعر الخوف والقلق التي تنتاب العراقيين بكل طوائفهم ، من التغلغل الإسرائيلي المُغطيّ والمحمي من قبل القوات الأمريكية ، ومن خلال واجهات تجارية وشركات لشراء العقارات ، لا يوازيه سوى مشاعر الخوف والقلق ذاتها من تنامي النفوذ الإيراني . إنَّ واحدة من مظاهر هذا التغلغل يمكن أنَّ تتبدى أمام زائر بغداد ، وبصورة عابرة ، في اِنتشار صور خامنئي . ما فاجأ الإيرانيين وأثار حيرتهم أنَّ أبناء الشيعة في الكاظمية والحرية والشعلة والثورة ، هم الذين بادروا إلى تمزيق صور خامنئي ، بينما راحوا يرفعون كل يوم صور المرحوم صادق الصدر .

    هذا يُدّلل على نحو لا تخطئه العين ، على حقيقـة ردود الفعل التي ولدّها التغلغل الإيراني ، فالشيعة العراقيون أكدّوا عراقيتهم الأصيلة ، في مواجهة محاولات إِيران بسط نفوذها السياسي والثقافي في العراق المحتل ، بالتواطؤ مع قوات الاِحتلال الأمريكي .

     وبينما تنتشر مقرات الموساد الإسرائيلي في كويسنجق والسليمانية (إدارة الطالباني) وفي المناطق الحدودية المحاذية لإيران ، فإنَّ مقرات جهاز المخابرات الإيراني (إِطلاعات) أُقيمت هناك أيضا وجنبا إلى جنب ، في مظهر واحد من مظاهر التعايش بين النفوذين . حتى في أوساط التجار الشيعة يمكن للمرء أنْ يلمس نوع ردود الأفعال تجاه هذا التغلغل . إنهم يعبرّون عن رفضهم للاِحتلال الأمريكي وفي الآن ذاته مقتهم للهيمنة الإيرانية .

    ومن غير شكّ ، فإن استغلال إيران للفوضى التي أشاعها الاِحتلال الأمريكي ، لا يبدو قابلا للتبرير تحت أيّ ذريعة ، لأنه استغلال مفضوح النوايا والأغراض . وإلى جانب هذا الثنائي ثمة الكويتيون . هناك ثلاثة آلاف من جهاز المخابرات الكويتي ، تسربوا إلى المناطق الجنوبية ، وهم ينسقون بشكل كامل مع الإيرانيين في إشاعة الفوضى وتدبير عمليات الاِغتيال .

بعثيون وناصريون ويساريون وإسلاميون
    أريد أنْ أتوقف قليلا ، هنا ، ومرة أخرى عند بعض التصورات الرائجة والشائعة ، وإلى ما يترددّ من تحليلات وتكهنات عن بنية المقاومة أو تركيبتها السياسية والاِجتماعية . إنَّ بعضا مّما يقال في وسائل الإعلام والصحافة ، لا يستند إلى أرضية حقيقية بأكثر مما يستند إلى مادة دعائية رخيصة يروجها الإعلام الغربي . الكثير من التحليلات والتكهنات يذهب إلى ما هـو أقل من توصيف الحقيقة . إنَّ هذا الإجماع الشعبي الذي يتشكل اليوم من حول المقاومة ، ليس نتاج ردود أفعال كما يُزعم ، بل هو تجسيد فعلي لمعنى الوطنية العراقية . انطلقت المقاومة ، في الأساس ، من تيارين سياسييّن : تيار حزب البعث وتيار الدولة . وهذا أمر منطقي ، في ظروف مثل ظروف العراق ، حيث القوة الأكثر تنظيما هي الحزب الحاكم

    ولكن ، ومع تسارع وتيرة الأعمال الأولى للمقاومة ، اِنتظم في إطارها عدد كبير من الذين لم يكونوا يؤلفون حزبا سياسيّا . . .  هذه هي الصورة الأولى للمقاومة كما بدأت وانطلقت بعد سقوط بغداد . بعد وقت قصير ومع أولى الإشارات ، عن معارك وضربات ضد قوات الاِحتلال ، حدث تغيرّ جوهري وهام للغاية في تركيبة المقاومة ، إذ التحقت بها جماعات قومية ومستقلة ويساريون وناصريون وإسلاميون والآلاف من الشباب المستقلين ، الذين لم يُعرف عنهم أيّ نشاط سياسي من قبل.

     بهذا المعــــنى ، حدث التغيّر الأهم في تركيبة المقاومة في الأيام الأولى لاِنطلاقها ، وتبدّل طابعها وتحوّله إلى طابع وطني شعبي عراقي خالص ، مع دخـــول سائر القوى والمجموعات الوطنية الأخرى . أكثر الأسئلة المُثارة أهمية تدور ـ اليوم ـ حول النقطـــة التالية : هل لدي المقاومة ، بالفعل ، إستراتيجية سياسية وعسكرية تكفل لها الاِستمرارية ، والقدرة على تحديد أهدافها وتطوير مبادراتها ؟ نسمع أحيانا من بعض المحللين ، هنا وهناك في الفضائيات والصحافة ، مزاعـــم عن افتـــقاد المقاومة لخطاب سياسي  ، أو أنها لا تمـــلك برنامجا سياسيّا . هذا الزعم في الواقع لا أســـاس له .
    وعلى العكس من هذه التصوّرات ، فإنَّ للمقاومة برنامجا واضحا كل الوضوح . يطرح العراقيون مثلاً الكثير من الأسئلة ، بما فيها تلك التي تخصّ المقاومة وأهدافها وإمكاناتها : هل بإمكان المقاومة أنْ ترغم الولايات المتحدة على الرحيل ؟ مثل هذا السـؤال يمكن سماعه . والجواب الذي يتلقاه المرء عادة هو : لدى المقاومة إستراتيجية سياسية وعسكرية متكاملة . الإستراتيجية العسكرية تستند إلى ثلاثة محاور :
    1 ـ إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية ، وإلى الحدّ الذي تصبح فيه قدرة الاِحتلال على تحمل الخسائر مستحيلة .
    2 ـ تطوير ضربات المقاومة وتصعيدها بحيث تمتدّ آثارها ونتائجها إلى خارج العراق . أي أنْ تغدو نيران المقاومة على حدود الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية .
    3 ـ وفي هذا النطاق فسوف يؤدي العبء الأخلاقي للحرب والاِحتلال ، على الإدارة الأمريكية والمتحالفين معها ، إلى فقدان أيّ مبرر للاِستمرار في احتلال العراق . وهذا ما سوف يدفعها إلى التفتيش عن حلّ سياسي للخروج من المأزق .
    أما المحاور السياسية (الأهداف) في هذه الإستراتيجية فهي تتحدد في :
      1 ـ إعادة تركيب وصياغة مفهوم (الشرعية) السياسية . إنَّ هذه الشرعية ستكون مُتلازمة مع تحرير البلاد واِسترداد اِستقلالها وطرد الاحتلال ومؤسساته . 
    2 ـ تشكيل حكومة وطنية واسعة التمثيل تشرف على اِنتخابات تشريعية لإعداد دستور جديد ودائم وإقامة نظام حكم دستوري يستند إلى قاعدة (إنَّ العراق لكل العراقيين) . ومن دون أيّ تمييز عرقي أو مذهبي أو سياسي وعلى أساس مبدأ المواطنة وليس الحصص الطائفية .
    3 ـ تأكيد الهوية القوميـــة والعروبية ـ الإسلامية للعراق والحفـــاظ على دور العراق كقلعة لنضال العرب وقضيتهم المركزية : تحرير فلسطين .
    4 ـ مطالبة المحتلـــين بالتعــــويضات الكاملة عمّا لحق بالعراق من خسائر باِعتــــبار أنَّ الحرب مفتقِدة ، في الأصل ، لأية شرعية أو مــــبرر أخلاقي .

    ليس من المتعذّر بالنسبة لأيّ مراقب أو زائر لبغداد ومدن العراق ، أنْ يتلمس المعني الحقيقي لاِستحـــالة إِســــتمرار الاِحتلال ؟ لقد كنت أتساءل كلما مررت ُ بجوار حــــاجز أو نقطة تفتيش ، وما أكثرها في العـــراق المحتــــل : تري مَنْ يسجن مَنْ ؟ هل الاِحتلال هو الذي يسجن الشعب داخل هذه الجدران الكونكريتية والأسلاك الشائكة ، أم أنَّ العراقيين هم الذين يسجنون قوات الاِحتلال ؟ لقد أرغم العراقيون قوات الاِحتلال على أنَّ تحبس نفسها داخل دباباتها . والدبابات خلف جدران كونكريتية وأسلاك شائكة . إنهم يديرون اِحتلال البلاد من داخل أبراج دباباتهم عاجزين وخائفين من النزول إلى الشارع .

    بهذا المعنى يصبح الاِحتلال مستحيلا ويغدو الأمل عظيما بزوال المحتلين . لقد عدت إلى بلادي وأنا متفائل بالنصر ، وأغادر بغداد وأنا أكثر تفاؤلا بأن بشائر النصر تلوح مع كل هتاف وطلقة وعبوة ناسفة وقطرة دم شهيد . العراقيون حريصون على الوحدة الوطنية ، وحدها القوى المرتبطة بالاِحتلال ترفع فزّاعة الحرب الطائفية .

ما يسمي اِِتفاق بريمر ـ الطالباني

يضفي مسحة شرعية مزيفة

على الوجه القبيح للاِحتلال
تيارات ومواقف

     مع نهاية الأسبوع الأول ، الذي أمضيته في اِستقبال ولقاء الأهل والأقارب والأصدقاء ، والكثير من الشخصيات السياسية البارزة وممثلي القوي الاِجتماعية والسياسية ، أدركت أنَّ أمامي عملاً شاقاً وكثيراً يتعيّن إنجازه . وكانت الخريطة السياسيّة ترتسم أمامي ـ بفضل هذه اللقاءات ـ بوضوح أكبر . قلت لنفسي إنني سأمضي الوقت كله ، بدءاً من الأسبوع الثاني في محاولة لتحويل ما توصلت إليه سوية مع الآخرين ، من تفاهمات عامة وأساسيّة إلى مشروع سياسي .

    ولكن ، وقبل أنْ أشرع في سلسلة زيارات إلى الرمادي وكركوك وديالى وفي بغداد ، من أجل لقاءات جديدة بهدف تعميق التفاهمات العامة ، كان عليّ أنْ أقوم بتحليل معمّق لخريطة القوي والأحزاب والجماعات الجديدة التي دخلت المسرح ، بهدف التعرّف بدّقة أكبر إلى مواقفها وتصوّراتها ورؤاها .

    لا شكّ أن زائر بغداد ، وحتى وإنْ جاء في زيارة خاطفة ، وبعد سنوات من الغربة ، سيجد نفسه في خضمّ وقائع جديدة تتشكل بسرعة وقوة . وقد تصادفه الكثير من المفاجآت ، فالحراك السياسي والاِجتماعي والتجاذبات الفكرية والتنافرات السياسية ، وحتى التوافقات في المواقف ، لا تبدو محكومة بقانون واحد ، بل بمنظومة متشابكة تختلط فيها المصالح الأنانية الضيّقة بالحسابات السياسية ، وهذه تختلط بدورها بنوع من التشوش في الرؤى . لأجل ذلك تطلب الأمر مني ، منذ الأيام الأولى ، الدخول في مناقشات عامة كان الغرض منها إعادة تحديد الثوابت . وكان عليَّ أنْ أرددّ مع نفسي: إنَّ الصبر والتروي وأخذ الوقت الكافي قبل تكوين اِنطباع نهائي ، هي المفاتيح الحقيقية في عمل من هذا النوع ، وفي ساحة سياسية تبدو أكثر تعقيدا ممّا يُخيَّل للمرء . ستتركز ملاحظاتي ـ في هذه الحلقة ـ على تبيان أهمّ ملامح الخريطة السياسية .

     هناك تياران رئيسيان تتميز بهما الحياة السياسيّة :
     1ـ
تيار القوي والجماعات المتحالفة مع الاِحتلال أو المتواطئة معه . بوجه العموم يتألف هذا التيار من مجموعة من الأحزاب والقوى والشـخصيّات الاِجتماعية والسياسية ومن تيارات فكرية قديمة وجديدة ، تشكل بمجموعها خليطا عجيبا . أنها نتاج تلاقٍ مثير للمصالح الاِنتهازية والأنانية والشهوة للسلطة ، والرغبات الجنونية في اِغتنام الفرصة للإثراء حتى على حساب وجود الوطن نفسه ، بل ولأشكال غير مسبوقة من الاِرتباط بالقوي الأجنبية ، لا أظن أنَّ تاريخ العراق القديم والحديث عرف مثيلا لها .

    هذا الخليط الذي يجمع رجال دين وشيوعيين ولصوصاً وقوميين سابقين ، ومَنْ يزعمون انهم ُدعاة الليبرالية والديمقراطيـة ، يمكن تصـنيفه بسـهولة كتيار نما وترعرع في ظل

 المشروع الاِستعماري الجديد .
     2 ـ أما التيار الثاني فهو تيار القوي والأحزاب والجماعات المناوئة للاِحتلال . وهذا بكل يقين تيار عريض له جذور وإمتدادات شعبية قوية وأصيلة ، ويتمتع فوق ذلك ، برصيد تاريخي يصعب التغاضي عنه أو تشويهه . إنَّ معظم شخصيّات هذا التيار ، وكما عرفها المجتمع العراقي ، تتسم لا بالنزاهة الشخصيّة وبعمق الإطلاع والقدرة على التحليل والشجاعة في المواقف ، وإنما كذلك بكونها عاشت السنوات الماضية كلها ، في شظفٍ من العيش وظروف معقدّة ومُحزنة ، لم تثنِ أو تثلم من عزائمها أو تفتّ في عضدها  . والكثير من هذه الشخصيّات أصابها حيف وجور النظام السابق في الصميم ، ومع ذلك ظلت قادرة على إبداء مواقف متوازنة تغلبت فيها ، بالفعل ، المصالح العليا والتاريخية للوطن

والشعب على ما عداها من مصالح .
    هذا الطيف الواسع من الأحزاب والقوي الشعبية والجماعات والشخصيّات ، يشمل بكل تأكيد النخب الفكرية والسياسية ذات التوجهات الوطنية العامة في المجتمع العراقي : أساتذة جامعات . أطباء . مهندسون . ومع ذلك يمكن عند تحليل ظروف تشكل هذا التيار ، أنْ نلاحظ أنْ ثمة تمايزات داخله تنحصر ، تقريبا ، في أشكال وأدوات ووسائل التعبير عن المواقف . ليس ثمة خطاب سياسي واحد يجمع ممثلي هذا التيار ، بل ثمة رؤى هي في جوهرها رؤى وطنية ، ولكنها لم تتحول بعد إلى مصدر من مصادر التوحيد والتجميع .

إنَّ بعض ممثلي هذا التيار ـ مثلا ـ يري أنَّ لا حل إلا بالمقاومة وتعميمها والاِنخراط فيها ، بينما ينظر بعض آخر ، وبشيء من التحفظ إلى المقاومة من منظور مختلف ، ويطرح في المقابل تصوراً يقول بأنَّ السبيل الوحيد هو المقاومة السياسية ، ولكن من دون أنْ يدعو إلى رفض المقاومة كخيار كفاحي من خيارات الشعب . بالطبع مثل هذه التمايزات تنجم عن طبيعة تركيب هذا التيار .
     إذا كانت الخريطة السياسية في عراق الاِحتلال تتسم بهذا النوع من الاِنقسام الظاهري إلى تيارين ، فإنها تتسم ، في الواقع ، بتركيبة أعقد . ففي داخل كل تيار من هذين التيارين ، وعلى هامشهما ، يمكن تلمس الكثير من التباينات والتعارضات والتجاذبات . بعضها جوهري وبعضها الآخر شكليّ .
    في الزيارات التي قمت بها ، انصبّ الحوار مع ممثلي هذا التيار ، على تحديد القواسم المشتركة ، والقيام بمقاربات سياسية أكثر قدرة على إيضاح وتحديد المهام العاجلة ، تمهيداً للاِنتقال نحو صيغ عملية وفاعلة .   وفي هذا الإطار شرعت في سلسلة حوارات مع رجال دين بارزين في هيئة العلماء المسلمين (الشيخ حارث الضاري) ، والتيار المقرّب من مقتدى الصدر والشيخ الخالصي . كما شمل الحوار التيار الذي يقوده الشيخ عبد الكريم المدني ، والمجموعات القومية (العروبية) ممثلة بلجنة التنسيق القومي (صبحي عبد الحميد ووميض عمر نظمي وهادي خمّاس) والمجموعات الديمقراطية والمستقلين (ممثلين بجماعة العراق بيتنا) والتجمع الوطني المستقل (ومن ابرز رموزهما عبد اللطيف الميّاح ومحمد الشواف وخالد المعيني وعبد الرزاق العامري) وجماعة (كونفدرالية الإخاء الوطني) وحزب الإصلاح الديمقراطي (عصام عايد ونعمان الدليمي وفرحان المجول) والمئات من الشـخصيّات الاِجتماعية فضلا عن التيار اليسـاري في العراق . وبصدد هذا الجانب من اللقاءات بممثلي التيار اليساري ، أستطيع أنْ أقول إنني لمست تجاوبا كبيرا مع مشروع (الجبهة الوطنية العريضة) من ممثلي القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ، كما ابلغني تنظيم (الشيوعيين العراقيين الوطنيين) عن اِستعدادهم للاِنضمام إلى الجبهة الوطنية .

الاِحتلال والفوضى والحرب الطائفية
    هل الحرب الأهلي