المقاومة العراقية

شبكة البصرة

شهدت الأيام الماضية تصاعدا غير عاديا في المواجهة بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال الأمريكي – البريطاني ، كما روجت قوات الاحتلال لأخبار مفادها أنها نفذت عدة عمليات ضد المقاومة العراقية أسفر عن سقوط العشرات من العراقيين كما زعمت قوات الاحتلال .
هذا التصاعد في المواجهة وهذه الأخبار المزعومة جعلت البعض يتساءل هل كانت المقاومة العراقية حلما ثم انقضى ، وهل الهجمات التي أسقطت العشرات من الجنود الأمريكيين كانت محاولات فردية وانتهت ..هذه الأسئلة وغيرها سنحاول أن نجيب عليها في هذا المقال .

ولكن قبل أن نجيب على هذه الأسئلة يجب أن نوضح عدة نقاط بخصوص ما حدث في الأيام الماضية من عمليات قامت بها أمريكا ضد المقاومة العراقية .
1- أول الأمور التي نلاحظها في أخبار هذه الهجمات الأمريكية ضد المقاومة العراقية هي الغموض وعدم معرفة ما يجرى ، فأمريكا التي تتبني هذه الهجمات لا تعطى أية تفصيلات عن طبيعة هذه الهجمات ولا ظروفها أو طبيعة الذين قتلوا أثناء هذه الهجمات .. وخفاء هذه المعلومات مع أهميتها يثير الكثير من الشكوك عن حقيقة هذه الهجمات أو حتى عن وقوعها .
2- الأمر الثاني هو غياب الإعلام وعدم حضوره لتصوير الانتصار الأمريكي المزعوم وهو الأمر الذي يزيد من الشكوك في حقيقة هذه الهجمات .
3- أكدت شهادات بعض شهود عيان وبعض الأخبار التي تناقلتها القنوات الفضائية ، أكدت سقوط قتلى في صفوف قوات الاحتلال ، بل أكدت سقوط مروحيات أمريكية .

ومجموع هذه النقاط ترسم لنا حقيقة ما حدث في هذه الهجمات وتعمد القوات الأمريكية كعادتها إخفاء حقيقة ما جرى ، لذا فلا يشك أي عاقل أن هذه الهجمات أسفرت عن سقوط عدد من القتلى ليس بالقليل في صفوف القوات الأمريكية كما أن عدد الشهداء في صفوف المقاومة العراقية لا يصل لهذه الأرقام التي أعلنتها قوات الاحتلال الأمريكي .
بعد إيضاحنا لهذه النقطة الهامة نعود إلى صلب موضوعنا وهو ما هو مستقبل المقاومة العراقية ؟ ، وحتى نعرف إجابة هذا السؤال يجب أن نحلل عدة نقاط ؛ أول هذه النقاط هو من يقود المقاومة .
تعد إجابة هذا السؤال هي مفصل والأصل عند الحديث عن المقاومة العراقية ، ولقد فشل الأمريكيون في تفسير هذه المقاومة وحاولوا أن يقللوا من شأنها فقال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إن بقايا مليشيات بعثية تشن هجماتها على القوات الأمريكية، ويزعم رامسفيلد أنه لن ينقضي وقت طويل قبل أن تنعم قواته في العراق بالأمن والهدوء ، إلا أن كلام رامسفيلد ليس تعبيرا عن موقف أمريكي موحد فقد صرح الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر أنه يعتقد أن تلك الهجمات منظمة ينفذها غالبا مجموعات تضم ما بين خمسة وعشرة أشخاص فقط، وأنهم لا يخضعون لقيادة موحدة، وذلك خلافا لما يعتقده رامسفيلد .
هاتين الإجابتين من قادة الاحتلال الأمريكي يوضحان التيه والحيرة والارتباك الذي تعيش فيه القوات الأمريكية .
من يقود المقاومة العراقية ؟
بعد أن بدأت المقاومة العراقية في شن هجماتها ضد القوات الأمريكية امتلأت شبكة الانترنت بالبيانات التي تتبنى هذه الهجمات وتعلن عن إنشاء حركات المقاومة والتحرير فكانت أسماء كتائب الفاروق والقيادة العامة الشعبية فمن هؤلاء الأشخاص وهل هم بعثيون كما تصر أمريكا ..
من الواجب أن نوضح هنا أن تركيز أمريكا على وصف المقاومة العراقية بأنهم من بقايا البعث وفلول صدام هو وصف تتعمده أمريكا ، لتحقيق عدة أهداف من التركيز عليها هذه الأهداف هي :
1 – التقليل من شأن المقاومة والإيهام بأنها مقاومة تمثل النظام العراقي السابق وليست تمثل الشعب العراقي وهو هدف تسعى من خلاله الإدارة الأمريكية لإقناع شعبها بأن الشعب العراقي مرحب بها وأن ما يتعرض له جنودها في العراق إنما هو من أفراد يائسين سينتهون على حد زعم رامسفيلد .
2 – الهدف الثاني من وراء التركيز على هذا الوصف هو تبرير الاحتلال الأمريكي بحجة مطاردة بقايا النظام العراقي ، فمثلما دخلت أمريكا أفغانستان بحجة محاربة الإرهاب ستبقي في العراق بدعوى محاربة بقايا النظام العراقي,
ويبقي السؤال هل الذي يقود هذه الهجمات هم من حزب البعث ؛فنقول وفقا لاجتهاداتنا وما تحت أيدينا من معلومات أنه إذا كان المقصود بالبعثيين بأنهم ينتمون إلى حزب البعث فكريا وعقائديا ويحاربون من أجله فنقول ليس فيهم بعثي واحد ، أما إذا كان المقصود بذلك بأنهم كانوا في يوم من الأيام أعضاء في حزب البعث فهذا أمر غير مستبعد إلا أنهم تخلوا عن مبادئه ولعل ما يؤكد هذا الاستنتاج ما ذكرته وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية من أن مجموعة من أعضاء حزب البعث أعلنوا عن تشكيل حركة للمقاومة تحمل اسم 'جيش محمد ' مشيرة بذلك إلى تخليهم عن مبادئ البعث .

إذن فليس حزب البعث هو الذي يقود المقاومة ، وبالتأكيد لا يقود هذه المقاومة أحد من الشيعة ولا نقول هذا الكلام ظلما بل هذا ما أجمع المراقبون ووكالات الأنباء ، ففي أحد الأخبار عن عمليات المقاومة العراقية قالت وكالة الأنباء الفرنسية واصفة طبيعة المقاومة العراقية ' .. ويتعارض غليان المناطق السنية مع الهدوء الذي يسود المناطق ذات الغالبية الشيعية ..' ،وكلام وكالة الأنباء الفرنسية هذا هو عبارة عن تلخيص موجز ومركز لطبيعة المقاومة العراقية .
إذن فالمقاومة العراقية ليست بعثية أو شيعية بل هي إسلامية سنية ، ويكاد يجمع المراقبون أن تلك الهجمات هي بداية لحرب مقاومة .
المقاومة العراقية ليست مفاجأة وليست وقتية :
كان هذا هو تحليلنا للنقطة الأولى في التقرير ، أما النقطة الثانية فهي تتمثل في الإجابة على سؤال وهو هل هذه المقاومة وقتية وهل كانت متوقعة أما أنها مفاجأة .
سبب طرح هذا السؤال هو أنه بعد انهيار النظام في بغداد وما أعقبه من حالات الفوضى المدعومة ومظاهر السلب والنهب المُرخص لها، لوحظ غياب شبه كلي لأعمال المقاومة العراقية، إلى درجة أن بعض المراقبين والمتابعين ظن أن الساحة ستخلو للأمريكان، ، لتتناقل بعدها المصادر الإعلامية الأخبار المتواصلة عن عمليات المقاومة ،وهو الأمر الذي كذب كل التوقعات وخيب كل الظنون ، وكما يرى المراقبون فإن الوضع العراقي بعد الغزو بتعقيداته وتداعياته وتناقضاته أكبر من أن يختزل في ثنائية المحتل الأمريكي وبقايا البعث بقيادة صدام.
ثم إن المقاومة العراقية كما يرى المطلعون على الملف العراقي هي أقرب إلى الموجة العاتية التي يركبها وتحمل في ثناياها مختلف التيارات والتشكيلات السياسية والاجتماعية وأفراد الشعب بما يعكس تنوع المجتمع العراقي.
ويؤكد الكثير من المراقبين أن شهر العسل الأمريكي في العراق على وشك الانقضاء، فبينما تتعرض حكومتا واشنطن ولندن لضغوط إعلامية وسياسية للكشف عن تلك الأسلحة المدمرة التي أوجبت حرب العراق ، تواجه القوات الأمريكية مصاعب جمة من المقاومة المسلحة على الأرض واحتجاجات الأهالي ،وهو الأمر الذي يؤكد أن أفق الوضع مفتوح على كل الاحتمالات غير السارة لواشنطن وحليفتها لندن .
إلا أن هذه المقاومة العراقية لم تكن مفاجأة أو غير متوقعة بل كان متوقعا حتى من قبل مراكز التحليل الأمريكية، فأحد أبرز مراكز البحث تأثيرا في السياسة الخارجية لواشنطن وهو مجلس العلاقات الخارجية ومقره في نيويورك أصدر تقارير وتوصيات قبل الحرب على العراق ينصح فيها إدارة الحرب الأمريكية للاستعداد لما بعد 'الانتصار الأمريكي' لمعالجة تداعيات الغزو وإفرازاته، خاصة في غياب استيعاب التركيبة والحقائق الثقافية والسياسية للمجتمع العراقي، وفي ظل الخبرة المحدودة الأمريكية في التعامل مع الأوضاع الداخلية للمنطقة العربية، ودعا المجلس إلى التحكم في الوضع الأمني ابتداء من خلال تشكيل فرق ووحدات للشرطة خاصة بالأمن الداخلي، بالاستناد لتجارب دول أخرى وبالشراكة مع فرقها.
بدأت الأصوات ترتفع داخل البيت الأبيض خلال الأيام التي تلت انهيار النظام في العراق محذرة من أن الحرب لم تنته في بغداد، وأن أياما أو بالأحرى فترات عصيبة تنتظر قوات الاحتلال في العراق.
ويرى المتابعون للشأن العراقي، أن جملة عوامل داخلية ساهمت في إنضاج خيار المقاومة ، أهم هذه العوامل مظاهر القسوة والمهانة التي يُعامل بها العراقيون من قبل المحتلين، حيث تتابعت الاعتقالات وتنوعت أساليب التضييق التي لم يسلم منها الأئمة وزعماء العشائر والسياسيون والأعيان وغيرهم، ولم ترع القوات الأمريكية حرمة لمسجد أو سفارة أو بيت آمن، كما أن حالات المداهمات المروعة والقتل بالشبهة تكاد تتكرر بشكل يومي، فكل هذا وذاك، عزز من خيار المقاومة وغذى مظاهر الاحتقان والتذمر في الأوساط الشعبية .
كل هذه العوامل وغيرها أكدت للعراقيين أنه لا سبيل إلا المقاومة والجهاد .. فهل ستستمر هذه المقاومة أما ستنهار هذ ا ما سنكمل الإجابة عليه في المقال القادم .

مفكرة الاسلام