اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية

المقاومة العراقية المسلحة الأسلوب الرئيسي والحاسم لتحرير العراق

أهمية المقاومة العراقية في الوضع العربي والدولي الراهن

 

 شبكة البصرة

كاد الوضع السياسي ، في مصر والبلاد العربية ، أن يشهد إزاء الاحتلال الأمريكي للعراق حالة من التكيَف، مماثلة ، أو أسوأ من موقف التكيف والنظر العاجز للاغتصاب الصهيوني لفلسطين والإبادة اليومية للشعب الفلسطيني . ولولا تصاعد ضربات المقاومة العراقية الباسلة لكانت هذه الحالة قد تفاقمت وترسخت الي أجل غير منظور .

وإذا كان تكييف وتطبيع الجماهير العربية مع واقع الاحتلال الأمريكي للعراق والاستسلام لمشيئة المستعمرين هو غاية طبيعية – بمعني مفهومة ـ  للحكومات والقوي السياسية والثقافية التي سمح لها زماننا الردئ بمباركة أو معاونة أو مهادنة المستعمرين والصهاينة ، فمن المفهوم تماما أن تعمل تلك القوي ليل نهار علي تحقيق غايتها الشريرة بوسائل الأعلام والمناورات السياسية فضلاً عن الوسائل القمعية البوليسية .

أما المسئولية عن مناهضة تكييف وتطبيع العلاقات مع الاستعمار والمستعمرين وعن مقاومة الاستسلام لواقع عدوانهم الماثل المهدد لا بسط حقوق أوطاننا وشعوبنا في الاستقلال الوطني وفي اتباع سياسة تطور وطني متحرر من الوصاية  والتدخل الأجنبيين الاستعماريين فتقع بكاملها علي كاهل القوي الوطنية ، القوي التي قاومت والتي لا تزال تقاوم سياسات ومواقف التعاون او الاستسلام او التهادن مع العدو الأمريكي .إلا انه من اللافت للنظر حدوث قدر كبير من إخلال قوي المعارضة الوطنية أو بعضها على الأقل بهذه المسئولية في الفترة الماضية وحتى الآن. وهو كما نرى نتاج إما لسوء تقدير وتحديد العلاقة بين قضايا الداخل وقضايا الخارج أو بعبارة أخرى نتاج خطأ فهم وتحديد العلاقة بين قضية الحريات والديمقراطية وقضايا الموقف من أعداء بلادنا الأساسيين ، وأما نتاج استدراج هذه القوى إلى الانصراف التام أو شبه التام إلى قضايا السياسة الداخلية أو بعضها ، لا لحلها ، بل لمجرد إزاحة الاهتمام بالقضية الوطنية والقومية. وإلا فليقل لنا أحد أين ذهبت المطالب – رغم تواضعها الشديد – التي رفعتها القوى الوطنية أثناء الغزو الأمريكي للعراق ؟ ما موقع هذه المطالب – أو المطالب الجديدة لمقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق والتهديد الأمريكي الصهيوني لكافة الشعوب العربية – وثقلها في حركتها الراهنة ؟ ما هو موقفها من المقاومة العراقية؟ ما هي واجباتها في دعمها؟ ما هي مطالبها في هذا ا لشأن من الحكومة المصرية ومن الحكومات العربية والجامعة العربية وشعوب العالم التي عارضت شن الحرب الاستعمارية الإجرامية على العراق .

لقد انكبت اغلب القوي السياسية – بما فيها المعارضة الوطنية- وبطريقة وحيدة الجانب علي ما يسمي الإصلاح السياسي والدستوري عازلة له عن القضايا الوطنية . ويحدث  هذا الانكباب والعزل ، إما وفقا لتصور مسبق عن إمكان إرجاء حل – أو الصراع حول حل – القضايا الوطنية ليجرى ما عساه أن يجرى بشأنها ، وقصر المرحلة على مسالة كسب الحريات وإجراء إصلاح سياسي ودستوري يوسع هامش أو حدود " الديمقراطية " ، وإما بدون تصور مسبق وإنما لمجرد استدراجها من قبل القوى التى تعمل بقصد على إزاحة اهتمام الجماهير بالقضية الوطنية والقومية .

ولعل أبرز ما يعبر عن سياسة استدراج واحتواء المعارضة الوطنية الديمقراطية هو طرح ما سمى الحوار الوطني بهدف الاتفاق على ميثاق " شرف" للعمل السياسي ،ذلك الحوار " الوطني " الذى يزيح جانبا القضايا الوطنية والموقف من أعدائنا ويحيلها مسبقا إلى نظام الحكم ليديرها كيفما شاء ووفقا لثوابت سياساته : العلاقات " الخاصة  " والاستراتيجية " مع عدونا الأمريكي ، خروج مصر من جبهة المواجهة العربية ـ الصهيونية ، الالتزام باستراتيجيات وسياسات البنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية ( الجات ) ....

لا يتسع المجال فى هذه الأوراق المخصصة للموقف من المقاومة العراقية للإفاضة والتفاصيل عن الإصلاح  السياسي والدستوري الجاري حوله الحوار " الوطني" بين الحكومة وعدد من الأحزاب والقوى السياسية ولا عن قضايا الحريات والديمقراطية كما نفهمها ونطرحها . لذلك نكتفي هنا بالتشديد على أن الأهمية البالغة التى تخطي بها مسألة الحريات والديمقراطية حتى تتاح افضل شروط وظروف تنظيم وتعبئة جماهير الشعب فى النضال من أجل الاستقلال السياسي والاقتصادي الكامل لبلادنا ومن اجل تطور داخلي سياسي واقتصادي وثقافي يحقق مصالح وحقوق الأغلبية وهى جماهير الطبقات الكادحة المظلومة ـ نقول إن الأهمية البالغة لمسألة الحريات والديمقراطية لا تتطلب اليوم ترك أو إزاحة القضايا الوطنية والقومية جانبا ، وإنما على العكس تتطلب استحضارها والتركيز عليها . فالعدوان قائم والتهديد بالمزيد منه قائم مشرع في وجوهنا . وليست الحرية والديمقراطية هدفا مستقلا فحسب بل هما أيضا ـ  وأساسا فى هذه المرحلة ـ وظيفة للنضال التحرري الوطني ضد الاستعمار والصهيونية . ولا توجد حقيقة  فرصة لتغير أو إصلاح سياسي و دستوري وحوار يستحق أن يسمي وطنيا بعيدا عن الاتفاق حول القضايا الوطنية والقومية . ولا يعرقل الإصرار علي القضايا الوطنية كما يزعم المغرضون كسب الحريات والديمقراطية السياسية ، وإنما هو علي العكس من ذلك الشرط الأول الذي يسمح بكسبها .

لذلك نجد لزاما علينا أن نذكَر بأن الاحتلال الأمريكي للعراق ـ حتى لو كان قد نجح في إخماد المقاومة العراقية تماما ـ يجعل مطلب جلاء  قوات الاحتلال الأمريكي ومقاومة هذا الاحتلال إحدى المهمات الأساسية المباشرة لكل قوة وطنية مصرية أو عربية حقيقية ، لا دفاعا  عن شعب العراق الشقيق فحسب بل وأيضا مقاومة للاستراتيجية الأمريكية لفرض حكمها الاستعماري المباشر ولفرض الوجود والتوسع الصهيوني علي كافة الشعوب العربية. إن واقع الاحتلال ـ حتى حالة إخماد المقاومة العراقية ـ يلزمنا كوطنيين أن نتخذ المواقف ونتبع السياسات الضرورية للضغط على أمريكا للانسحاب الفوري وغير المشروط مع دفع كافة التعويضات عن الخسائر والأضرار البشرية والاقتصادية التى لحقت بالشعب العراقي . أما فى حالة استمرار وصعود المقاومة العراقية كما هو الحادث بالفعل فان ذلك يلزمنا  باتخاذ اشد المواقف واعمق الإجراءات حسما وعزما ضد العدو الأمريكي لتشييد أوسع جبهة عربية وعالمية مساندة للمقاومة العراقية . فالمقاومة العراقية هي اليوم العامل الأول لا فى تقرير مستقبل العراق فحسب يل وأيضا المنطقة بأسرها . وهو ما يدعو كافة القوى الوطنية ـ مصريا وعربيا ـ إلى مساندتها ومساعدتها على التغلب على ما تواجهه من عقبات أو مصاعب على طريق تطورها .

 

عناصر القوة والضعف في المقاومة العراقية :

أولا : عناصر القوة :

تتمثل قوة المقاومة العراقية في العناصر التالية :

1- عدم توقفها بعد الاحتلال : لم تتوقف المقاومة العراقية المسلحة يوما واحدا بعد سقوط بغداد ونظام حكم صدام حسين . وهو ما يعني أن بعض القوي قد أعدت نفسها مسبقا أعداداً كافيا لمواصلة القتال فى ظل الاحتلال البغيض .وقد تبين أن جزءا أساسيا من هذه القوى ينتمي إلي حزب البعث وصدام حسين ، وأن جزءا آخر وأساسي أيضا ينتمي إلى قوى وطنية وقومية وإسلامية متعددة . ومما يدل على أن قوى أخرى غير البعث وصدام حسين كانت مهيأة ومستعدة لاستمرار المقاومة فور سقوط بغداد هو إعلان تشكيل إحدى منظمات المقاومة العراقية الهامة والأساسية فى نشاط المقاومة المسلحة الراهنة فى ذات يوم سقوط بغداد وهى منظمة الجبهة الوطنية لتحرير العراق وهى منظمة يتبعها اليوم عشرة منظمات إقليمية مسلحة فى المحافظات العراقية المختلفة . وبصورة متسارعة للغاية تشكلت العديد من منظمات المقاومة المسلحة المستقلة عن بعضها البعض وعن مقاتلي البعث . وقد نشر علي موقع المقاومة العراقية في الانترنيت الذى يغطي أخبار وفعاليات المقاومة العراقية بروافدها أن عدد المنظمات المستقلة عن البعث هو30 منظمة مقاومة مسلحة .

ويعد استمرار المقاومة دون توقف بعد سقوط بغداد عاملا أساسيا في تطورها اللاحق السريع ، إذا لم يعط لقوات العدد المحتل فرصة النقاط ألا نفاس والترتيب المنظم لحكم العراق أو الاستفادة السريعة من انتصاره العسكري وتطبيق مشاريعه الاستغلالية الاستعمارية والعدوانية سواء داخل العراق أو ضد الدول العربية الأخرى .

2- تطور المقاومة ميدانيا وتنظيميا : أجمعت كافة المصادر على أن المتوسط اليومي لعمليات المقاومة كان لا يقل عن 20-25 عملية حتى أول أكتوبر وبلغ عدد هذه العمليات مع أواخر أكتوبر نحو35ـ 40 عملية يوميا . وتؤكد المصادر بما فيها مصادر المخابرات الأمريكية بأن المقاومة العراقية جيدة التسليح ومنظمة بل لديها مجموعات وتنظيمات متخصصة التسلح أى مجموعات مسلحة بصواريخ أربي جي أر صواريخ سام 7 المضادة للطائرات وغيرها وتنظيمات ومجموعات مخصصة لمناطق محددة أو لضرب أهداف محددة كالتنظيم المخصص لتدمير منشأت النفط لحرمان العدو من الاستفادة به . وقد اعترف رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي ( حسب جريدة الأهالي 22/10 ) أن عدد القتلى من الجنود والضباط الأمريكيين يبلغ 300 فرد شهريا . أما المصابون فبالآلاف ، وهو حجم من الخسائر يقترب بسرعة من المستوي المؤثر على معنويات قوات الاحتلال والرأي العام الأمريكي . أما معايير التطور الأكثر أهمية فهو الاتجاه إلي تشكيل جبهة موحدة لمنظمات المقاومة . فقد أعلن تنظيم الجبهة الوطنية لتحرير العراق  يوم 2 أكتوبر الجاري تشكيل قيادة موحدة للمقاومة عقب أجراء اتصالات مكتفه مع عدد من التنظيمات المسلحة والمتطوعين العرب ، وشملت هذه الاتصالات مجموعات من " فدائي صدام " وكذلك عناصر حزب البعث غير الموالين لصدام حسين. وبذات الوقت اعترف قادة الاحتلال الأمريكي بتشكيل قيادة مركزية للمقاومة العراقية المسلحة . ويعتبر الهجوم الأخير للمقاومة في 26/10/2003 علي فندق الرشيد في قلب بغداد الذى كان الأمريكيون قد حولوه إلى ثكنة عسكرية شديدة التحصين ـ والذي نجا منه باعجوبة نائب وزير الدفاع ومهندس الغزو الأمريكي وولفويتز الذى كان فى زيارة لقواته فى بغداد ـ  دليلاً واضحاً على المستوى المتقدم والمبادأه التى باتت تمتلكهما المقاومة العراقية ، خاصة إذا علمنا أن المقاومة شنت هجوما فى ذات اليوم وفى توقيت متقارب مع الهجوم السابق على المجمع الرئيسي للقوات الأمريكية فى بغداد .

3- اتساع وتصاعد المقاومة السياسية الجماهيرية للاحتلال ونمو التأبيد والمساندة للمقاومة المسلحة ، والانحسار المستمر لدعوات التعامل والتكييف مع واقع الاحتلال التى تدعو إليها ما يسمى بالمعارضة العراقية لنظام صدام حسين فقدمت بذلك غطاء سياسيا ومعاونة مباشرة للغزو الأمريكي لوطنها . وتعامل أغلبية الشعب العراقي الأشخاص وممثلي القوى السياسية المشاركة فى مجلس الحكم الانتقالي الذى شكلته سلطة الاحتلال لمعاونتها على فرض واقع الاحتلال علي الشعب العراقي كعملاء وجواسيس للعدو أو " إمعات " في أخف التعبيرات . ولم يؤد الدمار الذى إلحقة المستعمرون بالعراق والعراقيين والمعاملة الوحشية العنصرية المنحطة أخلاقيا وحضاريا التى مارسها جيش الاحتلال مع أبناء الشعب نساء ورجالا وأطفالا إلا إلى تأجيج نيران الغضب وإشعال روح المقاومة بكل صورها والتي تصاعدت فى حماها المقاومة المسلحة . وتردد الآن فى العراق الدعوة إلى تشكيل الجبهة الوطنية الموحدة للمقاومة والتحرير ( نشرات التحالف الوطني العراقي).

لا يعني ذلك أن ساعة النصر باتت  قريبة جدا . فلا يزال الطريق شاقاً طويلاً . وقرب ساعة النصر مشروط أولا : بتضاعف الخسائر البشرية والمالية للاحتلال مقارنة بمستواها الراهن وبتفكك قدرة قواته على السيطرة علي مقاومة جماهير الشعب العراقي الغفيرة .
ثانيا : بالتصاعد والمد العالي للحركة الشعبية فى دول العالم عامة وفى أمريكا خاصة للمطالبة بجلاء القوات المحتلة . وهما يتوقفان بدورهما على المدى الزمني اللازم للتغلب علي العقبات والمصاعب التى لا زالت تعترض المزيد من تطور المقاومة العراقية وتحولها إلى حركة تحرير شعبية وطنية يشارك فيها مشاركة إيجابية شديدة النشاط كافة أبناء الشعب العراقي أو أغلبيته الساحقة علي الأقل .

ثانيا : نقاط الضعف الحالية للمقاومة العراقية :

1- العوامل الداخلية : رغم أن عمليات المقاومة المسلحة تغطي الآن تقريبا خريطة العراق كله وأن النضال السياسي ضد سلطة الاحتلال نشيط ومنتشر فى كافة الأقاليم العراقية باستثناء بعض مناطق الأكراد ، فإن تطور المقاومة المسلحة العراقية لا يزال تطورا متفاوتاً بصورة ملموسة بين الأقاليم والمحافظات العراقية . فهي مثلا شديدة التطور عالية التنظيم في الوسط وبغداد متواضعة التطور في الجنوب . وهو ما لا يزال يسمح للاحتلال بتركيز قواته ضد مناطق المقاومة الناشطة ويعرقل تحقيق الهدف الذي تبتغيه كل مقاومة شعبية مسلحة وهو تشتيت ونشر قوة العدو لتسهيل عمليات اقتناصها وأبادتها جزءاً جزءاً .

ويرجع هذا التفاوت إلى عدة أسباب . الأول : هو التأثير السلبي لكثير من المراجع والقادة العرقيين للمذهب الشيعي الذين وأن كان اغلبهم يرفضون الاحتلال الأجنبي إلا انهم لا يحبذون حاليا اللجوء للسلاح لمقاومته . والثاني : هو تورط بعض القوى ـ بالتعارض مع تاريخ بعضها القديم وأفكارها السابقة ـ فى التعاون مع سلطة الاحتلال ومعاونتها في محاولتها فرض الخضوع لواقع الاحتلال استمراراً لتورطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معاونة الغزو بحجة التخلص من الديكتاتورية واقامة الديمقراطية اعتماداً على اعتي وأشرس الديكتاتوريات وهي ديكتاتورية الاحتلال الأجنبي . هذه القوى تشمل للأسف الحزب الشيوعي العراقي ذا الدور التاريخي العريق والمشهود في الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وثورة 1958 . إلا أنه يبدو أن العصابة التى كانت تقود الاتحاد السوفيتي قبل أن تكشف وجهها المعادي للاشتراكية والتي كانت قيادة الحزب الشيوعي العراقي ترتبط بها كانت قد أفسدتها ، وإلا بما يفسر سلوك حزب من المفترض حسب مبادئه الاشتراكية التى يدعيها أنه العدو الأول فى العراق للاستعمار الأمريكي قيادة الرأسمالية العالمية والإمبريالية العالمية وأنه المدافع الأول الصلب عن الاستقلال الوطني للعراق ؟ ويعتبر ابتعاد أو حتى ضعف مشاركة القوي الاشتراكية في المقاومة العراقية من العوامل الأساسية في اعاقة تطورها ونضجها السياسي وبالتالي تطورها العسكري والميداني ، وذلك لأن ذلك يغيب الدور التوحيدي المنوط بالشيوعيين العراقيين بالذات بين القوى الوطنية وفصائل المقاومة المسلحة بحكم نظرتهم العقلانية المتخلصة من النزاعات والنزعات الطائفية والعرقية التى عانى ولا يزال يعاني منها الشعب العراقي وكذلك بحكم تمثيلهم المفترض للطبقات الشعبية أكثر الطبقات مصلحة وصلابة فى الكفاح الوطني الديمقراطي. حقا لقد انشق قسم من الحزب الشيوعي العراقى على قيادته المنحرفة مدينا اشتراك رئيسها حميد موسى في مجلس الحكم المعين من جانب الحاكم الأمريكي، وكون ما يسمى حتى الآن الحزب الشيوعي العراقي (الكادر) معلناً تأييده للمقاومة المسلحة منخرطا في صفوفها ، إلا أنه لا يزال هناك تنظيم شيوعي أخر هو الحزب الشيوعي العمالي غير منخرط في صفوف المقاومة المسلحة ويدعو إلى إقامة جمهورية إشتراكية لا ندري ولا يدري أحد كيف يمكن إقامتها – وبإفتراض جدلي أن جماهير الكادحين العراقيين باتت تأيد إقامتها – قبل طرد قوات االحتلال الأجنبي؟ وكيف يمكن طردها ؟ هل بالبيانات والمظاهرات وحدها ؟ إلا أن الاسوأ من ذلك قول هذا الحزب أن الحرب لم تنته ومستمرة بيد أن الحرب والقوى المتصارعة فيها لا تربطها بحقوق الجماهير أي رابط (16/10).

والعامل الثالث الذي يحد من تطور المقاومة العراقية هو خوف بعض القوى السياسة وفي مقدمتها تلك المشاركة في مجلس الحكم من الدور البارز الذي لا يزال يلعبه حزب البعث العراقي، وخاصة فريق صدام حسين، في المقاومة المسلحة إلى حد يجعل بعضهم يصفون المقاومين الأبطال بالإرهابيين والمجرمين وإلى تحبيذ إستمرار الاحتلال الأجنبي – ولو لفترة مؤقته كما يزعمون – حتى يتم استلام العراقيين (يقصدون أنفسهم) للسلطة بعد وضع الدستور وإجراء إنتخابات حرة . أنه نفس الموقف السابق الذي أنزلقوا به إلى طريق الخيانة الوطنية بمعاونة العدو على إحتلال بلادهم. فلعجزهم السياسي وضعفهم المعنوي لجأوا للاستعماريين المجرمين من قبل ليقوموا بدلاً منهم بالإحاطة بديكتاتورية صدام حسين، وهم اليوم يتوهمون إستلام السلطة ولعب دوراً بارزاً في حياة العراق السياسية بوضع دستور وإجراء إنتخابات "حره" في ظل الاحتلال. فأي دستور وأي حرية يمكن تحقيقها تحت سيطرة المستعمر الغاصب؟ لا تعايش بين الاستعمار والديمقراطية، ومنطق الاحتلال يناقض منطق الديمقراطية، والمحتل الغازي هو بالتعريف عدو كل ديمقراطية .

يقول أحد المعبرين عن القلة التي إنزلقت في العراق لطريق التعاون مع الاحتلال وهو حميد موسى عضو مجلس الحكم أن وسيلته إزاء واقع الاحتلال هو " الحوار " مع سلطة الاحتلال  حول وجود القوات المحتلة وانهاء هذا الوجود معتبراً ان المقاومة المسلحة توفر المبرر لاطالة امد الاحتلال ، قائلا إن رأس الأولويات هو معالجة الفراغ السياسي والأمني!!! لتطبيع الأوضاع وصولاً لإعداد مشروع الدستور وتهيئة أنتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة! ( جريدة طريق الشعب 20-26 /7 ورسالة الحزب في 23/10) .

ولدهشتنا البالغة استخدم واضعو مشروع التقرير  السياسي لحزب مصري وطني تقدمي هو حزب التجمع - والمزمع تقديمه الي المؤتمر الخامس للحزب – لغة الزمرة العراقية المتعاونة مع سلطة الاحتلال عندما اعتبر مشروع التقرير إن ما اسماه المقاومة " الحوارية" هو أحد أشكال المقاومة الوطنية الي جوار المقاومة المسلحة والسياسية ،اذ ينص "انطلقت المقاومة بأشكالها المختلفة المسلحة والسياسية والحوارية ضد الاحتلال الأمريكي منذ اللحظة الأولى " ، اليس هذا خلطاً للأوراق بين من يقاومون ومن يعاونون سلطة الاحتلال وتبرئة لمعاوني الاحتلال من جريمتهم ؟ ومن اعجب الحجج التي ترددها القلة المتورطة في التعاون مع الغزاة الغاصبين وبعض القيادات الدينية الممالئة للاحتلال الاجنبي القول بأن حمل السلاح ضد المحتلين غير جائز قبل استنفاذ الوسائل السلمية . فكل ذو بصيرة يعرف ان الوسائل السلمية قد استنفذت منذ اتخذت أمريكا قرارها باحتلال العراق ، وان الطلقة الأولى في عملية الغزو الأمريكي البريطاني قد وضعت السلاح الوطني العراقي في جدول الأعمال حتى يتم طرد كافة القوات المحتلة .

إن الاتجاهات المتوجسة من استمرار وتصاعد المقاومة العراقية المسلحة من جراء الدور الأساسي الذي يؤديه فيها حزب البعث وانصار صدام حسين تفقد كل مبرر بل تفقد  جدارتها وشرعيتها السياسية إذا اتخذت من توجسها ذريعة لانصرافها عن او عدائها  لطريق المقاومة المسلحة . أن صدام حسين والبعث العراقي بمواصلتهما لمقاومة المحتل الغازي – رغم أخطاؤهما بل جرائمهما فيما مضى – سيجددان جدارتهما وشرعيتهما السياسية في حين سيفقد كل من لا يساهم في مقاومة وطرد الإحتلال كل جدارة وشرعية ، ونذكرِّ الجميع بأن أخلص وأشرف العناصر والقوى الوطنية والثورية في مصر قد وقفت إلى جوار عبدالناصر في مقاومة العدوان الثلاثي 1956 وفي الأيام شديدة السواد والألم لهزيمة يونيو 1967 وأثناء حرب الاستنزاف 1968 – 1970 رغم أنه كان حاكماً ديكتاتورياً، ولم تمنع الشيوعيين منهم ذكرى شهدائهم في معسكرات التعذيب أو على أعواد المشانق في كفر الدوار وقوفهم معه ومع طاقمه في خندق واحد ضد العدو الأجنبي ، بل ووقوفهم إلى جوار أنور السادات في حرب 1973 وقبل أن يشرع في تنفيذ سياساته الاستسلامية مع العدوين الأمريكي والإسرائيلي. وعلى كل من يريد إقامة نظام حكم ديمقراطي في العراق وفي كل بلد نُكب بأية صورة من صورة السيطرة الأجنبية المباشرة أن يشارك مشاركة فعالة في حل أهم قضايا شعبة وهي تحريره من الغاصب المستعمر، فهذا التحرير والدور الفعال للقوي الديمقراطية الثورية  في إنجازه هي هما أساس كل تطور سياسي لاحق في هذه البلدان.

وبالطبع فإن من  أخطر قضايا المقاومة العراقية والوضع السياسي العراقي المشكلة الكردية . فالأكراد نحو خمس الشعب العراقي ، وقد غدوا طوال الأثنى عشرة الماضية مرتعاً للتخريب والنفوذ الأمريكي ولعبت اغلبيتهم تحت تأثير قياداتهم القبلية الرجعية دورا هاماً  في مساعدة الغزو الأمريكي تحت وطأة الاغراء بوعود كاذبة حول حقوقهم القومية في العراق. إلا أنه لدى الحركة الوطنية العراقية كافة الأدلة على خداع وكذب المستعمرين الأمريكيين وأنهم يستخدمون ويعتصرون من يتعاون معهم وأنهم في الحساب الختامي يصرون على الاستئثار وحدهم بالغنيمة، ويكون من أوائل ضحاياهم معاونيهم السابقين بعد أن يكونوا قد لوثوا شرفهم بلعب دور الجاسوس أو العميل فيفقدون بذلك كل مصداقية، وتستطيع القوى السياسية العراقية المتحررة من التعصب العرقي والطائفي أن تلعب دوراً هاماً في عزل عملاء الأمريكان في صفوف الشعب الكردي وفي الدفاع عن الحقوق القومية للأكراد في إطار الدولة العراقية الموحدة . ولعل في واقعة طلب أمريكا قوات تركية لمعاونتها على قمع الشعب العراقي والذي رفضه كل أبناء الشعب العراقي وفي مقدمتهم الأكراد عبرة للأكراد لكي يعرفوا  أن أمريكا لا تعرف إلا المصلحة الأمريكية الاستعمارية تحديداً وأنها تغذي الخلافات والتناقضات بين أبناء الشعب العراقي لتضرب الجميع بلا إستثناء.

2- العوامل العربية : رغم العقبات الداخلية التي لا تزال تواجه المقاومة العراقية على طريق تطورها إلى حرب تحرير وطنية عراقية شاملة، فإن أخطر العقبات والمصاعب الحالية- بعد التطور الكبير والملموس لعملياتها وتنظيماتها – هو ضعف – أن لم نقل غياب – الجبهة العربية السياسية – وليست العسكرية فقط – المساندة لها. فكافة الدول العربية أما عميلة أو حليفة للعدو معاونة له في حربة ضد المقاومة العراقية ، وإما خائفة من رأس الذئب الطائر كما يقال إلى حد لم تخجل معه الحكومة السورية من التصويت لصالح قرار مجلس الأمن الداعي إلى تشكيل قوات " متعددة " الجنسيات وتقديم الدول لمساهمات مالية في " أعمار " العراق مساندة للاحتلال الأمريكي وتمكينه من التغلب على المقاومة العراقية . وتموه ا لحكومة المصرية وغيرها من الحكومات العربية على عجزها عن مجرد المطالبة بجلاء القوات المحتلة العراقية برفع شعار تسليم السلطة للعراقيين في أقرب وقت ممكن. فهذا الشعار في حقيقته دعوة للعراقيين للتعاون مع المحتلين بدلاً من مقاومتهم، فالسلطة الوحيدة في ا