المثلَّث أحمر ومتَّسع

شبكة البصرة

سعد داود قرياقوس

لا ندرك ما وجه الصعوبة في استيعاب معادلة المقاومة البسيطة، القائمة على أنَّ الاحتلال الأجنبي لأيِّ بلد يخلق توأمه المضاد المتجسِّد بالمقاومة الوطنيَّة بكلِّ صيغها وأساليبها.

إنَّ دوافع المقاومة الوطنيَّة للاحتلال الأجنبي وضروراتها لا تنحصر في الاستفزاز الذي يشكِّله تواجد قوَّات أجنبيَّة في أراضي وطنيَّة فحسب، بل في مضمون الاحتلال وما يمثِّله من مصادرة  للخيار الوطني وسرقة لحياة الشعب المحتلِّ وتغيير سماته الحضاريَّة وهويَّته الوطنيَّة.

 وانطلاقًا من هذا الفهم لأبعاد الاحتلال ونتائجه، فإنَّ معادلات الاحتلال الأنكلو أمريكي للعراق لا تختلف عن تلك التي حدَّدت العلاقة التاريخيَّة بين الشعب المحتلِّ والقوَّة المحتلة، وبالتالي فإنَّ حتميَّة انبثاق المقاومة، بما فيها المقاومة المسلَّحة تغدو قضيَّة مشروعة وجديرة بالاحترام.

لقد تركَّزت الاستراتيجيَّة الإعلاميَّة لسلطات الاحتلال والإطراف العراقيَّة المرتبطة مصيريًّا بديمومة الاحتلال والكتَّاب المسوِّقين والمبرِّرين له على إنكار وجود مقاومة مسلَّحة ومنظَّمة، وعلى الطعن في شرعيَّة المقاومة ومبرِّراتها، وتزييف هويَّتها العراقيَّة. واستخدموا في تحقيق أهدافهم  صيغًا وأساليب لا تقلُّ سفاهة ومغالطة عن تلك التي استخدموها لتبرير حربهم اللاأخلاقيَّة على شعب العراق، واتِّهامه زورًا  امتلاكه أسلحة دمار شامل وغيرها من الصيغ التضليَّلية.

إنَّ إخضاع  الطروحات الهزيلة الرافضة لخيار المقاومة الوطنيَّة إلى بسط الاختبارات المنطقيَّة والعقلانيَّة سيثبت عجزها عن اجتياز تلك الاختبارات وبشكل مُزرٍ. لنتمعن في مسألة إنكار الوجود المنظَّم والفعَّال للمقاومة المسلَّحة. ففي ضوء ما تشهده مدن العراق يوميًّا من تصاعد حجم المصادمات والهجمات المسلَّحة على القوَّات الأجنبيَّة ونوعيَّتها، فإنَّ إنكار حقيقة وجود المقاومة  تشكِّل سذاجة ومغالطة عبثيَّة. هذه الحقيقة  تدعمها الخسائر البشريَّة والماديَّة للقوَّات الغازية التي تعترف سلطات الاحتلال بجزء يسير منها يوميًّا. كما تعززها تقارير اللجان الأمريكيَّة الرسميَّة التي زارت العراق خلال المدَّة الماضية، وبيَّنت حجم تلك العمليَّات ومخاطرها بوضوح كامل. وتعكس وجود المقاومة أيضًا تقارير المحلِّلين السياسيِّين والمراسلين العرب والأجانب العاملين في العراق والمعزَّزة بالصور والأفلام الوثائقيَّة.

العامل الأكثر برهانًا وحسمًا لوجود المقاومة الفعَّال، يتمثَّل في اعترافات المسؤولين العسكريِّين والسياسيِّين الأمريكان في وجود مقاومة منظَّمة ومتصاعدة. قائمة أسماء المعترفين طويلة، ابتداء من اعترافات قائد قوَّات الاحتلال في العراق ريكاردو سانشيز، وصعودًا إلى وزير الدفاع رامسفيلد. آخر الاعترافات، صدرت عن نائب وزير الدفاع بول ولفيويتز أبَّان زيارته الأخيرة للعراق، عبَّر فيها عن قلقه من تصاعد الهجمات على الجنود الأمريكيِّين، والتصريحات الأخيرة  للجنرال جون أبي زيد، قائد القيادة الأمريكيَّة الوسطى الذي اعترف  بالخسائر التي تلحق بقوَّاته جرَّاء عمليَّات المقاومة المستمرِّة، واعترافه بأنَّ المقاومة "تتكُّون بالأساس من بقايا النظام السابق وجماعة أنصار الإسلام". 

المسؤولون الأمريكيُّون إذًا، في أكثر من شهادة رسميَّة وتصريح إعلاميٍّ، اتَّفقوا واعترفوا بوجود المقاومة المنظَّمة. التباين الوحيد في شهاداتهم، يكمن في تقدير المعدَّل اليومي للعمليَّات المتراوح بين 17 إلى 25 عمليَّة. أمام هذه الشهادات والوقائع الدامغة، فإنَّ وجود المقاومة أمرٌّ مسلَّمٌ به، وإنَّ الإصرار على نفي وجودها لا يشكِّل سوى مغالطة واضحة ونقاش لا يمكن الأخذ به بجديَّة.

المحور الثاني لمغالطات حملة الخداع الشامل المتعلَّقة بالمقاومة العراقيَّة، تركَّزت على الطعن في شرعيَّة المقاومة. وقبل التطرُّق إلى تلك الاتِّهامات وتفنيدها، نودُّ الإشارة إلى أنَّ قرار مجلس الأمن الأخير  المرقم 1511 تضمَّن إدانة للتفجيرات التي شهدتها بغداد والنجف، معتبرًا إيَّاها عمليَّات إرهابيَّة. إلاَّ أنَّ القرار المذكور، لم يتطرَّق إطلاقًا إلى الهجمات التي تتعرَّض لها القوَّات الغازيَّة يوميًّا. فهل يمكن تفسير ذلك اعترافًا من مجلس الأمن بالشرعيَّة القانونيَّة للمقاومة العراقيَّة؟

لقد بادرت الإدارة الأمريكيَّة وحلفاؤها المحلِّيُّون بشكل متوقَّع إلى الطعن في شرعيَّة المقاومة والتشكيك في أهدافها ونتائجها. فوصفت عمليَّاتها بالإرهابيَّة والتخريبيَّة وبكونها مضرَّة بمصالح العراق الاقتصاديَّة والسياسيَّة، وبأنَّها تؤدِّي إلى إطالة أمد الاحتلال! 

الإشكال الجوهري في كلِّ تلك الطروحات، يكمن في إغفالها حقائق تاريخيَّة وقانونيَّة بالغة الأهميةَّ. فالمقاومة الوطنيَّة المسلَّحة للوجود الأجنبي لا تستمدُّ شرعيَّتها من تراخيص المحتلِّين أو من فتاوى المتعاونين معهم، بل من الحقِّ المشروع في الدفاع عن النفس والوطن، ومن أسس الانتماء الوطني ومبادئ الأديان السماويَّة وتعاليمها، ومن القوانين والمواثيق الدوليَّة التي لا تبيح شرعيَّة مقاومة الاحتلال الأجنبي فحسب، بل تطالب به. إنَّ المقاومة الوطنيَّة للاحتلال الأجنبي في العراق  تستمدُّ شرعيَّتها وحرَّيتها في التعبير عن رفضها للاحتلال بكلِّ السبل المتاحة من:

 

1. تقاطع الأهداف السياسيَّة والاقتصاديَّة الخبيثة للاحتلال وبرامجه الهادفة إلى نهب ثروة الشعب العراقي ومقدَّراته مع مصالح العراق الوطنيَّة والقوميَّة. 

2. المحاولات الرامية لتغير الهويَّة الوطنيَّة والقوميَّة للعراق، وتهميش دوره الإقليمي وتحجيمه.

3. ما يمثَّله الاحتلال من إلغاء لسيادة دولة العراق ومصادرة خياراته الوطنيَّة وحقِّه في العيش الحرِّ الكريم.

4. انتفاء الأسس الشرعيَّة والأخلاقيَّة للاحتلال، واستناد الحرب التي قادت اليه على مبرَّرات ومزاعم كاذبة.

5. الممارسات القمعيَّة اليوميَّة لسلطات الاحتلال وما تتعرَّض له مؤسساته من نهب واستباحة قذرة.

6. أخطار احتلال العراق والتواجد الأجنبي على أمن الأمَّة العربية والمنطقة واستقراهما.

 

لكلِّ ما تقدَّم، فإنَّ المقاومة الوطنيَّة العراقيَّة المسلَّحة لوجود الاحتلال وبرامجه ومؤسَّساته، تتوفَّر فيها كلُّ مقوِّمات الشرعيَّة الوطنيَّة والدوليَّة.

ولا تقل الاتِّهامات التي وجَّهتها سلطات الاحتلال ومسوِّقو أفكاره إلى هويَّة المقاومة مغالطة وشراسة عن تلك التي وجِّهت إلى شرعيَّة المقاومة ووجودها. لقد عمدت حملة الخداع الشامل على تزييف الهويَّة الوطنيَّة للمقاومة، ونفي الصفة العراقيَّة عنها، باستثناء نسب بعض العمليَّات إلى من أطلقوا عليهم: "بقايا النظام السابق وبقايا حزب البعث وبقايا تنظيمات الحرس الجمهوري وفدائيُّو صدَّام والأجهزة الأمنيَّة". وتركزَّت استراتيجيَّة إلغاء الهويَّة العراقيَّة للمقاومة على وصفها كنتاج "للمخرِّبين العرب المتسلِّلين عبر الحدود، والمجموعات السلفيَّة الوهَّابيَّة وأعضاء منظَّمة القاعدة والمنظَّمات الإسلاميَّة الأصوليَّة الأخرى"، وغيرها من الاتِّهامات البائسة دون تقديم أيَّة أدلَّة ثبوتيَّة على وجود مثل هذه المجموعات داخل العراق.

ولنفترض جدلاً وجود المتطوِّعين العرب والمسلمين في العراق. إنَّ الأمريكيِّين  والبريطانيِّين والإسرائيليِّين والبولنديِّين والدانمركيِّين والإيطاليِّين والأسبانيِّين والتايلنديِّين وغيرهم من الأجانب، يدَّعون لأنفسهم تحت مبرِّرات كاذبة حقَّ احتلال العراق واستباحة شعبه العربي المسلم وإهانته، لذا فللعرب والمسلمين والآخرين من المؤمنين بقيم الإنسانيَّة والعدالة الحقُّ في الدفاع عن شعب العراق وعن القيم الإنسانيَّة، وإحباط المخطَّط الاستعماري الأمريكي قبل توسُّع مخاطره.

وسعت الحملة أيضًا إلى تسويق فكرة انحصار عمليَّات المقاومة في مناطق جغرافيَّة ذات أكثريَّة عربيَّة سنيَّة أو ما أطلقوا عليه: "المثلَّث السنِّي". 

إنَّ حصر ساحة المواجهة العسكريَّة في المناطق ذات الأغلبيَّة السكانيَّة السنيَّة مغالطة واضحة لها أبعادها العنصريَّة والطائفيَّة وتدحضها وقائع العمليَّات اليوميَّة. فعلى الرغم من تركُّز المقاومة في تلك المناطق، ولأسباب لا تخفى عن القارئ المطَّلع ، إلاَّ أنَّ المناطق المعروفة بثقلها العربي الشيعي ككربلاء والنجف والبصرة والإسكندريَّة والمحموديَّة والعمارة ومدينة الثورة ومناطق أخرى من  بغداد تشهد أيضًا بشكل يوميٍّ معارك ومصادمات بطوليَّة ضدَّ قوَّات الاحتلال.

وإذا كانت سلطات الاحتلال قد نجحت ولأسباب مختلفة في التحييد الجزئي والمؤقَّت لقوَّة عراقيَّة جبَّارة، انطلقت من رحمها ومن مناطقها ثورات العراق الكبرى، فإنَّ السيطرة على الموقف الوطني لجماهير تلك القوَّة لوقت طويل مسألة مستحيلة. فكرامة العراقيَّين ومقدَّساتهم وتاريخهم المعروف لا يسمح لهم أن يكونوا عبيدًا لأقوام هجينة منحطَّة.

 هذه الاتِّهامات الشاذَّة  الموجهة للمقاومة العراقية الباسلة ما هي إلاَّ جزء من حملة الخداع الشامل التي أطلقتها وما تزال الإدارة الأمريكيَّة لتمرير مشروع احتلال العراق والسيطرة على ثروته النفطيَّة وتحقيق الحلم التلمودي بإقامة دولة إسرائيل الكبرى. فربط المقاومة العراقيَّة بالإرهاب يتيح للإدارة تبرير التواجد الأمريكي في العراق والمنطقة، ويبرِّر أيضًا التخصُّصات الماليَّة للأنفاق العسكري، وفوائده المباشرة على أركان الإدارة والشركات التي أوصلتهم للبيت الأبيض بشكل لا ديمقراطي.

إنَّ الخيارات الوطنيَّة التي يواجهها الفرد العراقي ومنظَّماته السياسيَّة ومؤسَّساته الاجتماعيَّة واضحة المعالم. إمَّا الالتزام بمتطلَّبات المسؤوليَّة الوطنيَّة والتصدِّي للاحتلال بكلِّ الوسائل المتاحة، أو القبول بتواجده وقبول مبرِّراته والتعايش معه، وتحمًّل تبعات هذا الموقف ومواجهة أجيال العراق القادمة.

إنَّ المقاومة الوطنيَّة للاحتلال قائمة وفعَّالة، وتتوفَّر فيها كلُّ مقوَّمات الشرعيَّة الوطنيَّة منها والدوليَّة . وهي مقاومة أصيلة كأصالة دجلة والفرات . وإنَّ مستقبل العراق السياسي وإنهاء الاحتلال البغيض ومؤسَّساته الذليلة لن تحدِّده كتابات الانفصاليِّين والحالمين بدولة المدن الطائفيَّة، بل ستحدِّده عقول المدافعين عن الوطن وعزَّته وكرامته ووحدته وسواعدهم وتضحياتهم. مستقبل يحدِّد ملامحه المستقبليَّة أبناء مثلَّث العراق. المثلَّث الأحمر المتَّسع.

شبكة البصرة

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس