حبيبتي بغداد

شبكة البصرة

عمر شبلي

بغدادُ لاتعتبي لاينفع العتبُ

على قميصك من قومي دمٌ كذبُ 

 نبكي عليك ونحن القاتلون، وقد

يكون خلف خداع الدمعةِ الأربُ بغدادُ : لا تخلعي الجرحَ الجميلَ إذا   

أضحى ضمادكِ مما ينسج العربُ

أنتِ الأشدُّ حضوراً كلما اجتمعوا

وكلما حاولوا أن تُمسحَ الرتبُ  وكلما عقدوا للذلِّ مؤتمراً

أعضاؤه النفطُ والكرسيُّ واللقبُ

وبين قتلاكِ يا بغدادُ قمّتُهمْ

بعض الحكومات تزني ، وهي تعتربُ

أشعلتُ أضرحةً حتى أرى وطناً

يكاد من سوْءةِ الحكّام يحتجبُ  أتيتُه عارياً ، والآن أتركهُ

كما ترى عارياً ، لا خيلَ لاذهبُ

*******

بغدادُ : حزنكِ في نيسانَ مزّقني

وأقتلُ الحزنِِ ألاّ يحزنَ العربُ

حملتُ حزنــَكِ يا بغدادُ في رئتي

حتى كأني لشبـّاباته قصبُ

خاصرْتُ نهرَكِ حتى صار من جسدي

أنا وأنتِ على عشقٍ , ولا رِيـَبُ

وكيف يرتابُ من كانت عروبتهُ

نقيـّة ً، لم يدنسها دمٌ كذبُ

لن يعثرَ الحقُّ في داجي مسيرتهِ

حتى ولو خانه من كان يصطحبُ

حنت قبابُكِ يومَ الذاريات على

جراح من سقطوا فيكِ وما هربوا

يا للقبابِ إذا أحجارها حدَبتْ

وليس عند بني أعمامكِ الحَدَبُ

بغداد جئتكِ من أعماق آسيـةٍ

والشيبُ في لمتي كالنـار يلتهب

من أجل عينيك يا أختاهُ أسئلتي

قبرتها في ضلوعي وهي تصطخبُ

غسلتُ في دجلةٍ حمرَ الجراح، وهل

تبرا الجراحُ إذا لم يبرأ السببُ

ما زال يا أخت في الأعماق أمنيةٌ

تغلي وتبرز أحياناً وتنتقب

أين "الرصافةُ" و"ابن الجهمِ" إذ جلبت

له عيونُ المها ما يجلب العطبُ

أين" الشناشيلُ" تروي، وهي عابقةٌ

حكاية "ابن زريقٍ" وهو يغتربُ

يستودع الله في بغدادهِ قمراً

"بالكرخ" في فلك الأزرار يحتجبُ

عاشت بها شهرزادٌ ألفَ ليلتها

وليلةً لم يكن في أفقها شهبُ

تناوبَ القصفُ نهراً ماؤهُ كتبٌ

وبعضَ مكتبةٍٍ ، آثامها الكتبُ

والنهرُ يشبه دمعَ الأمهاتِ بها

كأنه من عيون الثكل ينسربُ

يقاتلون قبورَ الأولياء بها

يا للقبور غدَتْ تُغزى وتنتهب

هذي القبور التي تُغتالُ كان لها

نجمٌ له فوق عموريةٍ ذنب

أنا حبيبكِ يا بغدادُ ، آنَ لنا

ألاّ نقرَّ، وفي أجسادنا عصبُ

لا "الموصليُّ" ولا"زريابُ" فيكِ ولا

" هارونُ" يُجبى إليه الغيمُ والسحبُ

ولا "النواسيُّ" أقوى من خلاعته

دَنُّ يرى روحه في كفّ من شربوا

أين الندامى ومن دار الزمان بهم

وأين خمّارةٌ ، قنديلها الحَبَبُ

وأين "مأمونها" في "بيت حكمتهِ"

ليسوا هناك و"إخوان الصفا" ذهبوا

من ألفِ ليلتها تروي حكايتها

خلف الشناشيل، والسمارُ ما تعبوا

هذا الدمارُ دمقراطيةٌ، جلبوا

إلى مرابعنا من بعض ما جلبوا

أقسى الدمار الذي تخفيه أقنعةٌ

دمُ الشعوب به المسلوب والسَلَبُ

تظلّ خاتمها المسحورَ تفركه

لكي ترى مارداً في الساح ينتصبُ

مطالبٌ أن يكون الفجرُ في دمهِ

مطالبٌ أن يكون البأسُ والغضبُ

لبيكِ لبيك لا سحرٌ ولا كذبٌ

أنا الفدائيُّ للنهرين أنتسبُ

تظلّ في ساحة التحرير خافقةً

به، ويُغلَقُ فوق الراية الهدُبُ

وقال لن يتشظى هكذا وطني

أنا الشظايا، وفي شدّ االعرى طنبُ

غداً إذا حّدثوه عن شوارعها

يكاد من فرحةٍ من قبره يثب

هذا الذي رغم ما قد سال من دمهِ

يظلُّ من شعبه في جرحه غضبُ

كل النياشين في جمراته احترقتْ

لِشِسْعِ نعليـْهِ ليستْ تصعد الرُتَبُ

لفتيةٍ آمنوا بالأرض أرفعها

صلاةَ جرحٍ له في أهلها نسبُ

بعمقِ أمتهمْ يستنجدون ولا

يروْن إلا رياحَ الغدرِ تقتربُ

قربى سلِ الجرح َعنها وهي موثقة

إن الوفاءَ لها أمٌّ لها وأبُ

صاروا شظايا لكي لا يؤسروا أبداً

منهم تملك قلبي العُجْبُ والعَجَبُ

دفنتهم في ضلوعي صرتُ قبرهم

ما أروعَ القبرَ للثوار ينتسبُ

ذنبُ الرجالِ بأنّ الأرضَ تشبههمْ

ذنبُ النخيل هو الجمارُ والرُطَبُ 

*******

بغدادُ لا تلبسي إلا حوائجهم

غداً تقومين لا جرحٌ ولا وَصبُ

بغدادُ ما اتسخت أكمامُ نخلتها

ولم يكن من جناها العقمُ والكربُ

بغدادُ لا تعتبي لا ينفعُ العتبُ

على قميصكِ من قومي دم كذبُ

ترين حكّامَ ذلٍّ أجروا دمنا

وأجّروا أأرضناا، ولتسلمِ ألخطب

أدير وجهي إلى بيتٍٍ يدنسه

ليس الأمركان لكنْ هكذا عربُ

عاد الربيعُ لسامرا ومعتصمٍ

ونحن ننطر حتى ينضج العنبُ

بيع المآذن في سوق النخاسة قد

غدا بدايةَ إصلاحٍ كما طَلبوا

يحلل النفطُ آبارَ الدماءِ لهم

وهل سمعتَ بنفطٍ للونه خضبُ

والحاكمون على أحلامنا جلسوا

تلك الكراسي لها من عظمنا خشبُ

لا يخجلون إذا صارت كرامتهم

تحت الحذاء الذي مسمارُه ذهبُ

سلْهُمْ لماذا تكون النارُ أمنيةً

على الذين إذا ما وُوثبوا وَثبوا

فينا طغاةٌ وعند الأجنبيِّ دُمىً

طبعُ الطغاةِ إذا ما وُوجهوا انسحبوا

سراتهمْ راودوا بغداد عن شرفٍ

لما استبدّ بها الإملاق والسغبُ

خسئتمُ إنها عرباءُ خالصةٌ

ما زال في دمها قحطان أو كَرَبُ

سَراتُهم راودوها عن مآذنها

ألاّ يظلّ بها فجرٌ ولا قِبَبُ

والبعضُ دلّ على المفتاح أبرهة

وبعضهم من دماها جهرةً شربوا

من كل رخوٍ خصيٍّ تحتَ سرّته

فتقٌ تدفّق منه النفطُ والذهبُ

خذ شعبه واترك العرش الجبانَ له

طاغٍ يحركه طاغٍ ومغتصبُ

تظلُّ تنتظر الساحاتُ غيبته

أقلُّ ما قيل فيه : صدقه كذبُ

وينفقُ الشعبَ كي يرضى الكبارُ ولا

يرضى الكبارُ إلى أن ينفدَ العربُ

*******

يا ابن العراق وفيما بيننا رحمُ

موصولة وذمامٌ ليس ينقضبُ

الشعبُ أنت وأنت الأرضُ ثانيةً

وأنت أنت النهائيُّ الذي يهبُ  وأنت من ملأ الساحات أقنعةً

وأنت منْ قلبه في شعبهِ يجبُ

لا تبتئسْ إن موتاً لا يطيح بنا

مثلُ الحياة التي ترُجى وتنتخب

إقحم وحقك لن ألقاك منهزماً

فالموتِ يصبح موتاً حين تنسحبُ

والنار ما لبست يوماً عمامتها

إلا إذا انشقّ عن دخانها اللهبُ

يا ابن الذين إذا طال المسير بهم

لا يستبدُّ بهم يأسٌ ولا تعبُ

ولا نقولُ لجرحٍ لا ضمادَ له

لو أنه بضماد الذل يعتصبُ

لا يعظمُ الجرحُ إلا في قضيته

وليس يبرأُ إلا حين يختضب

وأنت أجملُ وجهٍ ليس يعجبهم

لأنه يعجب الناسَ الذين أبوا

*******

أنا أخوكَ، وبي من أرزةٍ شممٌ

لا النسرُ يبلغ أقصاها ولا السحبُ

تخلصت منذ "خمبابا" من الجسدِ

الـــشرير وامتدَّ "أنكيدو" كما يجبُ

للآنَ "كلكامشُ" الطينيُّ يندهه

ولا يزال خلودُ الأرزِ يرتقب

دعنا نغن معاً في ليل محنتنا

فلا يحل لنا يأسٌ ولا تعبُ

إذا الأغاني على أفواهنا اشتعلت

يكون من جسد الطاغي لها حطبُ

يا ابنَ الفراتيْنِ ، لابلوى بدائمةٍ

إذا تكاملَ في إنسانها الغضبُ

والنارُ تأكل مذ كانت عناصرها

والمجد يحميه لا نفطٌ ولا ذهبُ

عمر شبلي – البقاع ـ لبنان ـ آذار ـ 2004