بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

شربت الحاج زبالة... رُوّاده ملوك وزعماء وأدباء

شبكة البصرة

إعداد د أكرم عبدالرزاق المشهداني

من منا لم يَسمع بالحاج زبالة و(شربته) الشهير، شربت زبيب العنب، كثير منا تذوَّق طعم شربت الحاج زبالة، في شارع الرشيد (تحديدا عند منطقة الحيدرخانة).. فلا يُمكن أن تُذكر حيدر خانة شارع الرشيد إلاّ ويُذكر معها شربت الحاج زبالة!! ومعه (كعك السيد) و(كبة السراي) وقد يضيف آخرون (كباب الإخلاص) و(كاهي المتنبي)!!..


للأسف فقد تغيّر حال شارع الرشيد بأعمدته المنقوشة، وشرفاته المعدنية الرائعة، فهو آخذ بالذبول والإندثار، نتيجة الإهمال والهجران..

وأصحاب المحال يقضون أغلب أوقاتهم منغمسين بالتنظيف، عيونهم ترقب المقاهي المهجورة والمخابز الخاوية، التي كانت تكتظ بالزبائن، وباتت أعمدة الرشيد تميل إلى السواد بفعل الزمن والإهمال..!

احد أولاد العم الحاج عبدالغفور(الحاج زبالة)


من بين تلك المشاهد الحزينة، يطل محل الحاج زبالة للمرطبات. إذ يُعد محل الحاج زبالة من أشهر محلات بيع العصير في العراق، حيث تأسس عام 1908 في موقعة الكائن مقابل جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد (مقابل كعك السيد).


ذاع صيت شربت الحاج زبالة، وانتشر بسبب الجودة والاخلاص في العمل وللمذاق الراقي والرائع لهذا العصير الذي شرب منه الملوك والزعماء والرؤساء والأدباء على مر العصور، وبالرغم من كونه يقدم أكثر من نوع من العصائر وكان أول محل مرطبات يصنع "الدوندرمه" في العراق، لكنه تخصص حصرياً بصناعة شربت الزبيب المميز بنكهته الخاصة.


ربما يتساءل البعض عن سبب تسمية المحل بهذا الاسم (زبالة)؟ يقول إبن الحاج زبالة أنه كما هو معروف لدى أجدادنا حين لم يكن يعيش لديهم طفلا ذكرا فيعمدون إلى استخدام هذه التسميات لحماية الوليد من شر أعين الآخرين. وهذا ما حصل للمرحوم عبدالغفور (الأسم الحقيقي للحاج زبالة) حيث أن والدته كانت كل مرة تلد مولودها تفقده إما بسبب مرض او لاسباب اخرى، لذلك اقترحت عليها نساء المحلة أنها عندما تلد مولودها، وحين يسألها أحد عن الولد، تقول لهم (هذا زبالة!!)، لكي تبعد عنه الحسد واعين الناس، وفعلا رزقها الله بمولودها عبدالغفور، وعملت بنصيحة جاراتها حيث أطلقت عليه أمام الآخرين تسمية (زبالة) ولكنه في السجلات الحكومية إسمه (عبدالغفور) وهذه هي قصة الحاج زبالة وهذا الاسم الذي يستغربه الكثيرون وبكل بساطة وبلا اي رتوش. وتلك هي افكار الناس البسطاء ناس ايام زمان الذين يتسمون بالطيبة.

يصر إبن الحاج زبالة على أن الشراب الذي اختصت به العائلة هو عنب خالص لامنكهات فيه. ونال استحسان العائلة المالكة والممثلين والمطربين والراديكاليين الاسلاميين والجنود الاميركان، وعلى مر السنين كان دكان الحاج زباله مرآة لبغداد. ولكن للأسف لم يعد العالم خارج الدكان في هذه الايام مثلما كان في ذروة ايام العمل.

يقول إبن الحاج زبالة أنه بدأ بمرافقة والده إلى المحل منذ كان عمره ست سنوات وذلك في عقد الخمسينات. وهو الآن يمارس هذه الصنعه حتى اليوم. لكنه أدخل المكننة في تصنيع العصائر بعد وفاة والده بعد أن كانت جميع مراحل تصنيع العصير تتم بشكل يدوي.

 

وعند سؤاله عن ما هو مصدر الزبيب الذي يستخدمونه؟

قال أنه يقتصر على الزبيب الذي يستخدمه على المنتج في شمال العراق في مناطق خوشناو في أربيل وبعض مناطق السليمانية. وهو الأصلح لصناعة شربت الزبيب.

الملوك والرؤساء رواد الحاج زبالة:

وعن أهم زبائن المحل من الشخصيات المعروفة التي ترددت على محل الحاج زبالة، ذكر ولده بأن أشهرهم الملك غازي يرحمه الله والملك فيصل الثاني والمرحوم نوري السعيد.. والمرحوم عبد الكريم قاسم والمرحوم عبدالسلام عارف، وكبار ضباط الجيش والشرطة عند خروجهم من وزارة الدفاع ومديرية الشرطة العامة، فيما كانت الملكة عالية والدة الملك فيصل الثاني ترسل سائقها ليشتري لها الشربت.. ومن الأدباء والمفكرين يتذكر مصطفى جواد وعلي الوردي وآخرين. وعموما، فإن معظم مفكري العراق والطبقة الراقية من أدباء وفنانين كانوا يلتقون في مقهى حسن عجمي القريب من محل الحاج زبالة، ومعظمهم كان قد مر بالمحل وتذوق شربت العنب..    ويذكر أن نوري السعيد رئيس الوزراء لعدة مرات، كان يقف في الجانب الاخر من الشارع ويقوم الحاج زباله بنفسه بايصال قدح العصير اليه.

وكان عبدالكريم قاسم أشبه بالزبون اليومي الدائم للمحل.

وقد اختص هذا المحل بتقديم سندويشات (جبن العرب) اللذيذة مع شربته ذي المذاق الفريد، وهو ما جعل معظم رواده يختارون تناول فطورهم هناك او فى الاقل ارتشاف كأسين من شربت زبالة قبل ذهابهم الى العمل.

 

المظاهرات لاتقفل المحل:

لقد شهد شارع الرشيد الكثير من الأحداث والمظاهرات على مدى تاريخ العراق لكن لم تجبر إحداها الحاج زبالة على إقفال محله، بل على العكس ففي أيام المظاهرات كانت مبيعات الشربت تزداد وأحيانا كان صاحب المحل يقدم العصائر مجانا للمشاركين. ولعل أشهر المظاهرات هي التي شهدها الشارع في فترة حكم "عبد الكريم قاسم"، فلم يكن يمضي شهر دون مظاهرة أو مظاهرتين!. وكان الحاج يستعد لهكذا مناسبات ويعد كميات كبيرة من العصير حيث كان يتم الأعلان عن موعد المظاهرة.

محل لايغلق حتى الصباح! محل شربت الحاج زبالة كان في السابق وطيلة عقود إشتغاله (لايغلق!)، وكان مفتوحا لأربعة وعشرين ساعة. وكان المحل يستقبل في الأوقات المتأخرة المسافرين وجمهور السينمات والملاهي التي كانت تعج بها منطقة الميدان

 

صدام شرب من شربتنا و"المقاومة" لم يتخلفوا عن الدفع!

يروي إبن الحاج زبالة أن صدام حسين في أيام شبابه كان يحب عصير الزبيب من محل الحاج زبالة، وكان صدام يدفع لأفراد الإنضباط في المرّة التي سُجن فيها عام 1964 أو 1965 في السجن رقم (1) لكي يجلبوا له قناني عصير الحاج زبالة الى زنزانته...

كما يروي أن مقاتلي المقاومة العراقية عندما هيمنوا على شارع الرشيد بعد غزو العراق فترة من الوقت، فانهم كما يقول" كانوا يقدمون للمحل ويشربون العصير هنا" ويضيف في اقرار للحقيقة" انهم على الرغم من صلابتهم.. كانوا دائما لا يتخلفون عن الدفع


الجنود الأمريكان وشربت الحاج زبالة:

تكلم عبدالغفور أبو أحمد عن ذكريات المحل بعد غزو العراق، حيث كانت همراتهم المارة بشارع الرشيد تتوقف ليشرب الجنود عصير الزبيب، وأنهم وبعد كل قدح من العصير كانوا يرفعون ابهامهم استحسانا.

 

محل الحاج زبالة متحف للصور التاريخية:

الزائر لمحل شربت الحاج زبالة، يلاحظ هوس العائلة بالماضي، وبالأخص ماضي شارع الرشيد، فهناك العشرات من الصور بالابيض والاسود معلقة على الحيطان الوردية. وهناك صورة معلقة للحاج زبالة الذي حمل الدكان اسمه، مبتسما وشفتاه مزمومتان.

كما تروي الصور قصة عمل عائلة ابتدأ في عام 1900، مع تشكل جادة الرشيد التي بدأها العثمانيون واكملها البريطانيون عام 1917 وهو ما أعطى بغداد شارعها الحديث الاول. ولشارع الرشيد مقاهيه ودكاكينه واسواقه وفيه مقرات وزارات حكومية. وكان الحاج زبالة وعماله يدقون على الصواني المعدنية ويغنون لجذب الزبائن. وكان الناس اذا ارادوا الاحتجاج على الحكم البريطاني فانهم كانوا يتجمعون على هذه الجادة وهم يعرفون دوما انهم سيرتشفون قدحا من عصيره العنبي.

وتروي الصورالمعلقة على حائط الدكان ايضا قصةَ ايام بغداد التي ولت منذ مدة طويلة: حافلات بطابقين ملأت الشوارعَ مرّة؛ ساحة الفردوس عندما كان يزينها قوس معدني عملاق للجندي العراقي المجهول. وهناك صور لفرق كرة القدم في بغداد ولممثلين عراقيين تألق نجمهم في الكوميديا الشعبية في الخمسينيات، ولمغنين مشهورين بالحانهم الحزينة.ولكن ليس هناك من صور لشخصيات اليوم السياسية في الدكان. ولا توجد صورة لصدام حسين ايضا. وعند سؤال ابي احمد عن السبب، يجيب "لا احد من المسؤولين يقدم الينا، فلمن اضع صورة؟".,, ويضيف نابذا الفكرة"هم لا يعرفون شيئا عن عصيرنا"، ولا يرى ان ثمة شيئا يدعو للابتهاج في بغداد هذه الايام. فاثار الطلقات في اعلى البنايات ونقاط التفتيش والكتل الكونكريتية التي لونها مثل شواهد القبور قد عزلت احياء بغداد.


وبالرغم من إمتلاء شارع الرشيد بمحلات عصائر الفواكه، التي تستخدم أحدث خلاطات الفاكهة، تزين محلاتهم أهرامات من البرتقال والتفاد وشدات الموز، لكن أحفاد الحاج زبالة متمسكين بشربت العنب المتميز، ويحصل المحل على عنبه من كردستان العراق في الشمال ويسافر افراد عائلته الى محافظة اربيل عدة مرات في السنة الواحدة للبحث عن الكروم. وكانوا يعصرون العنب بايديهم لكنهم في التسعينيات صمموا ثلاث مكائنَ فضيةَ لتقوم بالمهمة. ويحتقر أبو أحمد الطرق المختصرة التي يتبعها صنّاع العصيرِ الآخرون. ويقول "نحن نستخدم كميات كبيرة من العنب، اما الاخرون فيضعون مساحيق، نحن نحب ان نحافظ على سمعتنا ومن السهل ان نخسرها".

وتؤمن عائلته ان للعصير قدرة على الشفاء فهو مفيد للجلطات والصداع وفقر الدم واضطرابات المعدة وامراض القلب، نظرا للفوائد الكثيرة التي يوفرها للجسم. فهو يعمل على توسيع الشرايين و يسهم في تنشيط الذاكرة ويلعب دورا كبيرا في علاج أمراض الكبد.

أتذكر أنني في أيام رمضان المبارك كنت متعوداً على السحور بشربت الحاج زبالة مع الصمون البغدادي الحار بالسمسم، وكانت دارنا في الكرخ لايفصلنا عن الحاج زبالة سوى الجسر... والمحل مفتوح للصباح، فصار شربت الحاج زبالة لازمة من لوازم رمضان..


إذا ذُكِرَت بغداد ذُكِرَ شارع الرشيد،

وإذا ذكر الرشيد فلا بد أن يُذكر شربت الحاج زبالة!..

إنه مَعْلَمٌ بغدادي خالد لن يزول بفضل وفاء الأولاد لوالديهم وأجدادهم..

وإشتياق البغداديين لتراثهم الخالد.

رحم الله الحاج عبدالغفور (زبالة) وبارك الله بمن حافظ على تراثه ومهنته وسمعته...!!

 

وأخيراً

حين نتذكر أيامنا البغدادية العريقة، يتحد المكان والزمان في العقل والضمير.. يصيران حركة، وجوداً متعّيناً، كل جزئية منه تنتمي إلينا، وتنضم إلى ذاكرتنا الدربونة البهية، و(الطرف) المفعم بالبهجة، فضاءات الكرخ والشهداء وجامع حنان عبورا إلى السراي ورائحة الكتب الزكية مرورا بكبة السراي.. مرورا بالمتنبي بكاهيهه وكباب إخلاصه، والمطابع تدور، ومكتبات فخمة تضاهي أرقى المكتبات، مرورا بالحيدرخانة وكعك السيد وفرن الصمون الذي نسيت إسمه، ثم أمامنا رائحة عطر الزبيب الذي لم أجد من يتقن عصره إلا المرحوم عبدالغفور الشهير بـ(زبالة)، تلك ذكرياتنا وأيامنا الخوالي التي ترفض أن تغادر الذاكرة... دنيا الكرخ، ليس ثمة من شذرة سائبة، أو لحظة غائبة، أو ذكرى عائمة، فلكل واحدة منها كياناً، رسماً، دلالة و رمزاً، جذراً عميقاً يمتد إلى الأفئدة والعقول. شكرا أخي فؤاد فقد أوقدت في القلب شعلة الذكريات التي لايمكن أن تنطفئ بسهولة... فكل خلية منها تعادل دورة حياة كاملة، فتصنع عوالمنا الجميلة البهية...لا أظنها تلك الأيام تعود بنكهتها ورائحتها ومعانيها!ء

شبكة البصرة

الجمعة 27 جماد الثاني 1433 / 18 آيار 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط