بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

البصرة.. قمع للمتظاهرين ودعوات أممية لتجنب العنف

شبكة البصرة

البصرة، عاصمة ثروات العراق ومنبع غالبية نفطه، وبعد قرابة الثلاثة أشهر من بدء المظاهرات الشعبية الحاشدة المطالبة بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، لم تنجز الحكومتان المحلية والمركزية ما يهدأ من غضب البصريين، لتستمر المظاهرات في المدينة ولتتخذ منحى خطيرا في يوم الثلاثاء 4 أيلول/سبتمبر، بعد أن استخدمت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها الرصاص الحي في استهداف المتظاهرين، ما أدى الى مقتل وجرح العشرات في يوم عدّه ناشطون أكثر الايام دموية منذ بدء المظاهرات.

 

مظاهرات سلمية.. وقمع حكومي

لا يعلم ماذا يفعل، وقد غطت وجهه دماء صاحبه وهو يحمله على عربة بدائية لأجل إيصاله إلى مستشفى الصدر بغية إنقاذ حياته، محمد صادق أحد ناشطي البصرة من الذين شاركوا في مظاهرات يوم الثلاثاء الدامي في المدينة وأحد شهود العيان على منع القوات الحكومية سيارات الاسعاف من نقل الجرحى، وبطش تلك القوات الحكومية بالمتظاهرين.

يقول صادق: إن البصرة تشهد يوميا مظاهرات مطالبة بالخدمات وفرص العمل، ونحن كشباب نشارك في هذه المظاهرات مطالبين بحقوقنا المسلوبة، مضيفا: أمس الثلاثاء استفزتنا القوات الحكومية أثناء تظاهراتنا السلمية، حيث أننا كنا نتظاهر أمام مجلس المحافظة سلميا، إلا أن القوات الحكومية لاسيما قوات سوات التابعة للداخلية فتحت نيران رشاشاتها تجاهنا، فسقط عدد من الجرحى من بين المتظاهرين، وقتل أثنين على الفور إثر قنصهم من قبل سوات.

ويشير الناشط البصري إلى أنه وبعد الاستهداف المتعمد للمتظاهرين، قرر المتظاهرون التصعيد واقتحام مبنى مجلس المحافظة، وطوقنا بعض سيارات الشرطة وسوات ونزعنا عنهم أسلحتهم، ويختتم صادق حديثه بالقول: لم تسمع الحكومة لمطالبنا منذ أشهر، ولا حل لهذا البلد إلا بكنس أصحاب الكراسي.

مظاهرات البصرة يوم الثلاثاء الماضي كانت الأشد دموية على الإطلاق، إذ قتل ما لا يقل عن ستة متظاهرين وجرح نحو 90 آخرين في مظاهرات ستغير مجرى الاحداث في المدينة، حيث تحدث الصحفي (س.ك): عما شهدته البصرة الثلاثاء من أحداث كان شاهدا عليها، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إذ يقول أنه وعند قرابة الساعة السادسة مساء وصلت تعزيزات عسكرية من قوات سوات وقوات عسكرية من الجيش تابعة لقيادة العمليات، وفور وصول القوة، عملت على إحاطة المتظاهرين من كل الجوانب، وبدأت أولا بإطلاق الغازات المسيلة للدموع وقنابل الدخان بكثافة.

ويضيف الصحفي قائلا: استفزت القوات الحكومية المتظاهرين بالغازات المسيلة، ثم وبعد محاولة تجنب المتظاهرين للغازات، عملت القوات الحكومية على اختراق صفوف المتظاهرين أمام مبنى المحافظة، حيث قسموا المظاهرات إلى قسمين، بعدها بدأوا بإطلاق النار المباشر على المتظاهرين ما أدى إلى جرح قرابة 14 شخصا.

ونوه (س.ك) إلى أن المظاهرات في البصرة كانت متعددة إذ شملت مبنى المحافظة ومبنى مجلس المحافظة، مشيرا إلى أن استخدام القوة القاتلة كانت أشد عند مبنى المجلس عندما عمدت قوات سوات إلى قنص المتظاهرين من أعلى البناية، ثم عملت القوات الأخرى على الارض وخاصة قوات مكافحة الشغب على حصر المتظاهرين في بعض المحلات والمقاهي القريبة وإطلاق قنابل الدخان عليهم مباشرة، ما أدى الى اختناق المستهدفين ووفاة أحدهم بعد نقله إلى المستشفى بساعات، بحسب الصحفي.

 

استهداف مباشر للمتظاهرين

للعراقيين تجارب كثيرة في قمع القوات الحكومية للمظاهرات واستهدافها وقتل وتصفية الناشطين فيها، بحسب الخبير القانوني تميم الحساني قائلا: استهداف القوات الحكومية للمتظاهرين جريمة يحاسب عليها القانون العراقي النافذ، كما تعد خرقا دستوريا للدستور الذي وضعه ساسة ما بعد 2003، ولا يمكن تبرير استخدام القوة القاتلة بأي حال من الأحوال، ما دامت المظاهرات سلمية ولم تتعدى على المال العام والخاص.

الحساني أشار إلى أنه وفي حال خروج المظاهرات عن سلميتها أو محاولة المتظاهرين اقتحام مبان حكومية، فإن هذا لا يبرر للقوات الحكومية استخدام القوة القاتلة، وكان يمكن تجنب مجزرة الثلاثاء في البصرة من خلال استخدام الاساليب الحديثة التي تتبعها دول العالم في حال خروج المظاهرات عن السيطرة، ومنها خراطيم المياه وغيرها، لكن من دون استهداف المتظاهرين بالقنص.

وعن امكانية محاسبة من استهدفوا المتظاهرين في البصرة، أوضح الحساني أن ذلك يعد من المستحيلات وفق الاعراف التي باتت معروفة في العراق،والتي بات الشعب مطلعا عليها، إذ أن الجنود لا يمكنهم استهداف المتظاهرين من دون أوامر من قادتهم، وبالتالي فلا يمكن محاسبة الجنود وترك القادة، فضلا عن أن العراق شهد خلال السنوات الماضية عشرات الحالات المشابهة في استهداف القوات للمتظاهرين، مستشهدا بإبادة المتظاهرين في الحويجة واستهدافهم في الفلوجة والموصل وساحة الحرية في بغداد.

وأضاف الخبير القانوني أن احدا من المعتدين لم يقدم للمحاكمات المدنية أو العسكرية حتى اللحظة، وجميع اللجان التي شكلت إزاء ذلك، ظلت حبرا على ورق.

ويشهد العراق هذه الايام وضعا سياسيا معقدا، بعدما فشلت الكتل السياسية في الاتفاق على تشكيل الكتلة الأكبر المفضية إلى تشكيل حكومة جديدة، وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية العراقي عبد الله السالم: إن الحكومة الحالية وأجهزتها الأمنية لم تتعلم من الدروس الماضية لحكومة المالكي، وإنها تسير على ذات منوال قمع المظاهرات التي تحدث الان في البصرة.

وأشار إلى أن الوضع السياسي للبلاد والخلافات الكبيرة حول تشكيل الحكومة، لا يتحمل أن تنزلق مجريات الاحداث في البلاد إلى ما آلت اليه أوضاع العراق عام 2014.

ويضيف السالم قائلا: كان على الحكومة أن تدرك منذ البداية أن البصريين لن يتراجعوا هذه المرة عن مطالبهم، وكان بإمكانها تحقيق بعض المطالب منذ بدء المظاهرات، إلا أن البصريين فوجئوا بمزيد من التدهور الخدمي في المدينة.

ونوّه أستاذ العلوم السياسية إلى أن الاوضاع في البصرة قد تتجه الى ما هو أسوا من ذلك بعد مجزرة الثلاثاء ومطالبة العشائر البصرية بتسليم القتلة من القوات الحكومية، وبالتالي فالوضع يحتمل كل السناريوهات.

 

الأمم المتحدة تدعو تجنب العنف

ومع تصاعد شدة المظاهرات واستخدام الشرطة والاجهزة الحكومية القوة المفرطة ضد المتظاهرين، أعلنت قيادة عمليات البصرة مساء الثلاثاء فرض حظر تجوال في المدينة، إلا أن تلك الاجراءات والقمع الحكومي لم تثني متظاهري البصرة عن الخروج في مظاهرات جديدة اليوم الاربعاء 5 أيلول/سبتمبر، إذ أطلقت القوات الحكومية في البصرة النار خلال اشتباكاتها مع المتظاهرين اليوم، غداة مقتل ستة منهم الثلاثاء وجرح العشرات.

غضب الشارع البصري دفع بمئات المتظاهرين إلى محاصرة مبنى المحافظة، ورمي الزجاجات الحارقة تجاهه، ما تسبب في اندلاع حريق في الطابق العلوي للمبنى، كما قطع متظاهرون من أهالي ناحية الهارثة شمال مدينة البصرة الطريق الدولي السريع الرابط بين العاصمة بغداد ومركز مدينة البصرة، بحسب ما أكده ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت مصادر محلية بأن متظاهرين غاضبين أحرقوا قائم قامية أبو الخصيب ومجلسها المحليفي محافظة البصرة، ردة فعل غاضبة من قبل المتظاهرين بعد استهدافهم من قبل القوات الحكومية بالرصاص الحي وقنابل الغاز.

من جانبه، أعرب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيش اليوم الأربعاء عن قلقه الشديد إزاء مقتل وجرح عدد من المتظاهرين اثناء احتجاجات وصفها بالعنيفة على نقص الخدمات العامة الحيوية في محافظة البصرة.

ودعا كوبيش إلى التهدئة، وحث السلطات العراقية على تجنب استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين، وتوفير الحماية اللازمة لأهل البصرة، وضمان حقوق الانسان وفق ما نص عليه القانون، بحسب بيان رسمي صادر عن مكتبه.

وتستمر مظاهرات البصريين واحتجاجاتهم المطالبة بتوفير الخدمات، وسط حالة من الترقب الداخلي والخارجي إلى ما ستفضي إليه الايام القادمة من أحداث، في مدينة النفط العراقية.

وكالة يقين

شبكة البصرة

السبت 28 ذو الحجة 1439 / 8 أيلول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط