Untitled Document

شبكة البصرة منبر العراق الحر الثائر
print
هل نجحت المخابرات الأمريكية في تجنيد الشعب العربي برمته... الجزء الرابع : أهم العوامل المؤثرة في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد والأمة : الواعز الديني الحلقة الأولى : مميزات الواعز الديني في المجتمع


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هل نجحت المخابرات الأمريكية في تجنيد الشعب العربي برمته

الجزء الرابع : أهم العوامل المؤثرة في صياغة التكوين الفكري والعقائدي

للفرد والأمة : الواعز الديني

الحلقة الأولى : مميزات الواعز الديني في المجتمع

شبكة البصرة

الرفيق رأفت علي والمقاتل النسر

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) النساء 71

صدق الله العظيم

تمهيد:

تناول في الجزء السابق من دراستنا هذه، تأثير الواقع المادي على حياة الفرد وسلوكه وتصرفاته وخياراته وقراراته وبالأخص تأثيره على صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد، حيث خلصنا إلى أن حياة الإنسان رهن بفكره ودرجة وعيه وإدراكه وليس رهنا أو انعكاسا مجردا للواقع المادي رغم تأثيره الكبير والمهم والفاعل على حياة الفرد وعلى خياراته المادية والمعنوية وطبيعة وشكل حياته.

 

أما في هذا الجزء وانطلاقا من مبدأ فهم الفرد نحو فهم المجتمع وتياراته وأحزابه وتوجهاته، فأننا سنتناول تأثير الواعز الديني في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد وبالتالي للمجتمع والأمة وسنتناول أولاً في هذه الحلقة مميزات العامل الديني. ونكرر وننبه هنا مرة أخرى إلى ضرورة الانتباه إلى أن ما نقصده بالفكر والعقيدة ليس فكر أو عقيدة دينية أو سياسية معينة. كما نود أن ننبه أيضا على ضرورة إزالة حطام كل ما تهدم فكرا قبل المادة كخطوة أولى لإعادة بناء الإنسان والوطن والذي لن يتم هذه المرة بعد تسلمنا للسلطة أنما ينبغي علينا أن نبدأ به من هذه اللحظة بالذات، وهنا ننبه مرة أخرى فإذا كان الهجوم خير وسيلة للدفاع فانه أيضا خير وسيلة لإعادة البناء.

 

ثانيا/الواعز الديني:

يلعب الواعز الديني دورا أكثر أهمية وتعقيدا من باقي العوامل المؤثرة في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد، وسبب ذلك يعود إلى ارتباط هذا المؤثر بالفكر الديني.

 

فطالما تعامل الفكر الديني مع القضية الأكثر غموضا وتعقيدا وتداخلا وعمقا في ذاكرة البشرية ووجدانها وتفاصيل حياتها، إلا وهي القضية التي تفسر سبب الوجود وأهدافه وكيفية الحفاظ عليه، القضية التي تحاول الإجابة على الأسئلة الغيبية والروحية، قضية الإيمان وتنظيم حياة البشر بشتى تفاصيلها والفوز بالحياة الأبدية الخالدة، فان الفكر الديني سيكون بمثابة الوسيلة التي ستضمن للفرد حياة دُنيا ناجحة تؤهله للفوز بالحياة العُليا الآخرة.. بالحياة الأبدية في جنات النعيم وتجنبه عذاب نار جهنم، فأي دور وأي أهمية يلعبها الواعز والفكر الديني في حياة البشر..!!

 

وطالما كان علماء ورجال الدين هم القائمين بالفكر الديني وهم من يحاولون فهم الدين – أي دين – وتفسيره وتوضيحه لأتباعهم، فان تأثير الواعز الديني في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد سيكون انعكاسا لأراء هذا العالم أو ذاك أكثر مما يكون انعكاسا للدين نفسه، والذي يزداد بالتناسب مع جملة عوامل ومؤثرات أخرى سنأتي على دراستها بعد قليل.

 

فليس من الممكن أن يكون كل فرد عالما ملما بشؤون دينه ومعتقده قادرا على فهمه مباشرة، حتى تنتفي الحاجة لهذا الوسيط والمتمثل بعلماء أو رجال الدين، لاسيما وان الدين نفسه لا يحتمل الخطأ والفهم الكيفي بل يتعلق بالجنة أو النار. وهذا هو ما يجعل الفرد يسلم عملية فهم دينه للعلماء المختصين بهذا المجال واضعا ثقته بهم، حاله حال المريض الذي يسلم أمره وحياته للطبيب وواضعا ثقته في العلاج الذي يوصي به ذلك الطبيب.

 

فالفرد مثلا حينما تواجهه مشكلة ما في فهم دينه أو في جزئية منه أو في تطبيقه على ارض الواقع كما هو الحال في الاستدلال على شرعية عمل تجاري ما أو في تعلم الوضوء والصلاة والحج والزكاة أو في فهم آية قرآنية تعسر عليه فهمها واستيعاب معناها، نقول فان ذلك الفرد سيلجئ لعالم الدين طالبا فهم واستيعاب وتوضيح وتفسير ما عجز عن فهمه واستيعابه واضعا ثقته في إجابة ذلك العالم.

 

أي وباختصار شديد فان الواعز الديني أو تأثير الدين في الفرد هو في الحقيقة تأثير علماء أو رجال الدين في الفرد لا الدين ذاته. وبالتالي فان ميزات الواعز الديني او تأثير رجال الدين في المجتمع هي نفسها ميزات الفكر الديني والتي هي الأخرى ناتجة عن مميزات علماء ورجال الدين وهي ميزة التداخل وميزة التباين وميزة التناقض وأخيرا ميزة التأثير المتضاعف، وكما يلي :

 

1- ميزة التداخل:

يمتاز الواعز الديني بميزة التداخل في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد، فهذا العامل بحد ذاته هو عبارة عن مخزون فكري لدى كل فرد من أفراد المجتمع، حتى يصعب الفصل أحيانا بين الواعز الديني كونه عامل مؤثر في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد وبين كونه هو بذاته عبارة عن جزء من التكوين الفكري والعقائدي للفرد.

 

أي إن لهذا العامل دورين متداخلين، فتارة نراه يلعب دور المؤثر على الفكر والقرار وتارة أخرى نراه يلعب دور الفكر والقرار نفسه. فمثلا قد يمتنع الفرد عن السرقة أو الكذب نظرا للواعز الديني ومخافة الله سبحانه وتعالى، بينما يكون امتناع ذات الفرد عن الكفر والإلحاد ناتج عن طبيعة فكره هو بذاته، أي أن فكرة الإلحاد مرفوضة لديه تماما بينما فكرة الأيمان قد ترسخت في دماغه ووجدانه وأصبحت عقيدة قد عقد أمره وفكره وحياته عليها، وهو ذات الأمر الذي أدى ببعض علماء الدين أن يقسموا الإثم إلى كبائر وصغائر أو إلى كفر أو معصية..الخ.

 

2- ميزة التباين :

يمتاز الواعز الديني بميزة ثانية بحيث يلعب دور وتأثير متباينين بين حين وأخر، ومن مجتمع أو فرد لأخر، وبين حال أو ظرف وأخر.

 

أسباب ميزة التباين في الواعز الديني :

أما سباب هذا التباين فتعود إلى جملة عوامل منها، تباين قدرات علماء ورجال الدين وتباين الواقع المادي، وتباين ثقافة المجتمع السائدة، فضلا عن تباين العنصر الجيني الوراثي، وكما يلي :

أ- تباين قدرات علماء ورجال الدين: يتباين تأثير الواعز الديني تبعا لتباين قدرات علماء ورجال الدين كالقدرة على الإقناع وقوة الخطاب والبلاغة وقوة الدليل الشرعي المستند عليه رجل الدين في حديثه أو خطبته أو في فتواه وقدرته على إيصال المعلومة للآخرين ودرجة التأثير النفسي الحاصل في المُتلقي.

 

ب- تباين الواقع المادي : أن ازدهار أو تردي الوضع الاقتصادي للفرد أو للمجتمع يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات والانعكاسات الايجابية والسلبية في حياة ذلك الفرد أو المجتمع. فقد يؤدي الوضع الاقتصادي المزدهر للمجتمع إلى سلسلة من التفاعلات والانعكاسات السلبية، كتجاهل بعض أبناء الأثرياء لأهمية الدراسة مثلا أو بفقدانهم للشعور الوطني أو عدم توافقهم وانسجامهم مع العرف الاجتماعي السائد، أو انتهاجهم منهج الترف والتبذير في تصريف أمور حياتهم المعيشية مفضلين القيم الاستهلاكية والعمل التجاري والربح السريع على القيم الإنتاجية والعمل الصناعي والربح اليسير.

 

وقد يؤدي الوضع المادي المزدهر إلى تهميش الدين وباقي القيم الروحية والمعنوية في حياة المجتمع أيضا، وبالتالي يصبح دور وتأثير علماء ورجال الدين في غاية الضعف، فيمسي الفرد في مجتمع مادي. بل حتى رجال الدين قد ينشغلون في مزاولة مهن أخرى تبعدهم عن دورهم الإصلاحي المفترض في المجتمع، أو قد يتحولون إلى مجرد ديكور في المجتمع حيث تتم زيارتهم بشكل روتيني وشكلي، أو قد ينشغلون في ستديوهات القنوات الفضائية الدينية للرد على أسئلة تفصيلية تخص حالة أو بضعة حالات في المجتمع دون أي دور حقيقي وفعال لمعالجة قضايا الأمة المصيرية بل قد يصبح رجال الدين مجرد أدوات سياسية للتأمر على الأمة تحركهم هذه الجهة أو تلك أو هذا الحاكم أو ذاك الشيك كما هو حال القرضاوي والعرور وياسر الخبيث إن لم ينزلوا للمستوى الضحل الذي وصل أليه ويفتخر به الشيرازي المعتوه.

 

ومثلما أدى الوضع الاقتصادي المزدهر إلى نتائج سلبية فقد يؤدي تردي الوضع الاقتصادي إلى نتائج ايجابية، كانتشار روح التعاون والمساعدة واعتماد القيم والاعتبارات الروحية بدل المادية في تعامل الإفراد فيما بينهم. بحيث يكون للمعلم والضابط والعامل وعالم الدين قيمة اعتبارية عالية في المجتمع كمثل يحتذى فيه فلا يقيم الفرد وفق ما يملك من مال أو ثروة. فيكون عالم الدين في طليعة المجتمع من اجل إصلاح خلل ما أو في إحداث تغيير جذري في المجتمع أو لمعالجة مشكلة مستعصية أو في الدعوة لحمل السلاح وتحرير البلاد والعباد من جور وظلم الاحتلال كما فعل شيخ المجاهدين عمر المختار أو عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي والحاج محمد أمين الحسيني وعبد القادر الحسيني رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته. وهكذا فان تباين العامل المادي سيؤدي إلى تباين تأثير الواعز الديني في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد ومن ثم للمجتمع والأمة برمتها.

 

ج- تباين ثقافة المجتمع السائدة: فالهزيمة في الحرب مثلا أو الفشل في ميدان معين من ميادين الحياة المختلفة أو روح الثار والانتقام المنتشرة غالبا في الأرياف أو البادية أو انخفاض درجة التعلم والتطور الحضاري لبعض المجتمعات، تدفع بالفرد أو المجتمع لإيجاد تفسير روحي يطفي مخاوفه ويهدئ أعصابه ويفسر له الابتلاءات التي أحاطت به، وبالتالي فان محاولة الفرد هذه في الحقيقة ستهيئه نفسيا لتقبل أراء علماء ورجال الدين من أي وقت مضى بل وقد تدفع به للاستعانة بالسحرة والمشعوذين أيضا، لاسيما وإن عجز علماء بقية الاختصاصات والميادين عن إيجاد حل لتلك المشكلة أو تفسير مقنع يوفر له ولو نوعا من الطمأنينة والشعور بالأمان أو الراحة. مما يجعل تأثير الواعز الديني على ذات الفرد أو المجتمع يتباين عن تأثيره قبل بضعة أيام أو سنوات عدة.

 

د- تباين العنصر الجيني الوراثي: كما يلعب العنصر الجيني الوراثي دورا مهما في التأثير على الواعز الديني للأفراد، فتباين الجينات الوراثية بين الأفراد تؤدي إلى تباين تأثير الواعز الديني بينهم أيضا.

 

أي وبمعنى أوضح فطالما لعبت الجينات الوراثية دورا مهما في المركز المعروف لعملية تفكير الإنسان إلا وهو الدماغ البشري 1، وطالما اختلفت تلك الجينات بين فرد وآخر، فان تأثيرها على دماغ هذا الفرد سيختلف أيضاً عن تأثيرها في دماغ الفرد الآخر. وبالتالي فان تفكير هذا الفرد سيختلف حتما عن تفكير غيره، ومادام الواعز الديني مرتبطاً بالفكر الديني ومادام هذا الأخير خاضع و مشارك وناتج عن عملية تفكير الإنسان، والتي تجري في الدماغ حيث تلعب الجينات الوراثية دورها وتأثيرها الخاص، فان هذا الفرد أو هذه المجموعة من الأفراد ممن لديهم جينات وراثية متشابهة أو متقاربة ستكون عرضة أكثر لتأثير الواعز الديني دون غيرها.

 

وهذا هو ما يفسر استمرار الفرد بطريقة تفكير معينة شبيه أو ربما مطابقة لطريقة تفكيره أسرته وأقاربه على الرغم من أن ذاك الفرد قد قضى جل حياته في مجتمع آخر يختلف جذريا عن مجتمعه الأولي. وإلا الم نجد أن بعض أبناء جلدتنا ممن قد هاجروا إلى الغرب وحينما عادوا أو التقينا بهم ثانية ً كنا قد وجدناهم مشبعين بنفس الفكر الذي كانوا عليه قبل عقود من الزمن، فلم يغادروا طائفيتهم مثلا رغم ابتعادهم عن السياسة بل وأحياناً رغم ابتعادهم حتى عن الالتزام الديني 2.

 

أما بالنسبة لتباين الواعز الديني بين حين وأخر في المجتمع الواحد، فان تردي الواقع المادي والحضاري للعرب أثناء فترة حكم الدولة العثمانية قد انعكس سلبا على التيار الديني في المجتمع العربي كنتيجة لادعاء الدولة العثمانية بالخلافة الإسلامية. فنظرة الفرد العربي لرجال الدين كانت هي ذات النظرة للسلطان العثماني فأي خطئاً للسلطان كان يعتبر خطئاً لرجل الدين أيضاً. وهكذا تحمل التيار الديني ورجاله ووزر وتخلف وظلم واستبداد العثمانيين وهكذا تحمل أيضا مسؤولية ضياع الأقطار العربية التي احتلت من قبل بعض الدول الأوربية، فهذه العوامل أدت إلى أضعاف الواعز الديني في المجتمع العربي في تلك الفترة.

 

كما أن انغلاق علماء ورجال الدين على أنفسهم وعدم مواكبتهم للتطورات والإحداث بما يتناسب وحاجة الأمة، ونشوء مؤسسات جديدة لم يعرفها المجتمع العربي منذ مئات السنين، كمؤسسة الجيش والإدارة العامة والبعثات العلمية وحركة الترجمة والطباعة والنشر والتوزيع ورواج الأفكار الوطنية والقومية في أرجاء أخرى من الكرة الأرضية. وانتشار روح الثورة على الاحتلال الأوربي وعلى الأنظمة التي أنشئها وعلى الاحتلال الصهيوني لفلسطين، بالإضافة إلى روح الثار والانتقام لشهداء الانتفاضات العربية التي شهدتها بعض الأقطار العربية، ونتائج الحرب العالمية الثانية والتي أدت إلى أضعاف القدرات العسكرية لبريطانيا وفرنسا الدولتين اللتين تقاسمتا احتلال جل الأقطار العربية بعد زوال الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، ناهيك عن تطور قدرات وإمكانيات للمفكرين القوميين ومواكبتهم للأحداث، نقول فان كل هذه العوامل مجتمعة، قد أدت إلى ضعف الواعز الديني أي ضعف تأثير علماء ورجال الدين على المجتمع العربي، بحيث ازدهرت الأفكار والحركات والأحزاب القومية إلى درجة توليها الحكم في عدة أقطار عربية. بينما لعبت ظروف أخرى دورها الكبير في بداية القرن الحادي والعشرين لتعلن عن عودة قوة لرجال الدين في المجتمع العربي بحيث ازدهرت الأفكار والحركات والأحزاب الدينية هذه المرة وتولت الحكم هي الأخرى في عدة أقطار عربية على حساب الأفكار والحركات والأحزاب القومية 3.

 

وهكذا فقد اختلف تأثير الواعز الديني في المجتمع العربي عن تأثيره في المجتمع الأمريكي، مثلما اختلف تأثيره في المجتمع العراقي خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين عن تأثيره في نفس المجتمع بعد سنوات قليلة حينما فرض على العراق الدخول في حرب دفاعية ضد الخطر القادم من إيران بعد قيام ما يسمى بالثورة الإسلامية والتي رفعت شعار تصدير الثورة إلى العراق وباقي دول الجوار.

 

3- ميزة التناقض :

يمتاز الواعز الديني بميزة ثالثة تفرده عن سواه من العوامل المؤثرة في حياة الفرد وفي تحديد خياراته المادية والمعنوية وفي صياغة تكوينه الفكري والعقائدي، وهي ميزة القدرة على التناقض، حيث يلعب الواعز الديني أكثر من دور في حياة الفرد الواحد وفي آن واحد لقضيتين أو أكثر أي انه عامل شديد التقلب والمرونة.

 

وسبب تميز الواعز الديني بميزة التناقض أو التقلب والمرونة تعود في الحقيقة إلى رجال الدين لا إلى الدين نفسه، فحاشا الله سبحانه وتعالى وحاشا رسله وأنبياءه وكتبه أن تحث المرء أو المجتمع على التناقض. وكما سبق وأوضحنا، فطالما فهم الدين بفهم العلماء لا بفهم الفرد العادي، فان تأثير الدين أو تأثير الواعز الديني على الفرد سيتم هو الآخر وفقا لأراء علماء الدين ورجاله والذي يزداد أو يقل بالتناسب مع قدرات علماء ورجال الدين ومع الواقع المادي، ومع ثقافة المجتمع السائدة، ومع العنصر الجيني الوراثي أحيانا. فعلماء الدين ورجاله وبحكم تخصصهم في الفكر الديني وبحكم اعتبارهم الوسيلة التي تفسر الدين وتبين طرق فوز العبد برضى الله سبحانه وتعالى وبحكم أهمية الدين لدى عامة الناس، يستطيعون بيان وتوضيح الإحكام التشريعية والأمور العقائدية وإصدار الفتاوى الدينية بما يوافق رغباتهم وأهدافهم واتجاهاتهم 4، وما دام هؤلاء يتباينون أو يتناقضون في قدراتهم العلمية وفي رغباتهم وأهدافهم واتجاهاتهم، فان بيانهم للإحكام التشريعية والأمور العقائدية والفتاوى الدينية ستكون هي الأخرى متباينة أو متناقضة.

 

فمثلا وبينما يصدر رجل الدين ولا نقول عالم الدين فشتان بين الاثنين فتاوى تحرم الخروج على الحاكم، نرى أن نفس هذا الرجل وفي نفس الوقت يصدر فتوى أخرى تجيز الخروج على حاكم أخر. بل أحيانا نرى أن رجل الدين والذي يصدر فتوى تحرم الخروج على الحاكم فلان نره بعد فترة من الزمن يجيز الخروج على ذات الحاكم بل ويعتبر امتناع البعض على الخروج على ذلك الحاكم، إثم كبير ومعصية للخالق العظيم سبحانه وتعالى بل كفر والحاد وإلحاق مفسدة ومضرة عظيمة بالأمة والموافقة على إراقة دماء الأبرياء واستحلال الحرمات وانتهاك الأعراض..الخ.

 

4- ميزة التأثير المتضاعف:

وأخيرا فان الواعز الديني والأخلاقي يمتاز بميزة أخرى تفرده عن سواه من العوامل المؤثرة في حياة الفرد وفي تحديد خياراته المادية والمعنوية وفي صياغة تكوينه الفكري والعقائدي، وهي ميزة التأثير المتضاعف.

 

والمقصود هنا بالتأثير المتضاعف هو أن تأثير العامل الديني لا يمكن حصره في مجال أو ميدان محدد من مجالات وميادين الحياة البشرية المادية والمعنوية الآنية والمستقبلية، بل هو تأثير واسع ومتداخل ومتناقض ومستمر.

 

أي أن ميزة التأثير المتضاعف في الحقيقة ناتجة عن ميزات العامل الديني الأخرى، وبالأخص ميزتي التداخل والتناقض. فالعامل الديني وكما أوضحنا أنفا يلعب دورين متداخلين، دور عامل مؤثر على فكر الإنسان ودور فكر الإنسان بحد ذاته، كما أن التناقض الحاصل في تأثير العامل الديني على الفرد وتكوينه الفكري والعقائدي وخياراته المادية والمعنوية وعلى المجتمع عموما، تؤديان إلى ميزة التأثير المتضاعف ولكن ونظرا لأهمية هذه الصفة والميزة فقد اعتبرناها ميزة مستقلة رابعة للعامل الديني وليس مجرد أنعاكس للمزايا الأخرى.

 

وبالتالي فان دراسة التأثير المتضاعف للعامل الديني على الفرد وعلى المجتمع تتطلب معرفة أوسع بميزتي التداخل والتناقض وبالأخص معرفة علاقة هاتين الميزتين فيما بينها.

 

فميزة التناقض الناتجة عن دور رجال الدين كقوى فاعلة ومحركة في العامل الديني، ستؤدي حتما إلى وقوع الفرد في عملية خداع وتضليل كبيرين. فما أن يسقط الفرد في مستنقع الخداع هذا إلا وتتلقفه ميزة التداخل هي الأخرى فتدخله في دوامة من التأثير المتضاعف. فقابلية العامل الديني على لعب دور العنصر المكون لفكر الفرد والمؤثر في قراره تجعل من الصعب تحديد النقطة التي سيتوقف عندها التناقض والخداع في حياة الفرد.

 

أن تناقض رجال الدين، وبغض النظر عن طبيعة ومجال ودرجة الخداع والتضليل الناتج، وبغض النظر عن تأثيره الابتدائي على الفرد والمجتمع، سيؤدي حتما إلى كارثة بل إلى كوارث وطنية مركبة ومتضاعفة ومعقدة خطيرة للغاية. فعلى العكس من عمليات الخداع والاحتيال التي قد يقوم بها بعض رجال المال والإعمال والتي تؤثر في جزء محدد من المجتمع ولفترة زمنية قصيرة سرعان ما تزول تأثيراتها ونتائجها السلبية فضلا عن أن الخداع هنا هو خداع مادي لا يمكن أن يصل بأي حال من الأحوال إلى أهمية وخطورة الخداع الفكري والعقائدي.

 

فعمليات الخداع والتضليل التي يقوم بها رجال الدين ستصيب شرائح وفئات أوسع في المجتمع إن لم نقل المجتمع كله، وستستمر ربما إلى سنوات أو عقود أو قد تطول حتى لقرون من الزمان، وتلقى بضلالها وتأثيراتها في شتى مجالات وميادين الحياة ثم تدخل تلك التأثيرات نفسها في دوامة من التفاعل البيني مما يؤدي إلى تداعيات أكثر وأكثر شبيهة بانتشار الفيروسات في جسم الإنسان. فالإسلام العظيم الذي أتمه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من 14 قرنا من الزمان كان أسلاما صافيا نقيا، أسلاما بلا "رجال" دين.

 

الخلاصة:

طالما كان الفرد والمجتمع في حالة من البحث المستمر لإيجاد الحلول لكافة مشاكله المادية والمعنوية والنفسية والروحية والأخلاقية، وطالما ارتبط الدين بحياة الإنسان حتى قبل أن يكون قادرا على الفهم والوعي والاستيعاب والإدراك المنطقي، أي في مرحلة الطفولة المبكرة خاصة ً حينما ينشأ هذا الفرد الطفل في أسرة ومحيط ومجتمع ديني أو يتأثر ويميل للدين وللقيم الروحية والمعنوية، وطالما استمرت هذه العلاقة وتوطدت وترسخت لدى الفرد، وطالما تعلق الدين في مجموعة من أهم القضايا في حياة الإنسان وحتى بعد وفاته.. كقضية الأيمان بالله سبحانه وتعالى والسعي للفوز برضا الله عزوجل أو بالجنة أو تجنبا للنار وخوفا من العذاب أو كمحاولة لفهم وتحمل واقع مأساوي، نقول فطالما كان هذا واقع الإنسان فان تأثير الدين في الفرد لن يكون تأثير عارض أو ثانوي أو هامشي بل على العكس سيكون قويا إلى الحد الذي يتعسر علينا أحيانا ً فصم وجود الإنسان بحد ذاته عن وجود الدين، حتى تصبح حياة الإنسان وبالأخص في المجتمع الإسلامي قائمة تماما على الدين في كافة تفاصيلها اليومية والبسيطة.

 

وطالما كان علماء ورجال الدين هم القائمين بأمور الدين أي وهم من يحاولون فهم الدين – أي دين – وتفسيره وتوضيحه لأتباعهم، فان تأثير الدين والواعز الديني في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد سيكون انعكاسا لأراء هذا العالم أو ذاك أكثر مما يكون انعكاسا للدين نفسه.

 

وطالما اختلف علماء الدين ورجاله في فهمهم للدين ورؤيتهم وتفسيرهم له وفي قدراتهم الشخصية أيضا، وطالما اختلف الأفراد في واقعهم المادي المعاش وفي ثقافاتهم وتربيتهم وتنشئتهم وفي جيناتهم الوراثية وفي درجة وعيهم واستيعابهم وإدراكهم للأمور والأحداث وللدين ذاته واختلفوا أيضا في طريقة تفكيرهم وشخصيتهم اختلفوا في تأثرهم بالدين، فان الواعز الديني للأفراد والمجتمع سيختلف هو الآخر بين حين وآخر ومكان وآخر وظرف وآخر.

 

وكنتيجة طبيعية وحتمية لهذا الواقع لواقع اختلاف مميزات الفكر الديني ومميزات علماء ورجال الدين ومميزات الواعز الديني فقد نشئت وظهرت وتطورت وتعددت الطوائف والمذاهب والمدارس والطرق الدينية في العالم الإسلامي عموما والعربي خصوصا. ونخص العرب لكونهم هم أهل اللغة التي نزل فيها القران الكريم وكونهم هم الأمة التي أنجبت النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وال بيته وصحابته الأطهار رضي الله عنهم أجمعين.

 

ولكن وبدلا من أن تأتي هذه المميزات أكُلها خيرا على أمتها وتكون رحمة بينها فقد تحولت إلى أسباب فتنتها وأزمتها وخرابها حتى استحل الأخ دم أخيه وماله وعرضه وأرضه بل حتى قبره وإيمانه فكفره ونبش جثمانه وعز عليه إلا أن يأكل لحم أخيه ميتا 5 بل ويترك بقاياه للغربان غير نادم وهذا ما لم يفعله قابيل أبدا ً، قال الله سبحانه وتعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ادم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنم بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) سورة المائدة 27-31.

 

وأخيراً وبعون الله سبحانه وتعالى فسنتناول في الحلقة القادمة من هذا الجزء وبشكل تفصيلي وأكثر وضوح ظروف وأسباب نشأة المذاهب والمدارس والطرق الدينية وعلاج نتائجها المأساوية.

 

الهوامش :

1- علمياً وقرآنياً لا يمكن لنا أن نحصر تفكير الإنسان في دماغه فقط، ولذا قلنا بان الجينات الوراثية تلعب دورا مهما في المركز المعروف لعملية تفكير الإنسان إلا وهو الدماغ البشري.

 

2- بعون الله سبحانه وتعالى سنتم دراسة تأثيرات العنصر الجيني الوراثي على الفرد في جزء خاص حيث سنخوض عميقا في البحث عن تأثير هذا العنصر على التكوين الفكري والعقائدي للفرد ومن ثم للمجتمع برمته.

 

3- يدعي البعض ولاسيما الإسلاميون بان زوال ما يسمونها بـ"الخلافة" العثمانية سببه التيار القومي العربي والذي يتهموه بأنه قد "تأمر" مع القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا بالأخص) ضد "الخلافة" العثمانية، لذا وجدنا انه من المفيد والضروري هنا ومادمنا في طور الحديث عن تأثير الواعز الديني في المجتمع أن نذكر هؤلاء الأدعياء بحقائق التاريخ ووقائع الأحداث ونبين سبب أفول نجوم تيارهم البالي والمتهالك ورفض المجتمع لهم ولضلالتهم وبدعهم والذي ما كان ليرجع وترجع بهذه القوة مؤخرا لولا تأمرهم هم أنفسهم وليس غيرهم مع القوى الاستعمارية الحديثة "الناتو" ضد الأمة برمتها فكرا وعقيدة ودينا وقيم وعادات وتقاليد عروبية أصيلة.

 

4- بات واضحا وجليا لكل من يعقل حجم مؤامرة من يدعون أنفسهم علماء دين بل حتى تسميتهم برجال الدين قد أصبحوا هؤلاء دونها فهم دون العلماء ودون الرجال ودون الدين، هم دعاة كفر وضلالة وبدع ليس فيهم حتى من يخجل حياءاً ومروءة ونخوة من تضارب أقوالهم ليس مع أفعالهم إنما مع أقوالهم أيضا رغم ولعهم هذه الأيام بالستديوهات والقنوات الفضائية ومقاطع الفيديو والتي هم خير من يعرفون بان كلامهم كله مسجل وموثق وبالصوت والصورة والنقل المباشر وأحيانا بالعاجل أيضا إلا انه وعلى ما يبدو فان حماقاتهم الأخيرة قد أنستهم حماقاتهم الأولى.

 

5- قال الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) الحجرات12.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بغداد الجهاد

20/2/2012

شبكة البصرة

الثلاثاء 10 جماد الثاني 1433 / 1 آيار 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

print