شبكة البصرة منبر العراق الحر الثائر

شبكة البصرة منبر العراق الحر الثائر
print
حلاوة ليل محروقة حرق روحي


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حلاوة ليل محروقة حرق روحي

شبكة البصرة

علي السوداني

وهذه ليلة جديدة من ليالٍ ألف. فكرة ترتطم بفكرة، فتنطشُّ الحروف، على حوائط القحف، ويضيع النصّ، والخيط والعصفور. تلك واحدة من أقسى مِحَن الكتابة، ومع كثير من الصبر والتصبّر، سيكون باب السطر الأول، متاحاً وملوحاً اليك بإمتنان. السماء صافية الليلة، والبيوتات المتراكبة فوق سفح الجبل، تتوامض نوافذها ووجوهها، بأهلّة رمضان، ونجماته الملونات. طاخ طاخ طاخ. هذا صوت تعثّر فكرة بفكرة. تاه الهدف، وانحرفت بوصلة الكتابة. سأذهب مذهباً آخر. فكرة عظمى مثقّبة، أقوم بريافة وترتيق فتوقها، مثل رسّام، يسوط مفازات اللوحة، بأوشال الفرشاة. مقترح جميل، لكنه بدا كما فخّ مخلوق لقنص الولد الغفل، وتسريح الحروف بالقنافذ. ألقنافذ، كائنات مسالمة، تدفع الشرّ عنها، بساتر الشوك. حياتي طفرت سياج الخمسين بسنة، لكنني لم أتلقَّ حتى اللحظة، طعنة قنفذ، لذا بقيتُ على وئام مع الأشواك. من أخير السطر الفائت، أحببتُ صاحبي عبد الحليم حافظ في تجويدته الطيبة "مشيت على الأشواك" ومحمد عبد الوهاب في "علشان الشوك اللي في الورد، بحب الورد" ثمة انحراف في زاوية الرؤية الآن. ركبتْ رأسي رغبة ملحاحة، لأن أعتذر وأقول، إنَّ الكتابة ليست ضحكاً على الناس. من العيب أن تذهب بالقارىء صوب شط الفرات، وتعيده ميتاً من العطش. ألكتابة مسئولية. ألكاتب ينبغي أن يذوب في نصّه. ألنص ضمير أبيض، ينفع الناس. لا انفصام بين منتج النص، وبين النصّ. ألنص بوصلة الكاتب، وعكازة الفقراء والمقهورين. جمل باهتة ومتربة وماصخة. ورطة أخلاقية سخيفة. أعرف شاعراً، يكتب عن أعطار الجوري والياسمين والقرنفل، لكنه يجلي أسنانه بالفرشاة، كلّ سبع سنوات. آخر يكتب ويحرث في جنس القصة والرواية، تنطنطَ بين جيف بساطيل الغزاة، فأنتج سلة خيانات. مثله مثل رجل دين، يحضّ الرعية على الصلاة، وينام فوق سرير، أرجله قائمة على أربع حرامية. عالم لا يستحي، ودنيا خربانة. فاصل قصير وأعود. ها أنا عدتُ. من الجوار، ثمة صوت يتجوّد ويتجوهر. غريفة صغيرة، يسكنها عراقيٌ وحيد. ألصوت في مفتتحه. أغنية سبعينية مذهلة، تتقلّى فوق طاوة ياس خضر. فررت هاتفي صوب خمسة مراجع، فأفتوا بأنّ شاعرها هو الفحل عبد الحسين أبو شبع. ألمراجع -حالهم من حالي- لم يحزروا اسم ملحنها، لكنّ واحداً منهم زاد أنها من التراث النجفي. مرة سمعتها حلوة مجددة بصوت الملحن البديع جعفر الخفاف. ربما كان بعبّه النبأ اليقين. من غرفة الجوار الموحشة، قتلتني هذه القطعة من الأغنية :

أگضي النهار ابنار تسري ابدليلي

وافرش جمر فرگاك مِن يِجنْ ليلي

ومعاول الحسبات تهدمِ ابحيلي

حيلي هدمتهْ، ونومي هجرتهْ

ولو حَسبهْ عنّي اتروح، عشره تجيني...

 

هذا تمام النصّ. تلك هي نقطة المنتهى. جلدة قوية. كونوا بخير. فيمالله.

alialsoudani2011@gmail.com

عمّان حتى الآن

شبكة البصرة

الثلاثاء 27 شعبان 1433 / 17 تموز 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

print