Untitled Document

شبكة البصرة منبر العراق الحر الثائر
print
هل نجحت المخابرات الأمريكية بتجنيد الشعب العربي برمته... الجزء السادس : العنصر الجيني الوراثي الحلقة الثالثة : تأثير الجينات الوراثية في الفكر وطريقة التفكير


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هل نجحت المخابرات الأمريكية بتجنيد الشعب العربي برمته... الجزء السادس : العنصر الجيني الوراثي الحلقة الثالثة : تأثير الجينات الوراثية في الفكر وطريقة التفكير

شبكة البصرة

الرفيق رأفت علي والمقاتل النسر

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) النساء 71

صدق الله العظيم

 

تمهيد :

تناولنا في الحلقة الأولى وكمقدمة لبحثنا هذا تأثير الجينات الوراثية في وراثة السمات الجسمية والمرضية، حيث اوضحنا بان إن الإنسان حينما يولد فانه سيرث من والديه وسلالة عائلته سمات جسمه ومظهره وحالته الصحية، كوراثة لون وشكل العين والأنف والبشرة والشعر ومدى استعداد جسمه للإصابة بأمراض معينة دون غيرها. كما اوضحنا بان الجينات الوراثية ومثلما تورث السمات الجسمية والصحية فأنها تورث ايضا نشاط الغدد والخلايا المنتجة للهرمونات أي ما اسميناه بالبصمة الهرمونية.

 

وفي الحلقة الثانية فقد تناولنا دور وتأثير الجينات الوراثية في صياغة وتشكيل شخصية الإنسان، ومدى تأثير الهرمونات في سلوك الإنسان ومشاعره، حيث اوضحنا رأي علماء الطب عموما والوراثة خصوصا والمستند على ادلة علمية وتجارب واقعية بإمكانية وراثة الإنسان لطباعه ومشاعره وأحاسيسه وعادته من والديه وسلالة عائلته، وذلك بحكم وراثة الانسان لبصمته الهرمونية.

 

أما في هذه الحلقة فسنتناول دور وتأثير الجينات الوراثية في عملية التفكير وبالتالي في صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد وفي خياراته وقراراته المادية والمعنوية.

 

هل يورث الفكر وطريقة التفكير :

قبل الحديث عن امكانية وراثة الفكر وطريقة التفكير، ونظرا لحساسية وأهمية الموضوع فينبغي علينا أن نوضح اولا ما هو الفكر، وما هي عملية التفكير، وما هي أهدافها، وأين تتم..؟!

 

الفكر:

كثرت تعاريف الفكر بين علماء الدين والسياسة والاجتماع والنفس قديما وحديثا حتى بات تعريفه واحد من اشد التعاريف اختلافا عند العلماء وأصحاب الاختصاص. فقد عرفه البعض على انه ((إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول، وفَكَر في الأمر فَكراً أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول، وأفكر في الأمر: فَكَر فيه فهو مُفكَّر. وفكر في الأمر: مبالغة في فكر، وهو أشيع في الاستعمال من فكر، وفكّر في المشكلة: أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها فهو مفكر)). بينما عرفه أخر بأنه ((عبارة عن سلسلة من النشاطات التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق واحدة أو أكثر من الحواس الخمس : السمع والبصر واللمس والشم والذوق)). والفكر في مفهومه العام هو((الحكم على الواقع، و هو بشكل خاص عملية نقل الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ و وجود معلومات سابقة به يُفسر بواسطتها الواقع(((1).

 

ما هي عملية التفكير :

عملية التفكير هي ((مجمل الأشكال والعمليات الذهنية التي يؤديها عقل (ذهن) الإنسان، والتي تمكنه من خلق نموذج العالم الذي يعيش فيه، وبالتالي تمكنه من التعامل معه بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه وخططه ورغباته وغاياته)).

 

أهداف عملية التفكير :

تحدث عملية التفكير لأغراض متعددة منها، الفهم والاستيعاب والتخطيط واتخاذ القرار، والإحساس بالبهجة والاستمتاع والتخيل، وفي الحقيقة فان اهداف التفكير هي ذاتها مراحل التفكير فيمنكن اعتبارها كاجزاء لعملية التفكير.

 

فعملية التفكير أذن هي :

عملية واعية يقوم بها الفرد عن وعي وإدراك، ولا تتم بمعزل عن البيئة المحيطة، أي أن عملية التفكير تتأثر بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي تتم فيه(2).

 

أين تتم عملية التفكير :

سبق وطرحنا هذا الموضوع في الجزء الثاني من دراستنا هذه حين تحدثنا عن دور وأهمية الفكر والعقيدة في حياة الفرد والأمة، ولكن ونظرا لما يحتويه من معلومات مهمة، فأننا سنعيد ذكره هنا مع أجراء بعض التعديلات الضرورية والتي تنسجم وسياق حديثنا عن تأثير الجينات الوراثية في عملية تفكير الإنسان وفي صياغة تكوينه الفكري والعقائدي.

 

بات من المعروف وكبديهية مسلم بها لدى عامة الناس بان الدماغ البشري هو مركز أجراء عملية التفكير والعاطفة، وهو أيضا رأي جل العلماء بمختلف تخصصاتهم وميادينهم وتوجهاتهم. ولكن فطالما استندنا في دراستنا هذه ولاسيما في الجزء الثاني منها إلى بيان مكانة العلم والتفكير والتدبر على ضوء ما جاء به القران الكريم، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى القلب بدل العقل في أطار الحديث عن العلم والإيمان والتفكير والتدبر في العديد من الآيات القرآنية الكريمة، كقوله سبحانه وتعالى (فّإنَّهّا لا تّعًمّى الأّبًصّارٍ ولّكٌن تّعًمّى القٍلٍوبٍ التٌي فٌي الصَدٍورٌ) الحج 46، وقوله عزوجل (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد 28، (هُوَ الذي أَنْزَلَ السَّكينةَ في قلوبِ المؤمنينَ ليزدادوا إيماناً) الفتح 4، (فأتاهُمُ اللهُ مِنْ حيثُ لَمْ يحتسبوا وقَذَفَ في قلوبِهِمُ الرُّعْبَ) الحشر 2، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الأنفال1.

 

فأصبح كل باحث أو عالم مسلم في حيرة من أمره، بين قول المخلوق البسيط وبين قول الخالق العظيم سبحانه وتعالى , فقد أثار القران الكريم نقاشا علميا ودينيا واسع النطاق منذ مئات السنين , واختلف فيها العلماء وكما يلي :

1- مفردة القلب التي جاء ذكرها في القران الكريم هي تعبير مجازي يراد به الدماغ.

 

2- عملية التفكير والعاطفة عند الإنسان تنتج عن نشاط دماغي وقلبي مشترك في آن واحد.

 

3- جاء ذكر مفردة القلب في أطار الحديث عن المشاعر والأحاسيس والعواطف فمثلا الاطمئنان وهو كحالة عاطفية يكون مصدره القلب وهكذا الإيمان ومعرفة الحق، أي أن القلب هو مركز العاطفة والمشاعر والأحاسيس والوجدان أي الضمير الإنساني بينما الدماغ هو مركز التفكير والفهم والاستيعاب والإدراك والذاكرة.

 

وفي الحقيقة فان تحديد دور القلب سواء كشريك للدماغ في عملية إجراء التفكير والعاطفة أو كمركز للعاطفة فقط، لم يحين موعده بعد رغم التطور العلمي الهائل الذي تمكنت منه الإنسانية. فقد يتوصل العلماء في يوما ما إلى اكتشاف دور أو ادوار وظيفية جديدة يقوم بها القلب غير دوره كمضخة دماء، فقد يكون القلب هو فعلا مركز العاطفة بل وقد يكون أيضا شريكا للدماغ في التفكير والعاطفة معا.

 

ولكن وعلى الرغم من عدم وجود أي دليل علمي مؤكد وثابت على دور القلب كشريك للدماغ في عملية التفكير والعاطفة وهو ما نميل أليه في دراستنا هذه، فقد توفرت في السنوات القليلة الماضية شواهد علمية عديدة – نقول شواهد وليست أدلة علمية مؤكدة وثابتة - تشير إلى وجود علاقة للقلب بعمل الدماغ والتي من الممكن أن تؤثر في عملية التفكير والعاطفة.

 

فضمن إطار نظرية (الطاقة القلبية) أجرى احد علماء جامعة أريزونا بحثاً على 300 شخص تعرضوا لزراعة القلب، فوجد أن الطاقة والمعلومات تتفاعل تبادلياً ما بين القلب والمخ بصورة كهرومغناطيسية، فيتلقى مخ الشخص الذي زرع فيه القلب إشارات كهرومغناطيسية من القلب المزروع تختلف عن الإشارات التي كان يتلقاها من القلب الأصلي.

 

كما توصلت الباحثة الدكتورة كاندس بيرت، مؤلفة كتاب (جزيئات العاطفة) إلى أن خلايا الجسم تتبادل الرسائل مع خلايا المخ بواسطة أحماض أمينية قصيرة السلسلة كان يعتقد سابقاً أنها لا توجد إلا في خلايا المخ، وقد أثبتت هذه الباحثة وجود هذه الأحماض الامينية في القلب وفي أعضاء أخرى من جسم الإنسان.

 

أما الدكتور أندرو أرمور فقد طرح في عام 1991 فكرة وجود (عقل صغير في القلب) يتكون من شبكة من الخلايا العصبية، والناقلات الكيميائية (هرمونات)، والبروتينات، والخلايا الداعمة التي تعمل باستقلالية عن خلايا المخ، وتتولى عملية التعلم والتذكر والإحساس، ثم ترسل المعلومات إلى مراكز المخ المختصة بالإدراك واتخاذ القرار والمحاكمات العقلية. ويعتقد هذا العالم بأن الخلايا العصبية الذاتية التي توجد في القلب المزروع تمارس عملها هذا وترسل إشارات من ذاكرتها القديمة إلى دماغ الشخص الذي زرع فيه القلب.. كما أن القلب المزروع يحتوي على مستقبلات خاصة بالمتبرع تختلف عن مستقبلات الشخص الذي زرع له القلب، وبهذا يصبح الذي زرع فيه القلب حاوياً على نوعين من مستقبلات الخلايا، إلا أن بعض الباحثين شكك بهذه الفرضية معتمدين على نظرية (إشاعات المستشفى) التي تزعم أن تبادل الحديث بين فريق العمل الجراحي أثناء التخدير يؤثر في الشخص الذي تجرى له زراعة القلب، فيتبنى لا شعورياً ما يسمعه من الفريق الطبي عن أحوال الشخص المتبرع.

 

وضمن أطار فكرة (ذاكرة الخلية) فان السيدة كلير سيلفيا والتي زرع لها في عام 1988 قلب ورئة من شاب عمره 18 سنة توفى بحادث سير، قد أخذت تتصرف بطريقة ذكورية، وتحب بعض الأكلات التي لم تكن تطيقها من قبل كالفلفل الأخضر وقطع الدجاج. وعندما قابلت عائلة الشاب الذي زرعت رئتاه وقلبه فيها، تبين لها أن تصرفاتها أشبه ما تكون مرآة لتصرفات الشاب المتوفى. وبينما تجاهل بعض العلماء هذه القصة واعتبروها محض صدفة، فان علماء آخرين اعتبروها دليلاً على ظاهرة (ذاكرة الخلية) التي بدأت تستحوذ على اهتمام العلماء مع تزايد عمليات زراعة الأعضاء ولاسيما زراعة القلب. فمن المعلوم أن كل خلية من خلايا جسمنا تحتوي على معلومات وراثية وغير وراثية خاصة بكل فرد منا، وعند نقل عضو من شخص لآخر فإن ذاكرة خلايا المتبرع تمارس ذاكرتها في جسم الذي زرع فيه العضو. والأدلة العلمية على هذه الظاهرة بدأت تتزايد يوماً بعد يوم مع تزايد عمليات زراعة الأعضاء، ما دفع العلماء مؤخراً إلى بحث هذه الظاهرة بعمق كما أنتجت حولها العديد من أفلام الخيال العلمي وتم عرضها في صالات ودور السينما العالمية وحازت على أعلى معدلات المبيعات السينمائية، ولعل نظرية ذاكرة الخلية هي التفسير العلمي لقوله سبحانه وتعالى (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النور 24.

 

كما نشر الدكتور بول بيرسال وهو العالم في المناعة النفس عصبية، ومؤلف كتاب (شيفرة القلب) نتائج بحثه والذي استغرق 10 سنوات، وشمل 74 شخصاً زرعت فيهم أعضاء، منهم 23 شخصا تعرضوا لعملية زراعة قلب، وخلص إلى نتيجة مفادها حصول تغيرات في شخصيات المزروع لهم توازي شخصيات المتبرعين، وأورد في البحث عدداً من الحالات، منها:

الحالة الأولى :

شاب عمره 18 سنة، كان يكتب الشعر ويلعب الموسيقى ويغني، توفي بحادث سيارة، ونقل قلبه إلى فتاة عمرها 18 سنة، وفي مقابلة لها مع والدي المتبرع عزفت أمامهما موسيقى كان يعزفها ابنهما الراحل، وشرعت بإكمال كلمات أغنية كان يرددها رغم أنها لم تسمعها أبداً من قبل..!


الحالة الثانية :

رجل أبيض عمره 47 سنة، زرع له قلب شاب أمريكي أسود عمره 17 سنة، المتلقي للقلب فوجئ بعد عملية الزراعة بأنه أصبح يعشق الموسيقى الكلاسيكية، واكتشف لاحقاً أن المتبرع كان مغرماً بهذا النوع من الموسيقى..!


الحالة الثالثة :

شاب خرج لتوه من عملية زراعة قلب، وقد بات يستخدم كلمة غريبة بصفة مستمرة، واكتشف لاحقاً في مقابلة مع زوجة المتبرع أن هذه الكلمة كانت كلمة سر اخترعاها بينهما تعني أن (كل شيء على ما يرام)..!

الحالة الرابعة :

فتاة عمرها 8 سنوات زرع لها قلب فتاة مقتولة عمرها 10 سنوات، وبعد الزراعة أصيبت الفتاة التي زرع لها القلب بكوابيس مفزعة تصور قاتلاً يريد أن يقتلها، وذهب بها والدها إلى استشارة الطبيب النفسي الذي استخلص منها تفاصيل الكابوس، فوجد أن الصور التي حلمت بها واضحة ومحددة جداً، لدرجة أن الطبيب أخبر الشرطة بصورة القاتل، وألقي القبض بالفعل على القاتل الحقيقي..!

 

أما ما تم تأكيده علميا وثبت اليوم عن الوظائف والأنشطة الجديدة التي يقوم بها القلب غير وظيفته المعروفة في جهاز الدوران وعملية ضخ الدم لجسم الإنسان، فهي قيام القلب بإفراز مواد كيميائية، كهرمون (البابتيايد) والذي يتولى حرق الدهون في جسم الإنسان والذي تتزايد نسبته في الجسم لدى المسنين، أو كالهرمون المسمى بـ(العامل الأذيني طارح الصوديوم) والذي يساعد على تخليص البدن من الصوديوم والماء الفائضين عن حاجة البدن ويعمل كموازن للسوائل والأملاح في جسم الإنسان. وتوجد بحوث طبية أخرى تشير إلى احتمال وجود المزيد من الهرمونات والأنشطة التي يفرزها أو يقوم بها القلب، والتي قد تفسر لنا سبب ذكر القران الكريم للقلب بدل العقل في بعض الأحيان (3).

 

أذن فان الاجابة على سؤالنا المطروح، هل يورث الفكر وطريقة التفكير، تكمن في الخلاصة التالية :

أولا : أن مركز أجراء عملية التفكير لم يحدد بعد، فعلى الرغم من قيام الدماغ البشري بالنشاط الذهني والتفكير والعاطفة إلا أن الشواهد والتجارب الطبية أنفة الذكر تبين أن للقلب دور آخر في عملية التفكير وفي العاطفة أيضا.

 

ثانيا : أمكانية وجود هرمونات وأحماض أمينية وإشارات كهرومغناطيسية في القلب تشترك مع الدماغ في التفكير والعاطفة.

 

ثالثا : إمكانية وجود ذاكرة في بعض خلايا جسم الإنسان تلعب دورا هاما في تكوين ذاكرة الإنسان وفي تقويتها.

 

رابعا : ان تحديد أي الجينات الوراثية هي المسؤولة عن صياغة فكر الإنسان ومشاعره، مرتبطة اولا وقبل كل شئ في قدرتهم على تحديد اين تتم عملية التفكير والعاطفة. أي انه لم يتم الكشف بعد عن الجينات وراثية التي تورث الفكر او تورث اسلوب التفكير على الاقل.

 

خامسا وأخيرا : ان عجز علماء الوراثة على تشخيص الجينات الوراثية المسؤولة في وراثة الفكر او في وراثة طريقة التفكير، فان علماء الإندوكرينولوجيا (الغدد والهرمونات) قد تمكنوا من تحديد بعض الهرمونات التي تساهم في صياغة فكر الانسان ومشاعره. وقد تناولنا في الحلقة السابقة تأثير نشاط بعض الهرمونات في جسم الانسان عند الاحساس بالغضب والسعادة، وفي هذه الحلقة سنتناول دور وتأثير نشاط بعض الهرمونات في جسم الانسان عند التفكير.

 

تأثير بعض الهرمونات في عملية التفكير :

اكتشف علماء الغدد والهرمونات وجود العديد من الهرمونات والأحماض التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في عملية التفكير، وفي الحقيقة فان ذلك التأثير ناتج بالدرجة الاولى والأساس على تأثير بعض الهرمونات على اجزاء عملية التفكير، أي على الفهم والاستيعاب والتخطيط واتخاذ القرار، والإحساس بالبهجة والاستمتاع والتخيل.

 

فهرمونات السيروتونين والدوبامين والإندورفين و الاكسيتوسين والجريلين بالإضافة الى حامض الغلوتاميك او غلوتامات تمارس تأثيرا مهما في تحفيز التعلم وتنشيط الذاكرة واللذان يعتبران من اهم متطلبات عملية التفكير(4)، لان عملية التفكير تعتبر بالأساس عملية نقل الواقع بواسطة الحواس الخمسة إلى الدماغ، ووجود معلومات سابقة يستطيع الفرد بواسطتها تفسير ذلك الواقع، أي ان عملية التفكير هي عملية نمذجة البيئة المحيطة بالفرد أي خلق نماذج للعالم الذي نعيش فيه، وهذه النمذجة تعتمد هي الاخرى على مدى قوة الذاكرة والقدرة على التعلم. فكيف يمكن للفرد ان يخلق نموذجا له ان كانت قدرته على التعلم ضعيفة، وكيف سيتمكن تذكر هذا النموذج حينما تتطلب عملية التفكير استحضار ذلك النموذج بدون ذاكرة قوية..؟!

 

وباعتبار التفكير سلسلة من النشاطات التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق واحدة أو أكثر من الحواس الخمس : السمع والبصر واللمس والشم والذوق، فان قدرة الفرد على التعلم والتذكر والفهم والاستيعاب ومن ثم قدرته على التفكير، مرتبطة ارتباط مهم وحيوي بسلامة الحواس الخمسة، والتي هي الاخرى بدورها مرتبطة بشكل او بأخر بمدى سلامة جيناتها الوراثية وبمدى سلامة البصمة الهرمونية للفرد عموما ولهذه الحواس خصوصا، ذلك لان كل حاسة من الحواس الخمسة محكومة بكل تأكيد من قبل الجينات الوراثية ومن قبل هرمونات معينة، فهرمون اللبتين "هرمون الدهون" يؤثر بشكل كبير في حاستي السمع والبصر(5)، كما ان حدوث ورم حميد في الغدة النخامية والتي أغلب امراضها وراثية، يؤدي الى زيادة نسبة افراز هرمون البرولاكتين والذي يعرف بــ"هرمون الحليب" وهو الامر الذي يؤثر على حاسة البصر بشكل كبير(6).

 

كما تساهم هذه الهرمونات في الاحساس بالسعادة والهدوء والطمأنينة وهي وان كانت من قبيل العاطفة إلا انها وبنفس الوقت تعتبر من مراحل التفكير حيث يمثل الإحساس بالبهجة والاستمتاع عقب عملية التفكير(7)، امرا مهما للفرد حيث يشجعه ويدفعه الى الاستمرار في التفكير. وهنا نود ان ننبه بان الاحساس بالسعادة والهدوء والطمأنينة لا تمثل مجرد مرحلة نهائية من مراحل عملية التفكير فحسب، بل ان العواطف تشارك مشاركة مهمة وفاعلة قبل وأثناء عملية التفكير.

 

أي وبمعنى اوضح فان الافكار وحتى بعض النظريات العلمية الرصينة بنيت اساسا على احساسا ما او شعور معينا راود المفكر او العالم قبل او اثناء تفكيره او وضعه لنظريته ؛ كما هو الحال مع معظم الافكار السياسية حيث يدفع حب الانتماء والشعور بالوطنية نحو صياغة الفكر السياسي لهذا المفكر او ذاك الحزب بما يحقق مصلحة الوطن والبلاد قبل أي شئ اخر. وهنا نذكر القراء الكرام بمقولة المفكر العظيم والإنسان المبدع الرفيق القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق رحمه الله واسكنه فسيح جناته حيث قال :-

((.. القومية التي ننادي بها هي حب كل شيء. هي نفس العاطفة التي تربط الفرد بأهل بيته، لان الوطن بيت كبير والأمة أسرة واسعة.)) ويضيف رحمه الله قائلا : ((بدافع من الحب للأمة العربية، أحببنا الإسلام، منذ السن اليافعة. وبعد أن اقتربنا أكثر من فهم الإسلام، أضحى حبنا لأمتنا يتلخص في حبنا للإسلام، وفى كون الأمة العربية هي أمة الإسلام)) (8).

 

كما ان عملية التفكير تتطلب احيانا بل وأحيانا كثيرة من الفرد ان تكون لديه قدرة واسعة على التخيل، و هنا ننبه على ان المراد بالتخيل ليس فقط سعة النظر انما يراد به ايضا سعة الفكر والتوقع والتخطيط والترابط، والتي هي من اهم متطلبات عمليات التفكير والحوار ووضع النظريات العلمية. فلولا سعة التخيل لإسحاق نيوتن وهو يرى سقوط التفاحة من شجرتها على الارض، ولو سعة تفكيره وتوقعه وتخطيطه وحرصه على ترابط مخيلته بأفكاره، لما استطاع ان يضع نظريته عن الجاذبية ولما تمكن من تقديم خياله وإحساسه كقانون علمي رصين كان وسيبقى احد اهم القوانين الفيزيائية على مر تاريخ الانسانية. ولا ننسى فان القدرة على التخيل والإحساس والتحسس والتوقع والتخطيط والترابط واستمرار النشاط محكومة هي الاخرى بمدى نشاط هرمونات معينة، كهرمون الإندورفين و السيروتونين والدوبامين والأدرينالين والاكسيتوسين وهذا الاخير له دور مهم في الاحساس بالسعادة والهدوء والطمأنينة فضلا عن الحب والتفاهم وزرع الثقة.

 

الخلاصة :

وهنا نود ان ننبه القارئ الكريم بضرورة التركيز على ما جاء في حلقتنا الاولى وبالأخص حول امكانية وراثة ما اسميناها بالبصمة الهرمونية للإنسان. فطالما نقلت الجينات الوراثية البصمة الهرمونية من جيل لآخر، وطالما وجد تأثير هرموني في عملية تفكير الانسان، فان عملية التفكير سيتم توارثها هي الاخرى. والمقصود هنا بعملية التفكير هي عملية نقل الواقع بواسطة الحواس الخمسة إلى الدماغ، او عملية خلق نماذج للعالم الذي يعيش فيه هذا الفرد او ذاك، والتي تختلف من شخص لآخر كاختلاف الرأي والذوق، أي هي طريقة التفكير وليس الفكر بحد ذاته.

 

فوجود تأثير هرموني في عملية التفكير يقدم لنا الدليل على امكانية وراثة طريقة التفكير وان كان هذا الدليل غير مباشر و لا يورث الفكر نفسه.

 

الهوامش:

1- تعريف الفكر في اللغة العربي

2- راجع الفكر

3- هل نجحت المخابرات الأمريكية في تجنيد الشعب العربي برمته/الجزء الثاني : دور وأهمية الفكر والعقيدة في حياة الفرد والأمة

4- راجع المصادر التالية :-

- السيروتونين (Serotonin) :

- الدوبامين (Dopamine) :

- الإندورفينز (Endorphins) :

- الاكسيتوسين (Oxytocin) :

- الجريلين (Ghrelin) :

5- هرمون الدهون يفقد السمع والبصر لدى الانسان

6- زيادة نسبة افراز هرمون البرولاكتين "هرمون الحليب" وهو مرض ((فَرْطُ بْرولاكْتين الدَّم)) له اثار خطيرة عدة على صحة الانسان ومنها صداع وصعوبات بالرؤية.

7- راجع أهداف عملية التفكير

8- القومية حب قبل كل شيء، 1940.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

rafat_ali2009@yahoo.com

بغداد الجهاد

2012/11/23

شبكة البصرة

الاحد 25 محرم 1434 / 9 كانون الاول 2012

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

print